أثر الصنعة في النقدين

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > أثر الصنعة في النقدين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 38 دقيقة قراءة

أثر الصنعة في النقدين - الأقوال والأدلة

قالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الجَيِّدِ بالرَّديءِ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ ممَّا يَجري فيه الرِّبا، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بسَواءٍ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والجَيِّدُ والرَّديءُ والتِّبرُ والمَضروبُ والصَّحيحُ والمَكسورُ سَواءٌ في جَوازِ البَيعِ مع التَّماثُلِ وتَحريمِه مع التَّفاضُلِ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، مِنهم أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، وحُكيَ عن مالِكٍ جَوازُ بَيعِ المَضروبِ بقِيمَتِه مِنْ جِنسِه، وأنكَرَ أصحابُه ذلك، ونَفَوْه عنه (٢).

أثَرُ الصَّنعةِ في النَّقدَيْنِ:

ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا اعتِبارَ لِلصَّنعةِ في الذَّهبِ والفِضَّةِ، فتِبرُه وعَينُه وصَحيحُه ومُكَسَّرُه ومَصنوعُ ذلك كُلِّه ومَضروبُه لا يَحِلُّ التَّفاضُلُ في شَيءٍ مِنه، حتى لو باعَ آنيةَ فِضَّةٍ بفِضَّةٍ، أو آنيةَ ذَهَبٍ بذَهَبٍ، أحَدُهما أثقَلُ مِنْ الآخَرِ، لا يَجوزُ.

واستَدلَّ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ على هذا بما يَلي: رَوى الإمامُ مالِكٌ في

(١) «الإفصاح» (١/ ٣٥٩).
(٢) «المغني» (٤/ ٢٩)، و «الكافي» (٢/ ٥٥)، ويُنظر: «البدائع» (٦/ ٤٣)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٨٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٧١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٢٢)، و «الاختيار» (٢/ ٣٧)، و «اللباب» (١/ ٤٠١)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٨٢)، و «الهداية» (٣/ ٦٢)، و «شرح فتح القدير» (٧/ ١٤، ١٥)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (٦/ ٢٨٢)، و «شرح ميارة» (١/ ٤٨٢)، و «الإقناع» (٢/ ٢٨٢)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٤٩، ٥٠٠)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٤٢٧)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٤٩٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٩٣)، و «الإنصاف» (٥/ ١٤)، و «الفروع» (٤/ ١١٤، ١١٥)، و «مطالب أولي النهي» (٣/ ١٧٠).

المُوطَّأِ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: أمَرَ رَسولُ اللَّهِ السَّعدَيْنِ رضي الله عنهما أنْ يَبيعا آنيةً مِنْ المَغانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فباعا كُلَّ ثَلاثةٍ بأربَعةٍ عَينًا، أو كُلَّ أربَعةٍ بثَلاثةٍ عَينًا، فقالَ لَهُما رَسولُ اللَّهِ : «أربَيتُما؛ فرُدَّا» (١).

وعَن أبي سَعيدٍ رضي الله عنه مَرفوعًا: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تَشِفُّوا (٢) بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تَشِفُّوا بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا مِنها غائِبًا بناجِزٍ (٣)» (٤).

وعَن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «الذَّهبُ بالذَّهبِ تِبرُها (٥) وعَينُها، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ تِبرُها وعَينُها … فمَن زادَ أو ازدادَ فقد أرْبَى» (٦).

(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٢٩٧) مرسلًا.
(٢) أي لا تفضلوا: والشف بكسر الشين ويطلق أيضًا على النقصان فهو من الأضداد، يقال شف الدرهم بفتح الشين يشف بكسرها إذا زاد وإذا نقص وأشفه غيره يشفه. انظر: «النهاية» (٢/ ٤٨٦)، و «لسان العرب» (٩/ ١٨١)، و «شرح مسلم» للنووي (١١/ ١٠).
(٣) المُرادُ بالناجِزِ الحاضرُ وبالغائبِ المؤجَّلُ. «شرح مسلم» للنووي (١١/ ١٠).
(٤) رواه البخاري (٢٠٦٨)، ومسلم (١٥٨٤).
(٥) التِّبرُ لغةً: الذهبُ كلُّه. وقال ابنُ الأعرابيِّ: التِّبرُ: الفُتاتُ مِنْ الذهبِ والفضةِ قبلَ أن يصاغَا، فإذا صيغَا، فهما ذهبٌ وفضةٌ. وقال الجَوهريُّ: التِّبرُ: ما كان مِنْ الذهبِ غيرَ مَضروبٍ. فإذا ضُرب دنانير فهو عينٌ، ولا يُقال: تِبرٌ إلا للذهبِ، وبعضُهم يَقولُه للفضةِ أيضًا. وقِيل: يُطلقُ التِّبرُ على غيرِ الذهبِ والفضةِ. كالنُّحاسِ والحديدِ والرَّصاصِ. واصطلاحًا: اسمٌ للذهبِ والفضةِ قبلَ ضربِهما، أو للأوَّلِ فَقط، والمُرادُ الأعَمُّ. انظر: «تهذيب اللغة» (١٣/ ١٩٦)، و «لسان العرب» (٤/ ٨٨).
(٦) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٣٤٩)، والنسائي (٤٥٦٣).

قالَ الخطَّابيُّ رحمة الله عليه: التِّبرُ قِطَعُ الذَّهبِ والفِضَّةِ قبلَ أنْ تُضرَبَ وتُطبَعَ دَراهِمَ أو دَنانيرَ، واحِدَتُها تِبرةٌ، والعَينُ: المَضروبُ مِنْ الدَّراهِمِ أو الدَّنانيرِ، وقد حرَّم رَسولُ اللَّهِ أنْ يُباعَ مِثقالُ ذَهَبٍ عُيِّنَ بمِثقالٍ، وشَيءٌ مِنْ تِبرٍ غيرِ مَضروبٍ، وكذلك حرَّم التَّفاوُتَ بينَ المَضروبِ مِنْ الفِضَّةِ وغيرِ المَضروبِ مِنها، وذلك مَعنَى قَولِه : «تِبرُها وعَينُها سَواءٌ» (١).

وعَن زَيدِ بنِ أسلَمَ عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ رضي الله عنه أنَّ مُعاويةَ بنَ أبِى سُفيانَ باعَ سِقايةً مِنْ ذَهَبٍ، أو مِنْ وَرِقٍ بأكثَرَ مِنْ وَزنِها، فقالَ له أبو الدَّرداءِ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يَنهَى عن مِثلِ هذا، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ. فقالَ مُعاويةُ: ما أرَى بهذا بَأْسًا. فقالَ له أبو الدَّرداءِ: مَنْ يَعذِرُني مِنْ مُعاويةَ؟ أُخبِرُه عن رَسولِ اللَّهِ ويُخبِرُني عن رَأْيِه، لا أُساكِنُكَ بأرضٍ أنتَ بها. ثم قَدِمَ أبو الدَّرداءِ على عمرَ بنِ الخطَّابِ، فذكَر له ذلك، فكتَب عمرُ إلى مُعاويةَ: ألَّا يَبيعَ ذلك إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، وَزنًا بوَزْنٍ» (٢)، ولأنَّهما تَساوَيا في الوَزنِ فلا يُؤثِّرُ اختِلافُهما في القِيمةِ كالجَيِّدِ والرَّديءِ.

وعَن مُجاهِدٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: كُنْتُ مع عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضي الله عنه فجاءَه صائِغٌ، فقالَ له: يا أبا عَبدِ الرَّحمَنِ، إنِّي أصوغُ الذَّهبَ ثم أبيعُ الشَّيءَ مِنْ ذلك بأكثَرَ مِنْ وَزنِه، فأستَفضِلُ مِنْ ذلك قَدْرَ عَمَلِ يَدي، فنَهاه عَبدُ اللَّهِ

(١) «معالم السنن» (٥/ ٢٠).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه مالك في «الموطأ» (١٣٠٢)، والشافعي في «مسنده» (١/ ٢٤٢)، والنسائي (٤٥٧٢)، وابن ماجه (١٨)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠٨٠٠).

عن ذلك، فجعَل الصَّائِغُ يُردِّدُ عليه المَسألةَ وعَبدُ اللَّهِ يَنهاه، حتى انتَهَى إلى بابِ المَسجِدِ، أو إلى دابَّةٍ يُريدُ أنْ يَركَبَها، ثم قالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: الدِّينارُ بالدِّينارِ، والدِّرهَمُ بالدِّرهَمِ، لا فَضلَ بينَهما، هذا عَهدُ نَبيِّنا إلينا، وعَهدُنا إليكم» (١).

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الذَّهبَ تِبرَه وعَينَه سَواءٌ، لا يَجوزُ التَّفاضُلُ في شَيءٍ مِنه، وكذلك الفِضَّةُ بالفِضَّةُ تِبرُها وعَينُها، ومَصنوعُ ذلك كُلِّه ومَضروبُه لا يَحِلُّ التَّفاضُلُ في شَيءٍ مِنه، وعلى ذلك مَضى السَّلَفُ مِنْ العُلماءِ والخَلَفُ إلَّا شَيئًا يَسيرًا يُروَى عن مُعاويةَ … والسُّنةُ المُجتَمَعُ عليها مِنْ نَقلِ الآحادِ ونَقلِ الكافَّةِ خِلافُ ما كانَ يَذهَبُ إليه مُعاويةُ (٢).

وقالَ أيضًا: الحَديثُ في الصَّرفِ مَحفوظٌ لِعُبادةَ رضي الله عنه، وهو الأصلُ الذي عَوَّلَ عليه العُلماءُ في بابِ الرِّبا، ولَم يَختَلِفوا أنَّ فِعلَ مُعاويةَ في ذلك غيرُ جائِزٍ، وأنَّ بَيعَ الذَّهبِ بالذَّهبِ والفِضَّةِ بالفِضَّةِ لا يَجوزُ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، تِبرِهما وعَينِهما ومَصوغِهما، وعلى أيِّ وَجْهٍ كانَتْ (٣).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأجمَعَ الجُمهورُ على أنَّ مَسكوكَه وتِبرَه ومَصوغَه سَواءٌ في مَنعِ بَيعِ بَعضِه ببَعضٍ مُتفاضِلًا؛ لِعُمومِ الأحاديثِ (٤).

(١) رواه مالك في «الموطأ» (١٣٠٠)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠٢٦٩).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٣٤٧، ٣٤٨).
(٣) «التمهيد» (٤/ ٨٣).
(٤) «بداية المجتهد» (٣/ ٢١٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والجَيِّدُ والرَّديءُ والتِّبرُ والمَضروبُ والصَّحيحُ والمَكسورُ سَواءٌ في جَوازِ البَيعِ مع التَّماثُلِ، وتَحريمِه مع التَّفاضُلِ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، مِنهم أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، وحُكيَ عن مالِكٍ جَوازُ بَيعِ المَضروبِ بقِيمَتِه مِنْ جِنسِه، وأنكَرَ أصحابُه ذلك، ونَفَوْه عنه.

وقالَ ابنُ قُدامةَ أيضًا: إنْ قالَ لِصانِعٍ: اصنَعْ لي خاتَمًا وَزْنَ دِرهَمٍ، وأُعطيكَ مثلَ وَزنِه وأُجرَتَكَ دِرهَمًا، فليسَ ذلك بَيعَ دِرهمٍ بدِرهَمَيْنِ، وقالَ أصحابُنا: لِلصَّائِغِ أخْذُ الدِّرهَمَيْنِ، أحَدِهما في مُقابَلةِ الخاتَمِ، والآخَرِ أُجرةً له (١).

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ولا أثَرَ لِقِيمةِ الصَّنعةِ في ذلك حتى لو اشتَرَى بدَنانيرَ ذَهَبًا مَصوغًا قِيمَتُه أضعافُ الدَّنانيرِ، وتُعتبَرُ المُماثَلةُ ولا نَظَرَ إلى القِيمةِ.

ثم قالَ: والحِيلةُ في تَمليكِ الرِّبَويِّ بجِنسِه مُتفاضِلًا كبَيعِ ذَهَبٍ بذَهَبٍ مُتفاضِلًا أنْ يَبيعَه مِنْ صاحِبِه بدَراهِمَ أو عَرَضٍ، ويَشتَريَ مِنه بها أو به الذَّهبَ بعدَ التَّقابُضِ، فيَجوزَ، وإنْ لَم يَتفرَّقَا، ولَم يَتَخايَرَا؛ لِتَضمُّنِ البَيعِ الثَّاني إجازةَ الأوَّلِ، بخِلافِه مع الأجنَبيِّ، أو يُقرِضَ كُلٌّ صاحِبَه ويُبرِئَه، أو يَتَواهَبا الفاضِلَ لِصاحِبِه، وهذا جائِزٌ إذا لَم يُشترَطْ في بَيعِه وإقراضِه وهِبَتِه ما يَفعَلُه صاحِبُه، وإنْ كُرِهَ قَصدُه (٢).

(١) «المغني» (٤/ ٢٩)، و «الكافي» (٢/ ٥٥).
(٢) «مغني المحتاج» (٢/ ٤٥١)، و «الإقناع» (٢/ ٢٧٩)، و «حواشي الشرواني» (٤/ ٢٧٩).

ورُويَ عن كَثيرٍ مِنْ أصحابِ مالِكٍ، وبَعضُهم يَرويه عن مالِكٍ، في التَّاجِرِ يَحفِزُه الخُروجُ وبه حاجةٌ إلى دَراهِمَ مَضروبةٍ أو دَنانيرَ مَضروبةٍ، فيَأتي دارَ الضَّربِ بفِضَّتِه أو ذَهَبِه، فيَقولُ لِلضَّرَّابِ: خُذْ فِضَّتي هذه، أو ذَهَبي، وخُذْ قَدْرَ عَمَلِ يَدِكَ، وادفَعْ إلَيَّ دَنانيرَ مَضروبةً في ذَهَبي، أو دَراهِمَ مَضروبةً في فِضَّتي هذه؛ لِأنِّي مَحفوزٌ لِلخُروجِ، وأخافُ أنْ يَفوتَني مَنْ أخرُجُ معه، أنَّ ذلك جائِزٌ لِلضَّرورةِ، وأنَّه قد عَمِلَ به بَعضُ النَّاسِ.

قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ بعدَما ذكَر هذا الكَلامَ: «هذا ممَّا يُرسِلُه العالِمُ عن غيرِ تَدبُّرٍ ولا رِوايةٍ، ورُبَّما حَكاه لِمَعنًى قادَه إلى حِكايَتِه، فيَتوهَّمُ السَّامِعُ أنَّه مَذهبُه، فيَحمِلُه عنه، وهذا عَينُ الرِّبا؛ لأنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «مَنْ زادَ أو ازدادَ فقد أرْبَى»، وقالَ ابنُ عمرَ لِلصَّائِغِ: «لا»، في مِثلِ هذه المَسألةِ، ونَهاه عنها، وقالَ: «هذا عَهدُ نَبيِّنا إلينا، وعَهدُنا إليكم»، وهذا قد باعَ فِضَّةً بفِضَّةٍ أكثَرَ مِنها، وأخَذ في المَضروبِ زيادةً على غيرِ المَضروبِ، وهو الرِّبا المُجتَمَعُ عليه؛ لأنَّه لا يَجوزُ مَضروبُ الفِضَّةِ ومَصوغُها بتِبرِها، ولا مَضروبُ الذَّهبِ ومَصوغُه بتِبرِه وعَينِه، إلَّا وَزنًا بوَزنٍ، عندَ جَميعِ الفُقهاءِ، وعلى ذلك تَواتَرتِ السُّنَنُ عنِ النَّبيِّ » (١).

وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ ونَصَرَها أنَّه إذا كانَتِ الصِّياغةُ مُباحةً، كخاتَمِ الفِضَّةِ وحِليةِ النِّساءِ وما

(١) «التمهيد» (٢/ ٢٤٦).

أُبيحَ مِنْ حِليةِ السِّلاحِ وغيرِها، فإنَّه يَجوزُ التَّفاضُلُ فيها؛ لأنَّ لِلصِّناعةِ قِيمةً، بدَليلِ حالةِ الإتلافِ، فيَصيرُ كَأنَّه ضَمَّ قِيمةَ الصِّناعةِ إلى الذَّهبِ.

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأمَّا رِبا الفَضلِ فأُبيحَ مِنه ما تَدْعو إليه الحاجةُ، كالعَرايا، فإنَّ ما حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّريعةِ أخَفُّ ممَّا حُرِّمَ تَحريمَ المَقاصِدِ، وعلى هذا فالمَصوغُ والحِليةُ إنْ كانَا صياغَتُهما مُحَرَّمةً كالآنيةِ، حرُم بَيعُهما بجِنسَيْهما وغيرِ جِنسَيْهما، وبَيعُ هذا هو الذي أنكَرَه عُبادةُ رضي الله عنه على مُعاويةَ رضي الله عنه، فإنَّه يَتضمَّنُ مُقابَلةَ الصِّياغةِ المُحرَّمةِ بالأثمانِ، وهذا لا يَجوزُ، كَآلاتِ المَلاهي.

وأمَّا إنْ كانَتِ الصِّياغةُ مُباحةً، كخاتَمِ الفِضَّةِ، وحِليةِ النِّساءِ، وما أُبيحَ مِنْ حِليةِ السِّلاحِ وغيرِها، فالعاقِلُ لا يَبيعُ هذه بوَزنِها مِنْ جِنسِها؛ فإنَّه سَفَهٌ، وإضاعةٌ لِلصَّنعةِ، والشارِعُ أحكَمُ مِنْ أنْ يُلزِمَ الأُمَّةَ بذلك، فالشَّريعةُ لا تَأتي به، ولا تَأتي بالمَنعِ مِنْ بَيعِ ذلك وشِرائِه لِحاجةِ النَّاسِ إليه، فلَم يَبْقَ إلَّا أنْ يُقالَ: لا يَجوزُ بَيعُها بجِنسِها ألبَتَّةَ، بَلْ يَبيعُها بجِنسٍ آخَرَ، وفي هذا مِنْ الحَرَجِ والعُسرِ والمَشقَّةِ ما تَتَّقيه الشَّريعةُ، فإنَّ أكثَرَ النَّاسِ عندَهم ذَهَبٌ، يَشتَرونَ به ما يَحتاجونَ إليه مِنْ ذلك، ولا يَسمَحُ البائِعُ ببَيعِه ببُرٍّ وشَعيرٍ وثيابٍ، وتَكليفُ الِاستِصناعِ لِكُلِّ مَنْ احتاجَ إليه إمَّا مُتعَذَّرٌ أو مُتعَسِّرٌ، والحِيَلُ باطِلةٌ في الشَّرعِ، وقد جَوَّزَ الشارِعُ بَيعَ الرُّطَبِ بالتَّمرِ لِشَهوةِ الرُّطَبِ، وأينَ هذا مِنْ الحاجةِ إلى بَيعِ المَصوغِ الذي تَدعو الحاجةُ إلى بَيعِه

وشِرائِهِ؟! فلَم يَبْقَ إلَّا جَوازُ بَيعِه كما تُباعُ السِّلَعُ، فلو لَم يَجُزْ بَيعُه بالدَّراهِمِ فَسَدتْ مَصالِحُ النَّاسِ، والنُّصوصُ الوارِدةُ عنِ النَّبيِّ ليسَ فيها ما هو صَريحٌ في المَنعِ، وغايَتُها أنْ تَكونَ عامَّةً أو مُطلَقةً، ولا يُنكَرُ تَخصيصُ العامِّ وتَقييدُ المُطلَقِ بالقياسِ الجَلِيِّ، وهي بمَنزِلةِ نُصوصِ وُجوبِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفِضَّةِ، والجُمهورُ يَقولونَ: لَم تَدخُلْ في ذلك الحِليةُ، ولا سيَّما أنَّ لَفظَ النُّصوصِ في المَوضِعَيْنِ قد ذُكِرَ تارةً بلَفظِ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، كَقَولِه : «الدَّراهِمُ بالدَّراهِمِ، والدَّنانيرُ بالدَّنانيرِ»، وفي الزَّكاةِ كقَولِه : «في الرِّقَةِ رُبُعُ العُشرِ»، والرِّقَةُ هي الوَرِقُ، وهي الدَّراهِمُ المَضروبةُ، وتارةً بلَفظِ الذَّهبِ والفِضَّةِ، فإنَّ حَمْلَ المُطلَقِ على المُقيَّدِ كانَ نَهيًا عن الرِّبا في النَّقدَيْنِ، وإيجابًا لِلزَّكاةِ فيهما، ولا يَقتَضي ذلك نَفيَ الحُكمِ عن جُملةِ ما عَداهُما، بَلْ فيه تَفصيلٌ، فتَجِبُ الزَّكاةُ ويَجري الرِّبا في بَعضِ صُوَرِها، لا في كُلِّها، وفي هذا تَوفيةُ الأدِلَّةِ حَقَّها، وليسَ فيه مُخالَفةٌ بشَيءٍ لِدَليلٍ مِنها.

يُوضِّحُه أنَّ الحِليةَ المُباحةَ صارَتْ بالصَّنعةِ المُباحةِ مِنْ جِنسِ الثِّيابِ والسِّلَعِ، لا مِنْ جِنسِ الأثمانِ، ولِهذا لَم تَجِبْ فيها الزَّكاةُ، فلا يَجري الرِّبا بينَها وبينَ الأثمانِ، كما لا يَجري بينَ الأثمانِ وبينَ سائِرِ السِّلَعِ، وإنْ كانَتْ مِنْ غيرِ جِنسِها، فإنَّ هذه بالصِّناعةِ قد خَرَجتْ عن مَقصودِ الأثمانِ، وأُعِدَّتْ لِلتِّجارةِ، فلا مَحذورَ في بَيعِها بجِنسِها، ولا يَدخُلُها (إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُربيَ)، إلَّا كما يَدخُلُ في سائِرِ السِّلَعِ، إذا بِيعَتْ بالثَّمنِ المُؤجَّلِ، ولا

رَيبَ أنَّ هذا قد يقعُ فيها، لكنْ لو سُدَّ على النَّاسِ ذلك لَسُدَّ عليهم بابُ الدِّينِ، وتَضَرَّروا بذلك غايةَ الضَّرَرِ.

يُوضِّحُه أنَّ النَّاسَ على عَهدِ نَبيِّهم كانوا يَتَّخِذونَ الحِليةَ، وكانَ النِّساءُ يَلبَسْنَها، وكُنَّ يَتصدَّقْنَ بها في الأعيادِ وغيرِها، ومِنَ المَعلومِ بالضَّرورةِ أنَّه كانَ يُعطيها لِلمَحاويجِ، ويَعلَمُ أنَّهم يَبيعونَها، ومَعلومٌ قَطعًا أنَّها لا تُباعُ بوَزنِها؛ فإنَّه سَفَهٌ، ومَعلومٌ أنَّ مثلَ الحَلقةِ والخاتَمِ والفَتخةِ لا تُساوي دِينارًا، ولَم يَكُنْ عندَهم فُلوسٌ يَتعامَلونَ بها، وهم كانوا أتقَى لِلَّهِ وأفقَهَ في دِينِه، وأعلَمَ بمَقاصِدِ رَسولِه مِنْ أنْ يَرتَكِبوا الحِيَلَ أو يُعَلِّموها النَّاسَ.

يُوضِّحُه أنَّه لا يُعرَفُ عن أحَدٍ مِنْ الصَّحابةِ أنَّه نهَى أنْ يُباعَ الحُلِيُّ إلَّا بغيرِ جِنْسِه أو بوَزنِه، والمَنقولُ عنهم إنَّما هو في الصَّرفِ.

يُوضِّحُه أنَّ تَحريمَ رِبا الفَضلِ إنَّما كانَ سَدًّا لِلذَّريعةِ كما تَقدَّمَ بَيانُه، وما حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّريعةِ أُبيحَ لِلمَصلَحةِ الرَّاجِحةِ، كما أُبيحَتِ العَرايا مِنْ رِبا الفَضلِ، وكما أُبيحَتْ ذَواتُ الأسبابِ مِنْ الصَّلاةِ بعدَ الفَجرِ والعَصرِ، وكما أُبيحَ النَّظَرُ لِلخاطِبِ والشاهِدِ والطَّبيبِ والمُعامِلِ مِنْ جُملةِ النَّظَرِ المُحرَّمِ، وكذلك تَحريمُ الذَّهبِ والحَريرِ على الرِّجالِ حُرِّمَ لِسَدِّ ذَريعةِ التَّشبيهِ بالنِّساءِ المَلعونِ فاعِلُه، وأُبيحَ مِنه ما تَدعو إليه الحاجةُ، وكذلك يَنبَغي أنْ يُباحَ بَيعُ الحِليةِ المَصوغةِ صياغةً مُباحةً بأكثَرَ مِنْ وَزنِها؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى ذلك، وإنَّما كانَ تَحريمُ التَّفاضُلِ سَدًّا لِلذَّريعةِ، فهذا مَحضُ القِياسِ

ومُقتَضى أُصولِ الشَّرعِ، ولا تَتِمُّ مَصلَحةُ النَّاسِ إلَّا به، أو بالحِيَلِ، والحِيَلُ باطِلةٌ في الشَّرعِ، وغايةُ ما في ذلك جَعْلُ الزِّيادةِ في مُقابَلةِ الصِّياغةِ المُباحةِ المُتقوَّمةِ بالأثمانِ في الغُصوبِ وغيرِها، وإذا كانَ أربابُ الحِيَلِ يُجوِّزونَ بَيعَ عَشَرةٍ بخَمسةَ عشَرَ في خِرقةٍ تُساوي فِلسًا، ويَقولونَ: الخَمسةُ في مُقابَلةِ الخِرقةِ، فكَيفَ يُنكِرونَ بَيعَ الحِليةِ بوَزنِها وزِيادةٍ تُساوي الصِّناعةَ؟! وكَيفَ تَأتي الشَّريعةُ الكامِلةُ الفاضِلةُ التي بَهَرتِ العُقولَ حِكمةً وعَدلًا ورَحمةً وجَلالةً بإباحةِ هذا وتَحريمِ ذلك؟! وهل هذا إلَّا عَكسٌ لِلمَعقولِ والفِطَرِ والمَصلَحةِ؟! والَّذي يَقضي مِنه العَجَبُ مُبالَغَتُهم في رِبا الفَضلِ أعظَمُ مُبالَغةً حتى مَنَعوا بَيعَ رِطلِ زَيتٍ برِطلِ زَيتٍ، وحَرَّموا بَيعَ الكِشكِ بالسِّمسِمِ، وبَيعَ النِّشا بالحِنطةِ، وبَيعَ الخَلِّ بالزَّبيبِ، ونَحوِ ذلك، وحَرَّموا بَيعَ مُّدِّ حِنطةٍ ودِرهَمٍ بمُدٍّ ودِرهَمٍ، وجاؤوا إلى رِبا النَّسيئةِ ففَتَحوا لِلتَّحيُّلِ عليه كُلَّ بابٍ، فتارةً بالعَيِّنةِ، وتارةً بالمُحلِّلِ، وتارةً بالشَّرطِ المُتقدِّمِ المُتَواطَأِ عليه، ثم يُطلِقونَ العَقدَ مِنْ غيرِ اشتِراطٍ، وقد عَلِمَ اللَّهُ والكِرامُ الكاتِبونَ والمُتعاقِدانِ ومَن حضَر أنَّه عَقدُ رِبًا مَقصودُه ورُوحُه بَيعُ خَمسةَ عشَرَ مُؤجَّلةً بعَشَرةٍ نَقدًا، ليسَ إلّا، ودُخولُ السِّلعةِ كخُروجِها، حَرفٌ جاءَ لِمَعنًى في غيرِه، فهَلَّا فَعَلوا ههُنا كما فَعَلوا في مَسألةِ مُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بمُدٍّ ودِرهَمٍ، وقالوا: قد يُجعَلُ وَسيلةً إلى رِبا الفَضلِ بأنْ يَكونَ المُدُّ في أحَدِ الجانِبَيْنِ يُساوي بَعضَ مُدٍّ في الجانِبِ الآخَرِ، فيَقَعَ التَّفاضُلُ، فيا لَلعَجَبِ! كَيفَ حُرِّمتْ هذه الذَّريعةُ إلى رِبا الفَضلِ، وأُبيحَتْ تلك الذَّرائِعِ

القَريبةِ المُوصِّلةِ إلى رِبا النَّسيئةِ بَحتًا خالِصًا؟ وأينَ مَفسَدةُ بَيعِ الحِليةِ بجِنسِها ومُقابَلةِ الصِّياغةِ بحَظِّها مِنْ الثَّمنِ إلى مَفسَدةِ الحِيَلِ الرِّبَويةِ التي هي أساسُ كلِّ مَفسَدةٍ، وأصْلُ كلِّ بَليَّةٍ؟ وإذا حَصحَصَ الحَقُّ فليَقُلِ المُتعصِّبُ الجاهِلُ ما شاءَ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ.

فإنْ قيلَ: الصِّفاتُ لا تُقابَلُ بالزِّيادةِ، ولو قُوبِلَتْ بها لَجازَ بَيعُ الفِضَّةِ الجَيِّدةِ بأكثَرَ مِنها مِنْ الرَّديئةِ، وبَيعُ التَّمرِ الجَيِّدِ بأزيَدَ مِنه مِنْ الرَّديءِ، ولمَّا أبطَلَ الشارِعُ ذلك عُلم أنَّه منَع مِنْ مُقابَلةِ الصِّفاتِ بالزِّيادةِ.

قيلَ: الفَرقُ بينَ الصَّنعةِ التي هي أثَرُ فِعلِ الآدَميِّ وتَقابُلٌ بالأثمانِ، ويَستَحِقُّ عليها الأُجرةَ، وبينَ الصِّفةِ التي هي مَخلوقةٌ لِلَّهِ ، لا أثَرَ لِلعَبدِ فيها، ولا هي مِنْ صَنعَتِه، فالشارِعُ بحِكمَتِه وعَدلِه منَع مِنْ مُقابَلةِ هذه الصِّفةِ بزِيادةٍ؛ إذْ ذلك يُفضي إلى نَقضٍ ما شرَعه مِنْ المَنعِ مِنْ التَّفاضُلِ؛ فإنَّ التَّفاوُتَ في هذه الأجناسِ ظاهِرٌ، والعاقِلُ لا يَبيعُ جِنسًا بجِنسِه إلَّا لِما هو بينَهما مِنْ التَّفاوُتِ، فإنْ كانا مُتَساويَيْنِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ لَم يَفعَلْ ذلك، فلو جَوَّزَ لَهم مُقابَلةَ الصِّفاتِ بالزِّيادةِ لَم يَحرُمْ عليهم رِبا الفَضلِ، وهذا بخِلافِ الصِّياغةِ التي جُوِّزَ لَهم المُعاوَضةُ عليها معه.

يُوضِّحُه أنَّ المُعاوَضةَ إذا جازَتْ على هذه الصِّياغةِ مُفرَدةً جازَتْ عليها مَضمومةً إلى غيرِ أصلِها وجَوهَرِها، ولا فَرقَ بينَهما في ذلك.

يُوضِّحُه أنَّ الشارِعَ لا يَقولُ لِصاحِبِ هذه الصِّياغةِ: بِعْ هذا المَصوغَ بوَزنِه واخسَرْ صِياغَتَكَ، ولا يَقولُ له: لا تَعمَلْ هذه الصِّياغةَ واترُكْها،

ولا يَقولُ له: تَحَيَّلْ على بَيعِ المَصوغِ بأكثَرَ مِنْ وَزنِه بأنواعِ الحِيَلِ، ولَم يَقُلْ قَطُّ: لا تَبِعْه إلَّا بغيرِ جِنسِه، ولَم يَحرِّمْ على أحَدٍ أنْ يَبيعَ شَيئًا مِنْ الأشياءِ بجِنسِه.

فإنْ قيلَ: فهَبْ أنَّ هذا قد سلَّم لَكم في المَصوغِ، فكَيفَ يسلمُ لَكم في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ المَضروبةِ إذا بِيعَتْ بالسَّبائِكِ مُفاضَلًا، وتَكونُ الزِّيادةُ في مُقابَلةِ صِناعةِ الضَّربِ؟

قيلَ: هذا سُؤالٌ قَويٌّ وارِدٌ، وجَوابُه: أنَّ السَّكَّةَ لا تُتقوَّمُ فيها الصِّناعةُ لِلمَصلَحةِ العامَّةِ المَقصودةِ مِنها، فإنَّ السُّلطانَ يَضرِبُها لِمَصلَحةِ النَّاسِ العامَّةِ، وإنْ كانَ الضَّارِبُ يَضرِبُها بأُجرةٍ فإنَّ القَصدَ بها أنْ تَكونَ مِعيارًا لِلنَّاسِ، لا يَتَّجِرونَ فيها، كما تَقدَّمَ، والسَّكَّةُ فيها غيرُ مُقابَلةٍ بالزِّيادةِ في العُرفِ، ولو قُوبِلَتْ بالزِّيادةِ فَسَدتِ المُعامَلةُ وانتَقَضتِ المَصلَحةُ التي ضُرِبَتْ لِأجَلِها واتَّخَذَها النَّاسُ سِلعةً، واحتاجَتْ إلى التَّقويمِ بغيرِها، ولِهذا قامَ الدِّرهَمُ مَقامَ الدِّرهَمِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ، وإذا أخَذ الرَّجُلُ الدَّراهِمَ رَدَّ نَظيرَها، وليسَ المَصوغُ كذلك، ألَا تَرَى أنَّ الرَّجُلَ يَأخُذُ مِئةً خِفافًا، ويَرُدُّ خَمسينَ ثِقالًا بوَزنِها، ولا يَأبَى ذلك الآخِذُ ولا القابِضُ، ولا يَرَى أحَدُهما أنَّه قد خسِر شَيئًا، وهذا بخِلافِ المَصوغِ، والنَّبيُّ وخُلَفاؤُه لَم يَضرِبوا دِرهَمًا واحِدًا، وأوَّلُ مَنْ ضَرَبَها في الإسلامِ عَبدُ المَلِكِ بنُ مَروانَ، وإنَّما كانوا يَتعامَلونَ بضَربِ الكُفَّارِ.

فإنْ قيلَ: فيَلزَمُكم على هذا أنْ تُجَوِّزوا بَيعَ فُروعِ الأجناسِ بأُصولِها

مُتفاضِلًا، فجَوِّزوا بَيعَ الحِنطةِ بالخُبزِ مُتفاضِلًا، والزَّيتِ بالزَّيتونِ والسِّمسِمِ بالشَّيرَجِ.

قيلَ: هذا سُؤالٌ وارِدٌ أيضًا، وجَوابُه أنَّ التَّحريمَ إنَّما يثبُتُ بنَصٍّ، أو إجماعٍ، أو تَكونُ الصُّورةُ المُحرَّمةُ بالقياسِ مُساويةً مِنْ كلِّ وَجْهٍ لِلمَنصوصِ على تَحريمِها، والثَّلاثةُ مُنتَفيةٌ في فُروعِ الأجناسِ مع أُصولِها.

وقد تَقدَّمَ أنَّ غيرَ الأصنافِ الأربَعةِ لا يَقومُ مَقامَها، ولا يُساويها في إلحاقِها بها، وأمَّا الأصنافُ الأربَعةُ ففَرعُها إنْ خرَج عن كَونِه قُوتًا لَم يَكُنْ مِنْ الرِّبَويَّاتِ، وإنْ كانَتْ قُوتًا كانَ جِنسًا قائِمًا بنَفْسِه، وحرُم بَيعُه بجِنسِه الذي هو مِثلُه مُتفاضِلًا، كالدَّقيقِ بالدَّقيقِ، والخُبزِ بالخُبزِ، ولَم يَحرُمْ بَيعُه بجِنسٍ آخَرَ، وإنْ كانَ جِنسُهما واحِدًا فلا يَحرُمُ السِّمسِمُ بالشَّيرَجِ، ولا الهَريسةُ بالخُبزِ؛ فإنَّ هذه الصِّناعةَ لَها قِيمةٌ، فلا تَضيعُ على صاحِبِها، ولَم يَحرُمْ بَيعُها بأُصولِها في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ ولا قِياسٍ، ولا حَرامَ إلَّا ما حرَّمه اللَّهُ ، كما أنَّه لا عِبادةَ إلَّا ما شرَعها اللَّهُ ، وتَحريمُ الحَلالِ كتَحليلِ الحَرامِ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: ويَجوزُ بَيعُ المَصوغِ مِنْ الذَّهبِ والفِضَّةِ بجِنسِه مِنْ غيرِ اشتِراطِ التَّماثُلِ، ويُجعَلُ الزَّائِدُ في مُقابَلةِ الصِّيغةِ ليسَ برِبًا (٢).

(١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٤٠٥، ٤١١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٩٣)، ويُنظر: المَصادر السابِقة في مَسألةِ الجيِّدِ والرَّديءِ في المسألةِ السابِقةِ.
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤٧٣).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 166 - 178

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله