مد عجوة

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > مد عجوة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

مد عجوة - الأقوال والأدلة

أمَّا إذا كانَ الدَّينُ حالًّا فأبرَأَه صاحِبُ الدَّينِ مِنْ بَعضِه على أنْ يُعطيَه بَعضَه الآخَرَ الحالَّ فجائِزٌ باتِّفاقِ العُلماءِ؛ لِحَديثِ كَعبِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أنَّه تَقاضَى ابنُ أبي حَدرَدٍ رضي الله عنه دَينًا كانَ له عليه في عَهدِ رَسولِ اللَّهِ في المَسجِدِ، فارتَفَعتْ أصواتُهما حتى سَمِعَها رَسولُ اللَّهِ ، وهو في بَيتِه، فخرَج رَسولُ اللَّهِ إليهما حتى كَشَفَ سِجفَ حُجرَتِه، فنادَى كَعبَ بنَ مالِكٍ، فقالَ: «يا كَعبُ»، فقالَ: لَبَّيكَ يا رَسولَ اللَّهِ، فأشارَ بيَدِه أنْ ضَعِ الشَّطرَ، فقالَ كَعبٌ رضي الله عنه: قد فَعَلتُ يا رَسولَ اللَّهِ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «قُم فاقضِه» (١).

مُدُّ عَجوةٍ:

المُدُّ: مِكيالٌ مَعروفٌ، وهو أصغَرُ المَكاييلِ، ومِقدارُه: رُبُعُ صاعٍ.

والعَجوةُ: ضَربٌ مِنْ أجوَدِ التَّمرِ بالمَدينةِ المُنوَّرةِ.

ومَسألةُ «مُدُّ عَجوةٍ» مُصطَلَحٌ درَج على ألسِنةِ الفُقهاءِ، وقد عرَّفها الفُقهاءُ بأنَّها: بَيعٌ رِبَويٌّ بجِنسِه مُتماثِلًا، وكانَ مع أحَدِ الجِنسَيْنِ شَيءٌ مِنْ غيرِه، أو معهما، ومِثالُ ذلك بَيعُ صاعِ تَمرٍ وثَوبٍ بصاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، أو دِينارٍ جَيِّدٍ ودِينارٍ مُتوسِّطٍ بدِينارَيْنِ جَيِّدَيْنِ، أو مُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بمُدَّيْ عَجوةٍ أو مُدِّ حِنطةٍ ومُدِّ شَعيرٍ بمُدَّيْ حِنطةٍ (٢).

(١) رواه البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٥٨).
(٢) انظر: «الإفصاح» (١/ ٣٧٣).

وقد اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ هذه المَسألةِ على قَولَيْنِ:

القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ ذلك غيرُ جائِزٍ.

