حكمة تحريم ربا النساء في المطعوم

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > حكمة تحريم ربا النساء في المطعوم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

حكمة تحريم ربا النساء في المطعوم - الأقوال والأدلة

ويَصحُّ: أنْ يُعوِّضَ أحَدُ النَّقدَيْنِ الآخَرَ بسِعرِ يَومِه، ويَكونُ صَرفًا بعَينٍ وذِمَّةٍ؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: أتَيتُ النَّبيَّ ، فقُلتُ: إنِّي أبيعُ الإبِلَ بالنَّقيعِ، فأبيعُ بالدَّنانيرِ، وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبيعُ بالدَّراهِمِ فآخُذُ الدَّنانيرَ. فقالَ: «لا بَأْسَ أنْ تَأخُذَ بسِعرِ يَومِها ما لَم تَفتَرِقا وبينَكما شَيءٌ (١)» (٢).

وسَيَأتي في بابِ البُيوعِ المَنهيِّ عَنها بَعضُ هذه البُيوعِ، كبَيعِ اللَّحمِ بالحَيَوانِ، وبَيعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ مُتفاضِلًا، وبَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ والعِنَبِ بالزَّبيبِ، وذِكْرُ خِلافِ العُلماءِ فيها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

حِكمةُ تَحريمِ رِبا النِّساءِ في المَطعومِ:

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأمَّا الأصنافُ الأربَعةُ المَطعومةُ فحاجةُ النَّاسِ إليها أعظَمُ مِنْ حاجَتِهم إلى غيرِها؛ لأنَّها أقواتُ العالَمِ، وما يُصلِحُها، فمِن رِعايةِ مَصالِحِ العِبادِ أنْ مُنِعوا مِنْ بَيعِ بَعضِها ببَعضٍ إلى أجَلٍ، سَواءٌ اتَّحَدَ الجِنسُ أو اختلَف، ومُنِعوا مِنْ بَيعِ بَعضِها ببَعضٍ حالًّا مُتفاضِلًا، وإنِ اختَلَفتْ صِفاتُها، وجُوِّزَ لهم التَّفاضُلُ فيها مع اختِلافِ أجناسِها.

وسِرُّ ذلك -واللَّهُ أعلَمُ-: أنَّه لو جُوِّزَ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ نَساءً لَم يَفعَلْ ذلك أحَدٌ إلَّا إذا رَبِحَ، وحينَئذٍ تَشِحُّ نَفْسُه ببَيعِها حالَّةً؛ لِطَمَعِه في الرِّبحِ، فيَعِزُّ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: وقد تقدم.
(٢) «المغني» (٤/ ٢٧، ٣٧) «كشاف القناع» (٣/ ٢٩٢، ٣٠٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٤٥، ٥٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٢٤٦، ٢٦٦)، و «الروض المربع» (١/ ٥٧٩، ٥٨٧)، و «الإنصاف» (٥/ ١٢، ٢٠)، و «إعلام الموقعين» (٢/ ٤٠٠).

الطَّعامُ على المُحتاجِ، ويَشتَدُّ ضَرَرُه، وعامَّةُ أهلِ الأرضِ ليسَ عندَهم دَراهِمُ ولا دَنانيرُ، لا سيَّما أهلَ العَمودِ والبَوادي، وإنَّما يَتناقَلونَ الطَّعامَ بالطَّعامِ، فكانَ مِنْ رَحمةِ الشارِعِ بهم، وحِكمَتِه، أنْ مَنعَهم مِنْ رِبا النَّساءِ فيها، كما منَعهم مِنْ رِبا النَّساءِ في الأثمانِ، إذْ لو جُوِّزَ لَهم النَّساءُ فيها لَدخَلها (إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُربيَ)، فيَصيرَ الصَّاعُ الواحِدُ -لو أُخِذَ- قُفزانًا كَثيرةً ففُطِموا عن النَّساءِ، ثم فُطِموا عن بَيعِها مُتفاضِلًا يَدًا بيَدٍ، إذْ تَجُرُّهم حَلاوةُ الرِّبحِ وظَفَرِ الكَسبِ إلى التِّجارةِ فيها نَساءً، وهو عَينُ المَفسَدةِ، وهذا بخِلافِ الجِنسَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ، فإنَّ حَقائِقَهما وصِفاتِهما ومَقاصِدَهما مُختَلِفةٌ، ففي إلزامِهم المُساواةَ في بَيعِها إضرارٌ بهم، ولا يَفعَلونَه، وفي تَجويزِ النَّساءِ بينَها ذَريعةٌ إلى (إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُربيَ)، فكانَ مِنْ تَمامِ رِعايةِ مَصالِحِهم أنْ قَصَرَهم على بَيعِها يَدًا بيَدٍ، كَيفَ شاؤوا، فحَصَلتْ لَهم مَصلَحةُ المُبادَلةِ واندَفَعتْ عنهم مَفسَدةُ (إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُربيَ)، وهذا بخِلافِ ما إذا بِيعَتْ بالدَّراهِمِ، أو غيرِها مِنْ المَوزوناتِ نَساءً؛ فإنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، فلو مُنِعوا مِنه لَأضَرَّ بهم، ولَامتَنَعَ السَّلَمُ الذي هو مِنْ مَصالِحِهم فيما هم مُحتاجونَ إليه أكثَرَ مِنْ غيرِهم، والشَّريعةُ لا تَأتي بهذا، وليسَ بهم حاجةٌ إلى بَيعِ هذه الأصنافِ بَعضِها ببَعضٍ نَساءً، وهو ذَريعةٌ قَريبةٌ إلى مَفسَدةِ الرِّبا، فأُبيحَ لَهم في جَميعِ ذلك ما تَدعو إليه حاجَتُهم، وليسَ بذَريعةٍ إلى مَفسَدةٍ راجِحةٍ، ومُنِعوا ممَّا لا تَدعو الحاجةُ إليه، ويُتذرَّعُ به في الأغلَبِ إلى مَفسَدةٍ راجِحةٍ.

يُوضِّحُ ذلك أنَّ مَنْ عندَه صِنفٌ مِنْ هذه الأصنافِ وهو مُحتاجٌ إلى

الصِّنفِ الآخَرِ، فإنَّه يَحتاجُ إلى بَيعِه بالدَّراهِمِ لِيَشتَريَ الصِّنفَ الآخَرَ، كما قالَ النَّبيُّ : «بِعِ الجَمعَ بالدَّراهِمِ ثم اشتَرِ بالدَّراهِمِ جَنيبًا»، أو تَبيعُه بذلك الصِّنفِ نَفْسِه بما يُساوي، وعلى كِلا التَّقديرَيْنِ يَحتاجُ إلى بَيعِه حالًّا، بخِلافِ ما إذا مُكِّنَ مِنْ النَّساءِ، فإنَّه حينَئذٍ يَبيعُه بفَضلٍ، ويَحتاجُ إلى أنْ يَشتَريَ الصِّنفَ الآخَرَ بفَضلٍ؛ لأنَّ صاحِبَ ذلك الصِّنفِ يُرْبِي عليه كما أرْبَى هو على غيرِه، فيَنشَأُ مِنْ النَّساءِ تَضرُّرٌ بكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والنَّساءُ ههُنا في صِنفَيْنِ، وفي النَّوعِ الأوَّلِ في صِنفٍ واحِدٍ، وكِلاهُما مَنشَأُ الضَّرَرِ والفَسادِ.

وإذا تَأمَّلتَ ما حُرِّمَ فيه النَّساءُ رَأيتَه إمَّا صِنفًا واحِدًا أو صِنفَيْنِ مَقصودُهما واحِدٌ أو مُتقارِبٌ، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ والبُرِّ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ، فإذا تَباعَدتِ المَقاصِدُ لَم يُحرَّمِ النَّساءُ، كالبُرِّ والثِّيابِ والحَديدِ والزَّيتِ.

يُوضِّحُ ذلك أنَّه لو مُكِّنَ مِنْ بَيعِ مُدِّ حِنطةٍ بمُدَّيْنِ كانَ ذلك تِجارةً حاضِرةً، فتَطلُبُ النُّفوسُ التِّجارةَ المُؤخَّرةَ لِلَذَّةِ الكَسبِ وحَلاوَتِه، فمُنِعوا مِنْ ذلك حتى مُنِعوا مِنْ التَّفرُّقِ قبلَ القَبضِ؛ إتمامًا لِهذه الحِكمةِ، ورِعايةً لِهذه المَصلَحةِ، فإنَّ المُتعاقدَيْنِ قد يَتعاقَدانِ على الحُلولِ، والعادةُ جاريةٌ بصَبرِ أحَدِهما على الآخَرِ، وكما يَفعَلُ أربابُ الحِيَلِ يُطلِقونَ العَقدَ، وقد تَواطَؤوا على أمْرٍ آخَرَ، كما يُطلِقونَ عَقدَ النِّكاحِ، وقد اتَّفَقوا على التَّحليلِ، ويُطلِقونَ بَيعَ السِّلعةِ إلى أجَلٍ، وقد اتَّفَقوا على أنَّه يُعيدُها إليه بدُونِ ذلك الثَّمنِ، فلو جُوِّزَ لَهم التَّفرُّقُ قبلَ القَبضِ لَأطلَقوا البَيعَ حالًّا، وأخَّروا الطَّلَبَ لِأجْلِ الرِّبحِ، فيَقَعوا في المَحذورِ نَفْسِه.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
باب الربا والصرف

بابُ الرِّبا والصَّرْف

الرِّبا في اللُّغَةِ: هو الزِّيادَةُ. قال اللهُ تَعالَى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} . وقال: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} . أي أكْثَرُ عَدَدًا، يُقالُ: أَرْبَى فُلانٌ على فُلانٍ، إذا زادَ عليه. وهو في الشَّرْعِ: الزِّيادَةُ في أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تَعالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} . وما بَعْدَها مِن الآياتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" . قِيلَ: يا رسولَ اللهِ ما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بِاللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" . وَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه، وشَاهِدَيْه، وكاتِبَه. مُتَّفَقٌ عليهما في أخْبارٍ سوى هذين

كثيرةٍ ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ الرِّبا مُحَرَّمٌ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل علة طعام الربا]

(فَصْلٌ) عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا. اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ،

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب الربا وما لا يجوز بعضه ببعض متفاضلا ولا مؤجلا والصرف

بَابُ الرِّبَا وَمَا لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ متفاضلا ولا مؤجلا والصرف

سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَرَجُلٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ " (قَالَ) وَنَقَضَ أَحَدُهُمَا التَّمْرَ وَالْمِلْحَ وَزَادَ الْآخَرُ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الصَّرْفِ وَبِهِ قُلْنَا ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ.

فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} آل عمران: ١٣٠ .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 145 - 147

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله