الإسلام > المعاملات المالية > شروط الحوالة
مسائلُ فقهيةٌ في شروط الحوالة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةشُروطُ الحَوالةِ:
أوَّلًا: شُروطُ الصِّيغةِ:
تَنعَقِدُ الحَوالةُ بتوافُرِ الإيجابِ والقَبولِ عندَ الفُقهاءِ، فالإيجابُ أنْ يَقولَ المُحيلُ: «أحَلتُكَ على فُلانٍ»، والقَبولُ أنْ يَقولَ المُحالُ: «قَبِلتُ أو رَضيتُ»، أو نحوَ ذلك ممَّا يَدلُّ على القَبولِ والرِّضا.
ولا يُشترَطُ في الصِّيغةِ أنْ تَكونَ بلَفظِ الحَوالةِ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ.
قال الحَنفيَّةُ: تَصحُّ بلَفظِ الحَوالةِ، كقَولِ المُحيلِ لِلطالِبِ: «أحَلتُكَ على فُلانٍ»، والقَبولُ مِنَ المُحالِ عليه والمُحالِ: «قَبِلتُ أو رَضيتُ»، و نحوَ ذلك ممَّا يَدلُّ على القَبولِ والرِّضا (١).
وقال الحَنابِلةُ: وتَصحُّ الحَوالةُ بلَفظِها، ك: «أحَلتُكَ بدَينِكَ على فُلانٍ»، أو بمَعناها الخاصِّ بها، ك: «أتبَعتُكَ بدَينِكَ على فُلانٍ»، ونَحوِ ذلك، كخُذْ دَينَكَ منه، أو اطلُبْه منه، وغَيرِ ذلك ممَّا يَدلُّ على المَقصودِ (٢).
وأمَّا المالِكيَّةُ فاختَلَفوا، ففي قَولٍ: يُشترَطُ في الصِّيغةِ أنْ تَكونَ بلَفظِها الخاصِّ، كأحَلتُكَ على فُلانٍ، وحَوَّلتُ حَقَّكَ عليه، وأنتَ مُحالٌ.
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٥).
(٢) «كشاف القناع» (٣/ ٤٤٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٩٨)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٣).
قال في العُتبيَّةِ عن ابنِ القاسِمِ: مَنْ أمَرَ رَجُلًا أنْ يَأخُذَ مِنْ رَجُلٍ كذا، وأمَرَ الآخَرَ بالدَّفعِ فذلك ليس بحَوالةٍ، قال: وإنَّما الحَوالةُ أنْ يَقولَ: «أحَلتُكَ بحَقِّكَ على هذا»، أو: «أبرَأُ إليكَ منه»، وكذا إذا قال: «خُذْ مِنْ هذا حَقَّكَ وأنا بَريءٌ مِنْ دَينِكَ».
قال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: لأنَّ الحَوالةَ بَيعٌ مِنَ البُيوعِ يَنتقِلُ بها الدَّينُ عن ذِمَّةِ المُحيلِ إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه، فلا يَكونُ ذلك إلا بيَقينٍ، وهو التَّصريحُ بلَفظِ الحَوالةِ أو ما يَنوبُ مَنابَه، مِثلَ أنْ يَقولَ له: خُذْ مِنْ هذا حَقَّكَ وأنا بَريءٌ مِنْ دَينِكَ وما أشبَهَ ذلك.
وقال الدَّرديرُ رحمة الله عليه: قال ابنُ عَرَفةَ: وهي -أي: الصِّيغةُ- ما دَلَّ على تَركِ المُحالِ دَينَه في ذِمَّةِ المُحيلِ بمِثلِه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه. انتهى.
وهو شامِلٌ لِنَحوِ: «خُذْ حَقَّكَ مِنْ فُلانٍ وأنا بَريءٌ منه»، ونَحوِ ذلك، فلا تُحصَرُ صِيغَتُها في لَفظٍ مُشتَقٍّ مِنَ الحَوالةِ، وهذا هو المُعتمَدُ خِلافًا لِظاهِرِ المُصنِّفِ.
وقال الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «خِلافًا لِظاهِرِ المُصنِّفِ»، فيه أنَّ ظاهِرَ المُصنِّفِ لا يَقتَضي انحِصارَ صِيغَتِها في اللَّفظِ المُشتَقِّ مِنَ الحَوالةِ.
ثم قال: تَنبيهٌ: تَكفي الإشارةُ الدَّالَّةُ على الحَوالةِ مِنَ الأخرَسِ، لا مِنَ الناطِقِ، خِلافًا لِما يُوهِمُه كَلامُ ابنِ عَرَفةَ مِنْ كَيفيَّتِها مُطلَقًا في تَعريفِه الصِّيغةَ، كذا قَرَّرَ شَيخُنا (١).
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٤/ ٥٣١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٧/ ٤٣٠)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٠٢)، و «حاشية الرهوني» (٥/ ٤٠١) والصَّحيحُ -واللهُ أعلمُ- مِنْ عبارةِ الدُّسوقيِّ أن تَكونَ «فيه أنَّ ظاهِرَ المُصنفِ يَقتَضي انحِصارَ صِيغتِها في اللَّفظِ المُشتقِّ مِنَ الحَوالةِ».
وقال الشافِعيَّةُ: تَنعقِدُ بلَفظِ الحَوالةِ وما في مَعناها، كقَولِه: «أحَلتُكَ على فُلانٍ، أو حَوَّلتُ ما في ذِمَّتي إلى ذِمَّتِه، أو نَقَلتُ، أو أتبَعتُكَ عليه بما لكَ علَيَّ»، كما اقتَضاه الخَبَرُ، وما أشبَهَ ذلك، فيَقولُ: «قَبِلتُ أو احتَلتُ أو اتَّبَعتُ»، وما أشبَهَه.
ولو قال المُحتالُ: «أحِلني»، فقال: «أحَلتُكَ»، فعلى الخِلافِ في الاستيجابِ والإيجابِ في البَيعِ.
وقيلَ: يَنعَقِدُ مُطلَقًا؛ لأنَّ الحَوالةَ تُسومِحَ فيها، وفي انعِقادِها بلَفظِ البَيعِ خِلافٌ مَبنيٌّ على مُراعاةِ اللَّفظِ أو المَعنى، كالبَيعِ بلَفظِ السَّلَمِ (١).
وقال الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ولا يَتعيَّنُ لَفظُ الحَوالةِ، بل هو أو ما يُؤدِّي مَعناه، ك: «نَقَلتُ حَقَّكَ إلى فُلانٍ»، أو: «جَعَلتُ ما أستَحِقُّه على فُلانٍ لكَ»، أو: مَلَّكتُكَ الدَّينَ الذي عليه بحَقِّكَ»، وقَولُه: «أحِلْنِي»، ك: «بِعْني»، في البَيعِ فتَصحُّ الحَوالةُ به، ولا تَنعَقِدُ بلَفظِ البَيعِ مُراعاةً لِلَّفظِ، وقيلَ: تَنعقِدُ مُراعاةً لِلمَعنى، كالبَيعِ بلَفظِ السَّلَمِ، ولو قال: «أحَلتُكَ على فُلانٍ بكذا»، ولَم يَقُلْ: «بالدَّينِ الذي لكَ علَيَّ»، قال البُلقِينيُّ: فهو كِنايةٌ، كما يُؤخَذُ ممَّا يأتي أنَّه لو قال: «أرَدتُ بقَولي: أحَلتُكَ، الوَكالةَ»، صُدِّقَ
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٣٢)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤٧٠، ٤٧١).
بيَمينِه، والأوْجَهُ -كما قال شَيخي- أنَّه صَريحٌ، لكنْ يَقبَلُ الصَّرفَ كغَيرِه مِنَ الصَّرائِحِ التي تَقبَلُه (١).
ويُشترَطُ في الإيجابِ والقَبولِ كَونُهما في مَجلِسِ العَقدِ.
وأنْ يَكونَ العَقدُ باتًّا فلا يَثبُتُ فيه خيارُ المَجلِسِ ولا خيارُ الشَّرطِ، كما نَصَّ على ذلك الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ:
أمَّا خيارُ الشَّرطِ: فلأنَّ الأصلَ فيه أنْ يَثبُتَ في العُقودِ لِحمايةِ المُتعاقِدَيْنِ مِنَ الغَبنِ، وعَقدُ الحَوالةِ لَم يُبْنَ على المُغابَنةِ، وإنَّما هو عَقدٌ لِلإرفاقِ والمُعاوَنةِ.
وأمَّا خيارُ المَجلِسِ: فلأنَّه يَثبُتُ في بَيعِ الأعيانِ، والحَوالةُ بَيعُ دَينٍ بدَينٍ.
قال الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قد اختَلَفَ أصحابُنا هل هي بَيعٌ أو عَقدُ إرفاقٍ ومَعونةٍ؟ الحَوالةُ على وَجهَيْنِ: أحَدُهما: وهو ظاهِرُ نَصِّ الشافِعيِّ في كِتابِ السَّلَمِ أنَّ الحَوالةَ بَيعٌ؛ لأنَّ المُحتالَ قد عاوَضَ على ذِمَّةٍ بذِمَّةٍ.
والوَجهُ الآخَرُ: أنَّها عَقدُ مَعونةٍ وإرفاقٍ؛ لأنَّها تَخرُجُ مِنَ البُيوعِ بما يَتعلَّقُ بها مِنَ الأحكامِ.
فإذا قيلَ: إنَّها بَيعٌ فقد اختَلَف أصحابُنا هل هي بَيعُ دَينٍ بدَينٍ يَختَصُّ بالشَّرعِ أو بَيعُ عَينٍ بدَينٍ على وَجهَيْنِ: ثم على كِلا الوَجهَيْنِ لا يَدخُلُها الخياراتُ الثَّلاثةُ.
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ١٥٤).
ارجع إلى المعاملات المالية للاطلاع على جميع الأبواب.