وصور بيع الفلس بجنسه عند الحنفية أربع

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > وصور بيع الفلس بجنسه عند الحنفية أربع

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

وصور بيع الفلس بجنسه عند الحنفية أربع - الأقوال والأدلة

بَيضةٍ ببَيضَتَيْنِ، وجَوزةٍ بجَوزَتَيْنِ، وسِكِّينٍ بسِكِّينَيْنِ، ونَحوِ ذلك، إذا كانَ يَدًا بيَدٍ.

هَذا وقد فَصَّلَ الحَنفيَّةُ فقالوا: يَجوزُ بَيعُ الفِلسِ بالفِلسَيْنِ بأعيانِهما، عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، إذا لَم يَكُنْ كِلاهُما أو أحَدُهما دَيْنًا؛ لأنَّ الثَّمنيَّةَ في حَقِّهِما تَثبُتُ باصطِلاحِهما؛ إذ لا وِلايةَ لِلغيرِ عليهما، فتَبطُلُ باصطِلاحِهما، وإذا بَطَلتِ الثَّمنيَّةُ تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، ولا يَعودُ وَزنيًّا؛ لِبَقاءِ الِاصطِلاحِ على العَدِّ؛ إذ في نَقضِه في حَقِّ العَدِّ فَسادُ العَقدِ، فصارَ كالجَوزةِ بالجَوزَتَيْنِ، بخِلافِ النُّقودِ؛ لأنَّها لِلثَّمَنيَّةِ خِلقةً، وبِخِلافِ ما إذا كانا بغيرِ أعيانِهما؛ لأنَّه كالِئٌ بالكالِئِ، وقد نُهيَ عنه، وبِخِلافِ ما إذا كانَ أحَدُهما بغيرِ عَينِه؛ لأنَّ الجِنسَ بانفِرادِه يُحرِّمُ النَّسَاءَ.

وصُوَرُ بَيعِ الفِلسِ بجِنسِه عندَ الحَنفيَّةِ أربَعٌ:

الأُولَى: أنْ يَبيعَ فِلسًا بغيرِ عَينِه بفِلسَيْنِ بغيرِ عَيْنَيْهما فلا يَجوزُ؛ لأنَّ الفُلوسَ الرَّائِجةَ أمثالٌ مُتَساويةٌ -قَطعًا-؛ لِاصطِلاحِ النَّاسِ على سُقوطِ قِيمةِ الجَودةِ مِنها، فيَكونُ أحَدُهما فَضلًا خاليًا مَشروطًا في العَقدِ، وهو الرِّبا.

الثَّانيةُ: أنْ يَبيعَ فِلسًا بعَينِه بفِلسَيْنِ بغيرِ عَينَيْهما فلا يَجوزُ -أيضًا-، وإلَّا أمسَكَ البائِعُ الفِلسَ المُعيَّنَ وقبَضه بعَينِه مِنه مع فِلسٍ آخَرَ، لِاستِحقاقِه فِلسَيْنِ في ذِمَّتِه، فيَرجِعُ إليه عَينُ مالِه، ويَبقَى الفِلسُ الآخَرُ خاليًا عن العِوَضِ.

الثَّالثةُ: أنْ يَبيعَ فِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما بفِلسٍ بغيرِ عَينِه، فلا يَجوزُ كذلك؛ لأنَّه لو جازَ لَقبَض المُشتَرِي الفِلسَيْنِ، ودَفَعَ إليه أحَدَهما مَكانَ ما استَوجَبَ عليه؛ فيَبقَى الآخَرُ فَضلًا بلا عِوَضٍ استُحِقَّ بعَقدِ البَيعِ، وهذا إذا رَضيَ بتَسليمِ المَبيعِ قبلَ قَبضِ الثَّمنِ.

الرَّابِعةُ: أنْ يَبيعَ فِلسًا بعَينِه بفِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما، فيَجوزُ عندَهُما، خِلافًا لِمُحمَّدٍ، وهي مَسألَتُنا هذه (١).

وذهَب مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ وهو مَشهورُ قَولِ المالِكيَّةِ -كما في المُدوَّنةِ- والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وهو وَجْهٌ لِلشافِعيَّةِ واختيارُ ابنِ حَجَرٍ الهَيتَميِّ مِنهم إلى المَنعِ مِنْ ذلك، فلا يَجوزُ فيها التَّفاضُلُ.

واستَدلَّ الحَنفيَّةُ لقولِ مُحمَّدٍ بعَدَمِ الجَوازِ بأنَّ الفُلوسَ أثمانٌ، فلا يَجوزُ بَيعُها بجِنسِها مُتفاضِلًا، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، ودِلالةُ الوَصفِ عِبارةٌ عَمَّا تُقدَّرُ به ماليَّةُ الأعيانِ، وماليَّةُ الأعيانِ كما تُقدَّرُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ تُقدَّرُ بالفُلوسِ أيضًا، فكانَتْ أثمانًا، والثَّمنُ لا يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فالتَحَقَ التَّعيينُ فيهما بالعَدَمِ، فلا يَجوزُ بَيعُ فِلسٍ بفِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما، كما لا يَجوزُ بغيرِ عَيْنَيْهما.

ولأنَّها إذا كانَتْ أثمانًا فالواحِدُ يُقابِلُ الواحِدَ، فبَقيَ الآخَرُ فَضلَ مالٍ لا يُقابِلُه عِوَضٌ في عَقدِ المُعاوَضةِ، وهذا تَفسيرُ الرِّبا، كما حَرَّرَه الكاسانيُّ.

(١) «العناية شرح الهداية» (٩/ ٣١٣)، و «شرح فتح القدير» (٧/ ١٥٥)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ٣٦)، و «درر الحكام» (٦/ ٣٥٣)، و «البحر الرائق» (٦/ ١٤٢، ١٤٣).

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ويَجوزُ بَيعُ المَعدوداتِ المُتَقارِبةِ مِنْ غيرِ المَطعوماتِ بجِنسِها مُتفاضِلًا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، بعدَ أنْ يَكونَ يَدًا بيَدٍ، كَبَيعِ الفِلسِ بالفِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما وعندَ مُحمَّدٍ لا يَجوزُ.

وَجْهُ قَولِه: إنَّ الفُلوسَ أثمانٌ، فلا يَجوزُ بَيعُها بجِنسِها مُتفاضِلًا، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، ودِلالةُ الوَصفِ عِبارةٌ عَمَّا تُقدَّرُ به ماليَّةُ الأعيانِ، وماليَّةُ الأعيانِ كما تُقدَّرُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ تُقدَّرُ بالفُلوسِ، فكانَتْ أثمانًا، ولِهذا كانَتْ أثمانًا عندَ مُقابَلَتِها بخِلافِ جِنسِها، وعندَ مُقابَلَتِها بجِنسِها حالَّةً تَكونُ المُساواةُ، وإنْ كانَتْ ثَمَنًا فالثَّمنُ لا يَتعيَّنُ، وإنْ عُيِّنَ كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ التَحَقَ التَّعيينُ فيهِما بالعَدَمِ، فكانَ بَيعُ الفِلسِ بالفِلسَيْنِ بغيرِ عَيْنَيْهما، وذا لا يَجوزُ، ولأنَّها إذا كانَتْ أثمانًا فالواحِدُ يُقابِلُ الواحِدَ، فبَقيَ الآخَرُ فَضلَ مالٍ لا يُقابِلُه عِوَضٌ في عَقدِ المُعاوَضةِ، وهذا تَفسيرُ الرِّبا.

ولَهُما أنَّ عِلَّةَ رِبا الفَضلِ هي القَدْرُ مع الجِنسِ، وهو الكَيلُ، أو الوَزنُ المُتَّفقُ عندَ اتِّحادِ الجِنسِ والمُجانَسةِ إنْ وُجِدتْ هَهُنا، فلَم يُوجَدِ القَدرُ، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا.

وقَولُه: «الفُلوسُ أثمانٌ»، قُلْنا: ثَمَنيَّتُها قد بَطَلتْ في حَقِّهما قبلَ البَيعِ، فالبَيعُ صادَفَها وهي سِلَعٌ عَدَديَّةٌ، فيَجوزُ بَيعُ الواحِدِ بالِاثنَينِ، كسائِرِ السِّلَعِ العَدَديَّةِ كالقَماقِمِ العَدَديَّةِ وغيرِها، إلَّا أنَّها بَقيتْ أثمانًا عندَ مُقابَلَتِها بخِلافِ جِنسِها وبِجِنسِها حالَّةً تَكونُ المُساواةُ؛ لأنَّ خُروجَها عن وَصفِ الثَّمنيَّةِ كانَ لِضرورةِ صِحَّةِ العَقدِ وجَوازِه؛ لأنَّهما قصَدا الصِّحَّةَ، ولا صِحَّةَ إلَّا بما قُلْنا،

ولا ضَرورةَ ثَمَّةَ؛ لأنَّ البَيعَ جائِزٌ في الحالَيْنِ بَقيتْ على صِفةِ الثَّمنيَّةِ أو خَرَجتْ عنها (١).

وأمَّا المالِكيَّةُ، فجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرَى»: التَّأخيرُ في صَرفِ الفُلوسِ:

قُلْتُ: أرَأيتَ إنِ اشتَرَيتُ فُلوسًا بدِرهَمٍ فافتَرَقْنا قبلَ أنْ يَقبِضَ كلُّ واحِدٍ مِنها؟ قالَ: لا يَصلُحُ هذا في قَولِ مالِكٍ، وهذا فاسِدٌ.

قالَ لي مالِكٌ في الفُلوسِ: لا خَيرَ فيها نَظِرةً بالذَّهبِ ولا بالوَرِقِ، ولو أنَّ النَّاسَ أجازوا بينَهم الجُلودَ حتى يَكونَ لَها سِكَّةٌ وعَينٌ، لَكَرِهتْها أنْ تُباعَ بالذَّهبِ والوَرَقِ نَظِرةً.

قُلتُ: أرَأيتَ إنِ اشتَرَيتُ خاتَمَ فِضَّةٍ، أو خاتَمَ ذَهَبٍ، أو تِبرَ ذَهَبٍ بفُلوسٍ، فافتَرَقْنا قبلَ أنْ نَتقابَضَ، أيَجوزُ هذا في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: لا يَجوزُ هذا في قَولِ مالِكٍ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: لا يَجوزُ فِلسٌ بفِلسَيْنِ، ولا تَجوزُ الفُلوسُ بالذَّهبِ والفِضَّةِ ولا بالدَّنانيرِ نَظِرةً.

وعن ابنِ وَهْبٍ عن يُونُسَ بنِ يَزيدَ عن رَبيعةَ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمَنِ أنَّه قالَ: الفُلوسُ بالفُلوسِ بينَهما فَضلٌ، فهو لا يَصلُحُ في عاجِلٍ بآجِلٍ، ولا عاجِلٍ بعاجِلٍ، ولا يَصلُحُ بَعضُ ذلك ببَعضٍ إلَّا هاءَ وهاءَ.

قالَ ابنُ وَهْبٍ: قالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ ورَبيعةَ: أنَّهما كَرِها الفُلوسَ بالفُلوسِ بينَهما فَضلٌ، أو نَظِرةٌ، وقالا: إنَّها صارَتْ سَكَّةً مثلَ سَكَّةِ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ.

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٨٥)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ٣٦).

وعن اللَّيثِ عن يَزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ وعُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي جَعفَرٍ قالَ: وشُيوخُنا كُلُّهم كانوا يَكرَهونَ صَرفَ الفُلوسِ بالدَّنانيرِ والدَّراهِمِ إلَّا يَدًا بيَدٍ.

وقالَ ابنُ وَهبٍ: قالَ يَحيَى بنُ أيُّوبَ: قالَ يَحيَى بنُ سَعيدٍ: إذا صَرَفتَ دِرهَمًا فُلوسًا فلا تُفارِقْه حتى تَأخُذَها كُلَّها (١).

قالَ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: واختَلَفتِ الرِّوايةُ عن مالِكٍ في الفُلوسِ، فألحَقَها بالدَّراهِمِ مِنْ حيثُ كانَتْ ثَمَنًا لِلأشياءِ، ومنَع مِنْ إلحاقِها مَرَّةً مِنْ حيثُ إنَّها ليسَتْ ثَمَنًا في كلِّ بَلَدٍ، وإنَّما يَختَصُّ بها بَلَدٌ دونَ بَلَدٍ (٢).

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ بَيعُ فِلسٍ بفِلسَيْنِ يَدًا بيَدٍ، فجعَل الفُلوسَ ههُنا كالذَّهبِ، أو كالفِضَّةِ، وقالَ: لا بَأسَ ببَيعِ الفُلوسِ بالذَّهبِ والوَرِقِ، فإنْ لَم يَتقايَضا جَميعًا حتى افتَرَقا أكرَهُه، وأفسَخُ البَيعَ فيه، ولا أراه كتَحريمِ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ.

وقَولُ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ الحَسَنِ في بَيعِ فِلسٍ بفِلسَيْنِ كقَولِ مالِكٍ، وهو قَولُ مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ، وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ: لا بَأْسَ ببَيعِ فِلسٍ بفِلسَيْنِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ (٣).

وقالَ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: الأظهَرُ المَنعُ مِنْ ذلك، فإنَّ الفُلوسَ النَّافِقةَ يَغلِبُ عليها حُكمُ الأثمانِ، وتُجعَلُ مِعيارًا لِأموالِ النَّاسِ.

(١) «المدونة الكبرى» (٨/ ٣٩٥، ٣٩٦).
(٢) «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٥١).
(٣) «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٥١).

ولِهذا يَنبَغي لِلسُّلطانِ أنْ يَضربَ لَهم فُلوسًا تَكونُ بقِيمةِ العَدلِ في مُعامَلاتِهم مِنْ غيرِ ظُلمٍ لَهُمْ (١).

فالنَّقدُ هو كلُّ شَيءٍ يَجري اعتِبارُه في العادةِ أو الِاصطِلاحِ، بحيثُ يَلقَى قَبولًا عامًّا كَوَسيطٍ لِلتَّبادُلِ، كما أشارَ إلى ذلك شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ، حيثُ قالَ أيضًا: وأمَّا الدِّرهَمُ والدِّينارُ فما يُعرَفُ له حَدٌّ طَبعيٌّ، ولا شَرعيٌّ، بَلْ مَرجِعُه إلى العادةِ والِاصطِلاحِ، وذلك لأنَّه في الأصلِ لا يَتعلَّقُ المَقصودُ به، بَلِ الغَرَضُ أنْ يَكونَ مِعيارًا لِما يَتعامَلونَ به، والدَّراهِمُ والدَّنانيرُ لا تُقصَدُ لِنَفسِها، بَلْ هي وَسيلةٌ إلى التَّعامُلِ بها، ولِهذا كانَتْ أثمانًا، بخِلافِ سائِرِ الأموالِ، فإنَّ المَقصودَ الِانتِفاعُ بها نَفْسِها؛ فلِهذا كانَتْ مَقدَّرةً بالأُمورِ الطَّبعيةِ أو الشَّرعيةِ والوَسيلةِ المَحضةِ التي لا يَتعلَّقُ بها غَرَضٌ، لا بمادَّتِها ولا بصُورَتِها يَحصُلُ بها المَقصودُ كَيفَما كانَتْ (٢).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قالَ في الفُروعِ: بَيعُ فِلسٍ بفِلسَيْنِ فيه رِوايَتانِ مَنصوصتانِ، وأطلَقَهما في التَّلخيصِ والفُروعِ، إحداهما: لا يَجوزُ التَّفاضُلُ، نصَّ عليه في رِوايةِ جَماعةٍ، قدَّمه في الحاوي الكَبيرِ والمُستَوعِبِ، والرِّوايةُ الأُخرى: يَجوزُ التَّفاضُلُ.

فعلى هذه الرِّوايةِ لو كانَتْ نافِقةً هل يَجوزُ التَّفاضُلُ فيها؟ على وَجهَيْنِ وأطلَقَهما في التَّلخيصِ والفُروعِ، إحداهما: لا يَجوزُ، جَزَمَ به أبو الخطَّابِ في خِلافِه الصَّغيرِ، وقدَّمه في الحاوي الكَبيرِ والمُستَوعِبِ، والوَجهُ الآخَرُ:

(١) «الاستذكار» (٦/ ٤٤٦).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٥١، ٢٥٢).

يَجوزُ، قالَ الزَّركَشيُّ: قالَ القاضي في الجامِعِ الصَّغيرِ وابنُ عَقيلٍ والشِّيرازيُّ وصاحِبُ المُستَوعِبِ والتَّلخيصِ وغيرُهم: سَواءٌ كانَتْ نافِقةً أو كاسِدةً بِيعَتْ بأعيانِها، أو بغيرِ أعيانِها، وجَزَمَ أبو الخطَّابِ في خِلافِه الصَّغيرِ بأنَّها مع نَفْقِها لا تُباعُ بمِثلِها إلَّا مُماثَلةً، مُعلِّلًا بأنَّها أثمانٌ، ثم حَكَى الخِلافَ في مَعمولِ الحَديدِ.

قالَ: وتَلخَّصَ مِنْ ذلك في الفُلوسِ النَّافِقةِ هل تَجري مَجرَى الأثمانِ فيَجري الرِّبا فيها؟ إنْ قُلْنا: العِلَّةُ في النَّقدَيْنِ الثَّمنيَّةُ مُطلَقًا، وهو ظاهِرُ ما حَكاه أبو الخطَّابِ في جامِعهِ الصَّغيرِ، أو لا يَجري مَجراها نَظَرًا إلى أنَّ العِلَّةَ ما هو ثَمَنٌ في الأغلَبِ، وذلك يَختَصُّ بالذَّهبِ والفِضَّةِ، وهو قَولُ أبي الخطَّابِ في خِلافِه الكَبيرِ على القَولَيْنِ، وعلى الثَّاني لا يَجري الرِّبا فيها إلَّا إذا اعتَبَرْنا أصلَها، وقُلْنا: العِلَّةُ في النَّقدَيْنِ الوَزنُ، كالكاسِدةِ. انتَهَى كَلامُ الزَّركَشيِّ (١).

وقالَ المِرداويُّ أيضًا: لو صرَف الفُلوسَ النَّافِقةَ بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ لَم يَجُزِ النَّساءُ فيهما على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعليه أكثَرُ الأصحابِ، ونَصَّ عليه وقدَّمه في المُحرَّرِ والفُروعِ والرِّعايتَيْنِ والحاويَيْنِ والفائِقِ (٢).

وقالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ رحمة الله عليه: لو راجَتِ الفُلوسُ رَواجَ النُّقودِ ثبَت لَها أحكامُها، وإذا ثبَت لَها أحكامُها نَظَرًا لِلعُرفِ، مع أنَّها لا يُطلَقُ عليها نَقدٌ حَقيقةً ولا مَجازًا (٣).

(١) «الإنصاف» (٥/ ١٥، ١٦)، و «الفروع» (٤/ ١١٢).
(٢) «الإنصاف» (٥/ ٤١).
(٣) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٢/ ١٨٢)، وهذا الخِلافُ السابقُ بينَ العُلماءِ حينَما كانتِ =

وهو أيضًا ما ذهَب إليه بَعضُ مُتأخِّري الحَنفيَّةِ في بلادِ ما وَراءَ النَّهرِ في الدَّراهِمِ المَغشوشةِ التي كانَتْ تُسَمَّى الغَطارِفةَ والعِدالَيْ، فأفتَوْا بوُجوبِ الزَّكاةِ فيها، وكانوا يَقولونَ: إنَّها مِنْ أعَزِّ النُّقودِ فينا، بمَنزِلةِ الفِضَّةِ فيهم، ونحن أعرَفُ بنُقودِنا.

وكذا أفتَوْا بعَدَمِ جَوازِ بَيعِ هذه النُّقودِ بجِنسِها مُتفاضِلًا، مُعلِّلينَ ذلك بأنَّها أعَزُّ الأموالِ في ديارِهِم.

قالَ الإمامُ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: ومَشايِخُنا رحمهم الله لَم يُفتوا بجَوازِ التَّفاضُلِ في الغَطارِفةِ، والعِدالَيْ، وإنْ كانَ الأغلَبُ فيها الغِشَّ؛ لأنَّها أعَزُّ الأموالِ في دِيارِهم في ذلك الزَّمانِ، فلو أُبيحَ التَّفاضُلُ فيها لانفَتَحَ بابُ الرِّبا (١).

وقالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: قالَ المُصَنِّفُ -أي: صاحِبُ الهِدايةِ-:

=الفُلوسُ بجوارِ النَّقدَينِ يَتعاملُ الناسُ بالصِّنفَينِ جميعًا ولم تكنِ الفُلوسُ هي المَتداوَلةِ رسميًّا في العُصورِ السَّالفةِ، أمَّا في زمنِنا هذا فلا يتُعاملُ إلا بالأوراقِ النَّقديةِ ولو كانتِ الفُلوسُ تَداولُها كواقعِنا اليومَ لألحَقوها بهما، ولا شكَّ الآنَ أنها تأخذُ حُكمَ الذَّهبِ والفضَّةِ فيجرِي فيها الرِّبا وإلا مَنعْنا فيها الزَّكاةَ، وهذا ما صرَّح به صاحبُ الانتصارِ من الحنابلةِ، قال ابنُ مُفلحٍ في «المبدع» (٤/ ١٣٠): قال في الانتِصارِ: يجبُ أن يقولوا إذا نفقت حتى لا يتُعامَلُ إلا بها أن فيها الرِّبا لكونِها ثمنًا غالبًا .. فالعِبرةُ في هذا هو تَعاملُ الناسِ حتى قال الإمامُ مالِكٌ كما في «المدونة الكبرى» (٨/ ٣٩٦): ولو أنَّ الناسَ أجازوا بينَهم الجُلودَ حتى يكونَ لها سكَّةٌ وعينٌ لكَرهتِها أن تُباعَ بالذهبِ والورِقِ نظرةً. فظاهرُ كلامِ الإمامِ مالِكٍ أنَّ المَرجعَ في ذلك راجعٌ إلى الناسِ وأعرافِهم. وهذا ما جرَت عليه المَجامعُ الفِقهيةُ الآنَ ولا خِلافَ فيه، واللهُ أعلمُ.
(١) «تبيين الحقائق» (٤/ ١٤١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[باب في بيان حقيقة وأحكام الرهن]

(بَابٌ) الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ، أَوْ غَرَرًا، وَلَوْ اُشْتُرِطَ

ــ

منح الجليل

بَابٌ فِي بَيَان حَقِيقَة وَأَحْكَام الرَّهْن

بَابُ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم البيع

إلَيْهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطِبَهَا لِمَا رَوَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَرْكُنْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

(وَمِنْهَا) بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ مِنْهُمْ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْخَشَبِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْمِزْمَارِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ كُرِهَ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ.

(وَأَمَّا) مَا يُكْرَهُ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْبُيُوعِ.

(فَمِنْهَا) الِاحْتِكَارُ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِلْحَاقُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.

(وَمِنْهَا) النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَمْدَحَ السِّلْعَةَ وَيَطْلُبَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ لَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» ؛ وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلْإِضْرَارِ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ السِّلْعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَطْلُبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَنَجَشَ رَجُلٌ سِلْعَةً حَتَّى تَبْلُغَ إلَى ثَمَنِهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِنْ كَانَ النَّاجِشُ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ

(فَصْلٌ) :

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
باب بيع الأصول والثمار

بابُ بَيْعِ الأُصُولِ والثِّمارِ

٧٢٠ - مسألة؛ قال أبو القَاسِمِ، رَحِمَهُ اللهُ: "وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا، وَهُوَ مَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُه، فالثَّمَرَةُ للبائِعِ مَتْرُوكَةً في النَّحْلِ إلى الجِزَازِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَها المُبْتَاعُ)

أصْلُ الإِبَارِ عند أهْلِ العِلْمِ: التَّلْقِيحُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: إلَّا أنَّه لا يكونُ حتى يَتَشَقَّقَ الطَّلْعُ، وتَظْهَرَ الثَّمَرَةُ، فَعُبِّرَ به عن ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ لِلزُومِه منه. والحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بالظُّهُورِ، دون نَفْسِ التَّلْقِيحِ، بغيرِ اخْتِلافٍ بين العُلَمَاءِ، يُقال: أبرتُ النَّخْلَةَ بالتَّخْفيفِ والتَّشْديدِ، فهى مُؤَبَّرَةٌ ومَأْبُوَرةٌ. ومنه قولُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ" . والسِّكَّةُ: النَّخْلُ المَصْفوفُ. وأَبَرْتُ النَّخْلَةَ، آبُرُها، أَبْرًا، وإِبَارًا، وأَبَّرتُهَا تَأْبيرًا، وتَأَبَّرَتِ النَّخْلَةُ، وائْتَبَرَتْ، ومنه قولُ الشاعرِ:

* تَأَبَّرى يا خَيْرَةَ الفَسِيلِ *

وفَسَّرَ الخِرَقِيُّ المُؤَبَّرَ بما قد تَشَقَّقَ طَلْعُه؛ لِتَعَلُّقِ الحُكْمِ بذلك، دون نَفْسِ التَّأْبيرِ. قال القاضى: وقد يتشَقَّقُ الطَّلْعُ بنفْسِهِ فيظْهَرُ ، وقد يَشُقُّهُ الصَّعَّادُ فيَظْهَرُ. وأيُّهما كانَ فهو التَّأْبيرُ المُرادُ هاهُنا.

وفى هذه المَسْأَلَةِ فُصولٌ ثَلاثَةٌ:

الأول: أنَّ البَيْعَ متى وَقَعَ على نَخْلٍ مُثْمِرٍ، ولم يَشْتَرِطِ الثَّمَرةَ، وكانت

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 157 - 164

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله