الإسلام > المعاملات المالية > شرط جواز المرابحة وكذا التولية والإشراك والوضيعة > حكم الخيانة إذا ظهرت في المرابحة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 33 دقيقة قراءةيُؤْمَنُ هَوَى النَّفسِ في نَوعِ تَأويلٍ أو غَلَطٍ فيَكونُ على خَطَرٍ وغَرَرٍ، وتَجنُّبُ ذلك أسلَمُ وأوْلى (١).
حُكمُ الخيانةِ إذا ظَهرتْ في المُرابَحةِ:
اختلَف العُلماءُ فيما إذا ظهَرتْ خيانةٌ مِنْ البائِعِ في عَقدِ المُرابَحةِ والتَّوليةِ والإشراكِ والوَضيعةِ، هل يُفسَخُ العَقدُ أو يُحَطُّ قَدْرُ الزِّيادةِ أو النَّقصِ أو المُشتَري بالخِيارِ في القَبولِ أو الرَّدِّ؟ على أقوالٍ لِأهلِ العِلمِ.
فقال الحَنفيَّةُ: إذا ظهَرتِ الخيانةُ في المُرابَحةِ بإقرارِ البائِعِ أو ببَيِّنةٍ أو نُكولٍ فلا يَخلو إمَّا أنْ تَظهَرَ في صِفةِ الثَّمنِ وإمَّا أنْ تَظهَرَ في قَدْرِه.
فإنْ ظهَرتِ الخيانةُ في صِفةِ الثَّمنِ، بأنِ اشتَرَى شَيئًا بنَسيئةٍ ثم باعَه مُرابَحةً على الثَّمنِ الأوَّلِ ولَم يُبيِّنْ أنَّه اشتَراه بنَسيئةٍ أو باعَه تَوليةً، ولَم يُبيِّنْ ثم عَلِمَ المُشتَري فله الخيارُ بالإجماعِ، إنْ شاءَ أخَذه، وإنْ شاءَ رَدَّه؛ لأنَّ المُرابَحةَ عَقدٌ بُنيَ على الأمانةِ؛ لأنَّ المُشتَريَ اعتمَد البائِعَ وائتمَنه في الخَبَرِ عن الثَّمنِ الأوَّلِ، فكانَتِ الأمانةُ مَطلوبةً في هذا العَقدِ، فكانَتْ صيانَتُه عن الخيانةِ مَشروطةً دِلالةً، ففَواتُها يُوجِبُ الخيارَ، كفَواتِ السَّلامةِ عن العَيبِ، وكذا لو صالَحَ مِنْ دَيْنِ ألْفٍ له على إنسانٍ على عَبدٍ ثم باعَه مُرابَحةً على الألْفِ، ولَم يُبيِّنْ لِلمُشتَري أنَّه كانَ بَدَلَ الصُّلحِ، فله الخيارُ؛ لِما قُلْنا.
وإنْ ظهَرتِ الخيانةُ في قَدْرِ الثَّمنِ في المُرابَحةِ والتَّوليةِ، بأنْ قال:
(١) «المغني» (٤/ ١٣٢)، و «الكافي» (٢/ ٩٦، ٩٧٧)، و «الإنصاف» (٤/ ٤٤١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٧١، ٢٧١)، و «مطالب أولى النهى» (٣/ ١٣٠).
اشترَيتُ بعَشَرةٍ وبِعتُكَ برِبحِ ده يازده، أو قال: اشترَيتُ بعَشَرةٍ ووَلَّيتُكَ بما اشترَيتُه، ثم تَبيَّن أنَّه كانَ اشتَراه بتِسعةٍ فقد اختُلِف في حُكمِه:
فقال أبو يُوسفَ -وهو الأظهَرُ عندَ الشافِعيَّةِ والمَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ كما سَيَأتي مُفصَّلًا-: لا خيارَ لِلمُشتَري ويَلزَمُه البَيعُ، ولكنْ يَحُطُّ قَدْرَ الخيانةِ فيهما جَميعًا، وذلك دِرهَمٌ في التَّوليةِ، ودِرهَمٌ في المُرابَحةِ، وحِصَّةٌ مِنْ الرِّبحِ، وهو جُزءٌ مِنْ عَشَرةِ أجزاءٍ مِنْ دِرهَمٍ؛ لأنَّ الثَّمنَ الأوَّلَ أصلٌ في بَيعِ المُرابَحةِ والتَّوليةِ، فإذا ظهَرتِ الخيانةُ تَبيَّن أنَّ تَسميةَ قَدْرِ الخيانةِ لَم تَصحَّ، فألغَتْ تَسميتَه، وبَقيَ العَقدُ لازِمًا بالثَّمنِ المُتبَقِّي.
وقال مُحمَّدٌ -وهو مُقابِلُ الأظهَرِ عندَ الشافِعيَّةِ-: لِلمُشتَري الخيارُ فيهما جَميعًا، إنْ شاءَ أخَذه بجَميعِ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ رَدَّه على البائِعِ؛ لأنَّ المُشتَريَ لَم يَرضَ بلُزومِ العَقدِ إلَّا بالقَدْرِ المُسَمَّى مِنْ الثَّمنِ، فلا يَلزَمُ بدونِه، ويثبُتُ له الخيارُ؛ لِفَواتِ السَّلامةِ عن الخيانةِ، كما يثبُتُ الخيارُ بفَواتِ السَّلامةِ عن العَيبِ، إذا وجَد المَبيعَ مَعيبًا.
وأمَّا الإمامُ أبو حَنيفةَ ففرَّق بينَ المُرابَحةِ والتَّوليةِ، فقال في المُرابَحةِ مثلَ قَولِ مُحمَّدٍ: المُشتَري بالخيارِ في المُرابَحةِ، إنْ شاءَ أخَذه بجَميعِ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ ترَك وفُسِخ البَيعُ.
وقال في التَّوليةِ مثلَ قَولِ أبي يُوسفَ أنَّه لا خيارَ له، لكنْ يَحُطُّ قَدْرَ الخيانةِ ويَلزَمُ العَقدُ بالثَّمنِ المُتبَقِّي.
فاختارَ قَولَ مُحمَّدٍ في المُرابَحةِ وقَولَ أبي يُوسفَ في التَّوليةِ.
والفَرقُ بينَ المُرابَحةِ والتَّوليةِ هو أنَّ الخيانةَ في المُرابَحةِ لا تُوجِبُ خُروجَ العَقدِ عن كَونِه مُرابَحةً؛ لأنَّ المُرابَحةَ بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ وبزيادةِ رِبحٍ، وهذا قائِمٌ بعدَ الخيانةِ؛ لأنَّ بَعضَ الثَّمنِ رَأسُ مالٍ، وبَعضَه رِبحٌ، فلَم يَخرُجِ العَقدُ عن كَونِه مُرابَحةً، وإنَّما أوجَبَ تَغييرًا في قَدْرِ الثَّمنِ، وهذا يُوجِبُ خَلَلًا في الرِّضا، فيثبُتُ الخيارُ، كما إذا ظهَرتِ الخيانةُ في صِفةِ الثَّمنِ، بأنْ ظهَر أنَّ الثَّمنَ كانَ نَسيئةً، ونَحوَ ذلك، على ما ذكَرنا، بخِلافِ التَّوليةِ؛ لأنَّ الخيانةَ فيها تُخرِجُ العَقدَ عن كَونِه تَوليةً؛ لأنَّ التَّوليةَ بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نُقصانٍ، وقد ظهَر النُّقصانُ في الثَّمنِ الأوَّلِ، فلو أثبَتْنا الخيارَ لأخرَجناه عن كَونِه تَوليةً، وجعَلناه مُرابَحةً، وهذا إنشاءُ عَقدٍ آخَرَ لَم يَتَراضَيا عليه، وهذا لا يَجوزُ، فحَطَطنا قَدْرَ الخيانةِ وألزَمنا العَقدَ بالثَّمنِ المُتبَقِّي.
هذا إذا كانَ المَبيعُ عندَ ظُهورِ الخيانةِ بمَحَلِّ الفَسخِ؛ فأمَّا إذا لَم يَكُنْ، بأنْ هلَك أو حدَث به ما يَمنَعُ الفَسخَ بطَل خِيارُه ولزِمه جَميعُ الثَّمنِ؛ لأنَّه إذا لَم يَكُنْ بمَحَلِّ الفَسخِ لَم يَكُنْ في ثُبوتِ الخيارِ فائِدةٌ، فيَسقُطُ كما في خيارِ الشَّرطِ وخيارِ الرُّؤيةِ (١).
وقال المالِكيَّةُ: إنَّ البائِعَ إذا كذَب على المُشتَري في بَيعِ المُرابَحةِ، بأنْ زادَ في ثَمَنِ السِّلعةِ على ما هو في الواقِعِ، سَواءٌ كانَ عَمدًا أو غَير عَمدٍ، كما
(١) «البدائع» (٥/ ٢٢٥، ٢٢٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٠٤، ١٠٨)، و «اللباب» (١/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «الهداية» (٣/ ٥٦)، و «العناية شرح الهداية» (٩/ ٢٤٩)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٥٠٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ١٣٢، ١٤٠).
إذا اشتَراها بثَمانيةٍ مَثَلًا، يُخبِرُ بأنَّه اشتَراها بعَشَرةٍ، وباعها مُرابَحةً باثنَيْ عشَرَ، والسِّلعةُ قائِمةٌ، فإنْ حَطَّ البائِعُ ما كذَب به عليه، ورِبْحَه، فإنَّه يَلزَمُ المُشتَريَ البَيعُ، وإنْ لَم يَحُطَّ البائِعُ عنه فإنَّ المُشتَريَ يُخيَّرُ بينَ أنْ يَرُدَّ السِّلعةَ، ويأخُذَ ثَمَنَه، أو يأخُذَها بجَميعِ الثَّمنِ الذي وقَع البَيعُ به.
وهذا بخِلافِ الغِشِّ؛ فإنَّه لا يَلزَمُ المُشتَريَ البَيعُ، وإنْ حَطَّ بائِعُه عنه ما غَشَّه به، كما إذا اشتراها بثَمانيةٍ مَثَلًا، ويَرقُمُ عليها عَشَرةً، ثم يَبيعُها مُرابَحةً على الثَّمانيةِ؛ لِيُوهِمَ المُشتَريَ بأنَّه غلِطَ على نَفْسِه فهو غِشٌّ وخَديعةٌ، فالمُشتَري في حالةِ الغِشِّ مع قيامِ السِّلعةِ يُخيَّرُ بينَ أنْ يَتمسَّكَ بها بجَميعِ الثَّمنِ، أو يَرُدَّها ويَرجِعَ بثَمَنِه.
والغِشُّ: أنْ يُوهِمَ بوُجودِ مَفقودٍ مَقصودٍ وُجودُه في المَبيعِ، أو يَكتُمَ فَقْدَ مَوجودٍ مَقصودٍ فَقْدُه منه، كأنْ يَكتُمَ طُولَ إقامَتِه عندَه أو يَكتُبَ على السِّلعةِ ثَمَنًا أكثَرَ ممَّا اشتَراها به، ثم يَبيعَ على ما اشتَرَى به لِيُوهِمَ بأنَّه غلِط ونَحوِ ذلك، وهذا إنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً.
فإنْ فاتَتِ السِّلعةُ ففي حالةِ الغِشِّ بأنْ غَشَّ في بَيعِ المُرابَحةِ وفاتَتِ السِّلعةُ فإنَّ المُشتَريَ يُخيَّرُ بينَ أنْ يَدفَعَ الأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الذي بِيعَتْ به، أو قيمَتَها يَومَ قَبضِها مِنْ غيرِ ضَربِ رِبحٍ عليها.
وإنْ فاتَتِ السِّلعةُ في بَيعِ المُرابَحةِ في حالةِ الكَذِبِ، فإنَّ البائِعَ (١) يُخيَّرُ بينَ أخذِ الثَّمنِ الصَّحيحِ ورِبحِه، أو قيمَتِها يَومَ القَبضِ، ما لَم تَزِدْ على
(١) وقيل: أن المشتري هو الذي يخير.
الكَذِبِ ورِبحِه، فلا يُزادُ عليه، أي: الكَذِبِ لأنَّه قد رَضيَ بذلك.
ومُدَلَّسُ المُرابَحةِ كغيرِها، فمَن دلَّس بعَيبٍ في بَيعِ المُرابَحةِ فحُكمُه حُكمُ مَنْ باعَ غيرَ مُرابَحةٍ في قيامِ السِّلعةِ وفَواتِها إنْ كانَتْ قائِمةً، خُيِّرَ بينَ أنْ يَرُدَّ ويَرجِعَ بجَميعِ الثَّمنِ، أو يُمسِكَ ولا شَيءَ له، وإنْ كانَتْ قد فاتَتْ بعَيبٍ مُفسِدٍ كان مُخيَّرًا بينَ أنْ يَرُدَّ ويَرُدَّ ما نقَصه العَيبُ الحادِثُ عندَه، وبينَ أنْ يُمسِكَ ويَرجِعَ بقيمةِ العَيبِ وما يَنويه مِنْ الرِّبحِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ في الأظهَرِ: لو قالَ: اشترَيتُه بمِئةٍ، وباعَه مُرابَحةً فبانَ أنَّه اشتَراه بتِسعينَ بإقرارِه أو حُجَّةٍ، فالأظهَرُ أنَّه يَحُطُّ الزِّيادةَ ورِبحَها؛ لأنَّه تَمليكٌ باعتِمادِ الثَّمنِ الأوَّلِ، فتُحَطُّ الزِّيادةُ عنه.
وفي مُقابِلِ الأظهَرِ: لا يُحَطُّ شَيءٌ؛ لأنَّه قد سَمَّى عِوَضًا وعقَد به.
والبَيعُ صَحيحٌ على القَولَيْنِ؛ لأنَّه غَرَّه، والتَّغريرُ لا يَمنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو رَوَّجَ عليه مَعيبًا.
وعلى الأظهَرِ: لا خيارَ لِلمُشتَري ولا لِلبائِعِ، سَواءٌ أكان المَبيعُ باقيًا أم تالِفًا، أمَّا المُشتَري فلأنَّه إذا رَضيَ بالأكثَرِ فبِالأقَلِّ مِنْ بابِ أوْلى، وأمَّا البائِعُ فلِتَدليسِه.
وفي مُقابِلِ الأظهَرِ: يثبُتُ الخيارُ، وهو وَجهٌ في البائِعِ، وقيلَ: قَولٌ.
(١) «تحبير المختصر» (٣/ ٦٦٤، ٦٦٥)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٣٥٤)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٥٢٤، ٥٢٥)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٤/ ٢٧٢، ٢٧٤)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٨٠)، و «حاشية الصاوي» (٧/ ٦٧).
أمَّا المُشتَري فلأنَّه قد يَكونُ له غَرَضٌ في الشِّراءِ بذلك المَبلَغِ؛ لِإبرارِ قَسَمٍ أو إنفاذِ وَصيَّةٍ، وأمَّا البائِعُ فلأنَّه لَم يُسلِّمْ له ما سَمَّاه، والخيارُ على الفَورِ.
ولو لَم يُبيِّنِ الأجَلَ أو العَيبَ أو شَيئًا ممَّا يَجِبُ ذِكرُه ثبَت لِلمُشتَري الخيارُ لِتَدليسِ البائِعِ عليه بتَركِ ما وجَب عليه، ويَندَفِعُ ضَرَرُ المُشتَري بثُبوتِ الخيارِ له.
ولو غَلِطَ البائِعُ فنقَص مِنْ الثَّمنِ، كأنْ قال: اشترَيتُه بمِئةٍ، وباعه مُرابَحةً ثم زَعَمَ أنَّ الثَّمنَ الذي اشتَرَى به مِئةٌ وعَشَرةٌ مَثَلًا، وصَدَّقَه المُشتَري في ذلك لَم يَصحَّ البَيعُ الواقِعُ بينَهما مُرابَحةً في الأصَحِّ؛ لِتعذُّرِ إمضائِه مَزيدًا فيه العَشَرةُ المَتبوعةُ برِبحِها؛ لأنَّ العَقدَ لا يَحتمِلُ الزِّيادةَ، وأمَّا النَّقصُ فهو مَعهودٌ بدَليلِ الأرشِ.
قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: الأصَحُّ صِحَّتُه، كما لو غَلِطَ المُشتَري بالزِّيادةِ، ولا تَثبُتُ العَشَرةُ، ولِلبائِعِ الخيارُ في الأصَحِّ.
وإنْ كذَّب البائِعُ المُشتَري ولَم يُبيِّنِ البائِعُ لِلغَلَطِ وَجهًا مُحتمَلًا لَم يُقبَلْ قَولُه؛ لأنَّه رُجوعٌ عن إقرارٍ تَعلَّقَ به حَقُّ آدَميٍّ، ولا تُقبَلُ بَيِّنتُه إنْ أقامها عليه لِتَكذيبِه لَها بقَولِه الأوَّلِ، وله تَحليفُ المُشتَري أنَّه لا يَعرِفُ ذلك في الأصَحِّ؛ لأنَّه قد يُقِرُّ عندَ عِوَضِ اليَمينِ عليه.
والآخَرُ: لا، كما لا تُسمَعُ بَيِّنتُه.
وعلى الأصَحِّ إنْ حلَف أمضَى العَقدَ ما حلَف عليه، وإنْ نكَل عن
اليَمينِ رُدَّتْ على البائِعِ بِناءً على الأظهَرِ مِنْ أنَّ اليَمينَ المَردودةَ كالإقرارِ، يَحلِفُ على البَتِّ أنَّ ثَمَنَه المِئةُ والعَشَرةُ.
وإنْ بيَّنَ لِغَلَطِه وَجهًا مُحتمَلًا، كقَولِه: جاءَني كِتابٌ على لِسانِ وَكيلي بأنَّه اشتَراه بكذا، فبانَ الكذِبُ عليه أو تَبيَّن لي بمُراجَعةِ جَريدَتي أنِّي غَلِطتُ مِنْ ثَمَنِ مَتاعٍ إلى غيرِه، فله التَّحليفُ، كما سبَق؛ لأنَّ العُذرَ يُحرِّكُ ظَنَّ صِدقِه.
والأصَحُّ على التَّحليفِ سَماعُ بَيِّنتِه التي يُقيمُها بأنَّ الثَّمنَ ما ذكَره.
والآخَرُ: لا، لِتَكذيبِه لَها، قال في المَطلَبِ: وهذا هو المَشهورُ والمَنصوصُ عليه (١).
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: مَنْ أخبَرَ بثَمَنٍ فعقَد به تَوليةً أو شَرِكةً أو مُرابَحةً أو وَضيعةً، ثم ظهَر الثَّمنُ أقَلَّ ممَّا أخبَرَ به فلِلمُشتَري حَطُّ الزِّيادةِ في التَّوليةِ والشَّرِكةِ، ولا خيارَ، ولِلمُشتَري أيضًا حَطُّ الزِّيادةِ في المُرابَحةِ، وحَطُّ حَظِّها، أي: قِسطِها مِنْ الرِّبحِ، ولا خيارَ، ويَنقُصُ الزَّائِدَ في المُواضَعةِ ولا خيارَ؛ لأنَّه باعَه برَأسِ مالِه، وما قدَره مِنْ الرِّبحِ أو الوَضيعةِ فإذا بانَ رَأسُ مالِه، قَدْرًا كان مَبيعًا به وبِالزِّيادةِ أو النَّقصِ، بحَسَبِ ما اتَّفَقا عليه، ويَلزَمُ البَيعُ بالبَقيَّةِ، فلا خيارَ لِلمُشتَري فيها؛ لأنَّ الثَّمنَ إذَنْ بأقَلَّ ممَّا أخبَرَ به، وسقَط عنه الزَّائِدُ، فقد زيدَ خَيرًا، فلَم يَكُنْ له خيارٌ، كما لو وكَل مَنْ يَشتَري له مُعيَّنًا بمِئةٍ فاشتَراه بتِسعينَ.
(١) «الوسيط» (٣/ ٥٧٤، ٥٧٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١٧٧، ١٧٨)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٥٥١، ٥٥٢)، و «السراج الوهاج» (٢٣٢)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ١٣٤، ١٣٥)، و «الديباج» (٢/ ١٠٦، ١٠٩)، و «النجم الوهاج» (٤/ ١٨٠، ١٨٣).
وإنْ بانَ -أي: ظهَر- الثَّمنُ الذي أخبَرَ به البائِعُ المُشتَريَ مُؤجَّلًا، وقد كتَم البائِعُ التَّأجيلَ عن المُشتَري، ثم عَلِم المُشتَري التَّأجيلَ، أخَذ المَبيعَ بالثَّمنِ مُؤجَّلًا بالأجَلِ الذي اشتَراه البائِعُ إليه، ولا خيارَ لِلمُشتَري، فلا يَملِكُ الفَسخَ في الصُّوَرِ الأربَعةِ السابِقةِ، لأنَّه زيدَ خَيرًا.
وعن الإمامِ أحمدَ أنَّه إنِ اشتَراه بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ ولَم يُبيِّنْ أمرَه مُخيَّرٌ بينَ أخذِه بالثَّمنِ الذي وقَع عليه العَقدُ حالًّا، وبينَ الفَسخِ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ؛ لأنَّ البائِعَ لَم يَرضَ بذِمَّةِ المُشتَري، وقد تَكونُ ذِمَّتُه دونَ ذِمَّةِ البائِعِ؛ فلا يَلزَمُه الرِّضا بذلك.
وحكَى ابنُ المُنذِرِ عن أحمدَ أنَّه إنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا فهو مُخيَّرٌ بينَ الفَسخِ وأخذِه بالثَّمنِ مُؤجَّلًا؛ لأنَّه الثَّمنُ الذي اشتَرَى به البائِعُ، والتَّأجيلُ صِفةٌ له، فهو كما لو أخبَرَه بزيادةٍ في الثَّمنِ، وإنْ كانَ قد استَهلَكَ حَبسَ الثَّمنِ بقَدرِ الأجَلِ، وهذا قَولُ شُرَيحٍ.
ولو قالَ البائِعُ: مُشتَراه مِئةٌ، ثم قال: غَلِطتُ والثَّمنُ زائِدٌ على ما أخبَرتُ به، فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه، ويَحلِفُ إذا طلَب المُشتَري تَحليفَه عندَ أكثَرِ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ المُشتَريَ لمَّا دخَل مع البائِعِ في المُرابَحةِ ائتَمَنَه، والقَولُ قَولُ الأمينِ، فيَحلِفُ البائِعُ أنَّه لَم يَكُنْ يَعلَمُ وَقتَ البَيعِ أنَّ ثَمَنَها أكثَرُ ممَّا أخبَرَ به، فإنْ حلَف البائِعُ خُيِّرَ المُشتَري بينَ الرَّدِّ وبينَ دَفعِ الزِّيادةِ التي ادَّعاها البائِعُ.
وإنْ نكَل البائِعُ عن اليَمينِ قُضيَ عليه بالنُّكولِ وليسَ له إلَّا ما وقَع عليه العَقدُ، أو أقَرَّ بعدَ الغَلَطِ لَم يَكُنْ له غيرُ ما وقَع عليه العَقدُ؛ لِرِضاه مِنْ غيرِ عُذرٍ.
وفي رِوايةٍ عن أحمدَ -وهي المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ- أنَّه لا يُقبَلُ قَولُ البائِعِ إلَّا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّه أقَرَّ بالثَّمنِ وتَعلَّقَ به حَقُّ الغيرِ، وكَونُه مُؤتمَنًا لا يُوجِبُ قَبولَ دَعواه الغَلَطَ كالمُضارِبِ إذا أقَرَّ برِبحٍ ثم قال: غَلِطتُ.
وعن أحمدَ: يُقبَلُ قَولُ مَعروفٍ بالصِّدقِ.
ولا يَحلِفُ مُشتَرٍ بدَعوى بائِعٍ عليه، عَلِم الغَلَطَ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، لأنَّه قد أقَرَّ له؛ فيَستَغني بالإقرارِ عن اليَمينِ.
وقيلَ: الصَّحيحُ أنَّ عليه اليَمينَ بأنَّه لا يَعلَمُ ذلك.
وإنْ باعَ سِلعةً بدونِ ثَمَنِها عالِمًا لزِمه البَيعُ، ولا خيارَ له، ولا يَلزَمُ المُشتَري غيرُ ما وقَع عليه العَقدُ لِما تَقدَّمَ.
وإنِ اشتَرَى المَبيعَ بدَنانيرَ وأخبَرَ في البَيعِ بتَخبيرِ الثَّمنِ أنَّه اشتَراه بدَراهِمَ وبِالعَكسِ بأنِ اشتَراه بدَراهِمَ وأخبَرَ بأنَّه اشتَراه بدَنانيرَ فلِلمُشتَري الخيارُ، والعِبرةُ بما وقَع عليه العَقدُ، لا بما أقبَضَ عليه.
أو اشتَراه بعَرضٍ، ولو فُلوسًا نافِقةً، فأخبَرَ بأنَّه اشتَراه بنَقدٍ مِنْ دَراهِمَ أو دَنانيرَ فلِلمُشتَري الخيارُ أو بالعَكسِ بأنِ اشتَراه بنَقدٍ فأخبَرَ بأنَّه اشتَراه بعَرضٍ فلِلمُشتَري الخيارُ وأشباهُ ذلك، كما لو اشتَراه بعَرضٍ فأخبَرَ بأنَّه اشتَراه بعَرضٍ آخَرَ، أو اشتَراه مِمَّنْ لا تُقبَلُ شَهادَتُه له كأبيه وابنِه وزَوجَتِه وكتَم ذلك عن المُشتَري في تَخبيرِه بالثَّمنِ، فلِلمُشتَري الخيارُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في حَقِّهم لِكَونِه يُحابيهم ويَسمَحُ لَهم، أو اشتَراه بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِه حيلةً كشِرائِه مِنْ غُلامٍ أو مِنْ غيرِه، وكتَمه في تَخبيرِه بالثَّمنِ، فلِلمُشتَري الخيارُ إذا عَلِم
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم الخيانة في المرابحة
بِعَشْرَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ صَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى ثَوْبًا وَعَشَرَةً بِعَشَرَةٍ فَيَكُونُ الْعَشَرَةُ بِالْعَشَرَةِ وَيَبْقَى الثَّوْبُ خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ شُبْهَةُ الرِّبَا فَلَمْ يَبِعْهُ مُرَابَحَةً وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَلَوْ اشْتَرَى مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لَمْ يَبِعْهُ مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ بِالْإِجْمَاعِ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع مرابحة
باب البيع مرابحة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا بَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى الْعَشَرَةِ وَاحِدٌ وَقَالَ قَامَتْ عَلَيَّ بِمَائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ أَخْطَأْتُ وَلَكِنَّهَا قَامَتْ عَلَيَّ بِتِسْعِينَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلْمُشْتَرِي بِرَأْسِ مَالِهَا وَبِحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ. وَجُمْلَةُ الْبُيُوعِ ثَلَاثَةٌ: بَيْعُ مُسَاوَمَةٍ، وَبَيْعُ مُرَابَحَةٍ، وَبَيْعُ مُخَاسَرَةٍ. فَأَمَّا بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ. وَهُوَ أَنْ يَسْتَامَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيَطْلُبَهَا الْمُشْتَرِي بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ يَتَقَرَّرُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْمُمَاكَسَةِ عَلَى تِسْعِينَ دِرْهَمًا. وَأَمَّا بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ مُرَابَحَةً عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَأَرْبَحُ فِي كُلِّ عَشْرَةٍ واحد فَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ. وَحُكِيَ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ مَعَ جَوَازِهِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]
(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً
ــ
منح الجليل
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.
فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ
ارجع إلى شرط جواز المرابحة (وكذا التولية والإشراك والوضيعة) للاطلاع على جميع المسائل.