الإسلام > المعاملات المالية > شروط الحوالة > ثانيا: شروط المحيل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 55 دقيقة قراءةفأمَّا خيارُ المَجلِسِ فعلى الوَجهِ الذي نَقولُ فيه إنَّها عَقدُ مَعونةٍ وإرفاقٍ لا يَدخُلُها خيارُ المَجلِسِ؛ لأنَّ خيارَ المَجلِسِ مَوضوعٌ لاستِدراكِ الغَبنِ في عُقودِ المُعاوَضاتِ، وعلى الوَجهِ الذي نَقولُ فيه إنَّها عَقدُ بَيعٍ ففي خيارِ المَجلِسِ وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَدخُلُ فيها خيارُ المَجلِسِ، وهذا على الوَجهِ الذي نَقولُ فيه إنَّها بَيع دَينٍ بدَينٍ.
والآخَرُ: يَدخُلُ فيها خيارُ المَجلِسِ إذا قيلَ: إنَّها بَيعُ عَينٍ بدَينٍ (١).
ثانيًا: شُروطُ المُحيلِ:
المُحيلُ هو المَدينُ الذي يُحيلُ دائِنَه بدَيْنِه على غَيرِه: يُشترَطُ في المُحيلِ ما يَلي:
١ - أنْ يَكونَ أهلًا لِلعَقدِ، أي: أنْ يَكونَ عاقِلًا بالِغًا، فلا تَصحُّ الحَوالةُ مِنَ المَجنونِ، ولا مِنَ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ؛ لأنَّه في حُكمِ الذي لا يَعقِلُ؛ لأنَّ العَقلَ مِنْ شَرائِطِ أهليَّةِ التَّصرُّفاتِ كلِّها.
وأمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ فلا تَنفُذُ حَوالَتُه، وإنَّما تَتوقَّفُ على إجازةِ الوَليِّ، فالبُلوغُ إذَنْ شَرطُ نَفاذٍ، لا انعِقادٍ، فتَنعقِدُ حَوالةُ الصَّبيِّ العاقِلِ؛ مَوقوفًا نَفاذُه على إجازةِ وَليِّه؛ لأنَّ الحَوالةَ إبراءٌ بحالِها، وفيها مَعنى المُعاوَضةِ بما لها خُصوصًا إذا كانت مُقيَّدةً، فتَنعقِدُ مِنَ الصَّبيِّ كالبَيعِ ونَحوِه.
(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٩١٦)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤٦٩، ٤٧٠)، و «المغني» (٤/ ٣٣٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٤٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٩٨).
فأمَّا حُرِّيَّةُ المُحيلِ فليست بشَرطٍ لِصِحَّةِ الحَوالةِ، وكذا الصِّحَّةُ ليست بشَرطٍ لِصِحَّةِ الحَوالةِ؛ لأنَّها مِنْ قِبَلِ المُحيلِ ليست بتَبرُّعٍ، فتَصحُّ مِنَ المَريضِ (١).
٢ - رِضا المُحيلِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في الحَوالةِ رِضا المُحيلِ حتى لو كان مُكرَهًا على الحَوالةِ لا تَصحُّ؛ لأنَّ الحَوالةَ إبراءٌ فيها مَعنى التَّمليكِ فتَفسُدُ بالإكراهِ كسائِرِ التَّمليكاتِ، لأنَّ لِلمُحيلِ إيفاءَ الحَقِّ مِنْ حيثُ شاءَ، ولا يَتعيَّنُ عليه شَيءٌ مِنَ الجِهاتِ، وفي صِحَّةِ الحَوالةِ بدونِ رِضاه يَتعيَّنُ ذلك عليه قَهرًا.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُشترَطُ في صِحَّتِها رِضا المُحيلِ بلا خِلافٍ، فإنَّ الحَقَّ عليه، ولا يَتعيَّنُ عليه جِهةُ قَضائِه (٢).
وقال المازُوريُّ رحمة الله عليه: أمَّا المُحيلُ فلا يَلزَمُه أنْ يُحيلَ، ولا يُجبَرُ على الحَوالةِ ولا خِلافَ في ذلك؛ لأنَّ الحُقوقَ مُتعلِّقةٌ بذِمَّتِه فلا يُجبَرُ على أنْ يَقبِضَها مِنْ ذِمَّة أُخرى، كما لو باعَ سِلعةً مُعيَّنةً فإنَّه لا يُجبَرُ على أنْ يُعطيَ غَيرَها، وإنْ كان مِثلَها أو أدْنى منها.
وكما لو أحضَرَ مالًا وَضَعَه بينَ يَدَيْه، فأرادَ أنْ يَقضيَ منه ما عليه، فقال
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٦).
(٢) «المغني» (٤/ ٣٣٦).
له الطالِبُ لِلدَّينِ: أنا آخُذُ منكَ مِنَ الدَّنانيرِ الأُخرى التي ليست حاضِرةً بينَ يَدَيْكَ (١).
وفي قَولٍ لِلحَنَفيةِ: لا يُشترَطُ لِصِحَّتِها رِضا المُحيلِ وإنَّما يُشترَطُ لِلرُّجوعِ عليه أو لِسُقوطِ دَينِه على المُحتالِ عليه؛ لأنَّ الحَوالةَ فيها نَفْعُه، وهو سُقوطُ ما عليه مِنَ الدَّينِ، فصارَ كالمَكفولِ عنه حيث تَصحُّ الكَفالةُ بلا رِضاه، وأمَّا بدونِ الرِّضا فلا رُجوعَ ولا سُقوطَ.
قال المرغيانيُّ في «الهِدايةِ»: وأمَّا المُحيلُ فالحَوالةُ تَصحُّ بدونِ رِضاه؛ لأنَّ التِزامَ الدَّينِ مِنَ المُحالِ عليه تَصرُّفٌ في حَقِّ نَفْسِه، وهو لا يَتضرَّرُ به، بل فيه نَفعُه؛ لأنَّه لا يَرجِعُ عليه إذا لَم يَكُنْ بأمْرِه.
وكذا قال في «النِّهايةِ»: رِضا مَنْ عليه الدَّينُ وأمْرُه ليسا بشَرطَيْنِ، حتى إنَّ مَنْ قال لِغَيرِه: «إنَّ لكَ على فُلانٍ كذا مِنَ الدَّينِ فاحتَلْ به علَيَّ»، ورَضيَ بذلك صاحِبُ الدَّينِ صَحَّتِ الحَوالةُ، فإنْ أدَّى المالَ لا يَرجِعُ على الذي عليه الدَّينُ وقد بَرِئَ الذي عليه الأصلُ (٢).
(١) «شرح التلقين» (٣/ ١/ ١١).
(٢) يُنظر: «الهداية» (٣/ ٩٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٦٦)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٦)، و «الاختيار» (٣/ ٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٩)، و «ابن عابدين» (٥/ ٣٤١)، و «اللباب» (١/ ٥٨٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٨)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٥٢٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٠١)، و «التاج الجليل» (٤/ ١١٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٣٢)، و «البيان» (٦/ ٢٨٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٥٤)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤٧٠)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤٨٥)، و «الديباج» (٢/ ٢٧٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٤٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٩٨)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٤).
ثالثًا: المُحالُ له: وهو مَنْ له الدَّينُ: أي: هو الدائِنُ الذي يُحالُ بدَينِه لِيَستوفيَه مِنْ غيرِ مَدينِه، أي: هو الدائِنُ لِلمُحيلِ الذي أحالَه لِيَستوفيَ دَينَه مِنْ غَيرِه، ويُقالُ له أيضًا: المُحتالُ، أي: طالِبُ الإحالةِ.
اختَلَفَ الفُقهاءُ في المُحالِ له، وهو صاحِبُ الدَّينِ، هل يُشترَطُ رِضاه بالحَوالةِ أم لا؟
فذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والظاهِريَّةُ إلى أنَّه لا يُعتبَرُ رِضاه إذا كان المُحالُ عليه مَليئًا ويُجبَرُ على اتِّباعِه لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: «وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (١)، وهذا أمْرٌ، والأمْرُ لِلوُجوبِ، ولأنَّ لِلمُحيلِ أنْ يُوفِّيَ الحَقَّ الذي عليه بنَفْسِه وبوَكيلِه، وقد أقامَ المُحالُ عليه مَقامَ نَفْسِه في التَّقبيضِ، فلَزِمَ المُحالَ القَبولُ، كما لو وَكَّلَ رَجُلًا في إيفائِه.
وإنَّما خَصَّه ﷺ بالمَليءِ حُكمًا لِلأغلَبِ؛ لأنَّ الأغلَبَ في الحَوالات ذلك؛ لأنَّه شَرطُ الجَوازِ.
والمَليءُ هو: مَنْ له القُدرةُ على الوَفاءِ وليس مُماطِلًا ويُمكِنُ حُضورُه لِمَجلِسِ الحُكمِ (٢).
(١) رواه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤).
(٢) يُنظر: «المغني» (٥/ ٦٠) ط/ دار الفكر، و «الإنصاف» (٥/ ٢٢٧)، و «الإفصاح» (١/ ٤٣٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٥٠، ٤٥١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٠٠)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٤).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُشترَطُ رِضاه؛ لأنَّ حَقَّ المُحتالِ في ذِمَّةِ المُحيلِ فلا يَنتَقِلُ إلى ذِمَّةٍ أُخرى إلا برِضاه فلا يَلزَمُه الانتِقالُ إلى ذِمَّةٍ لَم يَرضَ بها مع بَقاءِ الذِّمَّةِ الأُولى وأصْلُه في المَنافِعِ إذا استأجِرَ منه كِراءً إلى بَلَدٍ فلَم يَكُنْ له أنْ يُحيلَه على غَيرِه لِيَستوفيَ الكِراءَ منه؛ ولأنَّه بَيعُ مِلكٍ؛ ولأنَّه تَمليكُ ببَدَلٍ لا يَتعلَّقُ به حَقُّ اللهِ ﷾ فلَم يُجبَرْ عليه المالِكُ، أصلُه بَيعُ الأعيانِ؛ ولأنَّه حَقٌّ واجِبٌ عليه، فلَم يَكُنْ له نَقلُه إلى غَيرِه بغَيرِ رِضا مَنْ له الحَقُّ، وأصلُه إذا تَعلَّقَ بالعَينِ، فنَقيسُ الذِّمَّةَ على العَينِ.
قال الإمامُ المازوريُّ رحمة الله عليه: وأمَّا اعتبارُ رِضا المُحتالِ الطالِبِ لِلدَّينِ فإنَّه أيضًا يُعتبَرُ رِضاه ولا يُجبَرُ أنْ يَتحوَّلَ عن الذِّمَّةِ التي استُحِقَّ الدَّينُ فيها إلى ذِمَّةٍ، كما لو اشتَرى سِلعةً بعَينِها، فإنَّه لا يُجبَرُ على أنْ يَدفَعَ إليه مِثلَها أو أفضَلَ منها.
ولا فَرقَ بينَ استِحقاقِ أعيانٍ مُعيَّنةٍ واستِحقاقِ دُيونٍ في ذِمَّةٍ مُعيَّنةٍ، وكذلك لا يُجبِرُهم مُستحِقُّ الدَّينِ على أنْ يَأخُذَه عِوَضًا عنه جِنسًا آخَرَ مع أنَّه لو رَضيَ بذلك لاستَوفَى حَقَّه.
فأحرَى ألَّا يَلزَمَه التَّحوُّلُ إلى ذِمَّةٍ أُخرى لا يَكونُ مُجرَّدُ التَّحويلِ إليها استِيفاءً لِحَقِّه.
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ (والظَّاهِريةُ) إلى أنَّه يُجبَرُ على التَّحوُّلِ، وليس له أنْ يَمتَنِعَ منه تَعلُّقًا بما ذَكَرناه في الحَديثِ مِنْ قَولِ النَّبيِّ
ﷺ: «وإذا أُتبِعَ أحَدُكم على مَليءٍ فلْيَتبَعْ»، فأمَرَه بالاتِّباعِ، ومُجرَّدُ الأوامِرِ على الوُجوبِ عندَ أكثَرِ الفُقهاءِ، ولا شَكَّ أنْ أكثَرَ مَنْ قال بأنَّه لا يُجبَرُ على قَبولِ الحَوالةِ، وأنْ يَتْبَعَ غيرَ ذِمَّتِه، يَقولُ: إنَّ مُجرَّدَ الأمْرِ يَقتَضي الوُجوبَ فيَلزَمُهم أنْ يَتأوَّلوا الحَديثَ الذي تَعلَّقَ به داودُ، وهم يَقولونَ: إنَّه مَحمولٌ على الاستِحبابِ، وإنَّه يُستَحبُّ لمَن أُحيلَ على مَليءٍ أنْ يَقبَلَ الحَوالةَ، ولهم في ذلك مَسلَكانِ:
أحَدُهما: صَرفُ قَولِه ﷺ: «فليَتبَعْ» عن الوُجوبِ إلى النَّدبِ؛ لِما قَدَّمناه مِنَ الأقيِسةِ.
وهذا إنَّما يَحسُنُ سُلوكُه إذا قيلَ: إنَّ حَملَ الأمرِ على الوُجوبِ لا يَجري مَجرى النُّصوصِ، بل مَجرى الظَّواهِرِ المُحتَملةِ، فيَحتمِلُ مُجرَّدُ الأمرِ الوُجوبَ، ويَحتمِلُ النَّدبَ، لكنَّه في الوُجوبِ أظهَرُ فيَحسُنُ صَرفُه عن الوُجوبِ إلى النَّدبِ بالأقيِسةِ.
وأمّا المَسلَكُ الآخَرُ: فالتَّمسُّكُ بصَدرِ الحَديثِ، وهو أنَّه ﷺ افتَتَح ذلك بأنْ قالَ ﷺ: «مَطلُ الغَنيِّ ظُلمٌ»، وفي تأخيرِ قَضاءِ الدَّينِ إلى أنْ يَتحوَّلَ إلى ذِمَّةٍ أُخرى يَقتَضيها نَوعٌ مِنَ المَطلِ، وقد وَصَفَ النَّبيُّ ﷺ المَطلَ بأنَّه ظُلمٌ لا سيَّما مُقتَضى قَولِه ﷺ: «وإذا أُحيلَ أحَدُكم على مَليءٍ فليَحتَلْ»، يَقتَضي أنَّ المُحتالَ إذا أحالَه مَنْ أُحيلَ عليه على رَجُلٍ آخَرَ يَلزَمُه قَبولُ الحَوالةِ، وكذلك إذا أحالَه الثاني على الثالِثِ، وهذا يُؤدِّي إلى ما لا يَتناهَى حتى يُخرِجَنا عن المَطلِ إلى إبطالِ الحُقوقِ.
وأشار ابنُ القَصَّارِ إلى طَريقٍ مِنَ الاستِدلالِ: وهو أنَّ الحَوالةَ أُجيزتْ لِلضَّرورةِ والرِّفقِ، وبالصَّحابةِ رضي الله عنهم حاجةٌ إلى بَيانِ حُكمِها، وكَونُ القَبولِ واجِبًا عليهم، فلو بينَ النَّبيُّ ﷺ ذلك لاستَفاضَ فيهم واشتُهِرَ فلَمَّا لَم يَذكُرْ عنهم الذَّهابَ إلى ذلك اقتَضى أنَّه أمْرٌ لا يَلزَمُ، وإنَّما هو مُستَحبٌّ، والمَندوباتُ لا تُشتَهَرُ اشتِهارَ الواجباتِ.
وقد نَبَّهناكَ على ما تَقتَضيه أُصولُ الفِقهِ في هذه المَسألةِ (١).
رابعًا: المُحالُ عليه: وهو مَنْ عليه دَينٌ مُماثِلٌ لِلمَدينِ الأوَّلِ، أو هو مَنْ قبلَ الحَوالةَ على نَفْسِه.
وقد اختَلَف الفُقهاءُ في المُحالِ عليه، هل يُشترَطُ رِضاه أم لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ وهو قَولٌ لِلمالِكيَّةِ غيرُ المَشهورِ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّه يُعتبَرُ رِضا المُحالِ عليه، سَواءٌ كان عليه دَينٌ لِلمُحيلِ أو لا، حتى لو أُكرِهَ على قَبولِ الحَوالةِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ الدَّينَ يَلزَمُه، فلا بُدَّ مِنَ التِزامِه، فلا لُزومَ بدونِ التِزامِه؛ ولأنَّه أحَدُ مَنْ تَتِمُّ به الحَوالةُ، فاعتُبِرَ رِضاه كالمُحيلِ والمُحتالِ.
(١) «التلقين» (٣/ ١/ ١١، ١٣)، ويُنظر: «الهداية» (٣/ ٩٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٦٦)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٦)، و «الاختيار» (٣/ ٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٩)، و «ابن عابدين» (٥/ ٣٤٢)، و «اللباب» (١/ ٥٨٥)، و «الإشراف» (٣/ ٥٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٨)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٥٢٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٠١)، و «التاج الجليل» (٤/ ١١٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٣٢)، و «البيان» (٦/ ٢٨٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٥٤)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤٧٠)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤٨٥)، و «الديباج» (٢/ ٢٧٢)، و «الإنصاف» (٥/ ٢٢٧)، و «الإفصاح» (١/ ٤٣٨).
ولأنَّ الحَوالةَ تَصرُّفٌ على المُحالِ عليه بنَقلِ الحَقِّ إلى ذِمَّتِه فلا يَتِمُّ إلا بقَبولِه ورِضاه بخِلافِ التَّوكيلِ بقَبضِ الدَّينِ؛ لأنَّه ليس تَصرُّفًا عليه بنَقلِ الواجِبِ إليه ابتِداءً، بل هو تَصرُّفٌ بأداءِ الواجِبِ، فلا يُشترَطُ قَبولُه ورِضاه، ولأنَّ الناسَ في اقتِضاءِ الدُّيونِ والمُطالَبةِ بها على التَّفاوُتِ، بَعضُهم أسهَلُ مُطالَبةً واقتِضاءً، وبَعضُهم أصعَبُ، فلا بُدَّ مِنْ قَبولِه لِيَكونَ لُزومُ ضَرَرِ الصُّعوبةِ مُضافًا إلى التِزامِه (١).
وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترَطُ رِضا المُحالِ عليه، بل يُجبَرُ على دَفعِ الدَّينِ الذي عليه لِمَنْ أُحيلَ به عليه؛ لإقامةِ المُحيلِ المُحتالَ مَقامَ نَفْسِه في القَبضِ مع جَوازِ استِيفائِه بنَفْسِه ونائِبِه، فلَزِمَ المُحالَ عليه الدَّفعُ إليه كالوَكيلِ.
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفظٍ: «وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (٢)، ولَم يُشترَطْ رِضا الذي عليه الحَقُّ وإنَّما شُرِطَ في ذلك رِضا المُحيلِ؛ لأنَّه هو الذي يَتبَعُ مَنْ له عليه الدَّينُ على مَنْ له هو عليه مِثلُه، ولأنَّ الحَقَّ هو لِلمالِكِ فله أنْ يُملِّكَه مَنْ شاءَ، كسائِرِ الحُقوقِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٧) «الهداية» (٣/ ٩٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٦٦)، و «الاختيار» (٣/ ٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٩)، و «ابن عابدين» (٥/ ٣٤١)، و «اللباب» (١/ ٥٨٥)، و «البيان» (٦/ ٢٨٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٥٤)، و «الإفصاح» (١/ ٤٣٨).
(٢) رواه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤).
ولأنَّ مَنْ له دَينٌ على رَجُلٍ أنْ يُوكِّلَ عليه، ولا يَمنَعُ مِنَ الوَكالةِ رِضا المُحالِ عليه، وأيضًا فإنَّه أداءُ حَقِّ مَنْ عليه دَينٌ والبَراءةُ منه، لا أكثَرُ مِنْ ذلك، فإذا وَكَّلَ عليه فقبَضه الوَكيلُ فقد بَرِئَ الغَريمُ، وكذلك إذا أُحيلَ عليه به فدَفَعَه لِلمُحالِ عليه.
ولا يُشترَطُ رِضاه إلا إذا كان بَينَه وبَينَ المُحالِ عَداوةٌ سابِقةٌ على وَقتِ الحَوالةِ فلا تَصحُّ الحَوالةُ حينَئذٍ على المَشهورِ وهو قَولُ مالِكٍ، فإنْ حَدَثتِ العَداوةُ بعدَ الحَوالةِ مُنِعَ المُحالُ مِنْ اقتِضاءِ الدَّينِ مِنَ المُحالِ عليه، ووَكَّلَ مَنْ يَقتَضيه منه؛ لِئَلَّا يُبالِغَ في إيذائِه بعُنفِ مُطالَبَتِه.
وذلك لِكَونِ العَداوةِ إذا ثَبَتتْ عُلِمَ أنَّه قَصَدَ الإضرارَ والتَشفِّي مِنَ العَدُوِّ وإيصالَ الأذى إليه بكلِّ ما يَقدِرُ عليه، ولِهذا رُدَّتْ شَهادةُ العَدُوِّ على عَدُوِّه؛ لِحُصولِ التُّهمةِ في قَصدِ الأذى بالشَّهادةِ.
إلا أنَّ الشافِعيَّةَ قالوا: يُشترَطُ رِضاه قَطعًا إذا لَم يَكُنْ عليه دَينٌ لِلمُحيلِ، فإنْ كان عليه دَينٌ فلا يُشترَطُ رِضاه في الأصِحِّ كما سَبَق (١).
(١) يُنظر: «التلقين» (٣/ ١/ ١١، ١٣)، و «الإشراف» (٣/ ٥٧، ٥٨)، و «المعونة» (٢/ ٢٠٠)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٥٢٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٠١)، و «التاج الجليل» (٤/ ١١٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٣٢)، و «البيان» (٦/ ٢٨٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٥٤)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤٨٥)، و «الديباج» (٢/ ٢٧٢)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤٧١)، و «المغني» (٤/ ٣٣٦)، و «الإنصاف» (٥/ ٢٢٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٥٠، ٤٥١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٠٠)، و «الإفصاح» (١/ ٤٣٨)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٤).
خامسًا: المُحالُ به: وهو الدَّينُ المُماثِلُ، أي: الحَقُّ الذي يَكونُ لِلمُحالِ على المُحيلِ ويُحيلُه به على المُحالِ عليه.
ويُشتَرَطُ فيه شُروطٌ، بَعضُها مُتَّفَقُ عليه، وبَعضُها مُختَلَفٌ فيه، وسنَذكُرُ كلَّ مَذهبٍ على حِدَةٍ:
قال الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ في المالِ المُحالِ به ما يلي:
١ - أنْ يَكونَ مَعلومًا: فلا تَصحُّ بالمَجهولِ، فلو احتالَ بمالٍ مَجهولٍ على نَفْسِه بأنْ قال: احتَلتُ بما يَذُوبُ لكَ على فُلانٍ لا تَصحُّ الحَوالةُ مع جَهالةِ المالِ، ولا تَصحُّ الحَوالةُ أيضًا بهذا اللَّفظِ.
٢ - أنْ يَكونَ دَينًا: أمَّا الأعيانُ والحُقوقُ (١) فإنَّ الحَوالةَ بها لا تَصحُّ، وإنَّما اختُصَّتْ بالدُّيونِ؛ لأنَّ الدُّيونَ هي التي تُنقَلُ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ؛ لأنَّ النَّقلَ الذي تَضمَّنتْه نَقلٌ شَرعيٌّ، وهو لا يُتصَوَّرُ في الأعيانِ، بل المُتصَوَّرُ فيها النَّقلُ الحِسِّيُّ، فكانتْ نَقلَ الوَصفِ الشَّرعيِّ وهو الدَّينُ، فلا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلمُحتالِ دَينٌ على المُحيلِ، ولأنَّها تُنبِئُ عن التَّحويلِ؛ لِما ذَكَرْنا، والتَّحويلُ في الدَّينِ لا في العَينِ.
وتَقريرُه: الحَوالةُ تَحويلٌ شَرعيٌّ، والتَّحويلُ الشَّرعيُّ إنَّما يُتصَوَّرُ في مُحوَّلٍ شَرعيٍّ، وهو الدَّينُ؛ لأنَّه وَصفٌ شَرعيٌّ في الذِّمَّةِ يَظهَرُ أثَرُه عندَ المُطالَبةِ، فجازَ أنْ يَعتبِرَه الشَّرعُ في ذِمَّةِ شَخصٍ آخَرَ بالتِزامِه.
(١) قال ابن نجيم في «البحر الرائق» (٦/ ٢٦٩): وفي «السراج الوهاج»: لَا تَصحُّ الحَوالةُ بالأعْيانِ وَالحُقوقِ اه. ولَم يمثِّلوهُما.
وأمَّا العَينُ إذا كان مَحسوسًا في مَحَلٍّ فلا يُمكِنُ أنْ يُعتبَرَ في مَحَلٍّ آخَرَ ليس هو فيه؛ لأنَّ الحِسَّ يُكذِّبُه فلا يَتحقَّقُ فيه إلا النَّقلُ الحِسِّيُّ، وليس ذلك ممَّا نحن فيه.
٣ - أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازِمًا: فلا تَصحُّ الحَوالةُ بدَينٍ غيرِ لَازِمٍ، كبَدَلِ الكِتابةِ وما يَجري مَجراه؛ لأنَّ ذلك دَينٌ تَسميةً لا حَقيقةً، إذِ المَولى لا يَجبُ له على عَبدِه دَينٌ، والأصلُ أنَّ كلَّ دَينٍ لا تَصحُّ الكَفالةُ به لا تَصحُّ الحَوالةُ به (١).
وقال المالِكيَّةُ: يُشترَطُ في الدَّينِ المُحالِ به ما يَلي:
١ - ثُبوتُ دَينٍ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه؛ لأنَّه إنْ لَم يَكُنْ له عليه دَينٌ كانت حَمالةً لا حَوالةً، لأنَّ حَقيقةَ الحَوالةِ: بَيعُ الدَّينِ الذي على المُحالِ بالدَّينِ الذي لِلمُحيلِ، وتَحوُّلُ الحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، وذلك يَقتَضى أنْ يَكونَ هناك دَينٌ تَحصُلُ الحَوالةُ به، وسيأتي بَيانُ ذلك بالتَّفصيلِ وخِلافُ العُلماءِ فيه.
٢ - ثُبوتُ دَينٍ لِلمُحالِ على المُحيلِ.
٣ - أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازِمًا على المُحالِ عليه، فلا تَصحُّ بدَينِ الكِتابةِ، ولا بالثَّمَنِ في مُدَّةِ الخيارِ؛ لأنَّ الثَّمَنَ في بَيعِ الخيارِ غيرُ ثابِتٍ؛ لأنَّ المَشهورَ
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٧)، و «العناية» (١٠/ ١٧٩)، و «الاختيار» (٣/ ٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٦، ٢٧)، و «البحر الرائق» (٦/ ٢٦٩)، و «ابن عابدين» (٥/ ٣٤٣)، و «اللباب» (١/ ٥٨٥).
أنَّ بَيعَ الخيارِ مُنحَلٌّ، وأنَّ السِّلعةَ على مِلكِ البائِعِ، ولأنَّ المِلكَ لَم يَنتقِلْ لِلمُشتَري انتِقالًا تامًّا.
٤ - حُلولُ الدَّينِ المُحالِ به فَقَط على المُحيلِ، وهو الدَّينُ الذي لِلمُحالِ على المُحيلِ، لا حُلولُ دَينِ المُحالِ عليه؛ لأنَّه لا يُشترَطُ حُلولُه.
أمَّا حُلولُ الدَّينِ المُحالِ به فلقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ … »، يَقتَضي أنَّ الحَوالةَ لا تُشرَعُ إلا في دَينٍ حالٍّ؛ لأنَّ المَطلَ والظُّلمَ إنَّما يُتَصوَّرانِ فيما حَلَّ، ولأنَّه إذا لَم يَحِلَّ كانت مُعاوَضةً خارِجةً عن بابِ المَعروفِ؛ إذ لَم يَرضَ بالتَّحويلِ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ إلا لِمَكانِ التَّعجيلِ؛ ولأنَّه إنْ لَم يَحِلَّ كان ذِمَّةً بذِمَّةٍ ويَدخُلُه ما نُهيَ عنه مِنَ الكالِئِ بالكالِئِ.
ولأنَّه إذا لَم يَكُنْ حالًّا أدَّى إلى تَعميرِ ذِمَّةٍ بذِمَّةٍ فيُؤدِّي إلى بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ والذهَب بالذهَب أو الوَرِقِ بالوَرِقِ أو أحَدِهما بالآخَرِ، لا يَدًا بيَدٍ، إنْ كان الدَّينانِ عَينًا، إلا أنْ يَكونَ المُحالُ عليه حالًّا ويَقبِضَه قبلَ أنْ يَتفرَّقا مِثلَ الصَّرفِ فيَجوزَ.
وأمَّا عَدَمُ اشتِراطِ حُلولِ الدَّينِ المُحالِ عليه فيَجوزُ أنْ يَستحيلَ مِنْ مُعجَّلٍ على مُعجَّلٍ ومُؤجَّلٍ، ووَجهُ ذلك أنَّه إذا كان دَينُه قد حَلَّ فاستَحالَ منه على مُعجَّلٍ أو مُؤجَّلٍ فإنَّه جائِزٌ؛ لأنَّه في المُعجَّلِ بالمُعجَّلِ حَوالةٌ جائِزةٌ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ «وإذا أُتبِعَ أحَدُكم على مَليءٍ فليَتْبَعْ»، وإذا استَحالَ منه على مُؤجَّلٍ فهو مَعروفٌ منه مَحضٌ؛ لأنَّ له أنْ يَتعجَّلَ حَقَّه مِنَ المُحيلِ أو المُحالِ عليه إنْ أفلَسَ المُحيلُ، فليس فيه غيرُ مُجرَّدِ المَعروفِ.
٥ - تَساوي الدَّينَيْنِ -المُحالِ به وعليه- قَدْرًا وصِفةً، فلا تَصحُّ حَوالةٌ بعَشَرةٍ على أكثَرَ منها، ولا أقَلَّ ولا بعَشَرةٍ مُحمَّديَّةٍ على عَشَرةٍ يَزيديَّةٍ ولا عَكسُه فليس المُرادُ بالتَّساوي أنْ يَكونَ ما على المُحيلِ مِثلُ ما على المُحالِ عليه قَدْرًا وصِفةً؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يُحيلَ بعَشَرةٍ عليه على عَشَرةٍ مِنْ عِشرينَ على غَريمِه، وأنْ يُحيلَ بخَمسةٍ مِنْ عَشَرةٍ عليه على خَمسةٍ على غَريمِه.
٦ - وألَّا يَكونَ الدَّينانِ طَعامَيْنِ مِنْ بَيعِ أيِّ سَلَمٍ؛ لِئلَّا يَلزَمَ بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، وهو مَمنوعٌ، فإنْ كان أحَدُهما مِنْ بَيعٍ والآخَرُ مِنْ قَرضٍ جازَ إذا حَلَّ المُحالُ به؛ لأنَّ بَيعَ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه جائِزٌ إذا كان مِنْ قَرضٍ.
قال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: والشَّرطُ … ألَّا يَكونَ الدَّينُ طَعامًا مِنْ سَلَمٍ أو أحَدِهما، ولَم يَحِلَّ الدَّينُ المُستَحالُ به على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ، وإذا كان الطَّعامانِ جَميعًا مِنْ سَلَمٍ لا تَجوزُ الحَوالةُ بأحَدِهما على الآخَرِ، حَلَّتِ الآجالُ أو لَم تَحُلَّ، أو حَلَّ أحَدُهما ولَم يَحُلَّ الآخَرُ؛ لأنَّه يَدخُلُه بَيعُ الطَّعامِ قبلَ أنْ يُستَوفَى، كما قُلنا، لكنَّ أشهَبَ يَقولُ: إنِ استَوَتْ رُؤُوسُ أموالِهما جازَتِ الحَوالةُ، وكانتْ تَوليةً، وابنُ القاسِمِ لا يَقولُ ذلك كالحالِ إذا اختَلَفتْ، ويَتنَزَّلُ المُحالُ في الدَّينِ الذي أُحيلَ عليه مَنزِلةَ مَنْ أحالَه، ومَنزِلَتَه في الدَّينِ الذي أحالَ به، وذلك فيما يُريدُ أنْ يأخُذَ بَدَلَه منه أو يَبيعَه له مِنْ غَيرِه، أعني أنَّه لا يَجوزُ له مِنْ ذلك إلا ما يَجوزُ له مع الذي أحالَه، وما يَجوزُ لِلذي أحالَ مع الذي أحالَه عليه.
ومِثالُ ذلك: إنِ احتالَ بطَعامٍ كان له مِنْ قَرضٍ في طَعامٍ مِنْ سَلَمٍ، أو بطَعامٍ مِنْ سَلَمٍ في طَعامٍ مِنْ قَرضٍ لَم يَجُزْ له أنْ يَبيعَه مِنْ غَيرِه قبلَ قَبضِه
منه؛ لأنَّه إنْ كان احتالَ بطَعامٍ كان مِنْ قَرضٍ في طَعامٍ مِنْ سَلَمٍ نَزَلَ مَنزِلةَ المُحيلِ في أنَّه لا يَجوزُ له بَيعُ ما على غَريمِه قبلَ أنْ يَستَوفيَه؛ لِكَونِه طَعامًا مِنْ بَيعٍ، وإنْ كان احتالَ بطَعامٍ مِنْ سَلَمٍ في طَعامٍ مِنْ قَرضٍ نَزَل مِنَ المُحتالِ عليه مَنزلتَه مع مَنْ أحالَه، أعني أنَّه ما كان يَجوزُ له أنْ يَبيعَ الطَّعامَ الذي كان على غَريمِه المُحيلِ له قبلَ أنْ يَستوفيَه كذلك لا يَجوزُ أنْ يَبيعَ الطَّعامَ الذي أُحيلَ عليه، وإنْ كان مِنْ قَرضٍ، وهذا كلُّه مَذهبُ مالِكٍ، وأدِلَّةُ هذه الفُروقِ ضَعيفةٌ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المُحالِ به ما يلي:
١ - أنْ يَكونَ دَينًا: فلا تَصحُّ الحَوالةُ بالأعيانِ؛ لأنَّ العَينَ ليست دَينًا، والحَوالةَ بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، ويُصوَّرُ ذلك بما إذا أحال بعَينٍ مَغصوبةٍ أو مُودَعةٍ أو عليها، كأنْ غَصَبَ مِنْ زَيدٍ كِتابًا وله كِتابٌ على آخَرَ نَظيرُه، فلا تَصحُّ الحَوالةُ عليه به، وكأنِ اشتَرى كِتابًا بدينارٍ مُعيَّنٍ فلا تَصحُّ الحَوالةُ على الدِّينارِ المُعيَّنِ ولا به.
٢ - أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازِمًا: كالثَّمَنِ بعدَ تَسليمِ المَبيعِ وانتِهاءِ مُدَّةِ الخيارِ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٢٤، ٢٢٥)، ويُنظر: «المدونة» (١٣/ ٢٩٢)، و «المنتقى» (٥/ ٧٠)، و «المعونة» (٢/ ٢٠٠)، و «الذخيرة» (٦/ ٢٤١، ٢٤٣)، و «البيان والتحصيل» (١١/ ٢٩٦)، و «المقدمات الممهدات» (٢/ ٤٠٤)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٩، ٢٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٥٢٩، ٥٣٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٠١، ٢٠٤)، و «التاج الجليل» (٤/ ١١٣، ١١٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٧، ١٩)، و «بلغة السالك مع الشرح الصغير» (٣/ ٢٦٩).
أو يَكونَ آيِلًا إلى اللُّزومِ: كالثَّمَنِ في زَمَنِ الخيارِ، فتَصحَّ الحَوالةُ بالثَّمَنِ في مُدَّةِ الخيارِ بأن يُحيلَ المُشتَري البائِعَ على إنسانٍ وعليه بأنْ يُحيلَ البائِعُ إنسانًا على المُشتَري في الأصَحِّ؛ لأنَّه آيِلٌ إلى اللُّزومِ بنَفْسِه، والجَوازُ عارِضٌ فيه.
والآخَرُ: لا يَصحَّانِ؛ لِعَدَمِ اللُّزومِ الآنَ.
وعلى الأوَّلِ يَبطُلُ الخيارُ بالحَوالةِ بالثَّمَنِ لِتَراضي عاقِدَيْها، ولأنَّ مُقتَضاها اللُّزومُ، فلو بَقيَ الخيارُ فاتَ مُقتَضاها، وفي الحَوالةِ عليه يَبطُلُ في حَقِّ البائِعِ رِضاه بها، لا في حَقِّ مُشتَرٍ لَم يَرضَ، فإنْ رَضيَ بها بطَل في حَقِّه أيضًا في أصَحِّ الوَجهَيْنِ.
وتَصحُّ الحَوالةُ بالدَّيْنِ وإنْ لَم يَستقِرَّ بَعدُ، كالصَّداقِ قبلَ الدُّخولِ والأُجرةِ قبلَ مُضيِّ مُدَّةِ الإجارةِ، والثَّمَنِ قبلَ قَبضِ البَيعِ.
وسَواءٌ اتَّفقَ الدَّينانِ في سَبَبِ الوُجوبِ أو اختَلَفا، كأنْ كان أحَدُهما ثَمَنًا والآخَرُ قَرضًا أو أُجرةً، ولا بُدَّ أنْ يَجوزَ الاعتياضُ عنه، فلا يَصحُّ بما لا يَجوزُ الاعتياضُ عنه كدَينِ السَّلَمِ، فلا تَصحُّ الحَوالةُ به ولا عليه؛ وإنْ كان لَازِمًا.
ولا تَصحُّ الحَوالةُ لِلساعي؛ لأنَّها عِبادةٌ تَفتقِرُ إلى نِيَّةٍ، فلا يَدخُلُها ذلك ولا لِلمُستَحَقِّ بالزَّكاةِ ممَّن هي عليه ولا عَكسُه، وإنْ تلِف النِّصابُ بعدَ التَّمكُّنِ؛ لِامتِناعِ الاعتياضِ عنها، ومِثالُ الاعتياضِ عنها أنْ كان واجِبُها فِضةَّ، فلا يَصحُّ الاعتياضُ عنها بذهَب وعَكسِه، وتَصحُّ على المَيَّتِ؛ لأنَّه لا
يُشترَطُ رِضا المُحالِ عليه وإنَّما صَحَّتْ عليه مع خَرابِ ذِمَّتِه؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو بالنِّسبةِ لِلمُستَقبَلِ، أي: لا تَقبَلُ ذِمَّتُه شَيئًا بعدَ مَوتِه، وإلا فذِمَّتُه مَرهونةٌ بدَيْنِه حتى يُقضى عنه.
ولا تَصحُّ على التَّرِكةِ لِعَدَمِ الشَّخصِ المُحالِ عليه.
وتَصحُّ بالدَّينِ المِثليِّ كالنُّقودِ والحُبوبِ؛ لأنَّ القَصدَ مِنَ الحَوالةِ إيفاءُ الغَريمِ حَقَّه مِنْ غيرِ زِيادةٍ ولا نُقصانٍ، وذلك يَحصُلُ بما ذَكَرناه.
وكذا تَصحُّ بالمُتقوَّمِ الذي يُمكِنُ ضَبطُه بالصَّفةِ؛ كالعَبدِ والثَّوبِ والحَيَوانِ والعُروضِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه مالّ ثابِتٌ في الذِّمَّةِ مُستقِرٌّ، فصَحَّتِ الحَوالةُ به كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ.
كأنِ اشتَرى عَينًا بثَمَنٍ في ذِمَّتِه مُتقوَّمٍ مَوصوفٍ بما يَنفي الجَهالةَ عنه، أي بما يُعينُه ويُميِّزُه مِنْ جِنسِه ونَوعِه وصِفَتِه ممَّا يُحتاجُ إليه، فتَصحُّ الحَوالةُ به، وكأنِ اقتَرَض شَيئًا مُتقوَّمًا فيَصحُّ أنْ يُحيلَ المُقرِضَ به على آخَرَ، كأن يَقترِضَ عَمرٌو حَيوانًا مِنْ زَيدٍ ولِعَمرٍو على بَكرٍ حَيَوانٌ، فأحالَ عَمرٌو زَيدًا به على بَكرٍ؛ لأنَّه حينَئذٍ دَينٌ.
والآخر -وهو مُقابِلُ الأصَحِّ-: لا يَصحُّ، إذِ المَقصودُ مِنَ الحَوالةِ إيصالُ الحَقِّ مِنْ غيرِ تَفاوُتٍ، ولا يَتحقَّقُ فيما لا مِثلَ له؛ لأنَّ المِثلَ فيه لا يَنحصِرُ، ولِهذا لا يُضمَنُ بمِثلِه في الإتلافِ.
٣ - وُجودُ دَينٍ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه في المَذهبِ: فلا تَصحُّ الحَوالةُ إلا على مَنْ كان عليه دَيْنٌ لِلمُحيلِ؛ لأنَّها بَيعُ دَينٍ بدَينٍ أُجيزَ
لِلحاجةِ، فلا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه شَيءٌ يَكونُ عِوَضًا عن حَقِّ المُحالِ.
وقيلَ: تَصحُّ برِضاه، كما سيأتي ذلك مُفصَّلًا.
٤ - يُشترَطُ عِلمُ كلٍّ مِنَ المُحيلِ والمُحتالِ بما يُحالُ به وعليه قَدْرًا كمِئةٍ وصِفةً مُعتَبَرةً في السَّلَمِ؛ لأنَّ المَجهولَ لا يَصحُّ بَيعُه.
٥ - يُشترَطُ تَساويهما -أي: المُحالِ به وعليه- حُلولًا وأجَلًا وقَدْرَ الأجَلِ وجِنسًا وقَدْرًا وصِفةً، فإذا اختَلَف الحَقَّانِ في شَيءٍ مِنْ هذا لَم تَصحَّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الحَوالةَ عَقدُ مُعاوَضةٍ لِلارتِفاقِ، أُجيزَتْ لِلحاجةِ والتَّعاوُنِ، فاعُتِبَر فيها الاتِّفاقُ كما هو الحالُ في القَرضِ، فإذا اختَلَف الحَقَّانِ صارَ في طَلَبِ زِيادةٍ على الحَقِّ، فلا يَجوزُ.
وكذلك الحَوالةُ تَجري مَجرى المُقاصَّةِ؛ لأنَّه يَسقُطُ بها ما في ذِمَّةِ المُحيلِ بمُقابِلِ مالِه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، والمُقاصَّةُ لا تَصحُّ حالَ الاختِلافِ بينَ الحَقَّيْنِ.
فلا تَصحُّ بالدَّراهِمِ على الدَّنانيرِ وعَكسِه، ولا تَصحُّ بخَمسةٍ على عَشَرةٍ وعَكسِه، أي بأنْ يأخُذَ العَشَرةَ بتَمامِها في مُقابَلةِ الخَمسةِ، وتَصحُّ على خَمسةٍ مِنَ العَشَرةِ؛ لأنَّه لا يُعتبَرُ التَّساوي بينَ دَينِ المُحيلِ ودَينِ المُحتالِ مِنْ حيث هُما، بل المَدارُ على التَّساوي بينَ الدَّينِ المُحالِ به وعليه، ولو كان دَينُ المُحيلِ في حَدِّ ذاتِه أكثَرَ مِنَ المُحالِ به؛ ولكنَّه إنَّما أحالَ على بَعضِ دَينِه لا على كلِّه.
وإنْ أحالَه بدَينٍ حالٍّ على رَجُل له عليه دَينٌ حالٌّ أو بدَينٍ مُؤجَّلٍ على دَينٍ مُؤجَّلٍ، وهُما مُتساويان في الأجَلِ صَحَّ، وإنْ أحالَه بدَينٍ حالٍّ عليه على دَينٍ مُؤجَّلٍ له لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتأجَّلُ عندَ الشافِعيَّةِ، ولأنَّ المُحتالَ قد نَقَصَ مِنْ حَقِّه، وهو أنَّ دَينَه كان مُعجَّلًا فجعَله مُؤجَّلًا لِيَنقُلَ حَقَّه مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، فلَم يَصحَّ، كما لو كان له دَينٌ مُؤجَّلٌ، فقال مَنْ عليه الدَّينُ لِمَنْ له الدَّينُ: انقُصْ مِنْ دَينِكَ لِأُقدِّمَ لكَ دَينَكَ قبلَ حُلولِه، فإنَّ هذا لا يَصحُّ.
وإنْ كان عليه لِرَجُلٍ دَينٌ مُؤجَّلٌ فأحالَه به على دَينٍ له حالٍّ فهل تَصحُّ الحَوالةُ؟ فيه وَجهانِ، أحَدُهما: تَصحُّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَعجيلُ المُؤجَّلِ.
والآخَرُ: لا تَصحُّ؛ لأنَّ المُحيلَ قد زادَ المُحتالَ في حَقِّه لِيَنقُلَ حَقَّه مِنْ ذِمَّتِه إلى ذِمَّةِ غَيرِه، فلَم يَصحَّ، كما لو كان له عليه ألَفٌ حالٌّ فزادَه فيه لِيَجعَلَه مُؤجَّلًا (١).
وقال الحَنابِلةُ: يُشترَطُ في المُحالِ به ما يَلي:
١ - تماثُلُ الدَّينَيْنِ: لأنَّها تَحويلٌ لِلحِقِّ ونَقلٌ له، فيُنقَلُ على صِفَتِه ويُعتبَرُ تَماثُلُهما في أربَعةِ أُمورٍ.
(١) يُنظر: «روضة الطالبين» (٣/ ٤٣٢، ٤٣٤)، و «البيان» (٦/ ٢٨٠، ٢٨٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٥٤، ١٥٦)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤٨٥، ٤٨٩)، و «الديباج» (٢/ ٢٧٣، ٢٧٤)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤٧١، ٤٧٤)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٠٢، ٨٠٤)، و «تحفة الحبيب على شرح الخطيب» (٣/ ٤٢٣، ٤٢٤).
أحَدُها: الجِنسُ: كدَنانيرَ بدَنانيرَ أو دَراهِمَ بدَراهِمَ، فإنْ أحالَ مَنْ عليه ذهَب بفِضَّةٍ أو عَكسَه لَم يَصحَّ.
والثاني: الصِّفةُ: فلو أحالَ عن المِصريَّةِ بأميريَّةٍ أو عن المُكسَّرةِ بصِحاحٍ لَم يَصحَّ.
والثالِثُ: الحُلولُ والأجَلُ: فيُعتبَرُ اتِّفاقُ أجَلِ المُؤجَّلَيْنِ، فإنْ كان أحَدُهما حالًّا والآخَرُ مُؤجَّلًا أو أُجِّلَ أحَدُهما مُخالِفًا لِأجَلِ الآخَرِ، بأنْ كان أحَدُهما يَحُلُّ بعدَ شَهرٍ والآخَرُ بعدَ شَهرَيْنِ لَم تَصحَّ.
ولو كان الحَقَّانِ حالَّيْنِ فشُرِطَ مِنَ المُحتالِ أنْ يَقبِضَ حَقَّه أو بَعضَه بعدَ شَهرٍ لَم تَصحَّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتأجَّلُ، ولأنَّه شَرطُ ما لو كان ثابِتًا في الأمرِ نَفْسِه لَم تَصحَّ الحَوالةُ فكذلك إذا شرَطه.
والرابِعُ: القَدْرُ: فلا يَصحُّ بخَمسةٍ على سِتَّةٍ؛ لأنَّها إرفاقٌ كالقَرضِ، فلو جُوِّزتْ مع الاختِلافِ لَصارَ المَطلوبُ منها الفَضلَ، وتَخرُجُ عن مَوضوعِها.
ولا يُؤثِّرُ الفَاضِلُ في بُطلانِ الحَوالةِ، فلو أحال بخَمسةٍ مِنْ عَشَرةٍ على خَمسةٍ أو بخَمسةٍ على خَمسةٍ مِنْ عَشَرةٍ صَحَّتْ؛ لاتِّفاقِ ما وَقَعتْ فيه الحَوالةُ والفاضِلُ باقٍ بحالِه لِرَبِّه.
وإذا اجتَمَعتْ هذه الأُمورُ وصَحَّتِ الحَوالةُ وتَراضَيا بأنْ يَدفَعَ المُحالُ عليه خَيرًا مِنْ حَقِّه أو رَضيَ المُحتالُ بدونِ الصِّفةِ أو رَضيَ مَنْ عليه المُؤجَّلُ بتَعجيلِه أو رَضيَ مَنْ له الحالُ بإنظارِه جازَ؛ لأنَّ ذلك يَجوزُ في
القَرضِ، ففي الحَوالةِ أوْلَى، وإنْ ماتَ المُحيلُ أو المُحالُ فالأجَلُ بحالِه، وإنْ ماتَ المُحالُ عليه ففي حُلولِ الحَقِّ رِوايتانِ.
الشَّرطُ الثاني: عِلمُ قَدْرِ كلٍّ مِنَ الدَّينَيْنِ: لأنَّه يُعتبَرُ فيها -الحَوالةِ- التَّسليمُ والتَّماثُلُ، والجَهالةُ تَمنَعُهما، كالمِثليَّاتِ، لا بما لا يَصحُّ السَّلَمُ فيه، كالجَوهَرِ ونَحوِه.
فلا يَصحُّ فيما لا يَصحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه لا يَثبُتُ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَجِبُ قيمَتُه بالإتلافِ.
ويَصحُّ في كلِّ ما يَثبُتُ مِثلُه في الذِّمَّةِ بالإتلافِ مِنَ الأثمانِ والحُبوبِ والأدْهانِ، وفيما يَصحُّ السَّلَمُ فيه غيرِ ذلك -كالمَذروعِ والمَعدودِ- وَجهانِ، أحَدُهما: لا تَصحُّ الحَوالةُ به؛ لأنَّ المِثلَ لا يَتحرَّرُ فيه، ولِهذا لا يُضمَنُ بمِثلِه.
والآخَرُ: يَصحُّ؛ لأنَّه يَثبُتُ في الذِّمَّةِ.
ولا تَصحُّ الحَوالةُ في السَّلَمِ، وإنْ كان عليه إبِلٌ مِنْ قَرضٍ، وله مِثلُ ذلك على آخَرَ صَحَّتِ الحَوالةُ بها؛ لأنَّه إنْ ثَبَتَ في الذِّمَّةِ مِثلُها صَحَّتِ الحَوالةُ، وإنْ ثَبَتَ قيمَتُها فالحَوالةُ بها صَحيحةٌ، وإنْ كان له إبِلٌ مِنْ دِيةٍ فأحالَ بها على مَنْ له عليه مِثلُها مِنْ دِيةٍ أُخرى صَحَّ ويَلزَمُه إعطاؤُه أدْنى ما يَتناوَلُه الاسْمُ، وفي وَجهٍ آخَرَ أنَّه لا يَصحُّ.
وإنْ كان عليه إبِلٌ مِنَ الدِّيةِ وله مِثلُها قَرضًا فأحالَ بها ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يَصحُّ؛ لأنَّ الخيَرةَ في التَّسليمِ إلى المُحيلِ قد رَضيَ بتَسليمِ مالِه في ذِمَّةِ المُقتَرِضِ.
والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّ الواجِبَ في القَرضِ في إحدى الرِّوايَتَيْنِ القيمةُ، فقد اختَلَف الجِنسُ، وإنْ أحالَ المُقترِضُ مَنْ له الدِّيةَ بها لَم يَصحَّ وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّنا قُلنا: الواجِبُ القيمةُ، فالجِنسُ مُختَلِفٌ، وإنْ قُلنا: يَجبُ المِثلُ فلِلمُقترِضِ مِثلُ ما أقرَضَ في صِفاتِه وقيمَتِه، والذي عليه الدِّيةُ لا يَلزَمُه ذلك.
الشَّرطُ الثالِثُ: استِقرارُ المالِ المُحالِ عليه؛ لأنَّ مُقتَضاها إلزامُ المُحالِ عليه بالدَّينِ مُطلَقًا، وما ليس بمُستقِرٍّ عُرضةٌ لِلسُّقوطِ ولا يَثبُتُ ذلك فيما هو بعَرضِ السُّقوطِ، ولا يُعتبَرُ استِقرارُ المُحالِ به؛ لِجَوازِ أداءِ غيرِ المُستقِرِّ.
فلا تَجوزُ الحَوالةُ بدَينِ السَّلَمِ ولا عليه؛ لأنَّه لا تَجوزُ المُعاوَضةُ عنه به، ولا عنه، ولو أحال الزَّوجُ زَوجَتَه قبلَ الدُّخولِ بصَداقِها صَحَّ، وإنْ أحالَتِ المَرأةُ به عليه لَم يَصحَّ؛ لأنَّه غيرُ مُستقِرٍّ، وإنْ أحالَ المُشتَري البائِعَ بثَمَنِ المَبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ صَحَّ، وإنْ أحالَ البائِعَ به عليه لَم يَصحَّ لذلك، وإنْ أحالَ المُكاتَبُ سَيِّدَه بنَجمٍ فدَخَلَ عليه صَحَّ، وإنْ أحالَ سَيِّدَه عليه لَم يَصحَّ لذلك، وإنْ أُحيلَ على المُكاتَبِ بدَينٍ غيرِ مالِ الكِتابةِ صَحَّ؛ لأنَّ حُكمَه حُكمُ الأحرارِ في المُدايَناتِ (١).
(١) يُنظر: «المغني» (٤/ ٣٣٦، ٣٣٨)، و «الكافي» (٢/ ١٨، ٢٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٣٩، ١٤٠)، و «المبدع» (٤/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «الإنصاف» (٥/ ٢٢٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٩٩، ٤٠٠)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٣، ٣٤).