واستَدلَّ الجُمهورُ على عَدَمِ الجَوازِ بما رَواه مُسلِمٌ عن فَضالةَ بنِ عُبَيدِ رضي الله عنه قالَ: «اشتَرَيتُ يَومَ خَيبَرَ قِلادةً باثنَيْ عشَرَ دِينارًا، فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، ففَصَّلتُها، فوَجَدتُ فيها أكثَرَ مِنْ اثنَيْ عشَرَ دِينارًا، فذَكَرتُ ذلك لِلنَّبيِّ فقال: «لا تُباعُ حتى تُفصَّلَ» (١)، ولأنَّ قَضيَّةَ اشتِمالِ أحَدِ طَرَفَيِ العَقدِ على مالَيْنِ مُختلِفَيْنِ تَوزيعُ ما في الآخَرِ عليهما، اعتِبارًا بالقِيمةِ، كما في بَيعِ شِقصٍ مَشفوعٍ وسَيفٍ بألْفٍ وقِيمةُ الشِّقصِ مِئةٌ والسَّيفِ خَمسونَ، فإنَّ الشَّفيعَ يَأخُذُ الشِّقصَ بثُلُثَيْنِ، والتَّوزيعُ هُنا يُؤَدِّي إلى المُفاضَلةِ، أو الجَهلِ بالمُماثَلةِ؛ لأنَّه إذا باعَ مُدًّا ودِرهَمًا بمُدَّيْنِ، إنْ كانَتْ قِيمةُ المُدِّ الذي مع الدِّرهَمِ أكثَرَ أو أقَلَّ مِنه، لزِمتْه المُفاضَلةُ أو مِثلُه، فالمُماثَلةُ مَجهولةٌ، فلو كانَتْ قِيمَتُه دِرهَمَيْنِ فالمُدُّ ثُلُثَا طَرَفِه، فيُقابِلُه ثُلُثَا المُدَّيْنِ، أو نِصفُ دِرهَمٍ، فالمُدُّ ثُلُثُ طَرَفِه، فيُقابِلُه ثُلُثُ المُدَّيْنِ، فنُلزِمُ المُفاضَلةَ أو مثلَه، فالمُماثَلةُ مَجهولةٌ؛ لأنَّها تَعتَمِدُ التَّقويمَ، وهو تَخمينٌ قد يُخطِئُ» (٢).

(١) رواه مسلم (١٥٩١).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٣٦٨)، و «المهذب» (١/ ٢٧٣)، و «الوسيط» (٣/ ٤٤٤، ٤٤٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩، ٥٠)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٥٦، ٤٥٨)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٢٥)، و «المغني» (٤/ ٤٤، ٤٥)، و «الإفصاح» (١/ ٣٧٣)، و «القواعد» لابن رجب (١/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «المبدع» (٤/ ١٤٤، ١٤٦).

والقَولُ الثَّاني وهو قَولُ الحَنفيَّةِ وأحمدَ في الرِّوايةِ الأُخرَى أنَّ ذلك جائِزٌ.

قالَ الحَنفيَّةُ: ولا بَأْسَ بكُرِّ حِنطةٍ وكُرِّ شَعيرٍ بثَلاثةِ أكرارِ حِنطةٍ وكُرِّ شَعيرٍ يَدًا بيَدٍ، فتَكونُ حِنطةُ هذا بشَعيرٍ هذا، وشَعيرُ هذا بحِنطةِ هذا، وكذلك لو باعَ مُدَّ عَجوةٍ وزَبيبٍ بمُدَّيْ عَجوةٍ وزَبيبٍ، أو باعَ دِينارًا ودِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ ودِينارَيْنِ.

وكذا إذا باعَ دِرهَمًا جَيِّدًا ودِرهَمًا زَائفًا بدِرهَمَيْنِ جَيِّدَيْنِ يَجوزُ، وكذلك لو باعَ دِينارًا نَيْسابوريًّا أو دِينارًا هَرويًّا بدِينارَيْنِ نَيسابوريِّيْنِ أو هَرويِّيْنِ، وهذا بِناءً على الأصلِ أنَّه لا قِيمةَ لِلجَودةِ في الأموالِ الرِّبَويَّةِ عندَ المُقابَلةِ بجِنسِها، فالمُقابَلةُ باعتِبارِ الأجزاءِ، ويَجوزُ العَقدُ لِوُجودِ المُساواةِ في الوَزنِ عَمَلًا بقَولِه : «الذَّهبُ بالذَّهبِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ»، وبِقَولِه : «جَيِّدُها ورَديئُها سَواءٌ».

ولأنَّ العَقدَ اشتَمَلَ هُنا على نَوعَينِ مُختلِفَيْنِ، فيَنبَغي أنْ يَجوزَ العَقدُ كَيفَ شاءَ المُتعاقِدانِ، والمَعنَى فيه أنَّ تَحصيلَ مَقصودِ المُتعاقدَيْنِ مُمكِنٌ بطَريقٍ شَرعيٍّ، وهو صَرفُ الجِنسِ إلى خِلافِ الجِنسِ، فيَجِبُ المَصيرُ إليه، ويُجعَلُ ذلك كالمُصَرَّحِ به، وهذا لأنَّ الانقِسامَ في سائِرِ المُعاوَضاتِ باعتِبارِ القِيمةِ ليسَ بمُقتَضى العَقدِ، بَلْ لِلمُعاوَضةِ والمُساواةِ؛ إذْ ليسَ صَرْفُ بَعضٍ أوْلَى مِنْ بَعضٍ، فيَصيرُ الانقِسامُ والتَّوزيعُ باعتِبارِ

القِيمةِ لِلمُعاوَضةِ، وذلك غيرُ مَوجودٍ هُنا؛ لأنَّه لو صرَف الجِنسَ إلى الجِنسِ فسَد العَقدُ.

ولو صُرِفَ الجِنسُ إلى خِلافِ الجِنسِ صَحَّ العَقدُ، ولا مُعاوَضةَ بينَ الجائِزِ والفاسِدِ؛ فالجائِزُ مَشروعٌ بأصْلِه ووَصْفِه، والفاسِدُ مَشروعٌ بأصْلِه، حَرامٌ بوَصْفِه؛ فإذا لَم تَتحقَّقِ المُعاوَضةُ على وَجْهِ المُساواةِ لا يُصارُ إلى الِانقِسامِ باعتِبارِ القِيمةِ، ولكنْ يَترجَّحُ ما هو مَشروعٌ مِنْ كلِّ وَجْهٍ على ما هو مَشروعٌ مِنْ وَجْهٍ دونَ وَجْهٍ (١).

وقد ذكَر الإمامُ الماوَرديُّ مَذهبَ الشافِعيَّةِ والحَنفيَّةِ وذكَر أدِلَّةَ كِلَا الفَريقَيْنِ ورَدَّ عليها، فقالَ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه تَعالى: ولا خَيرَ في مُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بمُدِّ عَجوةٍ، حتى يَكونَ التَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلٍ.

قالَ الماوَرديُّ: وجُملَتُه أنَّ كُلَّ جِنسٍ ثبَت فيه الرِّبا لا يَجوزُ أنْ يُباعَ بشَيءٍ مِنْ جِنسِه إذا ضُمَّ إليه عِوَضٌ مِنْ غيرِ جِنسِه؛ فعلى هذا لا يَجوزُ أنْ يُباعَ مُدُّ تَمرٍ ودِرهَمٌ بمُدَّيْ تَمرٍ، ولا بدِرهَمَيْنِ، ولا يَجوزُ أنْ يُباعَ دِينارٌ وثَوبٌ بدِينارَيْنِ، ولا دِرهَمٌ وسَيفٌ بدِرهَمَيْنِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ بجَوازِه، فأباحَ بَيعَ مُدِّ تَمرٍ ودِرهَمٍ بمُدَّيْنِ، وجعَل مُدًّا بمُدٍّ ودِرهَمًا بمُدٍّ، وأجازَ بَيعَ سَيفٍ مُحَلًّى بذَهَبٍ بالذَّهبِ، إذا كانَ الثَّمنُ أكثَرَ ذَهَبًا مِنْ الحِليةِ، لِيَكونَ الفاضِلُ مِنه ثَمَنًا لِلسَّيفِ، ويُجعَلَ الذَّهبُ

(١) «المبسوط» (٢/ ١٨٩، ١٩٠)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٠٧)، و «المغني» (٤/ ٤٤، ٤٥).

بالذَّهبِ مِثْلًا بمِثْلٍ. فاستَدلَّ على ذلك بأنَّ العَقدَ إذا أمكَنَ حَملُه على الصِّحَّةِ كانَ أوْلَى مِنْ حَملِه على الفَسادِ، وقد رُويَ عن عمرَ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «إذا وَجَدتُم لِمُسلِمٍ مَخرَجًا فأخرِجوه». فلمَّا كانَ مُتبايِعًا المُدَّ والدِّرهَمَ بالمُدَّيْنِ لو شرَطا في العَقدِ أنْ يَكونَ مُدٌّ بمُدٍّ، ودِرهَمٌ بمُدٍّ، صَحَّ العَقدُ، وجَب أنْ يُحمَلَ عليه أيضًا مع عَدَمِ الشَّرطِ؛ لِيَكونَ العَقدُ مَحمولًا على وَجْهِ الصِّحَّةِ دونَ الفَسادِ. قالَ: ولأنَّ المُماثَلةَ فيما يَدخُلُه الرِّبا مُعتبَرةٌ بالكَيلِ إنْ كانَ مَكيلًا، أو بالوَزنِ إنْ كانَ مَوزونًا؛ فأمَّا القِيمةُ فلا اعتِبارَ بها في المُماثَلةِ، لا في المَكيلِ، ولا في المَوزونِ، ألَا تَراه لو باعَ كُرًّا مِنْ حِنطةٍ يُساوي عَشَرةَ دَنانيرَ بِكُّرٍّ مِنْ حِنطةٍ يُساوي عِشرينَ دِينارًا صَحَّ العَقدُ؛ لِوُجودِ التَّماثُلِ في الكَيلِ، وإنْ حصَل التَّفاضُلُ في القِيمةِ، وإذا بطَل اعتِبارُ القِيمةِ في المُماثَلةِ صارَ العَقدُ مُقَسَّطًا على الأجزاءِ دونَ القِيَمِ؛ ويَصيرُالبَيعُ مُدًّا بإزاءِ مُدٍّ، ودِرهَمًا بإزاءِ مُدٍّ.

والدِّلالةُ عليه حَديثُ فَضالةَ بنِ عُبَيدٍ رضي الله عنه قالَ: أُتيَ رَسولُ اللَّهِ عامَ خَيبَرَ بقِلادةٍ فيها خَرَزٌ، وذَهَبٌ، ابتاعَها رَجُلٌ بتِسعةِ دَنانيرَ، أو بسَبعةِ دَنانيرَ، فقالَ النَّبيِّ : «لا، حتى تُميِّزَ بينَهما»، فقالَ الرَّجُلُ: إنَّما أرَدتُ الحِجارةَ. فقالَ: «لا، حتى تُميِّزَ بينَهما».

فإنْ قيلَ: فيَجوزُ أنْ يَكونَ النَّبيُّ رَدَّه لأنَّ ذهَب القِلادةِ أكثَرُ مِنْ ذَهَبِ الثَّمنِ؟ قُلْنا: لا يَصحُّ ذلك مِنْ وَجهَيْنِ:

أحَدُهما: أنَّ النَّبيَّ أطلَقَ الجَوابَ مِنْ غيرِ سُؤالٍ، فدَلَّ على استِواءِ الحالَيْنِ.

والآخَرُ: أنَّ قَولَ المُشتَرِي: إنَّما أرَدتُ الحِجارةَ، دَليلٌ على أنَّ الذَّهبَ يَسيرٌ دخَل على وَجْهِ التَّبَعِ. ورُويَ أنَّ مُعاويةَ رضي الله عنه ابتاعَ سَيفًا مُحَلًّى بالذَّهبِ بذَهَبٍ. فقالَ أبو الدَّرداءِ: لا يَصلُحُ هذا؛ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ نهَى عنه، فقالَ: «الذَّهبُ بالذَّهبِ مِثْلًا بمِثْلٍ». فقالَ مُعاويةُ: ما أرَى بذلك بَأْسًا؛ فقالَ أبو الدَّرداءِ: أُحدِّثُكَ عن رَسولِ اللَّهِ وتُحدِّثُني عن رَأيِكَ، واللَّهِ لا أُساكِنُكَ أبدًا (١). فدَلَّ هَذانِ الحَديثانِ على صِحَّةِ ما ذَكَرْنا.

ثم الدَّليلُ عليه مِنْ طَريقِ المَعنَى هو أنَّ العَقدَ الواحِدَ إذا جَمَعَ شَيئَيْنِ مُختلِفيِ القِيمةِ كانَ الثَّمنُ مُقَسَّطًا على قِيمَتِهما، لا على أعدادِهما، يُوضِّحُ ذلك أصلانِ:

أحَدُهما: أنَّ مَنْ اشتَرَى شِقصًا مِنْ دارٍ وعَبدًا بألْفٍ، فاستَحقَّ الشِّقصَ بالشُّفعةِ، كانَ مَأخوذًا بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ اعتِبارًا بقِيمَتِه وقِيمةِ العَبدِ، ولا يَكونُ مَأخوذًا بنِصفِ الثَّمنِ.

والآخَرُ: أنَّ مَنْ اشتَرَى عَبدًا وثَوبًا بألْفٍ، ثم استَحقَّ الثَّوبَ أو تلِف كانَ العَبدُ مَأخوذًا بحِصَّتِه مِنْ الألْفِ، ولا يَكونُ مَأخوذًا بنِصفِ الألْفِ.

(١) رواه مالك في «الموطأ» (١٣٠٢)، والشافعي في «مسنده» (١/ ٢٤٢)، والنسائي (٤٥٧٢)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠٨٠٠).

وإذا كانَتِ الأُصولُ تُوجِبُ تَقسيطَ الثَّمنِ على القِيمةِ اقتَضى أنْ يَكونَ العَقدُ ههُنا فاسِدًا؛ لأنَّه يَتردَّدُ بينَ أمرَيْنِ:

أحَدُهما: العِلمُ بالتَّفاضُلِ.

والآخَرُ: الجَهلُ بالتَّماثُلِ؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ تَكونَ قِيمةُ المُدِّ الذي مع الدِّرهَمِ أقَلَّ مِنْ دِرهَمٍ أو أكثَرَ مِنْ دِرهَمٍ، أو يَكونَ دِرهَمًا، لا أقَلَّ ولا أكثَرَ. فإنْ كانَ أقَلَّ أو أكثَرَ كانَ التَّفاضُلُ مَعلومًا، وإنْ كانَ دِرهَمًا كانَ التَّماثُلُ مَجهولًا، والجَهلُ بالتَّماثُلِ كالعِلمِ بالتَّفاضُلِ. فلَم يَخْلُ العَقدُ في كِلا الأمرَيْنِ مِنْ الفَسادِ.

فإنْ قيلَ: الثَّمنُ لا يَتقسَّطُ على القِيمةِ في حالِ العَقدِ، وإنَّما يَتقسَّطُ على القِيمةِ بالِاستِحقاقِ فيما بَعدُ؛ لأنَّ الثَّمنَ لا يَصحُّ أنْ يَكونَ مَجهولًا حالَ العَقدِ، وتَقسيطُه على القِيمةِ به يُفضي إلى الجَهالةِ. قُلْنا: هذا القَولُ فاسِدٌ؛ لأنَّ الثَّمنَ لا بدَّ أنْ يَكونَ مُقَسَّطًا إمَّا على القِيمةِ، وإمَّا على العَدَدِ؛ فلمَّا بطَل أنْ يَكونَ مُقَسَّطًا على العَدَدِ؛ لأنَّه لا يُستحَقُّ به، ثبَت أنَّه مُقَسَّطٌ على القِيمةِ، وليسَ الجَهلُ بالتَّفصيلِ مع العِلمِ بالجُملةِ مانِعًا مِنْ الصِّحَّةِ.

فأمَّا استِدلالُهم بأنَّ العَقدَ إذا أمكَنَ حَملُه على الصِّحَّةِ لَم يَجُزْ حَملُه على الفَسادِ. فيَنتقِضُ بمَن باعَ سِلعةً إلى أجَلٍ، ثم اشتَراها نَقدًا بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ عندَهم، مع إمكانِ حَملِه على الصِّحَّةِ، وهُما عَقدانِ يَجوزُ كلُّ واحِدٍ مِنهما على الِانفِرادِ، وجَعَلوا العَقدَ الواحِدَ ههُنا عَقدَيْنِ؛ لِيَحمِلوه على الصِّحَّةِ، فكانَ هذا إفسادًا لقولِهم. ولو كانَ هذا

أصلًا مُعتبَرًا لَكانَ بَيعُ مُدِّ تَمرٍ بمُدَّيْنِ جائِزًا، لِيَكونَ تَمرُ كلِّ واحِدٍ مِنهُما بنَوَى الآخَرِ، حَملًا لِلعَقدِ على وَجْهٍ يَصحُّ فيه ولا يَفسُدُ، أو يَكونُ مُدًّا بمُدٍّ، والآخَرُ مَحمولًا على الهِبةِ دونَ البَيعِ؛ فلمَّا لَم يَجُزِ اعتِبارُ هذا في العَقدِ وجَب اعتِبارُ إطلاقِه في العُرفِ المَقصودِ مِنه كذلك في مَسألَتِنا.

وأمَّا استِدلالُهم بأنَّ المُماثَلةَ مُعتبَرةٌ بالقَدْرِ دونَ القِيمةِ، فالجَوابُ عنه أنَّ القِيمةَ غيرُ مُعتبَرةٍ، وإنَّما يُعتبَرُ تَماثُلُ القَدْرِ، غيرَ أنَّ بالقِيمةِ في الأجناسِ المُختَلِفةِ يُعلَمُ تَماثُلُ القَدْرِ، أو تَفاضُلُه، واللَّهُ أعلَمُ (١).

وجاءَ في «تَهذيبِ الفُروقِ» في الفَرقِ الثَّامِنِ والثَّمانينَ والمِئةِ بينَ قاعِدةِ تَحريمِ بَيعِ الرِّبَويِّ بجِنسِه، وبينَ قاعِدةِ عَدَمِ تَحريمِ بَيعِه بجِنسِه.

واتَّفق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على جَوازِ بَيعِ الرِّبَويِّ بجِنسِه إذا كانَ الرِّبَويانِ مُستوِيَيْنِ في المِقدارِ، ولَم يَكُنْ معهما ولا مع أحَدِهما عَينٌ أُخرَى، ولا جِنسٌ آخَرُ.

واتَّفق الجَميعُ على المَنعِ إذا كانَ الرِّبَويانِ مُستوِيَيْنِ في المِقدارِ، ومع أحَدِهما عَينٌ أُخرَى؛ لأنَّها تُقابِلُ مِنْ أحَدِهما جُزءًا، فيَبقَى أحَدُهما أكثَرَ مِنْ الآخَرِ بالضَّرورةِ، فيَذهَبُ ما يَعتمِدُ عليه أبو حَنيفةَ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بالمُسلِمينَ.

واختَلَفوا فيما إذا اتَّحَدَ جِنسُ الرِّبَويِّ مِنْ الطَّرفَيْنِ وكانَ معهما أو مع

(١) «الحاوي الكبير» (٥/ ١١٣، ١١٥).

أحَدِهما جِنسٌ آخَرُ؛ يُمتنَعُ حينَئذٍ البَيعُ أو يَجوزُ؟ فذهَب إلى الأوَّلِ مالِكٌ والشافِعيُّ وابنُ حَنبَلٍ مُحتَجِّينَ بثَلاثةِ وُجوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُضافَ يُحتمَلُ أنْ يُقابِلَه مِنْ الآخَرِ ما لا يَبقَى بعدَ المُقابَلةِ، إلَّا أقَلَّ مِنْ مُساوِي المُضافِ إليه، والمُماثِلَ له، والمُماثَلةُ شَرطٌ، والجَهلُ بالشَّرطِ يُوجِبُ الجَهلَ بالمَشروطِ، فلا يَقضي بالصِّحَّةِ.

الوَجهُ الثَّاني: أنَّه ذَريعةٌ إلى التَّفاضُلِ، فيَجِبُ سَدُّها، لا سيَّما أنَّه قالَ: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ، ولا الفِضَّةَ بالفِضَّةِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ»، فجعَل الجَميعَ على المَنعِ إلَّا في حالةِ المُماثَلةِ، وهذه الحالةُ غيرُ مَعلومةٍ في صُورةِ النِّزاعِ، فوجَب بَقاؤُها على المَنعِ.

الوَجْهُ الثَّالثُ: في مُسلِمٍ عن النَّبيِّ أنَّه أُتيَ بقِلادةٍ وهو بخَيبَرَ فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، فمنَع بَيعَها حتى تُفصَّلَ.

وذهَب إلى الثَّاني أبو حَنيفةَ؛ بناءً على أمرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ حالِ المُسلِمينَ يَقتَضي الظَّنَّ بحُصولِ المُماثَلةِ، والظَّنُّ كافٍ في ذلك، كالطَّهاراتِ وغيرِها.

الأمرُ الآخَرُ: أنَّ قَضيةَ القِلادةِ واقِعةُ عَينٍ، لَم يَتعيَّنِ المَنعُ فيها لِما ذُكِرَ، أي: مِنْ أنَّ المُضافَ يُحتمَلُ أنْ يُقابِلَه مِنْ الآخَرِ ما لا يَبقَى بعدَ المُقابَلةِ، إلَّا أقَلَّ مِنْ مُساوِي المُضافِ إليه، إلَخ … بَلْ لأنَّ الحُلِيَّ كانَ الذي فيها مَجهولَ الزِّنةِ، ونحن لا نُجيزُه مع الجَهلِ بالزِّنةِ؛ فإذا فُصِّلَتِ القِلادةُ ووُزِنَتْ عُلم

وَزنُها؛ فجازَ بَيعُها، فلِمَ قُلتُم: إنَّ المَنعَ ما كانَ لِذلك؟

والجَوابُ عن الأوَّلِ: إنَّا لا نُسلِّمُ بأنَّ الظَّنَّ يَكفي في المُماثَلةِ في بابِ الرِّبا، بَلْ لا بدَّ مِنْ العِلمِ بشَهادةِ المِيزانِ والمِكيالِ، وبابُ الرِّبا أضيَقُ مِنْ بابِ الطَّهارةِ، فَلا يُقاسُ عليه.

وعن الأمرِ الآخَرِ: بأنَّا لَم نَقُلْ: إنَّ المَنعَ في قَضيةِ القِلادةِ كانَ لأنَّ الحُلِيَّ كانَ الذي فيها مَجهولَ الزِّنةِ، بَلْ قُلْنا: إنَّ المَنعَ فيها كانَ لِما ذَكَرْناه؛ اعتِمادًا على حَديثِ: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ … »؛ لأنَّ حالةَ المُماثَلةِ التي مُفادُ الحَديثِ اشتِراطُها في جَوازِ البَيعِ غيرُ مَعلومةٍ في صُورةِ النِّزاعِ؛ فوجَب بَقاؤُها على المَنعِ، كما تَقدَّمَ على أنَّه يَلزَمُ على أصلِ أبي حَنيفةَ أنْ يَجوزَ بَيعُ دِينارٍ في قِرطاسٍ بدِينارَيْنِ؛ لِاحتِمالِ مُقابَلةِ الدِّينارِ الزَّائِدِ بالقِرطاسِ، وهو قد جَوَّزَه، وهو شَنيعٌ، فتَأمَّلْ، وهذه القاعِدةُ تُسَمَّى مُدَّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بدِرهمَيْنِ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: المَسألةُ التي نقَلها الفُقهاءُ -مَسألةَ «مُدُّ عَجوةٍ» - على ثَلاثةِ أقسامٍ، يَجمَعُها أنَّه بَيعُ رِبَويٍّ بجِنسِه، ومعهما، أو مع أحَدِهما مِنْ غيرِ جِنسِهما:

القِسمُ الأوَّلُ: أنْ يَكونَ المَقصودُ بَيعً رِبَويٍّ بجِنسِه مُتفاضِلًا، ويُضَمَّ إلى الأقَلِّ غيرُ الجِنسِ حِيلةً، مثلَ أنْ يَبيعَ ألْفَيْ دِينارٍ بألْفِ دِينارٍ في مِنديلٍ،

(١) «تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية» (٣/ ٤٠١، ٤٠٢).

أو قَفيزِ حِنطةٍ بقَفيزٍ وغِرارةٍ، ونَحوِ ذلك؛ فإنَّ الصَّوابَ في مِثلِ هذا القَولِ بالتَّحريمِ، كما هو مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ، وإلَّا فلا يَعجِزُ أحَدٌ في رِبا الفَضلِ أنْ يَضُمَّ إلى القَليلِ شَيئًا مِنْ هَذا.

القِسمُ الثَّاني: أنْ يَكونَ المَقصودُ بَيعَ غيرِ رِبَويٍّ مع رِبَويٍّ، وإنَّما دخَل الرِّبَويُّ ضِمنًا وتَبَعًا، كبَيعِ شاةٍ ذاتِ صُوفٍ ولَبَنٍ بشاةٍ ذاتِ صُوفٍ ولَبَنٍ، أو سَيفٍ فيه فِضَّةٌ يَسيرةٌ بسَيفٍ أو غيرِه أو دارٍ مُمَوَّهةٍ بذَهَبٍ بدارٍ ونَحوِ ذلك؛ فهُنا الصَّحيحُ في مَذهبِ مالِكٍ وأحمدَ جَوازُ ذلك.

وكذلك لو كانَ المَقصودُ بَيعَ الرِّبَويِّ بغيرِ الرِّبَويِّ، مثلَ بَيعِ الدَّارِ والسَّيفِ ونَحوِهما بذَهَبٍ، أو بَيعِه بجِنسِه وهُما مُتَساويانِ.

ومَسألةُ الدَّراهِمِ المَغشوشةِ في زَمانِنا مِنْ هذا البابِ؛ فإنَّ الفِضَّةَ التي في أحَدِ الدِّرهَمَيْنِ كالفِضَّةِ التي في الدِّرهَمِ الآخَرِ، وأمَّا النُّحاسُ فهو تابِعٌ غيرُ مَقصودٍ، ولِهذا كانَ الصَّحيحُ جَوازَ ذلك بخِلافِ القِسمِ الثَّالثِ.

وهو ما إذا كانَ كِلاهُما مَقصودًا مثلَ بَيعِ مُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بمُدِّ عَجوةٍ، ودِرهَمٍ أو مُدَّيْنِ أو دِرهَمَيْنِ، أو بَيعِ دينارٍ بنِصفِ دِينارٍ وعَشَرةِ دَراهِمَ، أو بَيعِ عَشَرةِ دَراهِمَ ورِطلِ نُحاسٍ بعَشَرةِ دَراهِمَ ورِطلِ نُحاسٍ؛ فمِثلُ هذه فيها نِزاعٌ مَشهورٌ، فأبو حَنيفةَ يُجوِّزُ ذلك، والشافِعيُّ يُحرِّمُه، وعَن أحمدَ رِوايَتانِ، ولِمالِكٍ تَفصيلٌ بينَ الثُّلُثِ وغيرِه (١).

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٦٢، ٤٦٤).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 200 - 210

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 2 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4 / 29.5
الإضاءة 17%
البدر بعد 11 يوم
أستغفر الله