الربا في دار الحرب

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > الربا في دار الحرب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

الربا في دار الحرب - الأقوال والأدلة

الرِّبا في دارِ الحَربِ:

اختلَف العُلماءُ في حُكمِ الرِّبا إذا كانَ بينَ مُسلِمٍ وحَربيٍّ، أو بينَ مُسلِمٍ ومُسلِمٍ في بلادِ الحَربِ، هل يَجري الرِّبا بينَهم كما يَجري في بلادِ الإسلامِ؟

اختَلَفوا في ذلك على قَولَيْنِ:

القَولُ الأوَّلُ: هو قَولُ الإمامِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ، وهو المَذهبُ عندَ الحَنفيَّةِ: أنَّ الرِّبا لا يَكونُ إلَّا في بلادِ الإسلامِ، فلا رِبا بينَ مُسلِمٍ وحَربيٍّ في دارِ الحَربِ -ولا بينَ مُسلِمٍ ومُسلِمٍ أحَدُهما في دارِ الحَربِ لَم يُهاجِرْ إلينا عندَ أبي حَنيفةَ- بشَرطِ أنْ تَكونَ الزِّيادةُ لِلمُسلِمِ، وليسَتْ لِلحَربيِّ، أمَّا لو دخَل الحَربيُّ دارَنا بأمانٍ فباعَ مِنه مُسلِمٌ دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ فلا يَجوزُ اتِّفاقًا.

والعُقودُ الفاسِدةُ كُلُّها في مَعنَى الرِّبا، فتَجوزُ عندَهما، فلو باعَ مُسلِمٌ دخَل إليهم مُستَأمِنًا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ، حَلَّ، وكذا إذا باعَ مِنهم مَيْتةً أو خِنزيرًا، أو قامَرَهم وأخَذ المالَ، يَحِلُّ كلُّ ذلك.

فلا يَجري الرِّبا في هذه المَسائِلِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ:

١ - لا رِبا بينَ المُسلِمِ والحَربيِّ في دارِ الحَربِ، ولو لِعَقدٍ فاسِدٍ: لِحَديثِ مَكحولٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ : «لا رِبا بينَ المُسلِمِ والحَربيِّ في دارِ الحَربِ» (١).

(١) منكر: هذا الحَديثُ رواهُ الإمامُ الشافعِيُّ في «الأم» (٧/ ٣٥٩)، وعنه البَيهقيُّ في «معرفة السنن والآثار» (٥٤٤٠) قال: وقال أبو يوسُفَ: القول ما قال الأوزاعيُّ، وإنمَّا أحلَّ أبو حَنيفةَ هذا لأنَّ بعضَ المشيخةِ حدَّثنا عن مَكحولٍ عن رسولِ اللهِ أنَّه قال: «لا رِبا بين أهل الحرب». أظنُّه قال: «وأهل الإسلام». قال الشافعِيُّ: القولُ كمَا قال الأوزاعيُّ وأبو يوسُفَ، وما احتَجّ به أبو يوسُفَ لأبي حَنيفَة ليس بثابتٍ ولا حُجةَ فيه.

ولأنَّ المُسلِمَ إذا دخَل إليهم بغيرِ أمانٍ يَجوزُ له أخْذُ مالِ الحَربيِّ بغيرِ طِيبةِ نَفْسِه، فإذا أخَذه على هذا الوَجْهِ بطِيبةِ نَفْسِه كانَ أوْلَى بالجَوازِ، فبِأيِّ طَريقٍ أخَذه المُسلِمُ أخَذ مالًا مُباحًا إذا لَم يَكُنْ فيه غَدرٌ، بخِلافِ المُستَأمَنِ مِنهُم؛ لأنَّ مالَه صارَ مَحظورًا بعَقدِ الأمانِ.

وإذا دخَل إليهم بأمانٍ فأموالُهم مُباحةٌ في الأصلِ، إلَّا ما حَظَرَه الأمانُ، وقد حَظَرَ عليه الأمانُ ألَّا يَأخُذَ مالَه إلَّا بطِيبةِ نَفْسِه، وإذا أسلَمَ إليه مالَه على هذا الوَجْهِ فقد طابَتْ به نَفْسُه، فوجَب أنْ يَجوزَ.

٢ - وكذا إذا دخَل إليهم مُسلِمٌ بأمانٍ فباعَ مِنْ مُسلِمٍ أسلَمَ في دارِ الحَربِ، ولَم يُهاجِرْ إلينا، جازَ الرِّبا معه عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ مالَ المُسلِمِ في دارِ الحَربِ إذا لَم يُهاجِرْ إلينا باقٍ على حُكمِ مالِهم، ألَا تَرَى أنَّه إذا أتلَفَه مُتلِفٌ لَم يَضمَنْ؟!

وأمَّا إذا هاجَرَ إلينا ثم عادَ إلى دارِهِم لَم يَجُزِ الرِّبا معه؛ لأنَّه قد أحرَزَ مالَه بدارِنا فصارَ كأهلِ دارِ الإسلامِ.

وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: لا يَجوزُ؛ لأنَّهما مُسلِمانِ، فلا يَجوزُ بينَهما الرِّبا، كما لو كانا في دارِنا.

٣ - وكذا لا رِبا بينَ شَخصَيْنِ أسلَما في دارِ الحَربِ ولَم يُهاجِرا إلينا عندَ أبي حَنيفةَ، خِلافًا لَهُما.

وأمَّا إذا هاجَرَ إلَينا ثم عادَ إليهم لَم يَجُزِ الرِّبا معه؛ لِكَونِه أحرَزَ مالَه بدارِنا، فكانَ مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ.

وكَذا الحُكمُ إذا تَبايَعا بَيعًا فاسِدًا في دارِ الحَربِ، فهو جائِزٌ، كما إذا باعَ مِنهم مَيْتةً أو خِنزيرًا، أو قامَرَهم وأخَذ المالَ، فإنَّه يَحِلُّ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّ مالَهم مُباحٌ بغيرِ عَقدٍ، فالعَقدُ الفاسِدُ أوْلَى.

ولأنَّ أبا بَكرٍ رضي الله عنه خاطَرَ قُرَيشًا قبلَ الهِجرةِ حينَ أنزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)[الروم: ١ - ٣]، وقالَتْ قُرَيشٌ: أتُروْنَ أنَّ الرُّومَ تُغلَبُ؟ قالَ رضي الله عنه: نَعَمْ. فقالوا: هل لَكَ أنْ تُخاطِرَنا في ذلك؟ فأخبَرَ رضي الله عنه النَّبيَّ ، فقالَ: «اذهَبْ إليهم فزِدْ في الخَطَرِ، وزِدْ في الأجَلِ»، ففعَل، وغَلَبتِ الرُّومُ فارِسًا، فأخَذ أبو بَكرٍ رضي الله عنه خَطَرَه، فأقَرَّه النَّبيُّ ، وهو القِمارُ بعَينِه (١). وكانَتْ مَكَّةُ في ذلك الوَقتِ دارَ حَربٍ، فدَلَّ ذلك على أنَّ لِلمُسلِمِ أخْذَ مالِ الحَربيِّ في دارِ الحَربِ ما لَم يَكُنْ غَدرًا.

(١) أورَده الزَّمخشرِيُّ في «الكشاف» وقال ابنُ حجرٍ في تخريجِه: «قصةُ أبي بكرٍ في المراهنَةِ رواها التِّرمذِيُّ وغيرُه من حديث نيارِ بن مكرمٍ الأسلَميِّ وسياقُها مُخالِفٌ لسياقِ هذه القصَّةِ».

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا شَرائِطُ جَرَيانِ الرِّبا:

فَمِنها: أنْ يَكونَ البَدَلانِ مَعصومَيْنِ، فإنْ كانَ أحَدُهما غيرَ مَعصومٍ لا يَتَحَقَّقُ الرِّبا عندَنا، وعندَ أبي يُوسفَ هذا ليسَ بشَرطٍ، ويَتحقَّقُ الرِّبا.

وعلى هذا الأصلِ يَخرُجُ ما إذا دخَل مُسلِمٌ دارَ الحَربِ تاجِرًا، فباعَ حَربيًّا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ، أو غيرَ ذلك مِنْ سائِرِ البُيوعِ الفاسِدةِ في حُكمِ الإسلامِ، فهو يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ، وعندَ أبي يُوسفَ لا يَجوزُ.

وعلى هذا الخِلافِ يَكونُ المُسلِمُ الأسيرُ في دارِ الحَربِ، أو الحَربيُّ الذي أسلَمَ هُناكَ ولَم يُهاجِرْ إلينا، فبايَعَ أحَدًا مِنْ أهلِ الحَربِ.

وَجْهُ قَولِ أبي يُوسفَ أنَّ حُرمةَ الرِّبا كما هي ثابِتةٌ في حَقِّ المُسلِمينَ ثابِتةٌ في حَقِّ الكُفَّارِ؛ لأنَّهم مُخاطَبونَ بالحُرُماتِ في الصَّحيحِ مِنْ الأقوالِ، فاشتِراطُه في البَيعِ يُوجِبُ فَسادَه، كما إذا بايَعَ المُسلِمُ الحَربيَّ المُستأْمَنَ في دارِ الإسلامِ.

ولَهُما أنَّ مالَ الحَربيِّ ليسَ بمَعصومٍ، بَلْ هو مُباحٌ في نَفْسِه، إلَّا أنَّ المُسلِمَ المُستأْمَنَ مُنِعَ مِنْ تَملُّكِه مِنْ غيرِ رِضاه؛ لِما فيه مِنْ الغَدرِ والخِيانةِ، فإذا بدَّله باختيارِه ورِضاه فقد زالَ هذا المَعنَى، فكانَ الأخْذُ استِيلاءً على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ، وأنَّه مَشروعٌ مُفيدٌ لِلمِلْكِ كالِاستِيلاءِ على الحَطَبِ والحَشيشِ، وبِه تَبيَّن أنَّ العَقدَ هَهُنا ليسَ بتَملُّكٍ، بَلْ هو تَحصيلُ شَرطِ التَّملُّكِ، وهو الرِّضا؛ لأنَّ مِلْكَ الحَربيِّ لا يَزولُ بدُونِه، وما لَم يَزُلْ مِلْكُه لا يقعُ الأخْذُ تَملُّكًا، لكنَّه إذا زالَ فالمِلْكُ لِلمُسلِمِ يثبُتُ بالأخْذِ والِاستيلاءِ، لا بالعَقدِ، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا؛ لأنَّ الرِّبا اسمٌ لِفَضلٍ يُستَفادُ بالعَقدِ، بخِلافِ

المُسلِمِ إذا باعَ حَربيًّا دخَل دارَ الإسلامِ بأمانٍ؛ لأنَّه استَفادَ العِصمةَ بدُخولِه دارَ الإسلامِ بأمانٍ، والمالُ المَعصومُ لا يَكونُ مَحَلًّا لِلِاستِيلاءِ، فتَعيَّنَ التَّملُّكُ فيه بالعَقدِ، وشَرطُ الرِّبا في العَقدِ مُفسِدٌ.

وكذلك الذِّمِّيُّ إذا دخَل دارَ الحَربِ فباعَ حَربيًّا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ أو غيرَ ذلك مِنْ البُيوعِ الفاسِدةِ في الإسلامِ، فهو على هذا الخِلافِ الذي ذَكَرْنا؛ لأنَّ ما جازَ مِنْ بُيوعِ المُسلِمينَ جازَ مِنْ بُيوعِ أهلِ الذِّمَّةِ، وما يَبطُلُ أو يَفسُدُ مِنْ بُيوعِ المُسلِمينَ يَبطُلُ أو يَفسُدُ مِنْ بُيوعِهم، إلَّا الخَمرَ والخِنزيرَ، على ما نَذكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ومِنها: أنْ يَكونَ البَدَلانِ مُتقوَّمَيْنِ شَرعًا، وهو أنْ يَكونا مَضمونَيْنِ حَقًّا لِلعَبدِ، فإنْ كانَ أحَدُهما غيرَ مَضمونٍ حَقًّا لِلعَبدِ لا يَجري فيه الرِّبا.

وعلى هذا الأصلِ يَخرُجُ ما إذا دخَل المُسلِمُ دارَ الحَربِ فبايَعَ رَجُلًا أسلَمَ في دارِ الحَربِ ولَم يُهاجِرْ إلينا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ، أو غيرَ ذلك مِنْ البُيوعِ الفاسِدةِ في دارِ الإسلامِ أنَّه يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ.

وعندَهما لا يَجوزُ؛ لأنَّ العِصمةَ -وإنْ كانَتْ ثابِتةً فالتَّقوُّمُ ليسَ بثابِتٍ عندَه، حتى هو لا يَضمَنُ نَفسَه بالقِصاصِ ولا بالدِّيةِ عندَه، وكذا مالُه لا يُضمَنُ بالإتلافِ؛ لأنَّه تابِعٌ لِلنَّفسِ، وعندَهما نَفسُه ومالُه مَعصومانِ مُتقوَّمانِ.

ولو دخَل مُسلِمانِ دارَ الحَربِ فتَبايَعا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ أو غيرَه مِنْ البُيوعِ الفاسِدةِ في دارِ الإسلامِ، لا يَجوزُ؛ لأنَّ مالَ كلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعصومٌ مُتقوَّمٌ، فكانَ التَّملُّكُ بالعَقدِ، فيَفسُدُ بالشَّرطِ الفاسِدِ.

ولو أسلَمَ الحَربيُّ الذي بايَعَ المُسلِمَ ودخَل دارَ الإسلامِ أو أسلَمَ أهلُ الدَّارِ، فما كانَ مِنْ رِبًا مَقبوضٍ أو بَيعٍ فاسِدٍ مَقبوضٍ فهو جائِزٌ ماضٍ، وما كانَ غيرَ مَقبوضٍ يَبطُلُ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)[البقرة: ٢٧٨]، أمَرَهم بتَركِ ما بَقيَ مِنْ الرِّبا، وبتَركِ ما بَقيَ مِنْ الرِّبا، ونهَى عن قَبضِه، فكَأنَّه تَعالى قالَ: اترُكوا قَبْضَه، فيَقتَضي حُرمةَ القَبضِ.

ورُويَ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «كُلُّ رِبًا في الجاهِليةِ فهو مَوضوعٌ تَحتَ قَدَمَيَّ»، والوَضعُ عِبارةٌ عن الحَطِّ والإسقاطِ، وذلك فيما لَم يُقبَضْ، ولأنَّ بالإسلامِ حرُم ابتِداءُ العَقدِ، فكذا القَبضُ بحُكمِ العَقدِ؛ لأنَّه تَقريرُ العَقدِ وتَأكيدُه، فيُشبِهُ العَقدَ، فيُلحَقُ به، إذ هو عَقدٌ مِنْ وَجْهٍ، فيُلحَقُ بالثَّابِتِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ، في بابِ الحُرُماتِ، احتياطًا، ومَتَى حُرِّمَ القَبضُ لَم يَكُنْ في بَقاءِ العَقدِ فائِدةٌ (١).

القَولُ الثَّاني: أنَّ الرِّبا حَرامٌ، لا فَرقَ في تَحريمِه بينَ دارِ الإسلامِ ودارِ الحَربِ؛ فكلُّ عَقدٍ كانَ رِبًا حَرامًا بينَ مُسلِمينَ في دارِ الإسلامِ كانَ رِبًا

(١) «البدائع» (٥/ ١٥٢، ١٥٣)، و «المبسوط» (١٤/ ٧٥)، و (٢٢/ ٣١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٣٣، ١٣٤)، و «الاختيار» (٢/ ٤٠)، و «اللباب» (١/ ٤٠٦)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٩٠)، و «الهداية» (٣/ ٦٦)، و «شرح فتح القدير» (٧/ ٣٨، ٣٩)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٩٧)، و «البحر الرائق» (٦/ ١٤٧)، والعناية (٩/ ٣٤٤)، و «درر الحكام» (٦/ ٣٦٠)، و «الهندية» (٣/ ١٢١)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ١٨٦)، وكتاب: «الخلاصة الفقهية على مذهب السادة الحنفية» (٢/ ٧٨).

حَرامًا بينَ مُسلِمٍ وحَربيٍّ في دارِ الحَربِ، سَواءٌ دخَل المُسلِمُ إليها بأمانٍ أو بغيرِ أمانٍ، وهذا قَولُ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ وأبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ.

واستَدَلُّوا على ذلك بعُمومِ الأدِلَّةِ الوارِدةِ في حُرمةِ الرِّبا، كقَولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].

وقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)[البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].

وقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)[آل عمران: ١٣٠].

وعَن أبي هُريرةَ رضي الله عنه مَرفوعًا: «اجتَنِبوا السَّبعَ المُوبِقاتِ»، قالوا: وما هُنَّ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ : «الشِّركُ باللَّهِ … ، وأكْلُ الرِّبا … » (١).

وعَن جابرٍ رضي الله عنه قالَ: «لعَن رَسولُ اللَّهِ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه وكاتِبَه وشاهِدَيْه»، وقالَ: «هُمْ سَواءٌ» (٢).

ولِحَديثِ أبي سَعيدٍ مَرفوعًا: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ،

(١) رواه البخاري (٢٧٦٧)، ومسلم (٨٩).
(٢) رواه مسلم (١٥٩٨).

فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (١).

وعُمومُ الأخبارِ يَقتَضي تَحريمَ التَّفاضُلِ، وقَولُه : «فَمَنْ زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى»، عامٌّ، وكذلك سائِرُ الأحاديثِ، ولأنَّ كُلَّ ما كانَ حَرامًا في دارِ الإسلامِ كانَ حَرامًا في دارِ الشِّركِ كَسائِرِ الفَواحِشِ والمَعاصي، ولأنَّ كُلَّ عَقدٍ حُرِّمَ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ، حُرِّمَ بينَ المُسلِمِ والحَربيِّ، كدارِ الإسلامِ، ولأنَّه عَقدٌ فاسِدٌ، وجَب ألَّا يُستَباحَ به المَعقودُ عليه، كالنِّكاحِ، فأمَّا احتِجاجُه بحَديثِ مَكحولٍ فهو مُرسَلٌ، والمَراسيلُ ضَعيفةٌ، ليسَتْ حُجَّةً.

ويُحتمَلُ أنَّه أرادَ النَّهيَ عن ذلك، ولا يَجوزُ تَركُ ما ورَد بتَحريمِه القُرآنُ، وتَظاهَرتْ به السُّنةُ، وانعقَد الإجماعُ على تَحريمِه بخَبَرٍ مَجهولٍ لَم يَرِدْ في صَحيحٍ ولا مُسنَدٍ ولا كِتابٍ مَوثوقٍ به، وهو مع ذلك مُرسَلٌ مُحتمَلٌ.

وأيضًا: ليسَ كلُّ ما استُبيحَ مِنهم بغيرِ عَقدٍ جازَ أنْ يُستَباحَ مِنهم بالعَقدِ الفاسِدِ، ألَا تَرَى أنَّ الفُروجَ يَجوزُ استِباحَتُها مِنهم بالفَيءِ مِنْ غيرِ عَقدٍ، ولا يَجوزُ استِباحَتُها بعَقدٍ فاسِدٍ؟!

فكذا الأموالُ، وإنْ جازَ أنْ تُستَباحَ مِنهم بغيرِ عَقدٍ لَم يَجُزْ أنْ تُستَباحَ بالعَقدِ الفاسِدِ (٢).

(١) رواه البخاري (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤).
(٢) «الأم» (٧/ ٣٥٩)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ٧٥)، و «المجموع» (٩/ ٣٧٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٨)، و «البيان» (٥/ ١٨٥)، و «الفروق» للقرافي (٣/ ٣٦٣)، و «الإفصاح» (١/ ٣٦٢)، و «الأوسط» (١١/ ٢٣٦)، و «المغني» (٤/ ٤٧، ٤٨)، و «المبدع» (٤/ ١٥٧)، و «الإنصاف» (٥/ ٥٢)، وباقي المصادر السابقة.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب الربا وما لا يجوز بعضه ببعض متفاضلا ولا مؤجلا والصرف

بَابُ الرِّبَا وَمَا لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ متفاضلا ولا مؤجلا والصرف

سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَرَجُلٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ " (قَالَ) وَنَقَضَ أَحَدُهُمَا التَّمْرَ وَالْمِلْحَ وَزَادَ الْآخَرُ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الصَّرْفِ وَبِهِ قُلْنَا ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ.

فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} آل عمران: ١٣٠ .

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
باب الربا والصرف

بابُ الرِّبا والصَّرْف

الرِّبا في اللُّغَةِ: هو الزِّيادَةُ. قال اللهُ تَعالَى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} . وقال: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} . أي أكْثَرُ عَدَدًا، يُقالُ: أَرْبَى فُلانٌ على فُلانٍ، إذا زادَ عليه. وهو في الشَّرْعِ: الزِّيادَةُ في أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تَعالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} . وما بَعْدَها مِن الآياتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" . قِيلَ: يا رسولَ اللهِ ما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بِاللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" . وَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه، وشَاهِدَيْه، وكاتِبَه. مُتَّفَقٌ عليهما في أخْبارٍ سوى هذين

كثيرةٍ ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ الرِّبا مُحَرَّمٌ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 181 - 188

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده