الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > نظر الرجل إلى محارمه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوللشَّافعيةِ قولٌ ثالِثٌ قَريبٌ مِنْ هذا، حيثُ قالوا: لها أنْ تَنظرَ منه ما يَبدُو في المِهنةِ فقط؛ إذْ لا حاجَةَ إلى غيرِه؛ لعُمومِ البَلوى في نَظرِهنَّ في الطُّرقاتِ إلى الرِّجالِ (١).
نَظرُ الرَّجلِ إلى مَحارمِه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الرَّجلَ لا يَجوزُ له أنْ يَنظرَ مِنْ ذواتِ مَحارمِه -وهي كلُّ مَنْ حَرُمَ عليهِ نكاحُها على التأبيدِ بنَسبٍ أو رَضاعٍ أو تَحريمِ المُصاهَرةِ- فيما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ.
وكذلكَ اتَّفقُوا على أنه يَجوزُ له أنْ يَنظرَ مِنْ ذواتِ مَحارمِه إلى الوَجهِ والكفَّينِ.
ثمَّ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نَظرِ الرَّجلِ إلى مَحارمِه، هل يَجوزُ له أنْ يَنظرَ إلى ما يَظهرُ مما فوقَ السُّرةِ إلى الرَّكبةِ؟ أم لا يَجوزُ إلَّا ما يَظهرُ في حالِ الخِدمةِ والتصرُّفِ؟ أو الوَجه والكفَّينِ فقط؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ مِنْ مَحارمِه إلَّا ما يَظهرُ للخِدمةِ كالوَجهِ والأطرافِ المتقدِّمةِ التي يَراها المَحرَمُ مِنْ مَحرمِه؛ إذ ما ذُكِرَ ليسَ بعَورةٍ بالنِّسبةِ إليه، ويَجوزُ مُباشَرةُ ذلكَ منها بغيرِ لذَّةٍ (٢).
(١) «البيان» (٩/ ١٣٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٦٦، ٦٦٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٠٣)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٢٥، ٢٢٦).
(٢) «مواهب الجليل» (٢/ ١٩١، ١٩٢)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٤٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ٣٤٦)، و «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٣١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ مِنْ ذواتِ مَحارمِه إلى الوَجهِ والرَّأسِ والصَّدرِ والساقَينِ والعَضُدينِ، والمحارِمُ مَنْ لا يَجوزُ له مُناكَحتُهنَّ على التأبيدِ بنَسبٍ أو سَببٍ مثلِ الرَّضاعِ والمُصاهَرةِ، سواءٌ كانَتِ المُصاهَرةُ بنكاحٍ أو سِفاحٍ في الأصَحِّ.
ولا يَنظرُ إلى ظَهرِها وبَطنِها؛ لأنهما يَحلُّانِ مَحلَّ الفَرْجِ؛ بدليلِ أنه إذا شبَّهَ امرأتَه بظَهرِ أمِّهِ كانَ مُظاهِرًا، فلولا أنَّ النَّظرَ إليه حَرامٌ لَمَا وقَعَ التَّحريمُ بالتَّشبيهِ، ألَا تَرَى أنه لو قالَ لامرأتِه: «أنتِ عَليَّ كرأسِ أمِّي» لم يَقعْ به التَّحريمِ، وإذا ثبَتَ بهذا تَحريمُ النَّظرِ إلى الظَّهرِ فالبَطنُ أَولى؛ لأنَّ البَطنَ تُشتهَى ما لا يُشتَهى الظَّهرُ، فكانَ أَولى بالتَّحريمِ.
والأصلُ فيهِ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآيَة، والمُرادُ مَواضِعُ الزِّينةِ، وهي ما ذُكِرَ.
وقالَ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ [لقمان: ٥٥] الآيَة.
وقالَ النبيُّ ﷺ لعائِشةَ رضي الله عنها: «ائْذَني له فإنَّه عَمُّكِ» (١).
(١) رواه البخاري (٤٧٩٦)، ومسلم (١٤٤٥).
ويَدخلُ في ذلكَ السَّاعِدُ والأُذنُ والعُنقُ والقَدمُ؛ لأنَّ كلَّ ذلكَ مَواضِعُ الزِّينةِ، بخلافِ الظَّهرِ والبَطنِ والفَخذِ؛ لأنها ليسَتْ مِنْ مَواضعِ الزِّينةِ، ولأن البَعضَ يَدخلُ على البعضِ مِنْ غيرِ استِئذانٍ واحتِشامٍ، والمرأةُ في بَيتِها في ثِيابِ مِهنَتِها عادةً، فلو حَرُمَ النَّظرُ إلى هذه المَواضعِ أدَّى إلى الحرَجِ، وكذا الرَّغبةُ تَقِلُّ للحُرمةِ المُؤبَّدةِ، فقَلَّما تُشتهَى، بخلافِ ما وَراءَها؛ لأنها لا تَنكشِفُ عادةً.
ولا بأسَ بأنْ يَمَسَّ ما جازَ أنْ يَنظرَ إليه منها؛ لتَحقُّقِ الحاجةِ إلى ذلكَ في المُسافَرةِ وقلَّةِ الشَّهوةِ للمَحرَميةِ، بخِلافِ وَجهِ الأجنَبيةِ وكَفَّيها، حَيثُ لا يُباحُ المَسُّ وإنْ أُبيحَ النَّظرُ؛ لأنَّ الشَّهوةَ مُتكامِلةٌ، إلَّا إذا كانَ يَخافُ عليها أو على نَفسِه الشَّهوةِ، فحِينئذٍ لا يَنظرُ ولا يَمسُّ؛ لقَولِه ﷺ: «العَينانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظَرُ، واليَدانِ تَزنِيانِ وزِناهُما البَطشُ»، وحُرمةُ الزِّنا بذَواتِ المَحارمِ أغلَظُ فيُجتَنبُ.
ولا بأسَ بالخَلوةُ مَعهنَّ والمُسافَرةِ بهنَّ (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنه يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ مِنْ مَحارمِه مِنْ نسَبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهرةٍ فيما فوقَ السُّرةِ وتَحتَ الرُّكبةِ بلا شِهوةٍ، وأمَّا ما بينَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ فيَحرمُ إجماعًا؛ وذلكَ لأنَّ المَحرميةَ سَببٌ يُوجِبُ حُرمةَ المُناكَحةِ، فكانَا كالرَّجلينِ والمَرأتينِ.
(١) «الهداية» (٤/ ٨٦)، و «العناية» (١٤/ ٢٤٤، ٢٤٥)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٦١، ٣٦٢).
وهل يَجوزُ النَّظرُ إلى السُّرةِ والرُّكبةِ؟ قَولانِ:
أحَدُهما: نَعمْ؛ لأنهما ليسَا بعَورةٍ بالنَّسبةِ لنَظرِ المَحرمِ.
والثَّاني: هُما عَورةٌ هنا؛ احتِياطًا على الأَوجهِ.
ولا فَرقْ في المَحرَمِ بينَ الكافرِ وغيرِه، إلَّا إذا كانَ مِنْ قَومٍ يَعتقِدونَ حِلَّ المَحارمِ كالمَجوسِ امتَنعَ نَظرُها له ونَظرُه إليها.
ويَجوز للمَحرمِ الخَلوةُ والمُسافَرةُ بها (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَنظرَ إلى ذَواتِ مَحارِمِه إلى ما يَظهرُ غالبًا كالرَّقبةِ والرَّأسِ والكفَّينِ والقَدمينِ ونحوِ ذلكَ، وليسَ له النَّظرُ إلى ما يَستتِرُ غالبًا كالصَّدرِ والظَّهرِ ونَحوِهما.
قالَ الأثرَمُ: سألْتُ أبا عبدِ اللهِ عنِ الرَّجلِ يَنظرُ إلى شَعرِ امرأةِ أبيهِ أو امرأةِ ابنهِ، فقالَ: هذا في القُرآنِ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إلَّا لِكَذا وكَذا، قلتُ: يَنظرُ إلى ساقِ امرأةِ أبيه وصَدرِها؟ قالَ: لا يُعجبُني، ثمَّ قالَ: أنا أكرَهُ أنْ يَنظرَ مِنْ أمِّهِ وأختِه إلى مِثلِ هذا وإلى كُلِّ شَيءٍ لشَهوةٍ.
وذكَرَ القاضي أنَّ حُكمُ الرَّجلِ مع ذَواتِ مَحارمِه حُكمُ الرَّجلِ مع الرَّجلِ والمَرأةِ مع المَرأةِ.
(١) «البيان» (٩/ ١٢٩، ١٣٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٦٥، ٦٦٦)، و «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٣١)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٢١، ٢٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٨)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٤٩٠)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢١٨، ٢١٩)، و «الديباج» (٣/ ١٧٠).
وقالَ أبو بكرٍ: كَراهيَةُ أحمدَ النَّظرَ إلى ساقِ أمِّهِ وصَدرِها على التوقِّي؛ لأنَّ ذلكَ يدعُو إلى الشَّهوةِ، يعني أنه يُكرهُ ولا يَحرمُ.
وقالَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ: «يا رسولَ اللهِ إنَّا كُنَّا نَرَى سالِمًا ولَدًا، وكانَ يَأوي معي ومع أبي حُذيفةَ في بَيتٍ واحِدٍ ويَراني فُضُلًا، وقد أَنزلَ الله ﷿ فيهم ما قد عَلِمْتَ، فكيفَ تَرَى فيه؟ فقالَ لها النبيُّ ﷺ: أرضِعِيه، فأرضَعَتْه خَمْسَ رَضَعاتٍ، فكانَ بمَنزِلةِ ولَدِها مِنْ الرَّضاعةِ» (١)، رواهُ أبو داودَ وغيرُه.
وهذا دَليلٌ على أنه كانَ يَنظرُ منها إلى ما يَظهرُ غالِبًا، فإنها قالَتْ: «يَراني فُضُلًا»، ومعناهُ في ثيابِ البِذْلةِ التي لا تَستُرُ أطرافَها.
وقالَ امرؤُ القَيسِ:
فجِئتُ وقد نَضَّتْ لنَومٍ ثِيابَها … لَدَى السِّتْرِ إلَّا لُبْسةَ المُتفضِّلِ
ومثلُ هذا يَظهرُ منه الأطرافُ والشَّعرُ، فكانَ يَراها كذلكَ إذِ اعتَقدتْهُ ولَدًا، ثم دلَّهمُ النبيُّ ﷺ على ما يَستدِيمونَ به ما كانوا يَعتقدِونَه ويَفعلونَه.
ورَوَى الشَّافعيُّ في مُسنَدِه عن زَينبَ بنتِ أبي سلَمةَ أنها ارتَضعَتْ مِنْ أسماءَ امرأةِ الزُّبيرِ، قالَتْ: «فكُنتُ أَراه أبًا، وكانَ يَدخلُ عليَّ وأنا أَمشُطُ رأسِي فيأخُذُ ببَعضِ قُرونِ رأسي ويَقولُ: أقبِلي عَليَّ»، ولأنَّ التحرُّزَ مِنْ هذا لا يُمكِنُ، فأُبيحَ كالوجهِ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٦١)، وأحمد (٢٥٦٩١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللعان
١٣٢٧ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه الله: (وإذا قذف الرجل زوجته البالغة الحرة المسلمة، فقال
لِهِلَالٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْألْيَتَيْنِ، فَهُوَ لِلَّذِى رُمِيَتْ بِهِ ". فجاءت به أوْرَقَ، جَعْدًا، جُمَالِيًّا، خَدَلَّجَ السّاقينِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " لَوْلَا الْأَيْمَانُ، لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ ". قال عِكْرِمَةُ: فكانَ بعد ذلك أميرًا على مُضَر ، وما يُدْعَى لأَبٍ . ولأنَّ الزَّوْجٍ يُبْتَلَى بقَذْفِ امرأتِه لِيَنْفِىَ العارَ والنَّسَبَ الفاسِدَ، وتَتَعَذَّرُ عليه البَيِّنَةُ، فجُعِلَ اللِّعانُ بَيِّنةً له، ولهذا لمَّا نَزَلَتْ آيةُ اللِّعِانِ، قال النَّبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " أبشِرْ يَا هِلَالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا".
١٣٢٧ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، رحمه اللَّه: (وإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ زوْجَتَهُ الْبَالِغَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ، فَقَالَ لَهَا: زَنَيْتِ. أَوْ: يَا زانِيَةُ. أَوْ: رَأيْتُكِ تَزْنِينَ. وَلَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ، لَزِمَهُ الْحَدُّ، إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا) .
الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فُصُولٍ:
أحَدُها، فى صِفَةِ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَينِ يَصِحُّ اللعِانُ منهما . وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ فيهما، فرُوِىَ أنَّه يَصِحُّ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ، سَواءٌ كانا مُسْلِمَيْنِ أو كافِرَيْنِ، أو عَدْلَيْنِ أو فاسِقَيْنِ، أو مَحْدُودَيْنِ فى قَذْفٍ، أو كان أحدُهما كذلك. وبه قال سعيدُ ابن المُسَيَّب، وسليمانُ بن يَسَارٍ، والحَسَنُ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، وإسحاقُ. قال أحمدُ، فى روايةِ إسحاق بن منصورٍ: جميعُ الأزْواجِ يَلْتَعِنُون؛ الحُرُّ مِنَ الحُرَّةِ والأمَةِ
ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.