إذا علق الطلاق على مشيئة زوجته

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > إذا علق الطلاق على مشيئة زوجته

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

إذا علق الطلاق على مشيئة زوجته - الأقوال والأدلة

أصحُّها عندَ الشَّيخينِ -وهو المَنصوصُ-: يُشترطُ تَأخُّرُ المُتقدِّمِ وعكسُه، فإذا قالَ: «إنْ أكَلْتِ إنْ شَربْتِ فأنتِ طالقٌ» .. لم تَطلُقْ حتى يَتقدَّمَ شُربُها على أكلِها؛ لأنَّ الشرطَ الثاني قَيدٌ في الأولِ، فلا بدَّ مِنْ تَقدُّمِه، والمُرادُ بالتقدُّمِ أنْ لا يَتأخَّرَ.

والوَجهُ الثَّاني: عَكسُه.

والثالثُ: لا يُشترطُ إلا وُجودُ الشرطَينِ كيفَ كانَ (١).

إذا علَّقَ الطَّلاقَ على مَشيئةِ زوْجتِه:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا علَّقَ طَلاقَ زَوجتِه على مَشيئتِها بأنْ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» فقالَتْ: «شِئْتُ» أنها طالِقٌ؛ لأنه علَّقَ الطلاقَ بمَشيئتِها وقد أتَتْ بالشرطِ، وإنْ لم تَشَأْ لَم تَطلُقْ.

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل هذا خاصٌّ بالمَجلسِ ويَجبُ أنْ يكونَ على الفَورِ؟ أم على التراخِي؟ على تَفصيلٍ عندَهم.

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يُشترطُ الفَورُ في المَجلسِ إذا كانَ بحَرفِ «إنْ»، كما لو قالَ لهَا: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ»، فلو انفَضَّ المَجلسُ ثمَّ قالَتْ: «قَدْ شِئتُ» لم يقَعِ الطلاقُ، وهو رِوايةٌ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ.

وأمَّا إذا كانَ ب «متَى شِئتِ» فهو على الأبَدِ إلى أنْ تَختارَ، وكذا ب «إذَا» عندَ الحَنفيةِ.

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٢٦)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٦٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٥١٥، ٥١٦).

قالَ الحَنفيةُ: إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئتِ» فهو على المَجلسِ، فإنْ شاءَتْ في ذلكَ المكانِ طَلُقتْ، وإنْ قامَتْ مِنْ ذلكَ المكانِ أو نامَتْ أو اشتغَلَتْ بشيءٍ فلا مَشيئةَ لها بعدَ ذلكَ.

وإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ إذا شِئتِ» كانَ على الأبَدِ، وكذلك «متَى شِئتِ».

ولو قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إذا شِئتِ، أو إذا ما شِئتِ، أو متَى شِئتِ، أو متَى ما شِئتِ» فرَدَّتِ الأمرَ لم يَكنْ رَدًّا ولم يَقتصرْ على المَجلسِ.

أمَّا كَلمةُ «مَتى» و «مَتى مَا» فلأنَّهما للوقَتِ، وهيَ عامَّةٌ في الأوقاتِ كُلِّها، كأنه قالَ: «في أيِّ وقتٍ شِئتِ»، فلا يَقتصرُ على المَجلسِ بالإجماعِ، ولو رَدَّتِ الأمرَ لم يَكنْ رَدًّا؛ لأنه ملَّكَها الطلاقَ في الوَقتِ الذي شاءَتْ، فلم يكنْ تَمليكًا قبلَ المَشيئةِ حتَّى يَرتدَّ بالردِّ، ولا تُطلِّقُ نفسَها إلا واحدةً؛ لأنها تَعمُّ الأزمانَ دونَ الأفعالِ، فتَملكُ التَّطليقَ في كلِّ زَمانٍ، ولا تَملكُ تَطليقًا بعدَ تَطليقٍ.

وأما كَلمةُ «إذا» و «إذا ما» فهُمَا و «متَى» سواءٌ وإنْ كانَ يُستعملُ للشرطِ كما يُستعملُ للوَقتِ، لكنَّ الأمرَ صارَ بيَدِها، فلا يُخرَجُ بالشكِّ.

ولو قالَ لها: «أنتِ طالقٌ كُلَّما شِئتِ» فلها أنْ تُطلِّقَ نفسَها واحدةً بعدَ واحدةٍ حتى تُطلِّقَ نفسَها ثَلاثًا؛ لأنَّ كَلمةَ «كُلَّما» تُوجِبَ تَكرارَ الأفعالِ، إلا أنَّ التعليقَ يَنصرفُ إلى المِلكِ القائِمِ، حتى لو عادَتْ إليهِ بعدَ زَوجٍ آخَرَ فطلَّقَتْ نفسَها لم يَقعْ شيءٌ؛ لأنه مِلكٌ مُستحدَثٌ، وليسَ لها أنْ تُطلِّقَ نفسَها ثلاثًا بكَلمةٍ واحِدةٍ؛ لأنها تُوجِبُ عُمومَ الانفِرادِ لا عُمومَ الاجتِماعِ، فلا تَملكُ الإيقاعَ جُملةً وجَمعًا.

ولو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ حَيثُ شِئتِ، أو أينَ شَئتِ» لم تُطلَّقْ حتى تَشاءَ، وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها فلا مَشيئةَ لها؛ لأنَّ كَلمةَ «حَيثُ» و «أينَ» مِنْ أسماءِ المَكانِ، والطلاقُ لا تَعلُّقَ له بالمكانِ، فيَلغو ويَبقى ذِكرُ مُطلَقِ المَشيئةِ، فيَقتصرُ على المَجلسِ، بخلافِ الزمانِ؛ لأنَّ له تَعلُّقًا بهِ حتى تقَعُ في زَمانٍ دُونَ زمانٍ، فوجَبَ اعتِبارُه عُمومًا وخُصوصًا (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لو علَّقَ الزوجُ الطلاقَ بمَشيئتِها وهو مُخاطِبٌ لها كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ، أو إذا شِئتِ، أو: إنْ، أو إذا شِئتِ فأنتِ طالِقٌ» اشتُرطَتْ مَشيئتُها لَفظًا على الفَورِ؛ لتَضمُّنِ ذلكَ لتَمليكِها الطلاقَ ك: «طلِّقِي نفسَكِ»، ولأنها استبانةٌ لرَغبتِها، فكانَ جَوابُها على الفَورِ كالقَبولِ في العُقودِ، والمرادُ بالفَورِ مَجلسُ التواجُبِ.

وقيلَ: إذا شاءَتْ في المَجلسِ طلقَتْ؛ لأنَّ حَريمَ العَقدِ يَقومُ مَقامَه كما في القَبضِ في التصرُّفِ والسَّلمِ.

وقيلَ: أيَّ وَقتٍ شاءَتْ طلقَتْ، ولا يَتقيَّدُ ذلكَ بوَقتٍ، كما لو قالَ لها: «إنْ دخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ».

وهذا إذا علَّقَ بصِيغةِ «إنْ» أو «إذا»، أمَّا إذا قالَ: «متَى شِئتِ» فلا يُشترطُ الفَورُ.

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٤٦)، و «فتاوى السغدي» (١/ ٣٥٩)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٩١)، و «المحيط البرهاني» (٣/ ٥١٠)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٢١، ١٢٥)، و «الهداية» (١/ ٢٤٩، ٢٥٠)، و «درر الحكام» (٤/ ٢٧٦).

وأما لو علَّقَ الطلاقَ بمَشيئتِها غَيبةً لا على مُخاطَبتِه لها كقَولِه: «زَوجتِي طالقٌ إنْ شاءَتْ» لم يُشترطِ المَشيئةُ على الفَورِ على الأصَحِّ، سواءٌ كانَتْ حاضِرةً أم غائِبةً.

وكذا لو علَّقَه بمَشيئةِ أجنَبيٍّ خِطابًا كقولِه لأجنَبيٍّ: «إنْ شِئتَ فزَوجتِي طالقٌ»، فلا يُشترطُ فَورٌ في الأصَحِّ؛ لبُعدِ التمليكِ في الأُولى ولانتفائِه في الثانيةِ.

