نظر الرجل إلى الرجل

الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > نظر الرجل إلى الرجل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

نظر الرجل إلى الرجل - الأقوال والأدلة

وغيرِه، فأجازُوا لها أنْ تَنظرَ مِنْ الرَّجلِ إلى ما يَجوزُ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إليه مِنْ الرَّجلِ إذا أَمِنَتِ الشَّهوةَ، وهو ما عدا ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ؛ لأنَّ السُّرةَ وما فوقَها وما تحتَ الرُّكبةِ ليسَ بعَورةٍ مِنْ الرَّجلِ، وما لا يكونُ عَورةً فالنَّظرُ إليه مُباحٌ للرِّجالِ والنِّساءِ كالثِّيابِ (١).

نَظرُ الرَّجلِ إلى الرَّجلِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى عوَرةِ الرَّجلِ؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ قالَ: «لا يَنظرُ الرَّجلُ إلى عَورةِ الرَّجلِ، ولا المرأةُ إلى عَورةِ المرأةِ، ولا يُفضِي الرَّجلُ إلى الرَّجلِ في ثَوبٍ واحِدٍ، ولا تُفضِي المرأةُ إلى المرأةِ في الثَّوبِ الواحِدِ» (٢).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فيهِ -أي هذا الحَدِيث- تَحريمُ نَظرِ الرَّجلِ إلى عَورةِ الرَّجلِ، والمَرأةِ إلى عَورةِ المَرأةِ، وهذا لا خلافَ فيهِ، وكذلكَ نَظرُ الرَّجلِ إلى عَورةِ المرأةِ، والمَرأةِ إلى عَورةِ الرَّجلِ حَرامٌ بالإجماعِ، ونَبَّه بنَظرِ الرَّجلِ إلى عَورةِ الرَّجلِ على نَظرِه إلى عَورةِ المَرأةِ، وذلكَ بالتَّحريمِ أَولى، وهذا التَّحريمُ في حَقِّ غيرِ الأزواجِ والسَّادةِ (٣).

(١) «المبسوط» (١٠/ ١٤٨)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ١٢٢)، و «الهداية» (٤/ ٨٥)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٦٠)، و «العناية» (١٤/ ٢٣٨).
(٢) رواه مسلم (٣٣٨).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٣٠).

إلَّا أنَّ الفُقهاءُ اختَلفُوا في حًدِّ العَورةِ، هل هي ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ؟ أم القُبلُ والدُّبرُ فقط؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عَورةَ الرَّجلِ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، فيَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى الرَّجلِ إلى سائرِ جَسدِه إلَّا ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ فلا يَجوزُ إلَّا عِنْدَ الضَّرورةِ، ولا بأسَ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ مِنْ الرَّجلِ إلى مَوضعِ الخِتانِ ليَختنَه ويَداويهِ بعدَ الخَتْنِ.

وكذا إذا كانَ بمَوضعِ العَورةِ مِنْ الرَّجلِ قَرحٌ أو جُرحٌ أو وقَعَتِ الحاجةُ إلى مُداواةِ الرَّجلِ.

والدَّليلُ على أنَّ ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ عَورةٌ ما رَواهُ الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِه عن جَرهدٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ رَآهُ قد كشَفَ عن فَخذِه فقالَ: يا جَرهدُ غَطِّ فَخذَكَ، فإنَّ الفَخِذَ عَورةٌ» (١).

ولقَولِ النبيِّ : «إذا زوَّجَ أحَدُكم عبْدَه أمَتَه أو أَجيرَهُ فلا يَنظرْ إلى شيءٍ مِنْ عَورتِه؛ فإنَّ ما تحتَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ عَورةٌ» (٢)، وهذا نَصٌّ، والحُرُّ والعَبدُ في هذا سَواءٌ؛ لتَناوُلِ النصِّ لهُما جَميعًا.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤/ ٤٠)، والترمذي (٢٧٩٥)، والبهيقي في «الكبرى» (٢/ ٢٢٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٤/ ٦٠٩).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٤١١٣، ٤١١٤)، والدارقطني (١/ ٢٣٠).

وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ العَورةَ هي القُبلُ والدُّبرُ؛ لِما رواهُ أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ يَومَ خَيبَرَ حَسَرَ الإزارَ عن فَخذِه حتَّى إنِّي لَأنظُرُ إلى بَياضِ فَخذِ النبيِّ » (١)، ولِمَا رَوتْ عائِشةُ أنها قالَتْ: «كانَ رسولُ اللهِ مُضطجِعًا في بَيتي كاشِفًا عن فَخذَيهِ أو ساقَيهِ، فاستَأذنَ أبو بَكرٍ فأَذِنَ له وهو على تلكَ الحالِ، فتَحدَّثَ، ثمَّ استَأذنَ عُمرُ فأَذِنَ له وهو كذلكَ فتحَدَّثَ، ثمَّ استَأذنَ … » الحَديث (٢)، وهذا يَدلُّ على أنهُ ليسَ بعَورةٍ، ولأنهَ ليسَ بمَخرجٍ للحَدثِ، فلم يَكنْ عَورةً كالسَّاقِ، وعليهِ يَجوزُ أنْ يَنظرَ الرَّجلُ إلى غيرِ القُبلِ والدُّبرِ مِنْ الرَّجلِ.

وله أنْ يَنظرَ إلى السُّرةِ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ والصَّحيحِ عندَ الشَّافعيةِ.

وفي قَولٍ للشَّافعيةِ هي عَورةٌ.

والدَّليلُ على أنها ليسَتْ مِنْ العَورةِ ما رُويَ عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما «أنه كانَ إذا اتَّزَرَ أبدَى عن سُرَّتِه»، وقالَ أبو هُريرةَ للحسَنِ رضي الله عنهما: «أَرنِي المَوضعَ الَّذي كانَ يُقبِّلُه رسولُ اللهِ منكَ، فأبدَى عن سُرَّتِه فقبَّلَها أبو هُريرةَ رضي الله عنه»، والتَّعاملُ الظَّاهرُ فيما بينَ النَّاسِ أنهم إذا اتَّزرُوا في الحمَّاماتِ أبدَوا عن السُّرةِ مِنْ غيرِ نَكيرِ مُنكِرٍ دليلٌ على أنه ليسَ بعورةٍ.

(١) رواه البخاري (٣٦٤)، ومسلم (١٣٦٥).
(٢) رواه مسلم (٢٤٠١).

ثمَّ اختَلفُوا هل له أنُ يَنظرَ إلى الرُّكبةِ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يَنظرَ إلى الرُّكبةِ، لقولِ النبيِّ : «الرُّكبةُ مِنْ العَورةِ» (١)، ولأنَّ الرُّكبةَ عُضوٌ مُركَّبٌ مِنْ عَظمِ السَّاقِ والفَخذِ على وَجهٍ يَتعذَّرُ تَمييزُه، والفَخذُ مِنْ العَورةِ، والسَّاقُ ليسَ مِنْ العَورةِ، فعندَ الاشتباهِ يَجبُ العَملُ بالاحتِياطِ، وذلكَ فيما قُلنَا بخِلافِ السُّرةِ؛ لأنه اسمٌ لِمَوضعٍ مَعلومٍ لا اشتِباهَ فيه، وقد رُويَ عن سيِّدنا عُمرَ رضي الله عنه «أنه كانَ إذا اتَّزرَ أبدَى سُرَّتَه»، ولو كانَتْ عَورةً لَمَا احتُملَ منه كَشفُها.

وذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرُّكبةَ ليسَتْ مِنْ العَورةِ؛ لأنَّ الرُّكبةَ حَدٌّ، فلم تَكنْ مِنْ العَورةِ كالسُّرةِ (٢).

وقَد تَقدَّمتِ المَسألةُ في كِتابِ الصَّلاةِ مِنْ كِتابِنا هذا في حَدِّ عَورةِ الرَّجلِ.

(١) رواه الدارقطبي (١/ ٢٣١)، وفي إسنادِه أبو الجنوبِ، قالَ الدَّارَقطنيُّ: ضَعيفٌ.
(٢) «المبسوط» (١٠/ ١٤٦)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ١٢٣، ١٢٤)، و «المحيط البرهاني» (٥/ ١٦٨)، و «العناية» (١٤/ ٢٣٦، ٢٣٧)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٦٠)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٤٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ٣٤٤)، و «شرح صحيح مسلم» (٤/ ١٣١، ١٣٢)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٦٦)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٢٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٠)، و «الديباج» (٣/ ١٧٢)، و «المغني» (٧/ ٨٠)، و «الكافي» (٣/ ٨)، و «الإنصاف» (١/ ٤٥٣/ ٤٥٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٣٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب ما يهدم الرجل من الطلاق من كتابين)

(باب ما يهدم الرجل من الطلاق من كتابين)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (لَمَّا كَانَتِ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ تُوجِبُ التَّحْرِيمَ كَانَتْ إِصَابَةُ زَوْجٍ غَيْرِهِ تُوجِبُ التَّحْلِيلَ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الطَّلْقَةِ وَلَا فِي الطَّلْقَتَيْنِ مَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ لَمْ يَكُنْ لِإِصَابَةِ زَوْجٍ غَيْرِهِ مَعْنًى يُوجِبُ التَّحْلِيلَ فَنِكَاحُهُ وَتَرْكُهُ سَوَاءٌ وَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى هَذَا وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سأله عمن طلق امرأته اثنتين فانقضت عدتها فتزوجت غيره فطلقها أو مات عنها وتزوجها الأول قال عمر هي عنده على ما بقي من الطلاق) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْفُرْقَةَ الْوَاقِعَةَ بِالطَّلَاقِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ أَخَفُّهَا: مَا يَسْتَبِيحُهُ الْمُطَلِّقُ بِالرَّجْعَةِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ، وَهُوَ مَا دُونَ الثَّلَاثِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَيَسْتَبِيحُهَا الزَّوْجُ بِأَنْ يُرَاجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَغْلَظُهُمَا: أَنْ لَا يَسْتَبِيحَهَا الْمُطَلِّقُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثِ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 199 - 202

ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله