أنواع الربا

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > أنواع الربا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

أنواع الربا - الأقوال والأدلة

جَميعِ التَّكاليفِ مَعلومةً لِلخَلقِ، فوجَب القَطعُ بحُرمةِ عَقدِ الرِّبا، وإنْ كُنَّا لا نَعلَمُ الوَجهَ فيهِ (١).

أنواعُ الرِّبا:

الرِّبا نَوعانِ:

١ - رِبا الفَضلِ: وهو البَيعُ مع زِيادةِ أحَدِ العِوضَيْنِ على الآخَرِ.

٢ - رِبا النَّسيئةِ: ويُسَمَّى رِبا الدُّيونِ، وهي الزِّيادةُ المَشروطةُ التي يَأخُذُها الدَّائِنُ مِنْ المَدينِ نَظيرَ تَأخيرِ الدَّفعِ.

أو هو البَيعُ لِأجَلٍ، أي: هو الزِّيادةُ المَشروطةُ مُقابِلَ الأجَلِ، وهو بَيعُ ذَهَبٍ بفِضَّةٍ، أو بَيعُ فِضَّةٍ بفِضَّةٍ، إلى أجَلٍ، إلَّا إذا كانَ سَلَفًا.

وزادَ الشافِعيَّةُ قِسمًا ثالِثًا، هو رِبا اليَدِ: وهو بَيعُ مالٍ بمالٍ يُقبَضُ فيه أحَدُ العِوضَيْنِ في المَجلِسِ دونَ الآخَرِ (٢)، وسَيَأتي حُكمُه إنْ شاءَ اللَّهُ.

قالَ الجَصَّاصُ رحمة الله عليه: والرِّبا الذي كانَتِ العَرَبُ تَعرِفُه وتَفعَلُه إنَّما كانَ قَرضَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ إلى أجَلٍ بزِيادةٍ على مِقدارِ ما استُقرِضَ على ما يَتراضَوْنَ به (٣).

وقالَ الرَّازيُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: اعلَم أنَّ الرِّبا قِسمانِ: رِبا النَّسيئةِ، ورِبا الفَضلِ.

(١) «التفسير الكبير» (٧/ ٧٦، ٧٧).
(٢) يُنظر: المصادر السابقة في تعريف البيع.
(٣) «أحكام القرآن» (١/ ٤٩٥).

أمَّا رِبا النَّسيئةِ فهو الأمْرُ الذي كانَ مَشهورًا مُتعارَفًا في الجاهِليةِ، وذلك أنَّهم كانوا يَدفَعونَ المالَ على أنْ يَأخُذوا كُلَّ شَهرٍ قَدْرًا مُعيَّنًا، ويَكونَ رَأْسُ المالِ باقيًا، ثم إذا حَلَّ الدَّينُ طالَبوا المَدِينَ برَأْسِ المالِ، فإنْ تَعذَّرَ عليه الأداءُ زادوا في الحَقِّ والأجَلِ، فهذا هو الرِّبا الذي كانوا في الجاهِليَّةِ يَتعامَلونَ به.

وَأمَّا رِبا النَّقدِ فهو أنْ يُباعَ مِنْ الحِنطةِ بمَنَوَيْنِ مِنها وما أشبَهَ ذلك (١).

وما ذكَره الرَّازيُّ هو ما رَواه الإمامُ مالِكٌ عن مالِكٍ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ أنَّه قالَ: كانَ الرِّبا في الجاهِليَّةِ أنْ يَكونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الحَقُّ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ قالَ: أتَقضي أم تُرْبي؟ فإنْ قَضَى أخَذ، وإلا زادَه في حَقِّه وأخَّرَ عنه في الأجَلِ.

قالَ الإمامُ مالِكٍ رحمة الله عليه: والأمْرُ المَكروهُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا أنْ يَكونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الدَّيْنُ إلى أجَلٍ فيَضَعَ عنه الطَّالِبُ ويُعجِّلُه المَطلوبَ، وذلك عندَنا بمَنزِلةِ الذي يُؤخِّرُ دَيْنَه بعدَ مَحِلِّه عن غَريمِه، ويَزيدُه الغَريمُ في حَقِّه، قالَ: فهذا الرِّبا بعَينِه لا شَكَّ فيه، قالَ مالِكٌ في الرَّجُلِ يَكونُ له على الرَّجُلِ مِئةُ دِينارٍ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّتْ قالَ له الذي عليه الدَّيْنُ بِعْني سِلعةً يَكونُ ثَمَنُها مِئةَ دِينارٍ نَقدًا بمِئةٍ وخَمسينَ إلى أجَلٍ، هذا بَيعٌ لا يَصلُحُ، ولَم يَزَلْ أهلُ العِلمِ يَنهَوْنَ عنه، قالَ مالِكٌ: وإنَّما كُرِهَ ذلك لأنَّه إنَّما يُعطيه ثَمَنَ ما باعَه بعَينِه ويُؤخِّرُ عنه المِئةَ الأُولَى إلى الأجَلِ الذي ذُكِرَ له آخِرَ مَرَّةٍ، ويَزدادُ عليه خَمسينَ دِينارًا في تَأخيرِه عنه، فهذا مَكروهٌ،

(١) «التفسير الكبير» (٧/ ٧٥).

ولا يَصلُحُ، وهو أيضًا يُشبِهُ حَديثَ زَيدِ بنِ أسلَمَ في بَيعِ أهلِ الجاهِليَّةِ أنَّهم كانوا إذا حَلَّتْ دُيونُهم قالوا لِلَّذي عليه الدَّيْنُ: إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُرْبيَ، فإنْ قَضى أخَذوا، وإلَّا زادوهم في حُقوقِهم، وزادوهم في الأجَلِ (١).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: الرِّبا نَوعانِ: جَليٌّ وخفيٌّ، فالجَليُّ حُرِّمَ؛ لِما فيه مِنْ الضَّرَرِ العَظيمِ، والخَفيُّ حُرِّمَ لأنَّه ذَريعةٌ إلى الجَليِّ، فتَحريمُ الأوَّلِ قَصدٌ، وتَحريمُ الثَّاني وَسيلةٌ.

فَأمَّا الجَلِيُّ فرِبا النَّسيئةِ، وهو الذي كانوا يَفعَلونَه في الجاهِليَّةِ، مثلَ أنْ يُؤخِّرَ دَيْنَه ويَزيدَه في المالِ، وكُلَّما أخَّرَه زادَ في المالِ حتى تَصيرَ المِئةُ عندَه آلافًا مُؤلَّفةً، وفي الأغلَبِ لا يَفعَلُ ذلك إلَّا مُعدمٌ مُحتاجٌ، فإذا رَأى أنَّ المُستحِقَّ يُؤخِّرُ مُطالَبَتَه ويَصبِرُ عليه بزِيادةٍ يَبذُلُها له تَكلَّفَ بَذْلَها؛ لِيَفتَديَ مِنْ أسْرِ المُطالَبةِ والحَبسِ، ودافَعَ مِنْ وَقتٍ إلى وَقتٍ، فاشتَدَّ ضَرَرُه وعَظُمتْ مُصيبَتُه، وعلاه الدَّيْنُ حتى يَستَغرِقَ جَميعَ مَوجودِه، فيَربُوَ المالُ على المُحتاجِ مِنْ غيرِ نَفْعٍ يَحصُلُ له، ويَزيدَ مالُ المُرابي مِنْ غيرِ نَفْعٍ يَحصُلُ مِنه لِأخيه، فيَأكُلَ مالَ أخيه بالباطِلِ، ويَحصُلَ لِأخيه غايةُ الضَّرَرِ، فمِن رَحمةِ أرحَمِ الرَّاحِمينَ وحِكمَتِه وإحسانِه إلى خَلْقِه أنْ حرَّم الرِّبا ولعَن آكِلَه ومُوكِلَه وكاتِبَه وشاهِدَيْه، وآذَنَ مَنْ لَم يَدَعْه بحَرْبِه وحَرْبِ رَسولِه، ولَم يَجِئْ مِثلُ هذا الوَعيدِ في كَبيرةٍ غيرِه، ولِهذا كانَ مِنْ أكبَرِ الكَبائِرِ.

وسُئلَ الإمامُ أحمدُ عن الرِّبا الذي لا شَكَّ فيهِ، فقالَ: هو أنْ يَكونَ له دَيْنٌ،

(١) «موطأ الإمام مالك» (٢/ ٦٧٢، ٦٧٤).

فيَقولَ له: أتَقضي أم تُرْبي؟ فإنْ لَم يَقضِه زادَه في المالِ، وزادَه هذا في الأجَلِ، وقد جعَل اللَّهُ سُبحانَه الرِّبا ضِدَّ الصَّدَقةِ، فالمُرابي ضِدُّ المُتصدِّقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)[الروم: ٣٩] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)[آل عمران: ١٣٠ - ١٣١]، ثم ذكَر الجَنَّةَ التي أُعِدَّتْ لِلمُتَّقينَ الذين يُنفِقونَ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، وهؤلاء ضِدُّ المُرابينَ، فنهَى سُبحانَه عن الرِّبا الذي هو ظُلمٌ لِلنَّاسِ، وأمَرَ بالصَّدَقةِ، التي هي إحسانٌ إليهم.

وأمَّا تَحريمُ رِبا الفَضلِ فمِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، كما صرَّح به في حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ : «لا تَبيعوا الدِّرهَمَ بالدِّرهمَيْنِ، فإنِّي أخافُ عليكم الرَّمَا، والرَّمَا هو الرِّبا» (١)، فمنَعهم مِنْ رِبا الفَضلِ؛ لِما يَخافُه عليهم مِنْ رِبا النَّسيئةِ، وذلك أنَّهم إذا باعوا دِرهَمًا بدِرهمَيْنِ -ولا يُفعَلُ هذا إلَّا لِلتَّفاوُتِ الذي بينَ النَوعَينِ، إمَّا في الجَودةِ وإمَّا في السَّكَّةِ، وإمَّا في الثِّقَلِ والخِفَّةِ وغيرِ ذلك- تَدَرَّجوا بالرِّبحِ المُعجَّلِ

(١) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٥٨٨٥، ١١٠١٩)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١١٣): ورواه الطبراني في الكبير بنحوِه وفيه أبو جناب، وهو ثِقة لكنَّه مُدلِّس. وروى مالك في «الموطأ» في البيوع (٢/ ٦٣٤، ٦٣٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ٢٧٩) من طريقِ ابن عمرَ عن عمرَ أنَّه قالَ: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ … ؛ فإني أخافُ عليكم الرَّماءَ، والرَّماءُ: هو الرِّبا».

فيها إلى الرِّبحِ المُؤخَّرِ، وهو عَينُ رِبا النَّسيئةِ، وهذه ذَريعةٌ قَريبةٌ جِدًّا، فمِن حِكمةِ الشارِعِ أنْ سَدَّ عليهم هذه الذَّريعةَ، ومَنعَهم مِنْ بَيعِ دِرهَمٍ بدِرهمَيْنِ نَقدًا ونَسيئةً، فهذه حِكمةٌ مَعقولةٌ مُطابِقةٌ لِلعُقولِ، وهي تَسُدُّ عليهم بابَ المَفسَدةِ (١).

وقالَ ابنُ العَرَبيِّ رحمة الله عليه عندَ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]: قالَ عُلماؤُنا: الرِّبا في اللُّغةِ هو الزِّيادةُ، ولا بدَّ في الزِّيادةِ مِنْ مَزيدٍ عليه تَظهَرُ الزِّيادةُ به، فلِأجْلِ ذلك اختَلَفوا هل هي عامَّةٌ في تَحريمِ كلِّ رِبًا، أو مُجمَلةٌ لا بَيانَ لَها إلَّا مِنْ غيرِها؟

والصَّحيحُ أنَّها عامَّةٌ؛ لأنَّهم كانوا يَتبايَعونَ ويُرْبونَ، وكانَ الرِّبا عندَهم مَعروفًا يُبايِعُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ قالَ أتَقضي أم تُرْبي؟ يَعني: أم تَزيدُني على مالي عليكَ، وأصبِرُ أجَلًا آخَرَ؟ فحرَّم اللَّهُ تَعالى الرِّبا، وهو الزِّيادةُ، ولكنْ لمَّا كانَ -كما قُلنا- لا تَظهَرُ الزِّيادةُ إلَّا على مَزيدٍ عليه، ومتى قابَلَ الشَّيءُ غيرَ جِنْسِه في المُعامَلةِ لَم تَظهَرِ الزِّيادةُ، وإذا قابَلَ جِنْسَه لَم تَظهَرِ الزِّيادةُ أيضًا إلَّا بإظهارِ الشَّرعِ، ولِأجْلِ هذا صارَتِ الآيةُ مُشكِلةً على الأكثَرِ، مَعلومةً لِمَنْ أيَّدَه اللَّهُ تَعالى بالنُّورِ الأظهَرِ.

وقد فاوَضتُ فيها عُلماءَ وباحَثتُ رُفَعاءَ، فكُلٌّ مِنهم أعطَى ما عندَه حتى انتَظَمَ فيها سِلكُ المَعرِفةِ بدُرَرِه وجَوهَرَتِه العُليا.

إنَّ مَنْ زَعَمَ أنَّ هذه الآيةَ مُجمَلةٌ لَم يَفهَمْ مَقاطِعَ الشَّريعةِ، فإنَّ اللَّهَ تَعالى

(١) «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (٢/ ٣٩٧، ٣٩٩).

أرسَلَ رَسولَه إلى قَومٍ هو مِنهم، بلُغَتِهم، وأنزَلَ عليهم كِتابَه؛ تَيسيرًا مِنه بلِسانِه ولِسانِهم، وقد كانَتِ التِّجارةُ والبَيعُ عندَهم مِنْ المَعاني المَعلومةِ، فأنزَلَ عليهم مُبيِّنًا لهم ما يَلزَمُهم فيهما، ويَعقِدونَهما عليه، فقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].

والباطِلُ كما بَيَّناه في كُتُبِ الأُصولِ هو الذي لا يُفيدُ وَقْعُ التَّعبيرِ به عن تَناوُلِ المالِ بغيرِ عِوَضٍ في صُورةِ العِوَضِ.

والتِّجارةُ هي مُقابَلةُ الأموالِ بَعضِها ببَعضٍ، وهو البَيعُ، وأنواعُه في مُتعلِّقاتِه بالمالِ، كالأعيانِ المَملوكةِ، أو ما في مَعنَى المالِ، كالمَنافِعِ، وهي ثَلاثةُ أنواعٍ: عَينٌ بعَينٍ، وهو بَيعُ النَّقدٍ، أو بدَيْنٍ مُؤجَّلٍ، وهو السَّلَمُ، أو حالٌّ، وهو يَكونُ في التَّمرِ، أو على رَسمِ الِاستِصناعِ، أو بَيعُ عَينٍ بمَنفَعةٍ، وهو الإجارةُ.

والرِّبا في اللُّغةِ: هو الزِّيادةُ والمُرادُ به في الآيةِ كلُّ زِيادةٍ لَم يُقابِلْها عِوَضٌ، فإنَّ الزِّيادةَ ليسَتْ بحَرامٍ لِعَينِها، بدَليلِ جَوازِ العَقدِ عليها على وَجْهِه، ولو كانَتْ حَرامًا ما صَحَّ أنْ يُقابِلَها عِوَضٌ، ولا أنْ يَرِدَ عليها عَقدٌ كالخَمرِ والمَيْتةِ وغيرِها.

وتَبيَّن أنَّ مَعنَى الآيةِ: وأحَلَّ اللَّهُ البَيعَ المُطلَقَ الذي يقعُ فيه العِوَضُ على صِحَّةِ القَصدِ والعَمَلِ، وحرَّم منه ما وقَع على وَجْهِ الباطِلِ.

وقد كانَتِ الجاهِليَّةُ تَفعَلُه، كما تَقدَّمَ، فتَزيدُ زِيادةً لَم يُقابِلْها عِوَضٌ،

وكانَتْ تَقولُ: إنَّما البَيعُ مِثلُ الرِّبا، أي: إنَّما الزِّيادةُ عندَ حُلولِ الأجَلِ آخِرًا مِثلُ أصْلِ الثَّمنِ في أوَّلِ العَقدِ، فرَدَّ اللَّهُ تَعالى عليهم قَولَهم، وحرَّم ما اعتَقَدوه حَلالًا عليهم، وأوضَحَ أنَّ الأجَلَ إذا حَلَّ ولَم يَكُنْ عندَ المَدِينِ ما يُؤَدِّي أُنظِرَ إلى المَيسَرةِ؛ تَخفيفًا يُحقِّقُه أنَّ الزِّيادةَ إنَّما تَظهَرُ بعدَ تَقديرِ العِوضَيْنِ فيه، وذلك على قِسمَيْنِ:

أحَدُهما: تَولَّى الشَّرعُ تَقديرَ العِوَضِ فيه، وهو الأموالُ الرِّبَويةُ، فلا تَحِلُّ الزِّيادةُ فيه.

وأمَّا الذي وكَله إلى المُتعاقدَيْنِ فالزِّيادةُ فيه على قَدْرِ ماليَّةِ العِوضَيْنِ عندَ التَّقابُلِ على قِسمَيْنِ:

أحَدُهما: ما يَتغابَنُ النَّاسُ بمِثلِه، فهو حَلالٌ بإجماعٍ، ومنه ما يَخرُجُ عن العادةِ، واختلَف عُلماؤُنا فيه، فأمْضاه المُتقدِّمونَ وعَدُّوه مِنْ فَنِّ التِّجارةِ، ورَدَّه المُتأخِّرونَ ببَغدادَ ونَظيراتِها، وحَدُّوا المَردودَ بالثُّلُثِ.

والَّذي أراه أنَّه إذا وقَع عن عِلمِ المُتعاقدَيْنِ فإنَّه حَلالٌ ماضٍ؛ لأنَّهما يَفتقِرانِ إلى ذلك في الأوقاتِ، وهو داخِلٌ تَحتَ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وإنْ وقَع عن جَهلٍ مِنْ أحَدِهما فإنَّ الآخَرَ بالخِيارِ، وفي مِثلِه ورَد الحَديثُ أنَّ رَجُلًا كانَ يُخدَعُ في البُيوعِ، فذُكِرَ لِرَسولِ اللَّهِ فقالَ له رَسولُ اللَّهِ : «إذا بايَعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ»، زادَ الدَّارَقُطنيُّ وغيرُه: «ولكَ الخِيارُ ثَلاثًا … »، وقد وَضَحَ في مَسائِلِ الكَلامِ أنَّ جَميعَ ما أحَلَّ اللَّهُ لهم أو حرَّم عليهم كانَ مَعلومًا

عندَهم؛ لأنَّ الخِطابَ جاءَ فيه بلِسانِهم، فقد أطلَقَ لهم حِلَّ ما كانوا يَفعَلونَه مِنْ بَيعٍ وتِجارةٍ، ويَعلَمونَه، وحرَّم عليهم الرِّبا وكانوا يَفعَلونَه، وحرَّم عليهم أكْلَ المالِ بالباطِلِ، وقد كانوا يَفعَلونَه ويَعلَمونَه ويَتسامَحونَ فيه، ثم إنَّ اللَّهَ أوْحَى إلى رَسولِه أنْ يُلقيَ إليهم زِيادةً فيما كانَ عندَهم مِنْ عَقدٍ أو عِوَضٍ لَم يَكُنْ عندَهم جائِزًا، فألقَى إليهم وُجوهَ الرِّبا المُحرَّمةِ في كلِّ مُقتاتٍ، وثَمَنِ الأشياءِ مع الجِنسِ مُتَفاضِلًا، وألحَقَ به بَيعَ الرُّطَبِ بالتَّمرِ والعِنَبِ بالزَّبيبِ، والبَيعَ والسَّلَفَ، وبيَّن وُجوهَ أكْلِ المالِ بالباطِلِ في بَيعِ الغَرَرِ كُلِّه، أو ما لا قِيمةَ له شَرعًا فيما كانوا يَعتقِدونَه مُتقوَّمًا، كالخَمرِ والمَيْتةِ والدَّمِ وبَيعِ الغِشِّ، ولَم يَبقَ في الشَّريعةِ بعدَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بَيانٌ يُفتقَرُ إليه في البابِ، وبَقيَ ما وَراءَهما على الجَوازِ، إلَّا أنَّه صَحَّ عن النَّبيِّ سِتَّةٌ وخَمسونَ مَعنًى نهَى عنها.

الأوَّلُ والثَّاني ثَمَنُ الأشياءِ جِنسًا بجِنسٍ، والثَّالثُ والرَّابِعُ والخامِسُ والسَّادِسُ والسَّابِعُ بَيعُ المُقتاتِ، أو ثَمَنُ الأشياءِ جِنسًا بجِنسٍ مُتَفاضِلًا، أو جِنسًا بغيرِ جِنسِه نَسيئةً، أو بَيعُ الرُّطَبِ بالتَّمرِ أو العِنَبِ بالزَّبيبِ، أو بَيعُ المُزابَنةِ على أحَدِ القَولَيْنِ، أو بَيعٌ وسَلَفٌ، وهذا كُلُّه داخِلٌ في بَيعِ الرِّبا، وهو ممَّا تَولَّى الشَّرعُ تَقديرَ العِوَضِ فيه، فلا تَجوزُ الزِّيادةُ عليه، الثَّامِنُ بَيعَتانِ في بَيعةٍ، التَّاسِعُ بَيعُ الغَرَرِ، ورَدَّ بَيعَ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ والحَصاةِ وبَيعَ الثُّنْيا، وبَيعَ العُربانِ، وما ليسَ عندَكَ، والمَضامينِ والمَلاقيحِ وحَبَلِ الحَبَلةِ، ويَتركَّبُ عليهما مِنْ وَجْهٍ بَيعُ الثِّمارِ قبلَ أنْ يَبدُوَ صَلاحُها، وبَيعُ السُّنبُلِ حتى يَشتَدَّ، والعِنَبِ حتى يَسوَدَّ، وهو ممَّا قبلَه، وكذلك بَيعُ المُحاقَلةِ والمُعاوَمةِ والمُخابَرةِ والمُحاصَرةِ، وبَيعُ