ومُقابِلُ الأصَحِّ: يُشترطُ الفَورُ؛ نَظرًا إلى تَضمُّنِ التمليكِ في الأُولَى، وإلى الخِطابِ في الثانيةِ.

أما إذا علَّقَه بمَشيئةِ أجنَبيٍّ غَيبةً ك: «إنْ شاءَ زَيدٌ» لم يُشترطِ الفَورُ جَزمًا، ولو علَّقَه بمَشيئتِها خِطابًا وبمَشيئةِ زَيدٍ كذلكَ اشتُرطَ الفَورُ في مَشيئتِها فقطْ دونَ زَيدٍ؛ إعطاءً لكلٍّ منهُما حُكمَه لو انفَردَ.

ولو قالَ المُعلَّقُ بمَشيئتِه مِنْ زَوجةٍ أو أجنَبيٍ: «شِئتُ» كارِهًا بقَلبِه وقَعَ الطلاقُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لوُجودِ المُعلَّقِ عليهِ وهوَ لفظُ المَشيئةِ.

وقيلَ: لا يَقعُ باطنًا؛ لانتفاءِ المَشيئةِ في الباطِنِ.

ولو قالَ المُعلَّقُ على مَشيئتِه مِنْ زَوجةٍ أو غيرِها: «شِئتُ إنْ شِئتَ» لَم تَطلُقْ وإنْ شاءَ الزوجُ؛ لأنَّ التعليقَ على مَشيئةِ مَنْ ذُكرَ ولم تُوجَدْ، وإنَّما وُجدَ تَعليقُها، والمَشيئةُ خبَرٌ عمَّا في النفسِ مِنْ الإرادةِ، وذلكَ لا يَتعلَّقُ بالشرطِ.

ولا يَقعُ طلاقٌ عُلِّقَ بمَشيئةِ كلٍّ مِنْ صَبيةٍ وصَبيٍّ وإنْ كانَا مُميِّزينِ؛ لأنه

لا اعتبارَ بمَشيئتِهما في التصرُّفاتِ، ولأنه لو قالَ لصَغيرةٍ: «طَلِّقي نفسَكِ» فطلَّقَتْ لم يَقعْ، فكذا إنْ علَّقَ بمَشيئتِها.

وقيلَ: يقَعُ الطلاقُ المُعلَّقُ بمَشيئةِ مُميِّزٍ؛ لأنَّ مَشيئتَه مُعتبَرةٌ في اختيارِ أحَدِ أبوَيه.

ولا رُجوعَ للشخصِ الذي علَّقَ الطلاقَ بمَشيئةِ غيرِه قبلَ المَشيئةِ مِنْ ذلكَ الغيرِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئتِ» فهو تَمليكٌ، فليسَ لهُ العَزلُ، وحِيلَ بينَهُما حتى تُجيبَ، ولا تُمهَلُ، بل يُحالُ بينَه وبينَها حتى تُجيبَ بما يَقتضِي رَدًّا أو أخذًا، بخلافِ المُوكَّلةِ؛ فإنَّ الأمرَ بيَدِه لم يُخرِجْه عنه إليها، فلهُ عَزلُها والتمكُّنُ منها.

جاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إذا شِئتِ»؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إنَّ المَشيئةَ لها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها ذلكَ حتى تُوقَفَ، فتَقضي أو تَتركَ، فإنْ هي ترَكَتْه فجامَعَها قبلَ أنْ تُوقَفَ أو تَقضي فلا شيءَ لها وقد بطَلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلكَ، قالَ ابنُ القاسِمِ: وإنَّما قلتُ لكَ في الرَّجلِ الذي يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ وإنْ تَفرَّقَا مِنْ مَجلسِهما؛ لأنَّ مالِكًا قد

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٤٥)، و «المهذب» (٢/ ٩٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٧٦، ٥٧٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٥٢٤، ٥٢٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٥٣٨، ٥٣٩)، و «الديباج» (٣/ ٤٦٦، ٤٧).

ترَكَ قولَه الأولَ في التمليكِ، ورجَعَ إلى أنْ قالَ: ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ، فهو أشكَلُ مِنْ التمليكِ؛ لأنَّ مالِكًا قد كانَ يَقولُ مرَّةً: إذا قالَ الرَّجلُ لغُلامِه: «أنتَ حُرٌّ إذا قَدِمَ أبي، أو: أنتَ حرٌّ إنْ قَدِمَ أبي» كانَ يقولُ: هُما مُفتَرِقانِ، قولُه: «إذا قَدِمَ أبي» أشَدُّ وأقوَى عندِي مِنْ قولِه: «إنْ قَدِمَ أبِي»، ثمَّ رجَعَ فقالَ: هُما سَواءٌ «إذا» و «إنْ»، فعلَى هذا رَأيتُ قولَه: «إذا شِئتِ فأنتِ طالقٌ، و: إنْ شِئتِ فأنتِ طالقٌ» على قولِه: «إذا قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ، و: إنْ قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ»، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قَبِلَتْه أيَكونُ هذا تَركًا لِمَا كانَ جعَلَ لها مِنْ ذلك؟ (قالَ): نعمْ، وهذا رأيِي ولم أسمَعْه مِنْ مالِكٍ (١).

وفيها أيضًا: (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ، أو اختارِي، أو أمرُكِ بيَدكِ» أيَكونُ ذلكَ لها إنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها في قولِ مالكٍ أم لا؟ (قالَ): كانَ مالكٌ مرَّةً يَقولُ: ذلكَ لها ما دامَتْ في مَجلسِها، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها، فقيلَ لمالكٍ: فلو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أمرُكِ بيَدكِ» ثمَّ وثَبَ فارًّا يريدُ أنْ يَقطعَ بذلكَ عنها ما كانَ جعَلَ لها مِنْ التمليكِ، (قالَ): لا يَقطعُ ذلكَ عنها الذي جعَلَ لها مِنْ التمليكِ.

فقيلَ لمالكٍ: فما حَدُّه عندكَ؟ فقالَ: إذا قعَدَ معها قدْرَ ما يَرَى الناسُ أنها تَختارُ في مِثلِه وإنَّ فِراقَه إيَّاها لم يُرِدْ بذلكَ فِرارًا إلا أنه قامَ على وَجهِ ما يُقامُ له فلا خِيارَ للمَرأةِ بعدَ ذلكَ، فكانَ هذا قولَه قَديمًا ثمَّ رجَعَ فقالَ: أرَى ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ، (قالَ): فقيلَ لمالكٍ: كأنَّكَ رَأيتَه مثلَ التي تقولُ:

(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٢، ٣).

«قَدْ قَبلْتُ» وتفرَّقَا ولم تَقْضِ شيئًا؟ (قالَ): نعمْ، ذلكَ في يَدَيها إنْ قالَتْ في مَجلسِها ذلكَ: «قد قَبلْتُ» أو لم تَقُلْ: «قد قَبلْتُ» فذلك في يَدَيها حتى تُوقَفَ أو تُوطأَ قبلَ أنْ تَقضي، فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ، وقولُه: «اختارِي» إنَّ ذلكَ لها في قولِ مالكٍ مثلُ ما يكونُ لها في قولِه لها: «أمرُكِ بيَدكِ».

وكذلكَ قالَ مالِكٌ في الخِيارِ و «أمرُكِ بيَدكِ»؛ أنه سواءٌ في الذي يُجعلُ منه إلى المرأةِ، وقولُه الأولُ أعجَبُ إليَّ إذا تفرَّقَا فلا شيءَ لها، وهو الذي عليهِ جَماعةُ الناسِ.

(قالَ ابنُ القاسِمِ): وإذا قالَ الرَّجلُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلك في يَدَيها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها، ولم أسمَعْ مِنْ مالكٍ فيهِ شيئًا، إلا أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها قبلَ أنْ تَقضي، وأرَى أنْ تُوقَفَ فإما أنْ تَقضي، وإمَّا أنْ يَبطلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلك، وإنما قلتُ ذلكَ لأنه حينَ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» كأنه تَفويضٌ فوَّضَه إليها.

(قلتُ): أرَأيتَ إذا خيَّرَ الرَّجلُ امرأتَه، حتَّى متى يَكونُ لها أنْ تَقضي في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): يكونُ لها أنْ تَقضِي إلى مثلِ ما أخبَرتُكَ في التمليكِ، إلى أنْ يَفترقَا، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ، أو إذا شِئتِ، أو متى شئتِ، أو كُلَّما شئتِ، أو كيفَ شِئتِ، أو

(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٣٧٧، ٣٧٨)، ويُنظَر: «شرح مختصر خليل» (٤/ ٧٠)، و «الفواه الدواني» (٢/ ٤٥).

حَيثُ شئتِ، أو أنَّى شئتِ» لم تَطلُقْ حتى تَشاءَ وتَنطِقَ بالمَشيئةِ بلِسانِها فتقولَ: «قدْ شِئتُ»؛ لأنَّ ما في القَلبِ لا يُعلَمُ حتى يُعبِّرَ عنه اللِّسانُ، فتَعلَّقَ الحُكمُ بما يَنطقُ بهِ دونَ ما في القَلبِ، فلو شاءَتْ بقَلبِها دونَ نُطقِها لم يقَعْ طلاقٌ، ولو قالَتْ: «قدْ شِئتُ» بلِسانِها وهي كارهةٌ لَوقَعَ الطلاقُ؛ اعتبارًا بالنُّطقِ، وكذلكَ إنْ علَّقَ الطلاقَ بمَشيئةِ غيرِها، ومتى وُجدَتِ المَشيئةُ باللسانِ وقَعَ الطلاقُ، سواءٌ كانَ على الفَورِ أو التراخي، نَصَّ عليهِ أحمَدُ في تَعليقِ الطلاقِ بمَشيئةِ فُلانٍ، وفيما إذا قالَ: «أنتِ طالقٌ حَيثُ شِئتِ، أو أنَّى شئتِ»؛ لأنه أضافَ الطلاقَ إلى مَشيئتِها، فأشبَهَ ما لو قالَ: «حَيثُ شئتِ»، ولأنهُ تَعليقٌ للطلاقِ على شرطٍ، فكانَ على التراخي كسائرِ التعليقِ، ولأنه إزالةُ مِلكٍ مُعلَّقٍ على المَشيئةِ، فكانَ على التراخي كالعِتقِ.

وإنْ ماتَ مَنْ لهُ المَشيئةُ أو جُنَّ لم يقَعِ الطلاقُ؛ لأنَّ شرْطَ الطلاقِ لم يُوجَدْ، وحُكيَ عن أبي بكرٍ أنه يَقعُ، وليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ الطلاقَ المُعلَّقَ على شَرطٍ لا يقَعُ إذا تَعذَّرَ شَرطُه، كما لو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ دخَلْتِ الدارِ»، وإنْ شاءَ وهو مَجنونٌ لم يَقعْ طلاقُه؛ لأنه لا حُكمَ لكَلامِه، وإنْ شاءَ وهو سَكرانُ فالصحيحُ أنه لا يقَعُ؛ لأنهُ زائِلُ العَقلِ، فهو كالمَجنونِ، وإنْ شاءَ وهو طِفلٌ لم يَقعْ؛ لأنه كالمَجنونِ، وإنْ كانَ يَعقلُ الطلاقَ وقَعَ؛ لأنَّ له مَشيئتَه، ولذلكَ يَصحُّ اختِيارُه لأحَدِ أبوَيه، وإنْ كانَ أخرَسَ فَشاءَ بالإشارةِ وقَعَ الطلاقُ؛ لأنَّ إشارتَه تَقومُ مَقامَ نُطقِ الناطقِ، ولذلكَ وقَعَ طلاقُه بها.

فإنْ قيَّدَ المَشيئةَ بوَقتٍ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئتِ اليومَ» تقيَّدَ بهِ، فإنْ خرَجَ اليومُ قبلَ مَشيئتِها لم تَطلُقْ.

وإنْ علَّقَه على مَشيئةِ اثنَينِ لم يقَعْ حتى تُوجَدَ مَشيئتُهما.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شئتِ» فقالَتْ: «قد شِئتُ إنْ شِئتَ» فقالَ: «قد شِئتُ»، أو قالَتْ: «قَدْ شِئتُ إنْ طلَعَتِ الشَّمسُ» لم يقَعْ، نَصَّ أحمدُ على مَعنى هذا، وهو قولُ سائرِ أهلِ العِلمِ، منهُم الشافعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ.

قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئتِ» فقالَتْ: «قدْ شِئتُ إنْ شاءَ فُلانٌ» أنها قد رَدَّتِ الأمرَ، ولا يَلزمُها الطلاقُ وإنْ شاءَ فلانٌ (١)؛ وذلكَ لأنه لم تُوجَدْ منها مَشيئةٌ، وإنَّما وُجدَ منها تَعليقُ مَشيئتِها بشَرطٍ، وليسَ تَعليقُ المَشيئةِ بشَرطٍ مَشيئةً.

وإنْ علَّقَ الطلاقَ على مَشيئةِ اثنَينِ فَشاءَ أحَدُهما على الفُورِ والآخَرُ على التراخي وقَعَ الطلاقُ، لأنَّ المَشيئةَ قد وُجِدَتْ منهُما جَميعًا (٢).

وسيأتي في الفَصلِ القادمِ تَفصيلُ التفويضِ عندَ كلِّ مَذهبٍ.

(١) «الإجماع» (٤١٧)، و «الإشراف» (٥/ ٢٤٨).
(٢) «المغني» (٧/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «الكافي» (٣/ ٢٠٨، ٢٠٩)، و «المبدع» (٧/ ٣٦٠، ٣٦١)، و «الإنصاف» (٨/ ١٠١، ١٠١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الثانية في أركان الطلاق

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ.

الْبَابُ الثَّانِي: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ.

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ مِنَ النِّسَاءِ مِمَّنْ لَا يَقَعُ.

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ فَصْلَانِ:

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ.

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُقَيَّدَةِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب طلاق المريض)

(باب طلاق المريض)

(من كتاب الرجعة ومن العدة ومن الإملاء على مسائل مالك واختلاف الحديث)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: وَطَلَاقُ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ سَوَاءٌ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: لَا فَرْقَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا أَوْ دُونَهَا وَقَالَ الشَّعْبِيُّ طَلَاقُ الْمَرِيضِ لَا يَقَعُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ فِي الإدما وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} البقرة: ٢٣٠ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ) وَلِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ أَغْلَظُ مِنْ حَلِّهِ، ثُمَّ نِكَاحُ الْمَرِيضِ يَصِحُّ فَحَلُّهُ بِالطَّلَاقِ أَوْلَى أَنْ يَصِحَّ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ مِنْهُ الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يَصِحَّ مِنْهُ الطَّلَاقُ؛ لأن حكمه أغلظ.

(مسألة:)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في قوله طلقي نفسك

الزَّوْجِ بِأَنْ قَالَتْ فِي مَجْلِسِهَا: شِئْتُ وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا.

وَقَالَ الزَّوْجُ: ذَلِكَ نَوَيْتُ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ نِيَّةٌ فَقَالَتْ شِئْت وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا كَانَ الْوَاقِعُ مَا شَاءَتْ؛ فَإِذَا وَاقَفَتْ مَشِيئَتُهَا نِيَّةَ الزَّوْجِ أَوْلَى، وَإِنْ خَالَفَتْ مَشِيئَتُهَا نِيَّةَ الزَّوْجِ بِأَنْ قَالَتْ: شِئْتُ ثَلَاثًا.

وَقَالَ الزَّوْجُ نَوَيْتُ وَاحِدَةً لَا يَقَعُ بِهَذِهِ الْمَشِيئَةِ شَيْءٌ آخَرُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ سِوَى تِلْكَ الْوَاحِدَةِ الْوَاقِعَةِ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا إذَا قَالَتْ: شِئْتُ وَاحِدَةً ثَانِيَةً فَتَصِيرُ تِلْكَ الطَّلْقَةُ ثَانِيَةً لِمَا قُلْنَا وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ وَاحِدَةٌ بِمَشِيئَتِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ وَاحِدَةٌ وَسَنَذْكُرُ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ قَالَتْ: شِئْتُ وَاحِدَةً.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 18 - 26

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر