هل يشترط إذن المخطوبة للنظر

الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > هل يشترط إذن المخطوبة للنظر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

هل يشترط إذن المخطوبة للنظر - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا النَّظرُ إلى المَرأةِ عندَ الخِطبةِ فأجازَ ذلكَ مالكٌ إلى الوَجهِ والكفَّينِ فقَطْ، وأجازَ ذلكَ غيرُه إلى جَميعِ البدَنِ عَدا السَّوأتَينِ، ومنَعَ ذلك قَومٌ على الإطلاقِ، وأجازَ أبو حَنيفةَ النَّظرَ إلى القدَمَينِ مع الوجهِ والكفَّينِ.

والسَّببُ في اختِلافِهم أنهُ ورَدَ الأمرُ بالنَّظرِ إليهنَّ مُطلَقًا، وورَدَ بالمَنعِ مُطلَقًا، وورَدَ مُقيَّدًا، أعنِي بالوَجهِ والكفَّينِ على ما قالَه كَثيرٌ مِنْ العُلماءِ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] إنهُ الوَجهُ والكَفَّانِ، وقياسًا على جَوازِ كَشفِهما في الحَجِّ عندَ الأكثَرِ (١).

هل يُشتَرطُ إذنُ المَخطوبةِ للنَّظرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ المَخطوبةِ، هل يَجوزُ النَّظرُ إليها بغيرِ عِلمِها أو عِلمِ وَليِّها إذا كانَتْ مُجبَرةً؟ أم لا بُدَّ مِنْ إذنِها؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءُ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنهُ يَجوزُ النَّظرُ إليها بغيرِ عِلمِها؛ لقَولِ النبيِّ : «إذا خطَبَ أحَدُكم امرأةً فلا جُناحَ عليه أنْ يَنظرَ إليها إذا كانَ إنَّما يَنظرُ إليها لخِطبتِه وإنْ كانَتْ لا تَعلمُ» (٢).

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أحمد (٢٣٦٥٠، ٢٣٦٥١)، و «الطحاوي في شرح معاني الآثار» (٣/ ١٤).

وعَن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ : «إذا خطَبَ أحَدُكم المَرأةَ فإنِ استَطاعَ أنْ يَنظُرَ إلى ما يَدعوهُ إلى نِكاحِها فلْيَفعلْ، قالَ: فخطَبْتُ جارِيةً فكُنتُ أتَخَبَّأُ لها حتَّى رأيْتُ منها ما دَعاني إلى نِكاحِها وتزوُّجِها، فتزَوَّجتُها» (١)، واكتِفاءً بإذنِ الشَّارعِ، ولأنه إنْ كانَ النَّظرُ مُباحًا لم يَفتقرْ إلى إذنٍ، وإنْ كانَ مَحظورًا لم يُستَبحْ بالإذنِ.

ولأنها إذا عَلِمَتْ رُبَّما تَصنَّعتْ وتَجمَّلتْ بما ليسَ فيها، ففيهِ نَوعُ غرورٍ (٢).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا بأسَ بالنَّظرِ إليها بإذنها وغَيرِ إذنِها؛ لأنَّ النبيَّ أمَرَنا بالنَّظرِ وأطلَقَ، وفي حديثِ جابرٍ: «فكُنتُ أتخَبَّأُ لها»، وفي حَديثٍ عنِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنه استَأذنَ أبَوَيها في النَّظرِ إليها فكَرِهاهُ، فأَذِنتْ له المرأةُ» رواهُ سَعيدٌ.

ولا يَجوزُ له الخَلوةُ بها؛ لأنها مُحرَّمةٌ، ولم يَرِدِ الشَّرعُ بغيرِ النَّظرِ، فبَقيَتْ على التَّحريمِ، ولأنهُ لا يُؤمَنُ معَ الخَلوةِ مُواقَعةُ المَحظورِ؛ فإنَّ النبيَّ قالَ: «لا يَخلوَنَّ رَجلٌ بامرأةٍ، فإنَّ ثالثَهُما الشَّيطانُ»، ولا يَنظرُ إليها نظَرَ تَلذُّذٍ وشَهوةٍ، ولا لرِيبةٍ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٨٢)، وأحمد (١٤٦٢٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٦).

قالَ أحمَدُ في رِوايةِ صالِحٍ: يَنظرُ إلى الوَجهِ، ولا يَكونُ عن طَريقِ لذَّةٍ، وله أنْ يُردِّدَ النظرَ إليها ويَتأمَّلَ مَحاسِنَها؛ لأنَّ المَقصودَ لا يَحصلُ إلَّا بذلكَ (١).

ونَصَّ الحَنابلةُ أيضًا على أنَّ عدَمَ إذنِها أَولى (٢).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ثمَّ مَذهبُنا ومَذهبُ مالكٍ وأحمدَ والجُمهورِ أنهُ لا يُشتَرطُ في جَوازِ هذا النَّظرِ رِضاها، بل له ذلك في غَفلتِها ومِن غيرِ تَقدُّمِ إعلامٍ، لكنْ قالَ مالكٌ: أكرَهُ نَظرةً في غَفلتِها مَخافَةً مِنْ وُقوعِ نَظرةٍ على عَورةٍ، وعن مالِكٍ رِوايةٌ ضَعيفةٌ أنه لا يَنظرُ إليها إلَّا بإذنِها، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ النبيَّ قد أَذِنَ في ذلكَ مُطلَقًا ولم يَشتَرطِ استِئذانَها، ولأنها تَستحِي غالبًا مِنْ الإذنِ، ولأنَّ في ذلكَ تَغريرًا، فرُبَّما رَآها فلمْ تُعجِبْه، فيَتركُها فتَنكسرُ وتَتأذَّى، ولهذا قالَ أصحابُنا: يُستحَبُّ أنْ يكونَ نظَرُه إليها قبلَ الخِطبةِ، حتَّى إنْ كَرهَها ترَكَها مِنْ غيرِ إيذاءٍ، بخِلافِ ما إذا ترَكَها بعدَ الخِطبةِ، واللهُ أعلَمُ.

قالَ أصحابُنا: وإذا لم يُمكِنْه النَّظرُ استُحبَّ له أنْ يَبعثَ امرأةً يَثقُ بها تَنظرُ إليها وتُخبِرُه، ويكونُ ذلكَ قبلَ الخِطبةِ؛ لِمَا ذكَرْناهُ (٣).

(١) «المغني» (٧/ ٧٣، ٧٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ٨، ٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٠٢، ١٠٣)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٣٤).
(٢) «كشاف القناع» (٥/ ٨، ٩).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١٠، ٢١١)، و «نهاية المطلب» (١٢/ ٣٨) قالَ الجُوَينيُّ رحمة الله عليه: ولا يَفتقرُ إلى إذنِ المرأةِ، بل له أنْ يَتغفَّلَها فيَنظرَها؛ لأنَّ استِئذانِها بمَثابةِ تَقديمِ الخِطبةِ، ولو أمَرَ امرأةً تَنظرُ إلى مُجرَّدِها فلا بأسَ، فقد رُويَ أنَّ رسولَ اللهِ أرادَ أنْ يتزوَّجَ امرأةً، فبعَثَ إليها أمَّ عَطيةَ وقالَ لها: «شُمِّي مَعاطِفَها وانظُرِي إلى عُرقوبِها».

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: وقالَ الجُمهورُ أيضًا: يَجوزُ أنْ يَنظرَ إليها إذا أرادَ ذلكَ بغيرِ إذنها، وعن مالكٍ رِوايةٌ: يُشترطُ إذنُها، ونقَلَ الطَّحَاويُّ عن قَومٍ أنه لا يَجوزُ النَّظرُ إلى المَخطوبةِ قبلَ العَقدِ بحالٍ؛ لأنها حِينئذٍ أجنَبيةٌ، ورُدَّ عليهم بالأحادِيثِ المَذكورةِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ النَّظرَ يكونُ بعِلمٍ مِنها أو مِنْ وَليِّها، ويُكرهُ استِغفالُها؛ لئلَّا يَتطرَّقَ أهلُ الفسادِ لنَظرِ مَحارمِ النَّاسِ ويَقولونَ: «نحنُ خُطَّابٌ».

ومَحلُّ كَراهةِ الاستِفغالِ إنْ كانَ يَعلمُ أنهُ لو سأَلَها في النَّظرِ تُجيبُه إنْ كانَتْ غيرَ مُجبَرةٍ، أو إذا سأَلَ وَليَّها يُجيبُه لذلكَ إذا كانَتْ مُجبَرةً، أو جَهِلَ الحالَ، وأمَّا إذا عَلِمَ عدمَ الإجابةِ حَرُمَ النَّظرُ إنْ خَشيَ فِتنةً، وإلَّا كُرِهَ وإنْ كانَ نظَرُ وَجهِ الأجنَبيةِ وكَفَّيها جائِزًا؛ لأنَّ نظَرَهما في مَعرضِ النكاحِ مَظنةُ قَصدِ اللذَّةِ (٢).

(١) «فتح الباري» (٩/ ١٨٢).
(٢) «مواهب الجليل» (٥/ ٢٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٦٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٣٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٠٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 153 - 156

ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل