الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > الربا في الفلوس
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةالرِّبا في الفُلوسِ:
الفُلوسُ: هي كلُّ ما يَتَّخِذُه النَّاسُ قِيمةً لِلأشياءِ مِنْ سائِرِ المَعادِنِ، عَدا الذَّهبِ والفِضَّةِ، كالحَديدِ والنُّحاسِ وغيرِهما (١).
واتَّفق الفُقهاءُ على جَوازِ البَيعِ بالفُلوسِ؛ لأنَّها أموالٌ مُتقوَّمةٌ مَعلومةٌ.
وقد اختلَف الفُقهاءُ، كما تَقدَّمَ في عِلَّةِ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ، هل هي كَونُهما مَوزونَيْنِ أو كَونُهما ثَمَنًا لِلأشياءِ، أو كَونُهما جِنسَ الأثمانِ في الأغلَبِ؟
وأغلَبُ الفُقهاءِ لَم يُجْرِ الفُلوسَ مَجرَى الذَّهبِ والفِضَّةِ، فقالوا بجَوازِ التَّفاضُلِ فيها والنَّساءِ، فإذا صُرِفتِ الفُلوسُ النَّافِقةُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ نَساءً، أو صُرِفتِ الفُلوسُ بالفُلوسِ تَفاضُلًا جازَ، وهذا قَولُ جُمهورِ العُلماءِ، الحَنفيَّةُ- ما عَدا مُحمَّدًا- والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في أحَدِ القَولَيْنِ، فلا رِبا في فُلوسٍ يُتعامَلُ بها عَدَدًا، ولو كانَتْ نافِقةً (٢)؛ لِخُروجِها عن الكَيلِ
(١) قال المقريزي: «إنَّ الفلوسَ لَم يَجعلْها اللهُ سُبحانه نَقدًا في قَديمِ الدَّهرِ وحديثِه، حتى راجتْ في أيَّامِ الناصرِ فرجِ بن برقوق ٨٠٨ هـ، وكان قبيحَ السِّيرةِ، وقد حَدَث من رواجِ الفُلوسِ خَرابُ الإقليمِ وذَهابُ نِعمةِ أهلِ مصرَ، فإنَّ الفضَّةَ هي النقدُ الشرعيُّ، أمَّا الفُلوسُ فهي أشبهُ شيءٍ بلا شيءٍ، فيصيرُ المضافُ مُضافًا إليه … إلى أن يقولَ: ولا يُعلَم في خبرٍ صحيحٍ ولا سقيمٍ عن أُمَّةٍ من الأممِ اتَّخذوا نقدًا غير الذهبِ والفِضَّة، أمَّا السفاسفُ والمحقَّراتُ والتوافِهُ فقدِ احتاجَ الناسُ لشرائِها بأقلَّ مِنْ الدرهمِ وأجزائِه، فكانت الفُلوسُ وَسيلةَ هذه المُبادلاتِ، ولكنَّها لم تكن نقدًا البتةَ، ولم يُوجدْ منها إلا اليَسيرُ، ولم تقُمْ في إقليمٍ ما بمنزلةِ النَّقدينِ».
(٢) أي رَائجِة يكثُر طلبُها. قال ابن مَنظور: نَفَقَ البيع نَفَاقًا: راج. ونَفَقت السِّلْعة تَنْفُق نَفاقًا بالفتح: غَلَتْ ورغب فيها وأَنْفَقَها هو و نَفَّقَها. وفي الحديث: المُنَفِّق سِلْعته بالحلف الكاذب المُنَفِّقُ بالتشديد: من النَّفَاق وهو ضد الكَسَاد. «لسان العرب» (١٠/ ٣٥٧).
والوَزنِ، وعَدَمِ النَّصِّ والإجماعِ في ذلك، كما قالَ البُهوتيُّ (١)، ولأنَّ عِلَّةَ حُرمةِ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ الثَّمنيَّةُ الغالِبةُ التي يُعبَّرُ عنها - أيضًا- بجَوهَريَّةِ الأثمانِ، وهي مُنتَفيةٌ عن الفُلوسِ، وإنْ راجَتْ، كما قالَ الشافِعيَّةُ.
وعَدَّ الشافِعيَّةُ الفُلوسَ مِنْ العُروضِ، وإنْ كانَتْ نافِقةً.
قالَ الغَزاليُّ رحمة الله عليه: أمَّا الفُلوسُ إنْ راجَتْ رَواجَ النُّقودِ فالصَّحيحُ أنَّها كالعُروضِ (٢).
وقالَ الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: ولو راجَتِ الفُلوسُ رَواجَ النُّقودِ فهل تُعطَى حُكمَها في بابِ الرِّبا؟ وَجهانِ، أصَحُّهما: لا؛ اعتِبارًا بالأغلَبِ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُ رحمة الله عليه: فَرعٌ: ذَكَرْنا أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ عندَنا كَونُهما جِنسَ الأثمانِ غالِبًا، قالَ أصحابُنا: وقَولُنا (غالِبًا) احتِرازٌ مِنْ الفُلوسِ إذا راجَتْ رَواجَ النُّقودِ، كما قَدَّمْناه، ويَدخُلُ فيه الأواني والتِّبرُ، وغيرُ ذلك، فهذه العِبارةُ هي الصَّحيحةُ عندَ الأصحابِ، وهي التي نقَلها الماوَرديُّ وغيرُه عن نَصِّ الشافِعيِّ.
قالَ الماوَرديُّ: ومِن أصحابِنا مَنْ يَقولُ: العِلَّةُ كَونُهما قِيَمَ المُتلَفاتِ،
(١) «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٢٤٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٩٣).
(٢) «الوسيط» (٣/ ١٥٠) طبعة دار السلام.
(٣) «المنثور في القواعد» (٣/ ٢٤٤).
قالَ: ومِن أصحابِنا مَنْ جَمَعَهما، قالَ: وكُلُّه قَريبٌ، وجَزَمَ المُصنِّفُ في التَّنبيهِ بأنَّهما قِيَمُ الأشياءِ، وأنكَرَه القاضي أبو الطَّيِّبِ وغيرُه، على ما قالَه مِنْ أصحابِنا، قالوا: لأنَّ الأوانيَ والتِّبرَ والحُلِيَّ يَجري فيها الرِّبا، وليسَتْ ممَّا يُقوَّمُ بها، ولنا وَجْهٌ ضَعيفٌ غَريبٌ: أنَّ تَحريمَ الرِّبا فيهما بعَينِهما، لا لِعِلَّةٍ، حَكاه المُتوَلِّي وغيرُه.
فَرعٌ: إذا راجَتِ الفُلوسُ رَواجَ النُّقودِ لَم يَحرُمِ الرِّبا فيها، هذا هو الصَّحيحُ المَنصوصُ عليه، وبِه قطَع المُصنِّفُ والجُمهورُ، وفيه وَجْهٌ شاذٌّ: أنَّه يَحرُمُ، حَكاه الخُراسانيُّونَ.
وأمَّا ما سِواها مِنْ المَوزوناتِ، كالحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والقُطنِ والكَتَّانِ والصُّوفِ والغَزَلِ وغيرِها، فلا رِبا فيها عندَنا، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا ومُؤجَّلًا، ولا خِلافَ في شَيءٍ مِنْ هذا عندَنا إلَّا وَجهًا حَكاه المُتوَلِّي والرَّافِعيُّ عن أبي بَكرٍ الأودَنِيِّ مِنْ أصحابِنا المُتقدِّمينَ أنَّه قالَ: لا يَجوزُ بَيعُ مالٍ بجِنسِه مُتفاضِلًا، سَواءٌ أكانَ مَطعومًا أم نَقدًا أم غيرَهما، وهذا شاذٌّ ضَعيفٌ (١).
ووَجهُه عندَ الحَنفيَّةِ: أنَّ عِلَّةَ الرِّبا هي القَدْرُ مع الجِنسِ، وهو الكَيلُ أو الوَزنُ المُتَّفقُ عندَ اتِّحادِ الجِنسِ والمُجانَسةِ، وإنْ وُجِدتْ ههُنا لَم يُوجَدِ القَدْرُ؛ لأنَّ الفُلوسَ تُباعُ بالعَدَدِ، وهذا إذا وقَع البَيعُ بأعيانِها.
وعلى ذلك يَجوزُ بَيعُ الفُلوسِ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا، كما يَجوزُ بَيعُ
(١) «المجموع» (٩/ ٣٨٠)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٥١).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب الربا وما لا يجوز بعضه ببعض متفاضلا ولا مؤجلا والصرف
بَابُ الرِّبَا وَمَا لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ متفاضلا ولا مؤجلا والصرف
سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَرَجُلٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ " (قَالَ) وَنَقَضَ أَحَدُهُمَا التَّمْرَ وَالْمِلْحَ وَزَادَ الْآخَرُ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الصَّرْفِ وَبِهِ قُلْنَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ.
فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} آل عمران: ١٣٠ .
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
باب الربا والصرف
بابُ الرِّبا والصَّرْف
الرِّبا في اللُّغَةِ: هو الزِّيادَةُ. قال اللهُ تَعالَى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} . وقال: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} . أي أكْثَرُ عَدَدًا، يُقالُ: أَرْبَى فُلانٌ على فُلانٍ، إذا زادَ عليه. وهو في الشَّرْعِ: الزِّيادَةُ في أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تَعالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} . وما بَعْدَها مِن الآياتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" . قِيلَ: يا رسولَ اللهِ ما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بِاللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" . وَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه، وشَاهِدَيْه، وكاتِبَه. مُتَّفَقٌ عليهما في أخْبارٍ سوى هذين
كثيرةٍ ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ الرِّبا مُحَرَّمٌ.
ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.