ما لَم يُقبَضْ، ورِبحُ ما لَم يُضمَنْ وبَيعُ الطَّعامِ قبلَ أنْ يُستَوفَى مِنْ بَعضِ ما تَقدَّمَ، والخَمرِ والمَيْتةِ وشُحومِها، وثَمَنُ الدَّمِ، وبَيعُ الأصنامِ، وعَسْبُ الفَحلِ والكَلبٍ والسِّنَّورِ وكَسبُ الحَجَّامِ، ومَهْرُ البَغيِّ وحُلوانِ الكاهِنِ وبَيعُ المُضطَرِّ وبَيعُ الوَلاءِ وبَيعُ الوَلَدِ أو الأُمِّ فَردَيْنِ، أو الأخِ والأخِ فَردَيْنِ، وكِراءُ الأرضِ والماءِ والكَلَأِ والنَّجشِ وبَيعِ الرَّجُلِ على بَيعِ أخيه، وخِطبَتِه على خِطبةِ أخيه، وبَيعُ حاضِرٍ لِبادٍ، وتَلَقِّي السِّلَعِ، وبَيعُ القَيْناتِ.

فهذه سِتَّةٌ وخَمسونَ مَعنًى حَضَرتِ الخاطِرَ ممَّا نهَى عنه ، أورَدْناها حَسَبَ نَسَقِها في الذِّكْرِ، وهي تَرجِعُ في التَّقسيمِ الصَّحيحِ الذي أورَدْناه في المَسائِلِ إلى سَبعةِ أقسامٍ:

ما يَرجِعُ إلى صِفةِ العَقدِ، وما يَرجِعُ إلى صِفةِ المُتعاقدَيْنِ، وما يَرجِعُ إلى العِوضَيْنِ، وإلَى حالِ العَقدِ، والسَّابِعُ: وَقتُ العَقدِ، كالبَيعِ وَقتَ نِداءِ يَومِ الجُمُعةِ أو في آخِرِ جُزءٍ مِنْ الوَقتِ المُعيَّنِ لِلصَّلاةِ.

ولا تَخرجُ عن ثَلاثةِ أقسامٍ، وهي الرِّبا والباطِلِ والغَرَرِ.

ويَرجِعُ الغَرَرُ بالتَّحقيقِ إلى الباطِلِ، فيَكونُ قِسمَيْنِ على الآيَتَيْنِ، وهذه المَناهي تَتداخَلُ ويَفصِلُها المَعنَى.

ومِنها أيضًا ما يَدخُلُ في الرِّبا والتِّجارةِ ظاهِرًا، ومِنها ما يَخرُجُ عنها ظاهِرًا، ومِنها ما يَدخُلُ فيها باحتِمالٍ، ومنها ما يُنهَى عنها مَصلحةً لِلخَلقِ، وتَألُّفًا بينَهم لِما في التَّدابُرِ مِنْ المَفسَدةِ (١).

(١) «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٣٢٠، ٣٢٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
باب الربا والصرف

بابُ الرِّبا والصَّرْف

الرِّبا في اللُّغَةِ: هو الزِّيادَةُ. قال اللهُ تَعالَى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} . وقال: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} . أي أكْثَرُ عَدَدًا، يُقالُ: أَرْبَى فُلانٌ على فُلانٍ، إذا زادَ عليه. وهو في الشَّرْعِ: الزِّيادَةُ في أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تَعالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} . وما بَعْدَها مِن الآياتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" . قِيلَ: يا رسولَ اللهِ ما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بِاللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" . وَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه، وشَاهِدَيْه، وكاتِبَه. مُتَّفَقٌ عليهما في أخْبارٍ سوى هذين

كثيرةٍ ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ الرِّبا مُحَرَّمٌ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل علة طعام الربا]

(فَصْلٌ) عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا. اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ،

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 108 - 116

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل