الإسلام > المعاملات المالية > حكم اختلاف المتبايعين > هل الإقالة بيع أو فسخ؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 18 دقيقة قراءةهل الإقالةُ بَيعٌ أو فَسخٌ؟
اختلَف الفُقهاءُ في الإقالةِ، هل هي بَيعٌ جَديدٌ؟ أم فَسخٌ لِلبَيعِ الأوَّلِ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: فَسخٌ مُطلَقًا، وهو الأظهَرُ عندَ الشافِعيَّةِ والمَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ وهو قَولُ زُفَرَ مِنْ الحَنفيَّةِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّه ﷺ قال: «مَنْ أقالَ نادِمًا بَيعَه أقالَ اللَّهُ عَثرَتَه» (١)، وَجهُ الِاستِدلالِ أنَّ الرَّسولَ ﷺ سَمَّاها إقالةً، ولَم يُسَمِّها بَيعًا، والأصلُ في الِاصطِلاحاتِ الشَّرعيَّةِ تَسميةُ الشارِعِ لها.
ولأنَّ الإجماعَ قد صَحَّ على جَوازِ الإقالةِ في المُسلَّمِ فيه مع الإجماعِ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، فدَلَّ على أنَّ الإقالةَ ليسَتْ بَيعًا.
ولأنَّ الإقالةَ في اللُّغةِ مَوضوعةٌ لِرَفعِ الشَّيءِ، يُقالُ: أقالَ اللَّهُ عَثرَتكَ، يَعني: رَفَعها، وإذا كانَ كذلك وجَب أنْ يَكونَ رَفعًا لِلعَقدِ، وفَسخًا له.
ولأنَّ المَبيعَ عادَ إلى البائِعِ بلَفظٍ لا يَنعقِدُ به بَيعٌ، فوجَب أنْ يَكونَ فَسخًا، كما لو عادَ بالرَّدِّ بالعَيبِ.
ولأنَّ البَيعَ والإقالةَ اختَلَفا اسمًا، فاختَلَفا حُكمًا؛ فهذا هو الأصلُ، فإذا كانَتْ رَفعًا، لا تَكونُ بَيعًا؛ لأنَّ البَيعَ إثباتٌ، والرَّفعَ نَفيٌ، وبينَهما تَنافٍ، فكانَتِ الإقالةُ على هذا التَّقديرِ فَسخًا مَحضًا؛ فتَظهَرُ في حَقِّ الناسِ كافَّةً.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢١٩٩)، وأحمد (٢/ ٢٥٢).
القَولُ الثاني: بَيعٌ (١) مُطلَقًا، فيُشترَطُ فيها ما يُشترَطُ فيه، ويَمنَعُها ما يَمنَعُه، وهو قَولُ المالِكيَّةِ في المَشهورِ فيما عَدا الطَّعامَ قبلَ القَبضِ والشُّفعةَ والمُرابَحةَ (٢) وهو رِوايةٌ عن أبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ وقولٌ عندَ الشافِعيَّةِ ورِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ المَبيعَ يَعودُ بالإقالةِ إلى البائِعِ على الجِهةِ التي خرَج عليها منه؛ فلمَّا كانَ الأوَّلُ بَيعًا كان كذلك الآخَرُ.
ولأنَّ حَقيقةَ البَيعِ مُبادَلةُ المالِ بالمالِ بالتَّراضي، وهذا مَوجودٌ في الإقالةِ، فتَكونُ بَيعًا.
ولأنَّ الفُسوخَ في العُقودِ ما كانَ عن غَلَبةٍ دونَ ما وقَع عن اختيارٍ وتَراضٍ، دَليلُه: سائِرُ العُقودِ، والإقالةُ لا تَتِمُّ إلَّا بالتَّراضي، فلا تَكونُ فَسخًا.
القَولُ الثالِثُ: التَّفصيلُ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ، واختَلَفوا فيه على ثَلاثةِ أقوالٍ:
(١) يُريدُ الفُقهاءُ بِقولِهم إنَّها بَيعُ مَا هو أعمُّ مِنْ البَيعِ وهو العَقدُ؛ لأنَّها تَدخُل في كَثيرٍ مِنْ عُقودِ المُعاملاتِ اللَّازمَةِ، ولكنْ نظرًا لأنَّ أغلبَ مَسائِلها في البَيع ذَكروا أنَّها بَيعٌ.
(٢) فالمالكِيَّةُ استَثنَوا الطَّعامَ قبلَ القَبضِ والشُّفعةَ والمُرابحَةَ يَعنِي أنَّ الإقالَةَ بَيعٌ، يُشترَط فيها مَا يُشترَط فيه، ويَمنعُها ما يَمنعُه إلا في مَسائل: الأولى: في الطَّعامِ قبلَ قَبضِه فليسَ لها حُكمُ البَيعِ بل هي فيه حِلُّ بَيعٍ؛ فَلِذا جازَ لمَن اشتَرى طَعامًا من آخرَ أن يَقبلَ منه بائعُه قبلَ قَبضِه. الثَّانِيةُ: في الشُّفعةِ فليسَت فيها بَيعًا ولا حِلَّ بَيعٍ بل هي باطِلةٌ؛ فمَن باعَ شقصًا ثم أقالَ مُشتَريه منه لا يَعتدُّ بها والشُّفعةُ ثابتَةٌ، وعُهدةُ الشَّفيعِ على المُشتَري. الثَّالثةُ: في المُرابَحةِ فالإقالَةُ فيها حِلُّ بَيعٍ؛ فمَن اشتَرى سِلعةً بعشْرةٍ وباعَها بخَمسةَ عَشَرَ ثم أقالَ منها لَم يَبعْها ثانيًا إلا على عشْرةٍ. وإن باعَ على الخَمسةَ عَشَرَ بيَّن، وإنَّما وجَب التَّبيينُ لأنَّ المُبتاعَ قد يَكرَهُ ذلك.
الأوَّلُ: أنَّها فَسخٌ في حَقِّ المُتعاقدَيْنِ، بَيعٌ جَديدٌ في حَقِّ الثالِثِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، استَدلَّ أبو حَنيفةَ لقولِه بأنَّ الإقالةَ فَسخٌ بينَ المُتعاقدَيْنِ، بَيعٌ جَديدٌ في حَقِّ الثالِثِ بمِثلِ ما استَدلَّ به القائِلونَ بأنَّ الإقالةَ فَسخٌ.
أمَّا كَونُها بَيعًا في حَقِّ الثالِثِ فلأنَّ مَعنَى البَيعِ مُبادَلةُ المالِ بالمالِ، وهو أخذُ بَدَلٍ وإعطاءُ بَدَلٍ، وقد وُجدَ، فكانَتِ الإقالةُ بَيعًا؛ لِوُجودِ مَعنَى البَيعِ فيها، والعِبرةُ بالمَعنَى، لا بالصُّورةِ؛ إلَّا أنَّه لا يُمكِنُ إظهارُ مَعنَى البَيعِ في الفَسخِ في حَقِّ العاقِدَيْنِ؛ لِلتَّنافي، فأظهَرناه في حَقِّ الثالِثِ، فجُعِلَ فَسخًا في حَقِّهما، بَيعًا في حَقِّ الثالِثِ، وهذا ليسَ بمُمتنِعٍ، إنَّه لا يَمتنِعُ أنْ يُجعَلَ الفِعلُ الواحِدُ مِنْ شَخصٍ واحِدٍ طاعةً مِنْ وَجهٍ، ومَعصيةً مِنْ وَجهٍ، فمِن شَخصَيْنِ أوْلى.
الثاني: أنَّها بَيعٌ، إلَّا ألَّا يُمكِنَ أنْ تُجعَلَ بَيعًا، فتَكونَ فَسخًا؛ فإنْ تَعذَّرَ جَعلُها فَسخًا بَطَلتْ، وهذا القَولُ رِوايةٌ عن أبي يُوسفَ وأبي حَنيفةَ.
الثالِثُ: أنَّ الإقالةَ فَسخٌ، إلَّا إذا تَعذَّرَ أنْ تُجعَلَ فَسخًا؛ فحينَئذٍ تُجعَلُ بَيعًا جَديدًا لِلضَّرورةِ، وهذا قَولُ مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ (١).
(١) «المبسوط» (٢٥/ ١٦٦)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ١١٠)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٠٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٩٩، ١٠٠)، و «اللباب» (١/ ٣٩٠، ٣٩١)، و «الهداية» (٣/ ٥٥)، و «الاختيار» (٢/ ١٣)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٧٠، ٧١)، و «العناية شرح الهداية» (٦/ ٤٨٧)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٧٠)، و «البحر الرائق» (٦/ ١١٠)، و «الدر المختار وحاشية ابن عابدين» (٥/ ١٢٠)، و «القوانين الفقهية» (ص: ١٧٩)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٦٥٢)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٣٤٥)، و «الشرح الكبير» للشيخ الدردير، و «حاشية الدسوقي» (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٥٠٨)، =
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]
(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً
ــ
منح الجليل
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.
فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في بيان ما يرفع حكم البيع
الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ مِنْ الْمَالِكِ فَيَتَوَقَّفُ فِي الْجَوَابِ فِي الْحَالِ لَا أَنْ يَكُونَ التَّوَقُّفُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ مَا يَبْطُلُ مِنْهَا وَمَا يُتَوَقَّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْبَيْعِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْبَيْعِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ:
حُكْمُ الْبَيْعِ نَوْعَانِ، نَوْعٌ يَرْتَفِعُ بِالْفَسْخِ وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِرَفْعِهِ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ وَهُوَ حُكْمُ كُلِّ بَيْعٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ أَحَدُ الْخِيَارَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
وَنَوْعٌ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِإِقَالَةٍ وَهُوَ حُكْمُ كُلِّ بَيْعٍ لَازِمٍ وَهُوَ الْبَيْعُ الصَّحِيحُ الْخَالَيْ عَنْ الْخِيَارِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب بيع الأمة
باب بيع الأمة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " إِذَا بَاعَهُ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا فِيهَا مُوَاضَعَةٌ فَإِذَا دَفَعَ الثَّمَنَ لَزِمَ الْبَائِعَ التَّسْلِيمُ وَلَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى إِخْرَاجِ مِلْكِهِ مِنْ يَدِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ لَا يَلْزَمُ دَفْعُ الثَّمَنِ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا لِلْجَهْلِ بِوَقْتِ دَفْعِ الثَّمَنِ وَفَسَادٌ آخَرُ أَنَّ الْجَارِيَةَ لَا مُشْتَرَاةٌ شِرَاءَ الْعَيْنِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا وَلَا عَلَى بَيْعِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الْأَجَلُ مَعْلُومًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ إِلَى أَجَلٍ وَلَا لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ جَمِيلًا بِعُهْدَةٍ وَلَا بِوَجْهٍ وَإِنَمَا التَّحَفُّظُ قَبْلَ الشِّرَاءِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَاةَ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَى الْبَائِعِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي؟ .
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأبي حنيفة وَمَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مِلْكِهِ دُونَ الْبَائِعِ. وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: الِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي.
وَأَمَّا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْحُرَّةَ لَمَّا وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ اقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ.
ارجع إلى حكم اختلاف المتبايعين للاطلاع على جميع المسائل.