الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > النظر إلى المنتقبة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةوعن عُثمانَ أنَّه أُتِيَ بغُلامٍ قد سرَقَ، فقالَ: «انظُرُوا إلى مُؤتزَرِه، فلمْ يَجدُوه أنبَتَ الشَّعرَ، فلم يَقطعْهُ» (١).
النَّظرُ إلى المُنتقِبةِ:
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: هل يَحرمُ النَّظرُ إلى المُتنقِّبةِ الَّتي لا يَتبيَّنُ منها غيرُ عَينَيها ومَحاجِرِها أو لا؟
قالَ الأذرَعيُّ: لم أَرَ فيهِ نَصًّا، والظَّاهرُ أنهُ لا فرْقَ، لا سيِّما إذا كانَتْ جَميلةً، فكَمْ في المَحاجِرِ مِنْ خَناجِرَ. اه، وهو ظاهِرٌ (٢).
نَظرُ الرَّجلِ إلى الأجنَبيةِ العَجوزِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ العَجوزِ الَّتي لا تُشتهَى، هل يَجوزُ للرَّجلِ الأجنَبيِّ أنْ يَنظرَ إليها أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ في الجُملةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ وبعضُ الشَّافعيةِ إلى أنه يَجوزُ النَّظرُ إلى المَرأةِ العَجوزِ الَّتي لا تُشتهَى.
وإنْ كانَ فُقهاءُ الحَنفيةِ نَصُّوا على اللَّمسِ وقالُوا: المَسُّ أشَدُّ مِنْ النَّظرِ، بل هو أَولى، فإذا جازَ المَسُّ جازَ النَّظرُ بطَريقِ الأَولى (٣).
(١) «المغني» (٧/ ٧٧، ٧٨)، و «الفروع» (٥/ ١٠٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٠٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٤، ١٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٣٧).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٨)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢١٨).
(٣) «المبسوط» (١٠/ ١٥٤)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ١٢٣)، و «الهداية» (٤/ ٨٤)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٨)، و «البناية» (١٢/ ١٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٥٨)، و «البحر الرائق» (٨/ ٣١٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٣٦٨).
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ النَّظرُ إلى المَرأةِ المُتَجالَّةِ -وهي الكَبيرةُ الَّتي لا أرَبَ للرِّجالِ فيها، مُشتقَّةٌ مِنْ التَّجلِّي وهو الظُّهورُ- ولا تُحجَبُ؛ لانقِطاعِ أرَبِها مِنْ النكاحِ، وإنَّما يُباحُ النَّظرُ إليها لمَن لا يُتهَمُ أنْ يَتعلَّقَ بها قَلبُه كالشَّابِّ ولو لغيرِ عُذرٍ؛ للأمْنِ ممَّا يَحصلُ برُؤيةِ الشابَّةِ، والدَّليلُ علاه قَولُه تعالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] الآية، أي مُتزيِّناتٌ بزِينةٍ خَفيَّةٍ كقِلادةٍ وخَلخالٍ.
وأمَّا الشَّيخُ فلا يَجوزُ له النَّظرُ إليها إلَّا لعُذرٍ؛ إذ قد يَتشوَّفُ إليها، وقَد جاءَ: «لِكُلِّ ساقِطةٍ لاقِطةٌ» (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُباحُ النَّظرُ إلى مَنْ لا تُشتهَى، كالعَجوزِ الَّتي لا يُشتهَى مِثلُها، وكذا الشَّوهاءِ الَّتي لا تُشتهَى، والبَرْزةِ الَّتي لا تُشتهَى، والقَبيحةِ ونَحوِهن كمَريضةٍ لا تُشتهَى لا يُرجَى بُرؤُها، إلى غيرِ عَورةِ الصَّلاةِ (٢).
(١) «رسالة ابن أبي زيد القيرواني» (١/ ١٥٨)، و «مواهب الجليل» (٢/ ١٩٠)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٣١٣)، و «جامع الأمهات» (١/ ٥٦٩)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢٩٤)، و «أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» (٣/ ٢٢٦).
(٢) «كشاف القناع» (٥/ ١١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٠٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٣٣).
وأمَّا الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه فاختارَ أنه يَجوزُ له أنْ يَنظرَ إليها إلى ما يَظهرُ مِنها غالِبًا، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: العَجوزُ الَّتي لا يُشتهَى مِثلُها يُباحُ النَّظرُ منها إلى ما يَظهرُ غالِبًا؛ لقَولِ الله تعالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ في قولِه تعالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] قالَ: فنُسخَ واستُثنيَ مِنْ ذلكَ القَواعدُ مِنْ النِّساءِ اللَّاتي لا يَرجونَ نِكاحًا، ولأنَّ ما حَرُمَ النَّظرُ لأجْلِه مَعدومٌ في حَقِّها، فأشبَهَتْ ذواتَ المَحارمِ، وفي مَعناها الشُّوهاءُ الَّتي لا تُشتهَى.
ومَن ذهَبَتْ شَهوتُه مِنْ الرِّجالِ لكِبَرٍ أو مَرضٍ أو تَخنيثٍ فحُكمُه حُكمُ ذِي المَحرَمِ في النَّظرِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] أي: الَّذي لا إربَ له في النِّساءِ، كذلكَ فسَّرَه مُجاهدٌ وقَتادةُ، ونَحوُه عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه.
قالَتْ عائِشةُ رضي الله عنها: «دخَلَ على أزواجِ رسولِ اللهِ مُخَنَّثٌ وكانُوا يَعدُّونَه مِنْ غيرِ أولِي الإربَةِ، فدخَلَ علينا النبيُّ ﷺ وهو يَنعَتُ امرأةً، قالَ: إذا أقبَلَتْ أقبَلَتْ بأربَعٍ، وإذا أدبَرَتْ أدبَرَتْ بثَمانٍ؛ فقالَ النبيُّ ﷺ أَلَا أَرَى هذا يَعلمُ ما هاهُنا، لا يَدخلَنَّ عليكُم هذا» (١)، فأجازَ دُخولَه عَليهنَّ حينَ عَدَّه مِنْ غيرِ أُولي الإربَةِ، فلمَّا عَلِمَ ذلكَ منه حَجَبَه (٢).
(١) إسناده صَحِيحٌ: رواه أحمد (٢٥٢٢٦).
(٢) «المغني» (٧/ ٧٨)، و «الكافي» (٣/ ٧).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ عِندَهم إلى أنه لا يَجوزُ النَّظرُ إلى العَجوزِ مُطلَقًا، لا إلى وَجهِها ولا إلى كَفَّيها لغيرِ سَببٍ؛ لأنه ما مِنْ ساقِطةٍ إلَّا ولها لاقِطةٌ، ولهذا يَنتقِضُ الوُضوءُ بلَمسِها، ولأنَّ العَجوزَ الَّتي لا تُشتهَى قد يُوجَدُ لها مَنْ يُريدُها ويَشتهيها.
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا العَجوزُ فألحَقَها الغزَاليُّ بالشابَّةِ؛ لأنَّ الشَّهوةَ لا تَنضبطُ، وهي مَحلُّ الوَطءِ.
وقالَ الرُّويانِيُّ: إذا بلَغَتْ مَبلَغًا يُؤمَنُ الافتِتانُ بالنظرِ إليها جازَ النَّظرُ إلى وَجهِها وكَفَّيها؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النور: ٦٠] (١).
وقالَ ابنُ حجَرٍ الهَيتميُّ رحمة الله عليه: واختِيارُ الأذرَعيِّ قولُ جَمعٍ بحِلِّ نَظرِ وَجهِ وكَفِّ عَجوزٍ يُؤمَنُ مَنْ نَظرِهما الفِتنةُ؛ لآيَةِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] ضَعيفٌ؛ ويَردُّه ما مرَّ مِنْ سَدِّ البابِ، وأنَّ لكُلِّ ساقِطةٍ لاقِطةً، ولا دَلالةَ في الآيةِ كما هو جَليٌّ، بل فيها إشارةٌ للحُرمةِ بالتَّقييدِ ب ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، واجتِماعُ أبي بَكرٍ وأنسٍ بأمِّ أيمَنَ وسُفيانَ وإضرابُه برابِعةَ رضي الله عنهم لا يَستلزمُ النَّظرَ، على أنَّ مِثلَ هؤلاءِ لا يُقاسُ بهم غيرُهم، ومِن ثَمَّ جَوَّزوا لمِثلِهم الخَلوةَ (٢).
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٦٦٥).
(٢) «تحفة المحتاج» (٨/ ٤٨٩، ٤٩٠)، ويُنظَر: «نهاية المحتاج» (٦/ ٢١٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٢٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٨).
ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.