الذي يبدأ بيمينه

الإسلام > المعاملات المالية > حكم اختلاف المتبايعين > الذي يبدأ بيمينه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

الذي يبدأ بيمينه - الأقوال والأدلة

ولِحَديثِ: «البَيِّنةُ على المُدَّعِي، واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (١).

فإنَّ البائِعَ يَدَّعي عَقدًا بعَشَرةٍ يُنكِرُه المُشتَري، والمُشتَري يَدَّعي عَقدًا بتِسعةٍ يُنكِرُه البائِعُ، وإنَّ العَقدَ بتِسعةٍ غيرُ العَقدِ بعَشَرةٍ، فشُرِعتِ اليَمينُ في حَقِّهما.

الذي يَبدَأُ بيَمينِه:

يَحلِفُ البائِعُ أوَّلًا عندَ الشافِعيَّةِ في الأظهَرِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ: ما بِعتُه بكذا، وإنَّما بِعتُه بكذا؛ فإنْ شاءَ المُشتَري أخَذه بما قالَ البائِعُ، وإلَّا حلَف المُشتَري: ما اشترَيتُه بكذا، وإنَّما اشترَيتُه بكذا.

وفي قَولٍ لِلشافِعيَّةِ: يُبدَأُ بالمُشتَري؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي عليه زيادةَ ثَمَنٍ، والأصلُ بَراءةُ ذِمَّتِه منها، ولأنَّ المَبيعَ في مِلكِه، فيَقوَى جانِبُه.

وفي قَولٍ آخَرَ: يَتساوَيانِ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه؛ فلا تَرجيحَ، فيَتخيَّرُ الحاكِمُ مَنْ يَبدَأُ به منهما، وقيلَ: يُقرِعُ بينَهما، كما لو حَضَرا مَعًا، فيَبدَأُ بمَن خَرَجتْ قُرعَتُه.

وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ: القَولُ قَولُ المُشتَري مع يَمينِه؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي زيادةً يُنكِرُها المُشتَري، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ.

وَفي رِوايةٍ عن الإمامِ أحمدَ: القَولُ قَولُ البائِعِ أو يَترادَّانِ البَيعَ؛ لِلحَديثِ السابِقِ.

ولِكُلٍّ مِنْ المُتبايِعَيْنِ بعدَ التَّحالُفِ الفَسخُ إذا لَم يَرضَ أحَدُهما بقَولِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وسيأتي.

الآخَرِ؛ لِحَديثِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه مَرفوعًا: «إذا اختلَف المُتبايِعانِ وليسَ بينَهما بَيِّنةٌ فالقَولُ ما يَقولُ صاحِبُ السِّلعةِ، أو يَترادَّانِ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ والنِّسائيُّ وابنُ ماجه، وزادَ فيه: «والبَيعُ قائِمٌ بعَينِه»، ولِأحمدَ في رِوايةٍ: «والسِّلعةُ كما هي»، وفي لَفظُ: «تَحالَفا» (١). ولا يَنفسِخُ العَقدُ بالتَّحالُفِ نَفْسِه عندَ الحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّه عَقدٌ صَحيحٌ، فتَنازُعهما وتَعارُضهما لا يَفسَخُه، كما لو أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنةً بما ادَّعاه، لكنْ إنْ رَضيَ أحَدُهما بما قالَ صاحِبُه، أو حلَف أحَدُهما ونكَل الآخَرُ أُقِرَّ العَقدُ بينَهما.

وإن لَم يَرضَيا فلِكُلِّ واحِدٍ منهما الفَسخُ بلا حُكمِ حاكِمٍ عندَ الشافِعيَّةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ؛ لقولِ النَّبيِّ : «أو يَترادَّانِ البَيعَ»، وظاهِرُه استِقلالُهما بذلك، وفي القِصَّةِ أنَّ ابنَ مَسعودٍ رضي الله عنه باعَ لِلأشعَثِ بنِ قَيسٍ رَقيقًا مِنْ رَقيقِ الإمارةِ فقال عَبدُ اللَّهِ رضي الله عنه: بِعتُكَ بعِشرينَ ألْفًا، قال الأشعَثُ: اشترَيتُ منكَ بعَشَرةِ آلافٍ، فقال عَبدُ اللَّهِ رضي الله عنه: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يَقولُ: «إذا اختلَف البَيِّعانِ وليسَ بينَهما بَيِّنةٌ والمَبيعُ قائِمٌ بعَينِه، فالقَولُ قَولُ البائِعِ، أو يَترادَّانِ البَيعَ»، قالَ: فإنِّي أرُدُّ البَيعَ، ولأنَّه فَسخٌ لِاستِدراكِ الظُّلامةِ أشبَهَ الرَّدَّ بالعَيبِ.

وقال المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ وهو وَجهٌ لِلحَنابِلةِ: لا يَنفسِخُ بمُجرَّدِ التَّحالُفِ، بَلْ لا بدَّ مِنْ حُكمِ حاكِمٍ؛ لأنَّه فَسخٌ مُجتَهَدٌ فيه، فلا يَفسَخُ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: دونَ اللَّفظِ الأخيرِ، وله عنه سِتُّ طُرقٍ.

أحَدُهما، ولأنَّ العَقدَ صَحيحٌ وأحَدُهما ظالِمٌ، وإنَّما يَفسَخُه الحاكِمُ لِتعذُّرِ إمضائِه في الحُكمِ، فأشبَهَ نِكاحَ المَرأةِ إذا زَوَّجَها الوَليَّانِ وجَهِلَ السابِقُ منهما.

وإذا فُسِخَ العَقدُ نَفَذَ ظاهِرًا عندَ الناسِ، وباطِنًا عندَ اللَّهِ ، عندَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والشافِعيَّةِ في وَجهٍ؛ لأنَّه فَسخٌ لِاستِدراكِ الظُّلامةِ، فهو كالرَّدِّ بالعَيبِ، أو فَسخُ عَقدٍ بالتَّحالُفِ، فوقَع في الظاهِرِ والباطِنِ، كالفَسخِ باللِّعانِ، فيَجوزُ تَصرُّفُ البائِعِ في المَبيعِ بجَميعِ أوجُهِ التَّصرُّفِ، ولو كانَ هو الظالِمَ في الواقِعِ.

وقال الشافِعيَّةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ: إنْ كانَ البائِعُ ظالِمًا لَم يُفسَخِ العَقدُ في الباطِنِ؛ لأنَّه كانَ يُمكِنُه إمضاءُ العَقدِ، واستيفاءُ حَقِّه، فلا يَنفسِخُ العَقدُ في الباطِنِ، ولا يُباحُ له التَّصرُّفُ في المَبيعِ؛ لأنَّه غاصِبٌ، فإنْ كانَ المُشتَري ظالِمًا انفسخَ البَيعُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لِعَجزِ البائِعِ عن استيفاءِ حَقِّه، فكانَ له الفَسخُ، كما لو أفلَسَ المُشتَري.

وفي وَجهٍ ثالِثٍ لِلشافِعيَّةِ: لا يَنفسِخُ في الباطِنِ بحالٍ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه لو عَلِم أنَّه لَم يَنفسِخْ في الباطِنِ بحالٍ، لَمَا أمكَنَ فَسخُه في الظاهِرِ؛ فإنَّه لا يُباحُ لِكُلِّ واحِدٍ منهما التَّصرُّفُ فيما رجَع إليه بالفَسخِ، ومتى عَلِم أنَّ ذلك مُحرَّمٌ مُنِعَ منه، ولأنَّ الشارِعَ جعَل لِلمَظلومِ منهما الفَسخَ ظاهِرًا وباطِنًا، فانفسخَ بفَسخِه في الباطِنِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.

ويَقوَى عِندي أنَّه إنْ فسَخه الصادِقُ منهما انفسخَ ظاهِرًا وباطِنًا لِذلك.

وإنْ فسَخه الكاذِبُ عالِمًا بكَذِبِه لَم يَنفسِخْ بالنِّسبةِ إليه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له الفَسخُ؛ فلَم يَثبُتْ حُكمُه بالنِّسبةِ إليه، ويثبُتُ بالنِّسبةِ إلى صاحِبِه؛ فيُباحُ له التَّصرُّفُ فيما رجَع إليه؛ لأنَّه رجَع إليه بحُكمِ الشَّرعِ مِنْ غيرِ عُدوانٍ منه؛ فأشبَهَ ما لو رَدَّ عليه المَبيعَ بدَعوى العَيبِ، ولا عَيبَ فيه (١).

وهذا عندَ قيامِ السِّلعةِ، أمَّا عندَ فَواتِها فقالَ المالِكيَّةُ: يُصدَّقُ المُشتَري بيَمينٍ إنِ ادَّعَى الأشبَهَ، أشبَهَ البائِعَ أو لا، ويَلزَمُ البائِعَ ما قال المُشتَري.

فإنِ انفرَد البائِعُ بالشَّبَهِ كان القَولُ قَولَه بيَمينٍ ويَلزَمُ المُشتَري ما قاله؛ فإنْ لَم يُشَبِّهْ واحِدٌ منهما حَلَفا وفُسِخَ، ورُدَّتْ قيمةُ السِّلعةِ يَومَ بَيعِها إنْ كانَتْ مُقوَّمةً، ومِثلُها إنْ كانَتْ مِثليَّةً، ونُكولُهما كحَلِفِهما، ويُقضى لِلحالِفِ على الناكِلِ.

وقال الشافِعيَّةُ: إنْ خرَج المَبيعُ عن مِلكِه لزِمتْه قيمَتُه يَومَ التَّلَفِ في أظهَرِ الأقوالِ، إنْ كانَ مُتقوَّمًا، وإنْ زادَتْ على ثَمَنِه، ومِثلُه إنْ كانَ مِثليًّا، وإنْ تَعيَّبَ رَدَّه مع أرشِه.

وقيل: لَزِمتْ قيمَتُه يَومَ القَبضِ؛ لأنَّه قيمةُ يَومِ دُخولِه في ضَمانِه.

وقيلَ: يَلزَمُ أقَلُّ القيمَتَيْنِ يومَ العَقدِ، ويومَ القَبضِ.

وقيل: أقصَى القيمِ مِنْ يومِ القَبضِ إلى قيمةِ يَومِ التَّلَفِ؛ لأنَّ يَدَه يَدُ ضَمانٍ، فاعتُبِرَ أعلى القيَمِ.

(١) «المغني» (٤/ ١٣٦، ١٣٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب اختلاف المتبايعين وإذا قال كل واحد منها لا أدفع حتى أقبض

بَابُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَإِذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ منها لا أدفع حتى أقبض

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنِ عَوْنِ بْنِ عبد الله بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ (قَالَ) وَقَالَ مَالِكٌ إِنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تَبَايَعَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا تَبَايَعَا عَبْدًا فَقَالَ الْبَائِعُ بِأَلْفٍ وَالْمُشْتَرِي بِخَمْسِمِائَةٍ فَالْبَائِعُ يَدَّعِي فَضْلَ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي السِّلْعَةَ بِأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ فَيَتَحَالَفَانِ ".

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 86 - 89

ارجع إلى حكم اختلاف المتبايعين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله