حكم الجماع في الدبر

الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > حكم الجماع في الدبر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

حكم الجماع في الدبر - الأقوال والأدلة

وقالَ القاضي: يَجوزُ تَقبيلُ فَرجِ المرأةِ قبلَ الجِماعِ، ويُكرهُ بعدَه؛ لتعذُّرِه إذنْ، وذكَرَه عن عَطاءٍ (١).

حُكمُ الجِماعِ في الدُّبرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُجامِعَ زَوجتَه في دُبرِها أم لا يَجوزُ؟

فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُجامِعَ زوْجتَه في دُبرِها، ويَجوزُ له وُجوهُ الاستمتاعِ خَلا الوطءَ في الدُّبرِ؛ لأنه لا يَجوزُ لقَولِه تعالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أي: مَوضِعُ حَرثٍ، فهو مِنْ مَجازِ الحَذفِ، أي: ائْتُوا ذلكَ المَحلَّ كيفَ شِئتُم مِنْ خَلفٍ أو قُدَّامٍ، بارِكةً أو مُستلقِيةً أو مُضطجِعةً، وذِكرُ الحَرثِ دَليلٌ على أنَّ الإتيانَ في غيرِ المأتِيِّ المأذُونِ فيه مُحرَّمٌ، بشَبهِهنَّ بمَحلِّ الحَرثِ؛ لأنه مُزدَرعُ الذرِّيةِ، وعليهِ قولُ ثَعلبٍ:

إنَّما الأرحامُ أَرْضُونَ لنا مُحرَثاتُ … فعَلَينا الزَّرعُ فيها وعلى اللهِ النَّباتُ

ففَرجُ المرأةِ كالأرضِ والنُّطفةِ كالبَذرِ والوَلدُ كالنَّباتِ والحَرثُ بمعنَى المُحتَرَثِ (٢).

(١) «الإنصاف» (٨/ ٣٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٦٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٣٣، ٥٣٤).

واستَدلُّوا على ذلكَ بما رَواه أبو هُريرةَ رضي الله عنه مرفوعًا: «لا يَنظرُ اللهُ إلى رَجلٍ جامَعَ امرأتَه في دُبُرِها» (١).

وعن خُزيمةَ بن ثابِتٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ : «إنَّ اللَّهَ لا يَستَحيِي مِنْ الحقِّ -ثلاثَ مَرَّاتٍ- لا تَأتُوا النِّساءَ في أدْبارِهنَّ» (٢).

قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: قالَ اللهُ ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الآيَة، وبيَّنَ أنَّ مَوضعَ الحَرثِ مَوضعُ الوَلدِ، وأنَّ اللهَ تعالَى أباحَ الإتيانَ فيهِ إلَّا في وَقتِ الحَيضِ، و ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ مِنْ أينَ شِئتُم، وإباحةُ الإتيانِ في مَوضعِ الحَرثِ يُشبِهُ أنْ يكونَ تَحريمَ إتيانٍ في غيرِه، فالإتيانُ في الدُّبرِ حتَّى يَبلغَ منه مَبلَغَ الإتيانِ في القُبُلِ مُحرَّمٌ بدَلالةِ الكِتابِ ثمَّ السُّنةِ، فأمَّا التلذُّذُ بغيرِ إبلاغِ الفَرجِ بينَ الإليتَينِ وجَميعِ الجَسدِ فلا بأسَ بهِ (٣).

وقالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّبريُّ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في إتيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ، بعدَ إجماعِهم أنَّ للرَّجلِ أنْ يَتلذَّذَ مِنْ بَدنِ المَرأةِ بكلِّ مَوضعٍ منهُ سِوى الدُّبرِ.

فقالَ مالِكٌ: «لا بأسَ بأنْ يأتِيَ الرَّجلُ امرأتَه في دُبرِها كما يأتيها في قُبُلِها»، حدَّثَنا بذلكَ يُونسُ عن ابنِ وَهبٍ عنهُ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١٩٢٣).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١٩٢٤)، وأحمد (٢١٩١٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٢٠٠).
(٣) «الأم» (٥/ ٩٤).

وقالَ الشَّافعيُّ: «الإتيانُ في الدُّبُرِ حتَّى يَبلغَ منه مَبلغَ الإتيانِ في القُبُلِ مُحرَّمٌ بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ، قالَ: وأمَّا التلذُّذُ بغيرِ إبلاغِ الفَرجِ بينَ الأليتَينِ وجَميعِ الجَسدِ فلا بأسَ بهِ، قالَ: وسواءٌ في ذلكَ مِنْ الأمَةِ والحُرَّةِ.

ولا يَنبغِي لها تَركُه لإصابةِ ذلكَ، فإنْ ذهَبَتْ إلى الإمامِ نهاهُ عن ذلكَ، وإنْ أقَرَّ بالعَودةِ له أدَّبَه دُونَ الحَدِّ، ولا غُرمَ عليهِ فيه؛ لأنها زَوجُه، ولو كانَ زِنًا حُدَّ فيهِ إنْ فعَلَه، وأُغرِمَ إنْ كانَ غاصِبًا لها مهْرَ مِثلِها، ومَن فعَلَه وجَبَ عليه الغُسلُ وأفسَدَ حَجَّه»، حدَّثَنا بذلكَ عنهُ الرَّبيعُ.

وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إتيانُ النِّساءِ في الأدبارِ حَرامٌ، الجَوزَجانِيُّ عن مُحمدٍ.

وعِلَّةُ مَنْ قالَ بقولِ مالكٍ إجماعُ الكُلِّ أنَّ النكاحَ قد أحَلَّ للمُتزوِّجِ ما كان حَرامًا، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ لم يَكنِ القُبلُ بأَولى في التَّحليلِ مِنْ الدُّبرِ.

وعِلةُ مَنْ قالَ بقولِ الشَّافعيِّ مِنْ الخبَرِ ما حدَّثَني به مُحمدُ بنُ أبي مَيسرةَ المَكيُّ قالَ: حدَّثَنا عُثمانُ بنُ اليَمانِ عن زَمعةَ بنِ صالحٍ عن ابنِ طاوُسٍ عن أبيه عنِ ابنِ العمادِ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ أنَّ رسولَ اللهِ قالَ: «مَحَاشُ النَّاسِ حَرامٌ، لا تَأتُوا النِّساءِ في أدبارِهِنَّ»، ومِن الاستِدلالِ أنَّ الكُلَّ مُجمِعونَ قبلَ النكاحِ أنَّ كُلَّ شَيءٍ معها حَرامٌ، ثمَّ اختَلفُوا فيما يَحلُّ له مِنها بالنكاحِ، ولنْ يَنتقلَ المُحرَّمُ بإجماعٍ إلى تَحليلٍ

إلَّا بما يَجبُ التَّسليمُ له مِنْ كِتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ أو قِياسٍ على أصلٍ مُجمَعٍ عليهٍ، فما أُجمِعَ منها على التَّحليلِ فحَلالٌ، وما اختُلفَ فيه منها فحَرامٌ، والإتيانُ في الدُّبرِ مُختلَفٌ فيه، فهو على التَّحريمِ المُجمَعِ عليه (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافعيُّ رحمة الله عليه: ذهَبَ بعضُ أصحابِنا في إتيانِ النِّساءِ في أدبارِهنَّ إلى إحلالِهِ، وآخرُونَ إلى تَحريمِه، فلسْتُ أُرخِّصُ فيه، بل أنهَى عنه.

قالَ الماوَرديُّ: اعلَمْ أنَّ مَذهبَ الشَّافعيِّ وما عليهِ الصَّحابةُ وجُمهورُ التَّابعينَ والفُقهاءُ أنَّ وطْءَ النِّساءِ في أدبارِهنَّ حَرامٌ.

وحُكيَ عن نافعٍ وابنِ أبي مُليكةَ وزَيدِ بنِ أسلَمَ أنه مُباحٌ، ورَواهُ نافعٌ عنِ ابنِ عُمرَ.

واختَلفَتْ الرِّوايةُ فيه عن مالِكٍ، فرَوَى عنه أهلُ المَغربِ أنه أباحَه في كِتابِ السِّيرةِ، وقالَ أبو مُصعبٍ: سألْتُه عنه فأباحَهُ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: قالَ مالِكٌ: ما أدرَكْتُ أحَدًا أقتَدِي به في دِينِي يَشُكُّ في أنه حَلالٌ، وأنكَرَ أهلُ العِراقِ ذلكَ عنهُ، ورَوَوا عنهُ تَحريمَه، لمَّا انتَقلَ ابنُ عبدِ الحَكمِ عن مَذهبِ الشَّافعيِ إلى مَذهبِ مالكٍ، حكَى عن الشَّافعيِّ أنه قالَ: ليسَ في إتيانِ النِّساءِ في أدبارِهنَّ حَديثٌ ثابِتٌ، والقِياسُ يَقتضِي جَوازَه، يُريدُ ابنُ عبدِ الحكَمِ

(١) «اختلاف الفقهاء» ص (٣٠٣، ٣٠٥)، ويُنظَر: «شرح مشكل الأثار» (٣/ ٤٠، ٤٦)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٣٩، ٤٠).

بذلكَ نُصرةَ مالِكٍ، فبلَغَ ذلكَ الرَّبيعَ فقالَ: كذَبَ، واللهِ الَّذي لا إلهَ إلَّا هو لقدْ نَصَّ الشَّافعيُّ على تَحريمِه في ستَّةِ كُتبٍ.

واستَدلَّ مَنْ ذهَبَ إلى إباحتِه بما رواهُ مالكٌ عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رَجلًا أتَى امرأةً في دُبرِها فوجَدَ في ذلكَ وجْدًا شَديدًا، فأنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقالَ تعالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، فدَلَّ على أنه أباحَ مِنْ الأزواجِ مثلَ ما حظَرَ مِنْ الذُّكرانِ، وقالَ تعالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فدَلَّ على أنَّ جَميعَهنَّ لِباسٌ يُستمتَعُ به على عُمومِه.

ولأنه لو استِثناهُ مَنْ عَقدِ النكاحِ فسَدَ، ولو أوقَعَ عليه الطَّلاقَ سَرَى إلى الباقي، فدَلَّ على أنهُ مَقصودٌ بالاستِمتاعِ، ولأنه أحَدُ الفَرْجينِ، فجازَ إتيانُه كالقُبلِ، ولأنه لمَّا ساوَى القُبلَ في كَمالِ المَهرِ وتَحريمِ المُصاهَرةِ ووُجوبِ الحَدِّ ساواهُ في الإباحةِ.

ودَليلُنا: قولُه تعالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فحرَّمَ الوطءَ في الحَيضِ لأجْلِ الأذَى، فكانَ الدُّبرُ أَولى بالتَّحريمِ؛ لأنه أعظَمُ أَذًى، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، يعنِي في القُبلِ، فدَلَّ على تَحريمِ إتيانها في الدُّبرِ.

وروَى مُسلمُ بنُ سلَّامٍ عن عليِّ بنِ طَلْقٍ أنَّ أعرابيًّا سألَ النبيَّ فقالَ: «إنَّا نَكونُ بالفَلاةِ فنَجدُ الرُّوَيحةَ والماءُ قَليلٌ، فقالَ : إذا فَسَا أحَدُكم فلْيَتوضَّأْ، وخطَبَ النَّاسَ فقالَ: لا تَأتُوا النِّساءَ في أعجازِهنَّ، فإنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ».

ورَوى سَهلُ بنُ أبي صالِحٍ عن مُحمدِ بنِ المُنكدِرِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ رسولَ اللهِ قالَ: «استَحيُوا مِنْ اللهِ، فإنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ، لا تَأتُوا النِّساءَ في حُشُوشِهنَّ».

وروَى حجَّاجُ بنُ أرطَأةَ عن عمروِ بنِ شُعيبٍ عن عبدِ اللهِ بنِ هَرميٍّ عن خُزيمةَ بنِ ثابتٍ قالَ سَمعتُ النبيَّ يقولُ: «إنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ، لا تَأتوا النِّساءَ في أدبارِهنَّ»، قالَ: «مَلعونٌ مَنْ أتَى امرأةً في دُبرِها».

وروَى قَتادةُ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ النبيَّ سُئلَ عن إتيانِ النِّساءِ في أدبارِهنَّ فقالَ: إنَّها اللُّوطيَّةُ الصُّغرَى» (١).

ورَوى يُوسفُ بنُ ماهَكَ عن أمِّ حَبيبةَ زوجِ النبيِّ قالَتْ: «أتَتِ امرأةٌ النبيَّ فقالَتْ إنَّ زوْجَها يَأتِيها وهي مُدبِرةٌ، فقالَ : لا بأسَ إذا كانَ في صِمَامٍ واحِدٍ».

(١) رواه أحمد (٦٩٦٧، ٦٩٦٨) قالَ الهَيثميُّ في «مَجمَع الزَّوائِدِ» (٤ - ٢٩٨): رواهُ أحمَدُ والبزَّارُ والطبَرانِيُّ في «الأوسَط»، ورِجالُ أحمَدَ والبزَّارُ رِجالُ الصَّحيحِ.

وروَى الشَّافعيُّ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ اليَهودَ كانَتْ تقولُ: مَنْ أتَى امرأةً في قُبلِها مِنْ دُبرِها جاءَ ولَدُه أحوَلَ، فأنزلَ اللهُ تعالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وأنَّ رَجلًا سألَ رسولَ اللهِ عن ذلكَ، فقالَ النبيُّ : «في أيِّ الخربَتَيْنِ؟ أو في أيِّ الخَرَزَتينِ؟ أو في أيِّ الخصفَتَينِ؟ أمِنْ دُبرِها في قُبلِها فنَعمْ، أم مِنْ دُبرِها في دُبرِها فلا، إنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ، لا تَأتوا النِّسَاءَ في أدبارهِنَّ».

ولأنهُ إجماعُ الصَّحابةِ، رُويَ ذلكَ عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ وعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعودٍ وأبي الدَّرداءِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَحرمُ وَطءُ امرأتِه وجارِيتِه في دُبرِها؛ لقولِ النبيِّ : «إنَّ اللهَ لا يَستحِيي مِنْ الحَقِّ، لا تَأتُوا النِّساءَ في أدبارِهنَّ» رواهُ ابنُ ماجَه، ولأنه ليسَ بمَحلٍّ للولَدِ أشبَهَ دُبرَ الغُلامِ، ولا حَدَّ فيه؛ لأنه في زَوجتِه وما ملَكَتْ يَمينُه، فيكونُ شُبهةً، ولكن يُعزَّرُ؛ لِمَا ذكَرْنا (٢).

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وأمَّا إتيانُ النِّساءِ في أدبارِهنَّ فهذا مُحرَّمٌ عندَ جُمهورِ السَّلفِ والخلَفِ، كما ثبَتَ ذلكَ في الكِتابِ والسُّنةِ، وهو المَشهورُ في مَذهبِ مالكٍ، وأمَّا القولُ الآخَرُ بالرُّخصةِ فيه فمِن النَّاسِ مَنْ يَحكيه رِوايةً عن مالِكٍ، ومِنهم مَنْ يُنْكِرُ ذلك (٣).

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣١٧، ٣١٩).
(٢) «الكافي» (٤/ ٢١٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٦٥، ٢٦٦)، ويُنظَر: «زاد المعاد» (٤/ ٢٦٠، ٢٦٢).

وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ إلى جَوازِ إتيانِ المرأةِ في دُبرِها، وهيَ رِوايةٌ عن مالكٍ وابنِ القاسِمِ.

قالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءِ في جوازِ نكاحِ المرأةِ في دُبرِها، فجوَّزَه طائفةٌ كَثيرةٌ، وقد جمَعَ ذلك ابنُ شَعبانَ في كتابِ «جِماع النِّسوانِ وأحكَام القُرآن»، وأسنَدَ جوازَه إلى زُمرةٍ كَريمةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتابعِينَ، وإلى مالِكٍ مِنْ رِواياتٍ كَثيرةٍ، وقد ذكَرَ البُخاريُّ عن ابنِ عَونٍ عن نافعٍ قالَ: «كان ابنُ عُمرَ رضي الله عنه إذا قرَأَ القُرآنَ لم يَتكلَّمْ حتَّى يَفرغَ منهُ، فأخَذْتُ عليه يومًا فقرَأَ سُورةَ البَقرة حتَّى انتَهَى إلى مَكانٍ، قالَ: أتَدرِي فِيمَ نزَلَتْ؟ قلتُ: لا، قالَ: أُنزِلَتْ في كذا وكذا ثمَّ مَضَى»، ثمَّ أتبَعَه بحَديثِ أيُّوب عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قالَ: يأتِيها في .. ولم يَذكُرْ بعدَه شَيئًا.

ويُروَى عن الزُّهريِّ أنه قالَ: «وهَمَ العَبدُ فيما روَى عنِ ابنِ عُمرَ في ذلكَ».

وقالَ النَّسائيُّ عن أبي النَّضرِ أنه قالَ لنافعٍ مولَى ابنِ عُمرَ: قد أُكثِرَ عليكَ القَولُ، إنَّكَ تَقولُ عن ابنِ عُمرَ إنَّه أفتَى بأنْ يأتوا النِّساءَ في أدبارِهنَّ، قالَ نافعٌ: لقدْ كذَبُوا عليَّ، ولكنْ سأُخبِرُكَ كيفَ كانَ الأمرُ؛ إنَّ ابنَ عُمرَ عرَضَ المُصحفَ يومًا وأنَا عندَه حتَّى بلَغَ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قالَ: يا نافعُ هل تَعلمُ ما أمرُ هذه الآيَةِ؟ قلتُ: لا، قالَ: إنَّا

كُنَّا مَعشرَ قُريشٍ نَجيءُ النِّساءَ، فلمَّا دخَلْنا المَدينةَ ونكَحْنا نِساءَ الأنصارِ أرَدْنا مِنهنَّ ما كُنَّا نُريدُ مِنْ نِسائِنا، وإذا هُنَّ قد كَرهْنَ ذلكَ وأعظَمْنَه، وكانَتْ نِساءُ الأنصارِ إنَّما يُؤتَينَ على جُنوبِهنَّ، فأنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.

قالَ القاضي: وسألْتُ الإمامَ القاضي الطُّوسيَّ عن المسألةِ فقالَ: لا يَجوزُ وَطءُ المرأةِ في دُبرِها بحالٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ الفَرجَ حالَ الحَيضِ لأجْلِ النَّجاسةِ العارِضةِ، فأَولى أنْ يُحرِّمَ الدُّبرَ بالنَّجاسةِ اللازِمةِ (١).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وذهَبَتْ فِرقةٌ إلى أنَّ الوطءَ في الدُّبرِ مُباحٌ، وممَّن نُسِبَ إليه هذا القولُ سعيدُ بنُ المُسيِّبِ ونافعٌ وابنُ عمرَ ومُحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرظيُّ وعبدُ الملِكِ بنِ الماجشُون، وحُكيَ ذلكَ عن مالِكٍ في كِتابٍ له يُسمَّى «كِتاب السَّرِّ»، وحُذَّاقُ أصحابِ مالكٍ ومَشايخُهم يُنكِرونَ ذلكَ الكتابَ، ومالكٌ أجَلُّ مِنْ أنْ يكونَ له كتابُ سِرٍّ، ووقَعَ هذا القَولُ في «العتبيَّة»، وذكَرَ ابنُ العرَبيِّ أنَّ ابنَ شَعبانَ أسنَدَ جوازَ هذا القَولِ إلى زُمرةٍ كَبيرةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتابعينَ، وإلى مالكٍ مِنْ رِواياتٍ كَثيرةٍ في كِتابِ «جِماع النِّسوانِ وأحكَام القُرآنِ»، وقالَ الكِيَا الطَّبريُّ: ورُويَ عن مُحمدٍ بنِ كَعبٍ القُرظيِّ أنه كانَ لا يَرَى بذلكَ بأسًا …

(١) «أحكام القرآن» (١/ ٢٣٨، ٢٣٩).

ثمَّ قالَ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وما نُسِبَ إلى مالكٍ وأصحابِه مِنْ هذا باطِلٌ، وهُمْ مُبَرَّؤونَ مِنْ ذلكَ (١).

وقالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: وأمَّا الوطءُ في الدُّبرِ المَشهورُ ما ذكَرَه المُصنِّفُ أنه لا يَجوزُ، والقولُ بالجَوازِ مَنسوبٌ لمالِكٍ في «كِتاب السِّرِّ»، ومَوجودُ له في «اختصارِ المَبسوطِ»، قالَه ابنُ عبدِ السَّلامِ، قالَ: قالَ مالكٌ: إنه أحَلُّ مِنْ شُربِ الماءِ البارِدِ.

أمَّا «كِتاب السِّرِّ» فمُنكَرٌ، قالَ ابنُ فَرحونَ: وقَفْتُ عليهِ، فيه مِنْ الغَضِّ مِنْ الصَّحابةِ والقَدحِ في دِينِهم، خُصوصًا عُثمانَ رضي الله عنه، ومِن الحَطِّ على العُلماءِ والقَدْحِ فيهم ونِسبتِهم إلى قِلِّةِ الدِّينِ -مع إجماعِ أهلِ العِلمِ على فَضلِهم- خُصوصًا أشهَبُ ما لا أستَبيحُ ذِكْرَه، ووَرعُ مالِكٍ ودِينُه يُنافي ما اشتَملَ عليهِ «كِتاب السِّرِّ»، وهو جُزءٌ لَطيفٌ، نحوُ ثَلاثينَ ورَقةً. انتهى.

وقالَ ابنُ عرَفةَ: سَمِعَ عيسى ابنَ القاسِمِ ما أدرَكْتُ مَنْ يَقتدِي به يَشكُّ فيهِ، حدَّثَني رَبيعةُ عن سعيد بنِ يَسارٍ عنِ ابنِ عُمرَ: لا بأسَ به.

وأباحَهُ ابنُ القاسِمِ قائلًا: لا آمُرُ به، ولا أحِبُّ أنَّ لي مِلءَ المَسجدِ الأعظَمِ وأفعَلَه، وكلُّ مَنْ استِشارَني فيه آمُرُه بتَركِه. انتهى.

وقالَ البُرزُليُّ: لقيَ أشهَبُ رَجلًا أُراهُ مِنْ أهلِ العِراقِ ممَّن يقولُ بتَحريمِه -يعنِي الوَطءَ في الدُّبرِ- فتَكلَّمَ فيه، فقالَ أشهَبُ بتَحليلِه، وقالَ الرَّجلُ بتَحريمِه، فتَحاجَّا حتَّى قطَعَه أشهَبُ بالحُجةِ، فقالَ له أشهَبُ: أمَّا أنا

(١) «تفسير القرطبي» (٣/ ٩٣، ٩٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الإيلاء
١٣٠٠ - مسألة؛ قال: (والفيئة: الجماع)

{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} . وليس الإِضْرَارُ مِن المُعاشَرَةِ بِالمَعْرُوفِ.

١٣٠٠ - مسألة؛ قال: (وَالفَيْئَةُ: الجِماعُ)

ليس فى هذا اختلافٌ بحمدِ اللَّهِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أَنَّ الفَىْءَ الجماعُ. كذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ. ورُوِىَ ذلكَ عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ. وبه قال مَسْرُوقٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدَةَ، وأصحابُ الرَّأْىِ، إذا لم يكُنْ عُذْرٌ. وأصلُ الفَىْءِ الرُّجُوعُ، ولذلك يُسَمَّى الظِّلُّ بعدَ الزَّوالِ فَيْئًا؛ لأنَّه رَجَعَ مِنَ المَغْرِب إلى المشْرِق، فسُمِّىَ الجِماعُ من المُولِى فَيْئَةً؛ لأنَّه رُجُوعٌ إلى فِعْلِ ما تَرَكَه. وَأَدْنَى الوَطْءِ الَّذِى تَحْصُل به الفيئةُ، أَنْ تَغِيبَ الحَشَفَةُ فى الفَرْجِ؛ فإنَّ أحْكامَ الوَطْءِ تَتَعَلَّقُ به. ولو وَطِئَ دونَ الفَرْجِ، أو فِى الدُّبُرِ، لم يكُنْ فيئةً؛ لِأنَّه ليس بمَحْلوفٍ على تَرْكِه، ولا يزُولُ الضَّرَرُ بفِعْلِه.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 228 - 237

ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله