الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > النظر بين الزوجين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالنَّظرُ بينَ الزَّوجينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنهُ يَجوزُ لكُلِّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ النَّظرُ إلى عَورةِ صاحِبِه جَميعِها ما دامَتِ الزَّوجيةُ قائِمةً، إلَّا الفَرْجَ اختَلفُوا فيه على أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: أنه يَجوزُ لكلِّ واحدٍ منهُما النظرُ إلى فَرْجِ الآخَرِ بغَيرِ كَراهةٍ؛ لأنه يُباحُ له وَطؤُها والاستمتاعُ بها، وهو فَوقَ النظرِ، فجَوازُ النَّظرِ أَولى، وهو قَولُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، قالَ الحافظُ ابنُ رَجبٍ رحمة الله عليه: وأكثَرُ العُلماءِ على أنه غيرُ مُحرَّمٍ (١)، بُرهانُ ذلكَ الأخبارُ المَشهورةُ مِنْ طريقِ عائِشةَ وأمِّ سَلمةَ ومَيمونةَ أمِّهاتِ المُؤمنينَ رضي الله عنهن «أنهن كُنَّ يَغتسلْنَ مع رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ الجَنابةِ مِنْ إناءٍ واحدٍ»، وفي خبَرِ مَيمونةَ بيانُ أنه عليه الصلاة والسلام كانَ بغيرِ مِئزَرٍ؛ لأنَّ في خبَرِها أنه عليه الصلاة والسلام «أدخَلَ يَدَه في الإناءِ ثمَّ أفرَغَ على فَرجِه وغسَلَه بشِمالِه».
ويكفي مِنْ هذا قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، فأمَرَ ﷿ بحِفظِ الفَرجِ إلَّا على الزَّوجةِ ومِلكِ اليمينِ فلا مَلامةَ في ذلكَ، وهذا عُمومٌ في رُؤيتِه ولَمسِه ومُخالَطتِه.
وعن عُتبةَ بنِ أبي حَكيمٍ أنه سَألَ سُليمانَ بنَ مُوسى عن الرَّجلِ يَنظرُ إلى فَرْجِ امرأتِه، فقالَ: سألتُ عنها عَطاءً فقالَ: سَألتُ عنها عائِشةَ قالَتْ:
(١) «فتح الباري» (١/ ٣٣٧).
«كُنْتُ اغتَسِلُ أنا وحِبِّي ﷺ مِنْ الإناءِ الواحِدِ تَختلِفُ فيه أكُفُّنا، وأشارَتْ إلى إناءٍ في البيتِ قَدْرَ ستَّةِ أقساطٍ» (١).
قالَ الحَنفيةُ: ويَنظرُ الرَّجلُ إلى فَرجِ أمَتِه وزَوجتِه عن شَهوةٍ وغيرِ شَهوةٍ؛ لأنه يُباحُ له وَطؤُها والاستِمتاعُ بها، وهو فوقَ النظرِ، فجَوازُ النَّظرِ أَولى؛ قالَتْ عائِشةُ رضي الله عنها: «كُنْتُ أغتَسِلُ أنا ورسولُ اللهِ ﷺ مِنْ إناءٍ واحِدٍ»، ولو لم يَكنِ النظرُ مُباحًا لَمَا تجرَّدَ كلُّ واحدٍ منهُما بينَ يَدَي صاحبِه، ولأنَّ ما فوقَ النظرِ -وهو المَسُّ والغَشَيانُ- مُباحٌ، فالنظرُ أَولى، وكانَ ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يقولُ: «الأَولى أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إلى فَرجِ امرأتِه وقْتَ الوِقاعِ؛ لِيكونَ أبلَغَ في تَحصيلِ معنَى اللذَّةِ».
وعن أبي يُوسفَ في «الأمالِي» قالَ: سألتُ أبا حَنيفةَ رضي الله عنه عنِ الرَّجلِ يمَسُّ فرْجَ امرأتِه أو تَمسُّ هي فرْجَه ليَتحرَّكَ عليها، هل تَرَى بذلكَ بأسًا؟ قالَ: أرجُو أنْ يَعظُمَ الأجرُ.
إلَّا أنَّ الأَولى أنْ لا يَنظرَ كلُّ واحدٍ منهُما إلى عَورةِ صاحبه؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام: «إذا أتَى أحَدُكم أهلَه فلْيَستتِرْ، ولا يَتجرَّدْ تَجرُّدَ العَيْرَينِ» (٢)، ولأنَّ ذلكَ يُورِثُ النِّسيانَ.
ولا بأسَ أنْ يَمسَّ الرَّجلُ فرْجَ امرأتِه وتمَسَّ هي فرْجَه ليَتحرَّكَ عليه (٣).
(١) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٥٥٧٧).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (١٩٢٠).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٣١)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٨، ١٩)، و «المحيط البرهاني» (٥/ ١٧١)، و «العناية» (١٤/ ٢٤١)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٦٠، ٣٦١)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٢٠١)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٣٦٦، ٣٦٧)، و «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (١/ ٣٦).
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ لكلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجينِ أنْ يَنظرَ في النكاحِ الصَّحيحِ المُبيحِ للوطءِ إلى جَميعِ جَسدِ صاحبِه، حتَّى إلى عَورتِه مِنْ قُبُلٍ أو من دُبُرٍ، سَواءٌ كانَ في حالةِ الجِماعِ أو في غيرِها، وما ورَدَ مِنْ أنَّ نظَرَ فَرْجِها يُورِثُ العمَى مُنكَرٌ لا أصلَ له (١).
قالَ أبو الوليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: قالَ أصبغُ: سَمعْتُ ابنَ القاسِمِ وسُئلَ: أيُكلِّمُ الرَّجلُ امرأتَه وهو يَطأُها؟ قالَ: نَعمْ، ويُعيدُ بها، لا بأسَ بذلكَ إجازةً منهُ، قالَ أصبَغُ: قالَ ابنُ القاسِمِ: حدَّثَنا الدَّراورديُّ عن مَنْ حدَّثَه عن القاسِمِ بنِ مُحمدِّ بنِ أبي بكرٍ الصِّديقِ أنه سُئلَ عن التخيُّرِ عندَ ذلكَ، فقالَ: «إذا خلَوتُم فاصنَعُوا ما شِئتُم»، فسئلَ أصبَغُ: أيَنظرُ الرَّجلُ إلى فَرجِ امرأتِه عندَ الوطءِ؟ قالَ: نَعمْ، لا بأسَ بذلكَ، قيلَ لهُ: إنَّ قومًا يَذكُرونَ كَراهيَتَه، فقالَ: مَنْ كَرهَه إنَّما كَرهَه بالطِّبِّ لا بالعلمِ، لا بأسَ به وليسَ بمَكروهٍ.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: في أصلِ السَّماعِ عندَ السُّؤالِ عن نظرِ الرَّجلِ إلى فَرجِ امرأتِه عندَ الوَطءِ قالَ: نَعمْ، ويَلحَسُه بلِسانِه، فطرَحَ العُتبيُّ بلَفظِه
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٧، ٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٦٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤، ٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٣٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤١٠).
(ويَلحسُه) لأنَّه استَقبحَه، وفي كتابِ ابنِ الموَّازِ: ويَلحسُه بلِسانِه وهو أقبَحُ، إلَّا أنَّ العُلماءُ يَستجيزُونَ مثلَ هذا إرادةَ البَيانِ، ولئلَّا يَحرمَ ما ليس بحَرامٍ، فإنَّ كَثيرًا مِنْ العَوامِّ يَعتقدونَ أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى فَرجِ امرأتِه في حالٍ مِنْ الأحوالٍ، وقد سألَني عن ذلكَ بعضُهم فاستَغرَبَ أنْ يكونَ ذلكَ جائزًا، وكذلكَ تَكليمُ الرَّجلِ امرأتَه عندَ الوطءِ لا إشكالَ في جَوازِه ولا وجْهَ لكَراهيَتِه (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُباحُ لكلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجينِ النظرُ إلى جَميعِ بدَنِ صاحبِه ولَمسُه، حتَّى الفرْجَ، بلا كَراهةٍ؛ لِما رَوى بهزُ بنُ حكيمٍ عن أبيه عن جَدِّه قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ عَوراتُنا ما نأتي منها وما نَذَرُ؟ فقالَ: «احفَظْ عَورتَكَ إلَّا مِنْ زوْجتِكَ أو ما ملَكَتْ يَمينُكَ» (٢)، ولأنَّ الفَرجَ يَحلُّ له الاستمتاعُ به، فجازَ النظرُ إليهِ ولَمسُه كبَقيةِ البدَنِ.
وقالَ القاضِي: يَجوزُ تَقبيلُ فَرجِ المرأةِ قبْلَ الجِماعِ، ويُكرهُ تَقبيلُه بعدَه، وذكَرَه عن عَطاءٍ (٣).
القَول الثاني: إنه يُكرهُ لكلِّ واحِدٍ مِنْ الزَّوجينِ النظرُ إلى فرجِ صاحبِه
(١) «البيان والتحصيل» (٥/ ٧٩).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، وابن ماجه (١٩٢٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٧٢).
(٣) «المغني» (٧/ ٧٧)، و «الكافي» (٣/ ٨)، و «المبدع» (٧/ ١٢)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٢، ٣٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦).
مِنْ غيرِ حاجةٍ، وليسَ بحَرامٍ، وهو الصَّحيحُ عندَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ في رَوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه؛ لِما رُويَ عن عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «ما نظَرْتُ إلى فَرجِ النبيِّ ﷺ قَطُّ» أو «ما رَأيتُ فرْجَ النبيِّ ﷺ قطُّ» (١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «إذا جامَعَ أحَدُكم زوْجتَه أو جارِيتَه فلا يَنظرْ إلى فَرجِها، فإنَّ ذلكَ يُورِثُ العَمَى» (٢) (٣).
القَولُ الثالثُ: أنه يَحرمُ على كُلٍّ مِنْ الزوجَينِ النظرُ إلى فرجِ صاحِبه، وهو وَجهٌ للشَّافعيةِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أمَّا الزَّوجانِ فلكُلِّ واحدٍ منهُما النظرُ إلى عَورةِ صاحِبِه جَميعِها، إلَّا الفرْجَ نفْسَه ففيهِ ثلاثةُ أوجُهٍ لأصحابِنا:
أصَحُّها: أنه مَكروهٌ لكُلِّ واحدٍ منهُما النظرُ إلى فرجِ صاحبِه مِنْ غيرِ حاجةٍ، وليسَ بحَرامٍ.
والثَّاني: أنه حَرامٌ عليهِما.
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٦٦٢، ١٩٢٢)، وأحمد (٢٤٣٨٩، ٢٥٦٠٩).
(٢) حَدِيثٌ مَوْضُوع: رواه ابنُ حبَّانَ في «المَجروحِينَ» (١/ ٢٠٢)، وذكَرَه ابنُ حبَّانَ في «المَوضُوعات» (٢/ ١٧٥، ١٧٦)، وقالَ: مَوضوعٌ.
(٣) «المهذب» (٢/ ٣٥)، و «البيان» (٩/ ١٣١، ١٣٢)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٦٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٦)، و «المغني» (٧/ ٧٧)، و «الكافي» (٣/ ٨)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٢، ٣٣).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل أحكام تنازع الزوجين]
(فَصْلٌ)
إذَا تَنَازَعَا فِي الزَّوْجِيَّة، ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ، وَلَوْ بِالسَّمَاعِ بِالدُّفِّ وَالدُّخَانِ،
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ أَحْكَام تَنَازَعَ الزَّوْجَيْنِ
ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.