اشتراط المماثلة والقبض

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > اشتراط المماثلة والقبض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

اشتراط المماثلة والقبض - الأقوال والأدلة

مُتَّخَذًا لِلعَيشِ في الأغلَبِ، ولا حَدَّ في الِادِّخارِ، بَلْ هو في كلِّ شَيءٍ بحَسَبِه، ثم إنَّه لا بدَّ أنْ يَكونَ الِادِّخارُ على وَجْهِ العُمومِ، فلا يُلتَفَتُ لِما كانَ ادِّخارُه نادِرًا.

فيَحرُمُ الرِّبا في كلِّ ما كانَ قُوتًا مُدَّخَرًا، وما ليسَ بقُوتٍ -كالفَواكِهِ-، أو كانَ قُوتًا لا يُدَّخَرُ، لا يَجري فيه الرِّبا.

اشتِراطُ المُماثَلةِ والقَبضِ:

اتَّفق العُلماءُ إلى أنَّ الأعيانَ التي يَجري فيها الرِّبا على اختِلافِهم فيها إذا بِيعَتْ بجِنسِها، كَتَمرٍ بتَمرٍ، وذَهَبٍ بذَهَبٍ، وهكذا، فإنَّه يُشترَطُ فيها شَرطانِ:

١ - المُماثَلةُ في القَدْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ: فإن تَفاضَلَا لَم يَجُزْ بالإجماعِ؛ لأنَّ الفَضلَ رِبًا؛ لِحَديثٍ أبي سَعيدٍ رضي الله عنه مَرفوعًا: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (١).

قالَ أبو عمرَ رحمة الله عليه: وجُملةُ مَذاهبِ العُلماءِ في ذلك أنَّ الذَّهبَ والوَرِقَ يَدخُلُهما الرِّبا في الجِنسِ الواحِدِ مِنْ وَجهَيْنِ، وهُما التَّفاضُلُ والنَّسيئةُ، فلا يَجوزُ ذَهَبٌ بذَهَبٍ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، وكذلك الوَرِقُ بالوَرِقِ.

فأمَّا الجِنسانِ أحَدُهما بالآخَرِ، كالذَّهبِ بالوَرِقِ، فجائِزٌ التَّفاضُلُ فيهِما بإجماعٍ مِنْ العُلماءِ، ولا يَجوزُ فيهما النَّسيئةُ بإجماعٍ أيضًا مِنْ العُلماءِ (٢).

(١) رواه البخاري (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٣٥٦).

٢ - والقَبض قبلَ التَّفرُّقِ مِنْ الجانِبَيْنِ بالمَجلِسِ: لقولِه فيما تَقدَّمَ: «مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ».

وعن أبي سَعيدٍ رضي الله عنه مَرفوعًا: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تَشِفُّوا بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تَشِفُّوا (١) بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا مِنها غائِبًا بناجِزٍ (٢)» (٣).

وعن مالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الحَدَثانِ رضي الله عنه أنَّه قالَ: أقبَلتُ أقولُ: مَنْ يَصطَرِفُ الدَّراهِمَ؟ فقالَ طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ رضي الله عنه وهو عندَ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه: أرِنا ذهَبكَ، ثم ائْتِنا إذا جاءَ خادِمُنا نُعطِكَ وَرِقَكَ. فقالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه: كَلَّا واللَّهِ، لَتُعطِيَنَّه وَرِقَه أو لَتَرُدَّنَّ إليه ذهَبه؛ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «الوَرِقُ بالذَّهبِ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالتَّمرِ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ» (٤).

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعَ كلُّ مَنْ احفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنْ المُتصارِفَيْنِ إذا افتَرَقا قبلَ أنْ يَتقابَضا، أنَّ الصَّرفَ فاسِدٌ (٥).

وإذا بِيعَتْ بغيرِ جِنسِها، كَذَهَبٍ بفِضَّةٍ، وبُرٍّ بشَعيرٍ، يُشترَطُ شَرطٌ واحِدٌ،

(١) أي لا تفضلوا: والشف بكسر الشين ويطلق أيضًا على النقصان فهو من الأضداد يقال: شف الدرهم بفتح الشين يشف بكسرها إذا زاد وإذا نقص وأشفه غيره يشفه. انظر: «النهاية» (٢/ ٤٨٦)، و «لسان العرب» (٩/ ١٨١)، و «شرح مسلم» للنووي (١١/ ١٠).
(٢) المراد بالناجز الحاضر وبالغائب المؤجل. «شرح مسلم» للنووي (١١/ ١٠).
(٣) رواه البخاري (٢٠٦٨)، ومسلم (١٥٨٤).
(٤) رواه مسلم (١٥٨٦).
(٥) «الإشراف» (٦/ ٦١)، و «الإجماع» (٥٤٨).

وهو: القَبضُ قبلَ التَّفرُّقِ، فلا يَجوزُ فيه النَّساءُ، ويَجوزُ التَّفاضُلُ؛ لقولِه في حَديثِ عُبادةَ: «فإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ فبِيعوا كَيفَ شِئتُم، إذا كانَ يَدًا بيَدٍ» (١).

وإنْ بِيعَ المَكيلِ بالمَوزونِ، كَبُرٍّ بذَهَبٍ مَثَلًا، جازَ التَّفاضُلُ والتَّفرُّقُ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ العِلَّةَ مُختَلِفةٌ، فجازَ التَّفرُّقُ، كالثَّمنِ بالمُثمَّنِ.

فإذا وُجدَ الوَصفانِ: أي: القَدْرُ والجِنسُ، حرُم الفَضلُ والنَّساءُ؛ لِوُجودِ عِلَّةِ حُرمَتِهما، مثلَ الحِنطةِ بالحِنطةِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ؛ لأنَّه وُجدَ الجِنسُ والمَعنَى المَضمومُ إليه، والمُرادُ بالمَعنَى المَضمومِ إليه هو الكَيلُ في الحِنطةِ، والوَزنُ في الفِضَّةِ، يَعني القَدْرَ، إمَّا الكَيلَ أو الوَزنَ.

فإنْ عُدِما -أي: الوَصفانِ- حَلَّا -أي: التَّفاضُلُ والنَّساءُ-؛ لعَدمِ عِلَّةِ حُرمَتِهما.

وإذا وُجدَ أحَدُهما -أي: أحَدُ الوَصفَيْنِ بأنْ وُجدَ القَدرُ دونَ الجِنسِ وعُدِمَ الآخَرُ حَلَّ التَّفاضُلُ وحرُم النَّساءُ، مثلَ الحِنطةِ بالشَّعيرِ، والفِضَّةِ بالذَّهبِ؛ لقولِه في حَديثِ عُبادةَ رضي الله عنه: «فإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ فبِيعوا كَيفَ شِئتُمْ، إذا كانَ يَدًا بَيَدٍ» (٢).

فحُرمةُ رِبا الفَضلِ بالوَصفَيْنِ، وحُرمةُ رِبا النَّسيئةِ بأحَدِهما، كما سبَق.

(١) رواه مسلم (١٥٨٧).
(٢) رواه مسلم (١٥٨٧).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وكُلُّ ما حرُم فيه التَّفاضُلُ حرُم فيه النَّساءُ، بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، ويَحرُمُ التَّفرُّقُ قبلَ القَبضِ؛ لقولِ النَّبيِّ : «عَينًا بعَينٍ»، وقَولِهِ : «يَدًا بيَدٍ»، ولأنَّ تَحريمَ النَّساءِ مُؤكَّدٌ، ولِذلك جَرى في الجِنسَيْنِ المُختلِفَيْنِ، فإذا حرُم التَّفاضُلُ فالنَّساءُ أوْلَى بالتَّحريمِ (١).

وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفَقوا على أنَّ الرِّبا الذي حرَّمه اللَّهُ ضَربانِ: زيادةٌ ونَساءٌ، فمِنهما الأعيانُ السِّتَّةُ التي نصَّ الشارِعُ عليها، وهي: الذَّهبُ، والفِضَّةُ، والبُرُّ، والشَّعيرُ، والتَّمرُ، والمِلحُ.

فأجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الذَّهبِ بالذَّهبِ مُنفَرِدًا، أو الوَرِقِ بالوَرِقِ تِبْرِها ومَضروبِها وحُلِيِّها، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، وَزنًا بوَزنٍ، يَدًا بيَدٍ، وأنَّه لا يُباعُ شَيءٌ غائِبٌ مِنها بناجِزٍ، فقد حرُم في هذا الجِنسِ الرِّبا مِنْ طَريقَيْنِ، الزِّيادةِ والنَّساءِ جَميعًا.

واتَّفَقوا على أنَّه يَجوزُ بَيعُ الذَّهبِ بالفِضَّةِ والفِضَّةِ بالذَّهبِ مُتفاضِلَيْنِ يَدًا بيَدٍ، ويَحرُمُ النَّساءُ في ذلك.

واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الحِنطةِ بالحِنطةِ، والشَّعيرِ بالشَّعيرِ، والمِلحِ بالمِلحِ، والتَّمرِ بالتَّمرِ، إذا كانَ بمِعيارٍ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ويَدًا بيَدٍ، ولا يُباعُ شَيءٌ غائِبٌ مِنها بناجِزٍ.

إلَّا أبا حَنيفةَ، فإنَّه قالَ: يَجوزُ التَّفرُّقُ في ذلك قبلَ القَبضِ وَحدَه (٢).

(١) «المغني» (٤/ ٣٠).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٣٥٧، ٣٥٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب السلم
[باب القرض]

بابُ القرضِ

والقَرْضُ نَوْعٌ من السَّلَفِ، وهو جَائِزٌ بالسُّنَّةِ والإجْمَاعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو رَافِعٍ، أنّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ علَى النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فأمَرَ أبا رَافِعٍ أن يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ. فرَجَعَ إليه أبو رَافِعٍ، فقال يا رسولَ اللهِ، لم أجِدْ فيها إلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًّا . فقال: "أعْطِهِ، فَإنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً" . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وعن ابنِ مَسْعُودٍ: أنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- , قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ. إلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ" . وعَن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بى عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، والْقَرْضُ بثَمَانِيَة عَشرَ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ . قال: لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، والمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِن حَاجَةٍ" . رَوَاهُما ابنُ مَاجَه . وأجْمَع المسلمون على جَوَازِ القَرْضِ.

فصل: والقَرْضُ مَنْدُوبٌ إليه فى حَقِّ المُقْرِضِ، مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ؛ لما رَوَيْنَا من الأحَادِيثِ، ولما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، كَشَفَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَاللهُ فِى عَوْنِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 124 - 127

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله