الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > خلوة الرجال بإمرأة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةوقالَ الإمامُ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ رحمة الله عليه: والمَعنى في تَحريمِ الخَلوةِ بالأجنَبيةِ أنه مَظنةُ الوُقوعِ في الفاحِشةِ بتَسويلِ الشَّيطانِ، وروَى التِّرمذيُّ عن جابرٍ مَرفوعًا: «لا تَلجُوا على المُغِيباتِ، فإنَّ الشَّيطانَ يَجرِي مِنْ أحَدِكم مَجرَى الدَّمِ»، وروَى النَّسائيُّ عن عُمرَ رضي الله عنه مَرفوعًا: «لا يَخلُوَنَّ رَجلٌ بامرأةٍ، فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهُما»، وقد حكَى النَّوويُّ وغيرُه الإجماعَ على تَحريمِ الخلوةِ بالأجنَبيةِ وإباحتِها بالمَحارمِ (١).
خَلوةُ الرِّجالِ بإمرَأةٍ:
ذهَبَ الشَّافعيةُ في المَشهورِ عندَهم والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ للرَجلينِ أو لِأكثَرَ أنْ يَختَلُوا بامرأةٍ أجنبيةٍ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما: أنَّ نَفَرًا مِنْ بَني هاشمٍ دَخلُوا على أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ، فدخَلَ أبو بَكرٍ الصدِّيقُ وهي تحتَه يَومئذٍ، فرَآهُم فكَرِهَ ذلك، فذكَرَ ذلك لرَسولِ اللهِ ﷺ وقالَ: لم أَرَ إلَّا خيرًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ قد بَرَّأَها مِنْ ذلك، ثمَّ قامَ رسولُ اللهِ ﷺ على المِنبرِ فقالَ: لا يَدخُلنَّ رَجلٌ بعدَ يَومِي هذا على مُغِيبةٍ إلَّا ومعه رَجلٌ أو اثنانِ» (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: المُغِيبةُ -بضَمِّ الميمِ وكَسرِ الغَينِ المُعجَمةِ
(١) «طرح التثريب» (٧/ ٣٩).
(٢) رواه مسلم (٢١٧٣).
وإسكانِ الياءِ-: وهي التي غابَ عنها زَوجُها، والمرادُ غابَ زَوجُها عن مَنزلِها، سواءٌ غابَ عن البلدِ بأنْ سافَرَ، أو غابَ عن المَنزلِ وإنْ كانَ في البَلدِ، هكذا ذكَرَه القاضي وغيرُه، وهذا ظاهِرٌ مُتعيِّنٌ، قالَ القاضي: ودَليلُه هذا الحَديثُ، وأنَّ القصَّةَ التي قيلَ الحَديثُ بسَببِها وأبو بكرٍ رضي الله عنه غائِبٌ عن مَنزلِه لا عنِ البلدِ، واللهُ أعلَمُ.
ثمَّ إنَّ ظاهِرَ هذا الحَديثِ جوازُ خَلوةِ الرَّجلينِ أو الثَّلاثةِ بالأجنَبيةِ، والمَشهورُ عندَ أصحابِنا تَحريمُه، فيُتأوَّلُ الحديثُ على جَماعةٍ يَبعُدُ وقوعُ المُواطَأةِ منهم على الفاحشةِ لصَلاحِهم أو مُروءَتهم أوغيرِ ذلكَ، وقد أشارَ القاضي إلى نحوِ هذا التأويلِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه: ولا يَخلُو أجانِبُ بأجنَبيةٍ، ويُتوجَّهُ وَجهٌ؛ لِما رواهُ أحمدُ ومُسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو «أنَّ نفَرًا مِنْ بَني هاشمٍ دَخلُوا على أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ، فدخَلَ أبو بكرٍ وهي تحتَه يَومئذٍ، فرَآهُم فذكَرَ ذلكَ لرَسولِ اللهِ ﷺ وقالَ: لم أَرَ إلَّا خَيرًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: إنَّ اللهَ قد بَرَّأَها مِنْ ذلكَ، ثمَّ قامَ رسولُ اللهِ ﷺ على المِنبَرِ فقالَ: «لا يَدخُلَنَّ رَجلٌ بعدَ يَومي هذا على مُغيبةٍ إلَّا ومعه رَجلٌ أو اثنانِ»، وتأوَّلَه بعضُ المالِكيةِ والشَّافعيةِ على جَماعةٍ يَبعُدُ التَّواطؤُ منهم على الفاحشةِ.
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٤/ ١٥٥).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٤٢ - مسألة؛ قال: (ومن أراد أن يتزوج امرأة، فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها)
المُغِيرةِ بن شُعْبةَ، أنَّه اسْتَأْذَنَ أبَوَيْها فى النَّظَر إليها، فكَرِهَا، فأذِنَتْ له المرأةُ. روَاه سعيدٌ . ولا يجوزُ له الخَلْوةُ بها؛ لأنَّها مُحَرَّمةٌ، ولم يَرِدِ الشرعُ بغيرِ النظرِ، فبَقِيَتْ على التَّحْرِيمِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ مع الخَلْوةِ مُوَاقعةُ المَحْظُورِ، فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ، فَإنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ" . ولا يَنْظُرُ إليها نظَرَ تَلَذُّذٍ وشَهْوةٍ، ولا لرِيبَةٍ. قال أحمدُ، فى رِوايةِ صالحٍ: يَنْظُرُ إلى الوَجْهِ، ولا يكونُ عن طريقِ لَذَّةٍ. وله أن يُرَدِّدَ النظرَ إليها، ويتأمَّلَ مَحاسِنَها؛ لأنَّ المقصودَ لا يَحْصُلُ إلَّا بذلك.
فصل: ولا خِلافَ بين أهلِ العلمِ فى إباحةِ النَّظَرِ إلى وَجْهِها، وذلك لأنَّه ليس بعَوْرةٍ، وهو مَجْمَعُ الْمَحاسنِ، ومَوْضِعُ النظرِ. ولا يُباحُ له النَّظَرُ إلى ما لا يَظْهَرُ عادةً. وحُكِىَ عن الأَوْزَاعىِّ أنَّه يَنْظُرُ إلى مواضِعِ اللَّحْمِ. وعن داودَ أنَّه يَنْظُرُ إلى جَمِيعِها؛ لظاهرِ قولِه عليه السلام: "انْظُرْ إلَيْهَا" . ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: الوَجْهُ، وباطِنُ الكَفِّ. ولأنَّ النَّظَرَ مُحَرَّمٌ أُبِيحَ للحاجةِ، فيَخْتَصُّ بما تَدْعُو الحاجةُ إليه، وهو ما ذكَرْنا، والحديثُ مُطْلَقٌ، ومن نَظَرَ إلى وَجْهِ إنسانٍ سُمِّىَ ناظِرًا إليه، ومَنْ رآه وعليه أثْوابُه سُمِّى رائِيًا له، كما قال اللَّهُ تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} . {وَإِذَا
ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.