الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس
مسائلُ فقهيةٌ في أحكام النظر واللمس على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةفصل في أحكامِ النَّظرِ واللَّمسِ
هذا الفَصلُ يَحتوي على أحكامِ النَّظرِ واللَّمسِ في حَقِّ المَخطوبةِ والأجنَبيةِ الَّتي لا يُريدُ نِكاحَها وذَواتِ المَحارمِ.
أولاً: حُكمُ النَّظرِ إلى المَخطوبةِ:
شرَعَ الإسلامُ لِمَنْ أرادَ أنْ يَنكحَ امرأةً أنْ يَنظرَ إليها قبلَ الخِطبةِ، وهذا ممَّا لا خِلافَ فيهِ بينَ عُلماءِ الأمَّةِ، قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في إباحةِ النَّظرِ إلى المرأةِ لِمَنْ أرادَ نِكاحَها (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وفيهِ استِحبابُ النَّظرِ إلى وجهِ مَنْ يُريدَ تزوُّجَها، وهو مَذهبُنا ومَذهبُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ وسائرِ الكُوفيِّينَ وأحمَدَ وجَماهيرِ العُلماءِ، وحكَى القاضي عن قَومٍ كَراهتَهُ، وهذا خطَأٌ مُخالِفٌ لصَريحِ هذا الحَديثِ ومُخالفٌ لإجماعِ الأمَّةِ على جَوازِ النَّظرِ للحاجةِ عندَ البيعِ والشِّراءِ والشَّهادةِ ونحوِها (٢).
(١) «المغني» (٧/ ٧٣).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١٠).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: ذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى أنه لا بأسَ بالنَّظرِ إلى المَرأةِ إذا أرادَ أنْ يتزوَّجَها، وهو قَولُ مالكٍ والثَّوريِّ والكُوفيِّينَ والشافعيِّ وأحمدَ (١).
واستَدلُّوا على جَوازِ النَّظرِ إلى المَخطوبةِ بما يلي:
قَول اللهِ تعالَى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، ففي هذهِ الآيةِ دَليلٌ على جَوازِ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إلى مَنْ يُريدُ زواجَها؛ لأنهُ لا يُعجِبُه حُسنُهنَّ إلَّا بعدَ رُؤيتِهنَّ (٢).
وعن سَهلِ بنِ سَعدٍ رضي الله عنه قالَ: «كُنَّا عندَ النبيِّ ﷺ جُلوسًا فجاءَتْه امرأةٌ تَعرِضُ نفْسَها عليه، فنظَرَ إليها رسولُ اللهِ ﷺ فصعَّدَ النَّظرَ فيها وصوَّبَه فلمْ يُرِدْها» (٣).
وعنِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنه قالَ: «أتَيتُ النبيَّ ﷺ فذكَرْتُ له امرأةً أخطُبُها، فقالَ: اذهَبْ فانظُرْ إليها، فإنهُ أجدَرُ أنْ يُؤدَمَ بينَكُما، فأتيتُ امرأةً مِنْ الأنصارِ فخطَبْتُها إلى أبوَيها وأخبَرتُهما بقولِ النَّبيِّ ﷺ فكأنهُما كَرِهَا ذلكَ، قالَ: فسَمِعَتْ ذلكَ المرأةُ وهي في خِدْرِها فقالَتْ: إنْ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أمَرَكَ أنْ تَنظُرَ فانظُرْ، وإلَّا فأَنشدُكَ، كأنَّها
(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٣٦).
(٢) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٧٣)، و «تفسير القرطبي» (١٤/ ٢٢١).
(٣) رواه البخاري (٤٧٩٩)، ومسلم (١٤٢٥).
أعظَمَتْ ذلكَ، قالَ: فنظَرْتُ إليها فتزَوَّجتُها، فذكَرَ مِنْ مُوافَقتِها» (١).
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «كُنْتَ عندَ النبيِّ ﷺ فأتَاهُ رَجلٌ فأخبَرَه أنهُ تزوَّجَ امرأةً مِنْ الأنصارِ، فقالَ لهُ رَسولُ اللهِ ﷺ: أنظَرْتَ إليها؟ قالَ: لا، قالَ: فاذهَبْ فانظُرْ إليها، فإنَّ في أعيُنِ الأنصارِ شَيئًا» (٢)، قيلَ: كانَ في أعيُنِهنَّ عَمشٌ، وقيلَ: صِغَرٌ، وكانَ بعضُ الوَرِعينَ لا يُنكِحونَ كرائِمَهم إلَّا بعدَ النَّظرِ احتِرازًا مِنْ الغُرورِ.
وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إذا خطَبَ أحَدُكم المَرأةَ فإنِ استَطاعَ أنْ يَنظُرَ إلى ما يَدعوهُ إلى نِكاحِها فلْيَفعلْ، قالَ: فخطَبْتُ جارِيةً فكُنتُ أتَخَبَّأُ لها حتَّى رأيْتُ منها ما دَعاني إلى نِكاحِها وتزوُّجِها، فتزَوَّجتُها» (٣).
وعن مُحمدِ بنِ مَسلَمةَ قالَ: سَمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إذا ألقَى اللهُ ﷿ في قَلبِ امرِئٍ خِطبةَ امرأةٍ فلا بأسَ أنْ يَنظُرَ إليها» (٤).
ولأنَّ النكاحَ عَقدٌ يَقتضِي التَّمليكَ، فكانَ للعاقِدِ النَّظرُ إلى المَعقودِ عليهِ، كالنَّظرِ إلى الأمَةِ المُستامَةِ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٠٨٧)، وابن ماجه (١٨٦٥)، وأحمد (١٨١٦٢).
(٢) رواه مسلم (١٤٢٤).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٨٢)، وأحمد (١٤٦٢٦).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١٨٦٤)، وأحمد (١٨٠١٠).
ولأنهُ إذا عَرفَها قبلَ النكاحِ دامَ الودُّ، وإنَّ النكاحَ يَصحُّ وإنْ لم يَرَها، فإنه لم يُعلِّلِ الرُّؤيةَ بأنهُ يَصحُّ معَه النِّكاحُ، فدَلَّ على أنَّ الرُّؤيةَ لا تَجبُ، وأنَّ النِّكاحَ يَصحُّ بدُونِها.
ولأنَّ النِّساءَ يُرضَى بهنَّ في العادةِ على الصِّفاتِ المُختلِفةِ؛ لأنَّ المَقصودَ بالنكاحِ المُصاهَرةُ والاستِمتاعُ، وذلكَ يَحصلُ مع اختِلافِ الصِّفاتِ، فهذا فَرقٌ شَرعيٌّ مَعقولٌ في عُرفِ النَّاسِ، ولو قالَ: «ظنَنْتُها أحسَنَ ممَّا هيَ، أو ما ظَننْتُ فيها هذا» ونحوَ ذلكَ كانَ هوَ المُفرِّطَ حيثُ لم يَسألْ عن ذلكَ ولم يَرَها ولا أرسَلَ مَنْ رآها، وليسَ مِنْ الشَّرعِ ولا العادَةِ أنْ تُوصَفُ له في العَقدِ كما تُوصِفُ الإماءُ في السَّلَمِ، فإنَّ اللهَ صانَ الحَرائرَ عن ذلكَ وأحَبَّ سِتْرَهنَّ، ولهذا نُهِيَتِ المرأةُ أنْ تَعقدَ نكاحًا، فإذا كُنَّ لا يُباشِرْنَ العَقدَ فكيفَ يُوصَفْنَ!؟ وأمَّا الرَّجلُ فأمرُه ظاهِرٌ يراهُ مَنْ يَشاءُ، فليسَ فيه عَيبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ، والمرأةُ إذا فرَّط الزَّوجُ فالطَّلاقُ بيَدِه (١).
وقالَ الدَّهْلويُّ رحمة الله عليه: السَّببُ في استِحبابِ النَّظرِ إلى المَخطوبةِ أنْ يكونَ التزوُّجُ على رويَّةٍ، وأنْ يكونَ أبعَدَ مِنْ النَّدمِ الَّذي يَلزمُه إنِ اقتَحمَ في النكاحِ ولمْ يُوافِقْه فلمْ يَردَّه، وأسهَلُ للتَّلافي إنْ رَدَّ، وأنْ يكونَ تزوَّجَها على شَوقٍ ونَشاطٍ إنْ وافَقَه، والرَّجلُ الحَكيمُ لا يَلجُ مَولِجًا حتَّى يَتبيَّنَ خيْرَه وشَرَّه قبلَ وُلوجِه (٢).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩، ٣٥٥، ٣٥٦).
(٢) «حجة الله البالغة» (١/ ٦٨٤).
ارجع إلى النكاح والأسرة للاطلاع على جميع الأبواب.