الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > ثانيا: أن لا يأمن على نفسه الشهوة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةثانيًا: أنْ لا يأمَنَ على نَفسِه الشَّهوةَ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا يَجوزُ النَّظرُ مِنْ الرَّجلِ البالغِ إلى المرأةِ الأجنبيةِ لغيرِ سَببٍ إنْ خَشِيَ على نَفسِه فِتنةً تَدعو إلى الاختِلاءِ بها لجِماعٍ أو مُقدِّماتِه بالإجماعِ، وكذا لو نظَرَ إلى الوَجهِ والكفَّينِ بشَهوةٍ - وهو قَصدُ التلذُّذِ بالنَّظرِ المُجرَّدِ- وأَمِنَ الفِتنةَ حَرُمَ قَطعًا؛ لقولِه تعالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، ولأنه إذا حَرُمَ نَظرُ المرأةِ إلى عَورةِ مِثلِها فأَولى الرَّجلُ.
ولقَولِه ﷺ: «العَينانِ تَزنِيانِ»، وليسَ زِنَا العَينَينِ إلَّا النَّظرَ عن شَهوةٍ، ولأنَّ النَّظرَ عن شَهوةٍ سَببُ الوقوعِ في الحَرامِ، فيكونُ حَرامًا.
ورَوى عَليٌّ رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ ﷺ أردَفَ الفَضلَ بنَ العبَّاسِ خَلْفَه في حجَّةِ الوَداعِ، فأتَتِ امرأةٌ مِنْ خَثْعَمٍ إلى النبيِّ ﷺ تَستَفتيهِ،
فجعَلَ الفَضلُ يَنظرُ إليها وتَنظرُ إليهِ، فلَوَى النبيُّ ﷺ عُنُقَ الفَضلِ، فقالَ العبَّاسُ رضي الله عنه: لَوَيْتَ عُنقَ ابنِ عمِّكَ، فقالَ ﷺ: رأيتُ شَابًّا وشابَّةً فلمْ آمَنِ الشَّيطانَ عليهِما» (١). ففي هذا تحريم النظر إلى الأجنبية (٢).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: اتَّفقَ العُلماءُ على تَحريمِ النَّظرِ إلى الأجنَبيةِ وذَواتِ المَحارِمِ بشَهوةٍ (٣).
وجعَلَ ابنُ حَجرٍ الهيثَميُّ النَّظرَ للأجنَبيةِ بشَهوةٍ مِنْ الكَبائرِ، فقَالَ رحمة الله عليه: (الكَبيرةُ الثَّانيةُ والأربَعونَ والثَّالثةُ والأربَعونَ والرَّابعةُ والأربَعونَ بعدَ المِائتَينِ: نَظر الأجنَبيةِ بشَهوةٍ مع خَوفِ فِتنةٍ، ولَمسُها كذلكَ، وكَذا الخَلوةُ بها بأنْ لم يَكنْ معَهُما مَحرَمٌ لأحَدِهما يَحتشِمُه، ولوِ امرَأةً كذلكَ، ولا زَوجٍ لِتلكَ الأجنَبيةِ) أخرَجَ الشَّيخانِ وغيرُهما عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «كُتِبَ على ابنِ آدمَ نَصيبُه مِنْ الزِّنا، مُدرِكُ ذلكَ لا مَحالَةَ، العَينانِ زِناهُما النَّظرُ، والأذُنانِ زِناهُما الاستِماعُ، واللِّسانُ زِناهُ الكَلامُ، واليَدُ زِناها البَطشُ، والرِّجلُ زِناها الخُطَا، والقَلبُ يَهوَى ويَتمنَّى، ويُصدِّقُ ذلكَ الفَرْجُ أو يُكذِّبُه»، وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ: «واليَدانِ تَزنِيانِ فزِناهُما
(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٧٩٨)، و الترمذي (٨٨٥)، وأحمد (٥٦٢)، وأصله في البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٤٤٣).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٩٨).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٤١٥)، وباقي المَصادِر السابِقة.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
باب أجل العنين والخصى غير المجبوب
باب أجَلِ العِنِّينِ والخَصِىِّ غيرِ المَجْبُوبِ
العنِّينُ: هو العاجزُ عن الإِيلاجِ. وهو مَأْخُوذٌ من عَنَّ. أى: اعْتَرَضَ؛ لأنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ إذا أرَادَ إِيلاجَه، أى يَعْتَرِضُ، والعَنَنُ الاعْتِراضُ. وقيل: لأنَّه يَعِنُّ لِقُبُلِ المَرْأةِ عن يَمينِه وشِمالِه، فلا يَقْصِدُه. فإذا كان الرجلُ كذلك فهو عَيْبٌ به، ويُسْتَحَقُّ به فَسْخُ النِّكاحِ، بعدَ أن تُضْرَبَ له مُدّةٌ يُخْتَبَرُ فيها، ويُعْلَمُ حالُه بها. وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعَمْرُو بن دِينارٍ، والنَّخَعِىُّ، وقتادةُ، وحَمَّادُ بن أبى سُلَيمانَ. وعليه فَتْوى فُقَهاءِ الأمْصارِ، منهم؛ مالكٌ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وشَذَّ الحَكَمُ بن عُتَيْبةَ، وداودُ، فقالا: لا يُؤَجَّلُ، وهى امْرَأتُه. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ امْرأةً أتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يارسولَ اللَّه، إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِى، فبَتَّ طَلَاقِى، فتزَوَّجْتُ بعبدِ الرحمنِ بن الزُّبَيْرِ، وإنَّما له مثلُ هُدْبةِ الثَّوْبِ، فقال: "تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ، ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" . ولم يَضْرِبْ له مُدّةً. ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أجَّلَ الغِنِّينَ سَنَةً. ورَوَى ذلك الدَّارَقُطْنِىُّ ، بإسْنادِه عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ. ولا مُخالِفَ لهم. ورَواه أبو حَفْصٍ عن علىٍّ. ولأنَّه عَيْبٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ فى الرَّجُلِ، والرَّتْقِ فى المرأةِ، فأمَّا الخَبَرُ، فلا
ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.