الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > إذا قال لزوجته: «إن خرجت بغير إذني فأنت طالق» ثم أذن لها ولم تعلم فخرجت
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قلتُ): أرأَيتَ إنْ حلَفَ رَجلٌ أنْ لا يأذَنَ لامرَأتِه أنْ تَخرجَ إلَّا في عيادةِ مَريضٍ، فأَذِنَ لها فخَرجَتْ في عِيادةِ مَريضٍ، ثمَّ عرَضَتْ لها حاجَةٌ غيرُ العِيادةِ وهيَ عندَ المَريضِ فذَهبَتْ فيها، أيَحنَثُ الزَّوجُ أم لا؟ قالَ: لا يَحنَثُ، (قلتُ): أرأَيتَ إنْ حلَفَ أنْ لا يأذَنَ لامرَأتِه أنْ تَخرجَ إلَّا في عِيادةِ مَريضٍ، فخَرجَتْ مِنْ غَيرِ أنْ يأذَنَ لها إلى الحمَّامِ أو إلى غَيرِ ذلكَ، أيَحنَثُ أم لا؟ (قالَ): لا يَحنَثُ في رَأيي؛ لأنَّ الزَّوجَ لم يأذَنْ لها إلى حيثُ خرجَتْ، إلَّا أنْ يَعلمَ بذلكَ فيَتركَها، فإنْ هوَ حينَ يَعلمُ بذلكَ لم يَتركُها فإنَّه لا يَحنثُ، (قلتُ): فإنْ لم يَعلمْ حتَّى فرَغَتْ مِنْ ذلكَ ورَجعَتْ؟ (قالَ): لا حِنثَ عَليهِ في رَأيي، (قالَ سحنونٌ): وقدْ ذكَرَ عَنْ رَبيعةَ شَيئًا مِثلَ هذا، أنَّه حانِثٌ في غَيرِ العِيادةِ إذا أقَرَّها؛ لأنَّه قد كانَ يَقدِرُ على ردِّها، فلمَّا ترَكَها فإنَّه أَذِنَ لها في خُروجِها (١).
إذا قالَ لزَوجَتِه: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها ولم تَعلَمْ فخَرجَتْ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قالَ لزَوجتِه: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها ولم تَعلَمْ فخَرجَتْ، هل يَحنَثُ وتَطلُقُ أم لا؟
(١) «المدونة الكبرى» (٣/ ١٣٦).
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والحنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا قالَ لها: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها ولَم تَعلمْ فخَرجَتْ فإنها تَطلُقُ؛ لأنَّ قصْدَه «لا تَخرُجِي إلَّا بسَببِ إذني»، وقد صَدَقَ عليها أنها خَرجَتْ بغَيرِ سَببِ إذنِه، ولأنَّ الإذنَ حُكمٌ مِنْ أفعالِ أحكامِ المُكلَّفينَ يَتعلَّقَ بقائلٍ ومَقُولٍ له، فوجَبَ إذا فُعِلَ عارِيًا مِنْ عِلمِ فاعلِه بثُبوتِ ذلكَ الحُكمِ لهُ أنْ لا يُحكَمَ لفاعِلِه بأنَّه فعَلَه على ذلكَ الوجهِ، أصلُه الأمرُ والنَّهيُ، ولأنَّ مَنْ حلَفَ على امرَأتِه ألَّا تَخرجَ إلَّا بإذنِه فمَفهومُ ذلكَ مَنعُها مِنْ الافتِياتِ عليهِ وزَجرُها مِنْ اعتِقادِها أنها لا تلزمُ مُراعاة إذنِه وقَصرها على التَّصرفِ بيْنَ أمرِه ونهيِهِ فقطْ، وإذا كانَ هذا هو الغَرضَ وكانَ ذلكَ لا يُوجَدُ إلَّا مع عِلمِها بالإذنِ كانَ مَضمومًا إليهِ ومَشروطًا معهُ، فإذا وقَعَ عارِيًا منهُ وجَبَ أنْ يحنثَ بهِ، ولأنَّ الخُروجَ وُجِدَ مِنها على الصِّفةِ الَّتي كانَ عليها قبْلَ الإذنِ مِنِ اعتِقادِ الافتِياتِ عليهِ، فأشبَهَ أنْ تَخرجَ قبْلَ إذنِه.
ولأنَّ الإذنَ إعلامٌ، وكذلكَ قيلَ في قولِه تعالَى: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، أي: أَعلَمْتُكم، فاستَويَا في العِلمِ، ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: إعلامٌ، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فاعلَمُوا بهِ، واشتِقاقُه مِنْ الإذنِ، يَعني أوقَعْتُه في إذنِكَ وأعلَمْتُكَ بهِ، ومعَ عدمِ العِلمِ لا يكونُ إعلامًا فلا يَكونُ إذنًا، ولأنَّ إذْنَ الشَّارعِ في أوامِرِه ونواهِيه لا يَثبتُ
إلَّا بعْدَ العِلمِ بها، كذلكَ إذنُ الآدَميِّ، وعلى هذا يمنعُ وجود الإذنِ مِنْ جِهتِه (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ وأبو يُوسفُ مِنْ الحنفيَّةِ ومالكٌ في رِوايةٍ والحَنابلةُ في وجهٍ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا حلفَ بطَلاقِها أنْ لا تَخرجَ إلَّا بإذنِه وخَشِيَ أنْ تَخرجَ بغَيرِ إذنِه عندَ الغَضبِ فاحتالَ وأَذِنَ لها مِنْ حَيثُ لا تَعلَمُ فخَرجَتْ بعْدَ ذلكَ لم يَحنَثْ ولا تَطلُقُ؛ لأنها خَرجَتْ بعْدَ وُجودِ الإذنِ مِنْ جِهتِه، فلَم يَحنَثْ كما لو عَلمَتْ به، ولأنَّه لو عزَلَ وكيلَه انعزَلَ وإنْ لم يَعلمْ بالعَزلِ، فكذلكَ تَصيرُ مأذونًا لها وإنْ لم تَعلمْ.
ولأنَّ الأذنَ يَختصُّ بالآذِنِ، والعِلمَ بهِ مُختَصُّ بالمأذُونِ لها، وشَرطُ يَمينِه إنَّما كانَ مَعقودًا على ما يَختصُّ بهِ مِنْ الإذنِ دونَ ما يَختصُّ بها مِنْ العِلمِ، أَلَا تَرى أنَّ اسمَ الإذنِ يَنطلقُ على إذنِه دُونَ عِلمِها، فوجَبَ أنْ يكونَ تَفرُّدُه بالإذنِ مُوجِبًا لوُجودِ الشَّرطِ، فلا يَقعُ بهِ الحِنثُ، كما لو قالَ: «إنْ قُمْتُ فأنتِ طالِقٌ» طَلُقَتْ بقِيامِه وإنْ لم تَعلمْ.
ولأنهُ لو كانَ العِلمُ شَرطًا في الإذنِ لَكانَ وُجودُه مِنْ الحالِفِ شَرطًا فيهِ،
(١) «التجريد» القدروي (١٢/ ٦٤٨٥، ٦٤٨٦)، و «الاختيار» (٤/ ٦٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٩٨) رقم (١٦٤٢)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٣٢٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٧٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٣٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٩٨)، و «المغني» (١٠/ ٤٧)، والمبدع (٧/ ٣٥٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٥٥)، و «الروض المربع» (٤٠٠).
كما كانَ وُجودُ الإذنِ منهُ شَرطًا فيهِ، فلَّما ثبَتَ أنها لو عَلمَتْ به مِنْ غَيرِه صحَّ، ولو أَذِنَ لها غَيرُه لم يَصحَّ، دَلَّ على خُروجِه مِنْ حُقوقِ الإذنِ، وصَحَّ بمُجرَّدِ القَولِ.
ولأنَّه قَدْ حظَرَ الخُروجَ عليها باليَمينِ، وأباحَ لها الخُروجَ بالإذنِ، فصارَ عَقدُها جامِعًا بيْنَ حَظرٍ وإباحَةٍ، والاستِباحةُ إذا صادَفَتْ إباحةً لم يَعلمْ بها المُستَبيحُ جرَى عليها حُكمُ الإباحةِ دُونَ الحَظرِ، كمَنِ استباحَ مالَ رَجلٍ قد أباحَ لهُ وهوَ لا يَعلمُ بإباحتِه، جرَى على المالِ المُبتدِئِ حُكمُ الإباحَةِ؛ اعتِبارًا بالمُبيحِ، ولَم يَجْرِ عليهِ الحَظرُ؛ اعتِبارًا بالمُستَبيحِ، كذلكَ حُكمُ هَذهِ الخُروجِ، وتَحريرُه: أنَّها استِباحةٌ بعْدَ إباحَةٍ، فلَم يَكنْ فقْدُ العِلمِ بها مُؤثِّرًا في حُكمِها كالمالِ.
ولأنها لا تَعلمُ بإذنِه؛ لبُعدِها تَارةً، ولنَومِها أُخرَى، وقدْ وافَقُوا أنَّه لو أَذِنَ لها وهيَ نائِمةٌ فخَرجَتْ غيْرَ عالِمةٍ بإذنِه لم يَحنَثْ، كذلِكَ إذا أَذِنَ لها وهيَ بَعيدةٌ فلَم تَعلمْ بإذنِه حتَّى خَرجَتْ وجَبَ أنْ لا يَحنَثَ، وتَحريرُه: أنها يَمينٌ تَعلَّقَ البِرُّ فيها بالإذنِ، فوجَبَ أنْ لا يكونَ عَدمُ العِلمِ بهِ مُوجِبًا للحِنثِ كالنَّائمةِ والنَّاسيةِ (١).
(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣٩٧، ٣٩٨)، و «الاختيار» (٤/ ٦٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٩٨)، و «التنبيه» (١/ ١٧٩)، و «المهذب» (٢/ ٩٦)، و «جواهر العقود» (٢/ ١١١)، و «المغني» (١٠/ ٤٧)، و «الإنصاف» (٩/ ٩٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب عشرة النساء والخلع
١٢٤٦ - مسألة؛ قال: (ولو خالعته بمحرم، وهما كافران، فقبضه، ثم أسلما، أو أحدهما، لم يرجع علي
فأمَّا إن أوْصَى لها بمثلِ مِيَراثِها، أو أقلَّ، صَحَّ؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ فى أنَّه أبانَها ليُعطِيَها ذلك، فإنَّه لو لم يُبِنْها لأخذَتْه بميراثِها. وإِنْ أوْصَى لها بزيادةٍ عليه، فللورثَةِ مَنْعُها ذلك؛ لأنَّه اتُّهِمَ فى أنَّه قصدَ إيصالَ ذلك إليها؛ لأنَّه لم يكُنْ له سبيلٌ إلى إيصالِه إليها وهى فى حِبَالِه، فطَلَّقَها ليُوصِلَ ذلك إليها، فمُنِعَ منه ، كما لو أوْصَى لوارثٍ.
فصل: وإذا خَالَعَ امرأتَه على نَفقةِ عِدَّتها، فحُكِىَ عن أحمد، وأبى حنيفةَ، أنَّه يَجوزُ ذلك. وهذا إنَّما يُخَرَّجُ على أصْلِ أحمدَ إذا كانت حاملًا، أمَّا غيرُ الحاملِ فلا نَفَقَةَ لها عليه، فلا تَصحُّ عِوَضًا. وقال الشَّافعىُّ: لا تَصحُّ النَّفقةُ عِوَضًا، فإن خالعَها به وَجَبَ مهرُ المِثْلِ؛ لأنَّ النَّفقةَ لم تَجبْ، فلا يَصحُّ الخُلْعُ عليها ، كما لو خالَعَها على عِوَضٍ ما يُتْلفُه عليها. ولَنا، أنَّها إحْدَى النَّفقتَيْنِ، فصَحَّتِ المُخالعةُ عليها، كنَفَقَةِ الصَّبِىِّ فيما إذا خالعَتْه على كَفَالةِ ولدِه وقتًا معلومًا. وقولُهم: إنَّها لم تَجبْ. ممنوعٌ؛ فإنَّه قد قِيلَ: إنَّ النَّفقةَ تَجبُ بالعَقْدِ، ثم إنَّها إن لم تَجبْ، فقد وُجِدَ سببُ وُجوبِها، كنَفَقَةِ الصَّبِىِّ، بخلافِ عِوَضِ ما يُتْلِفُه.
١٢٤٦ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ خَالَعَتْهُ بِمُحَرَّمٍ، وَهُمَا كَافِرَانِ، فَقَبَضَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَىْءٍ)
وجملةُ ذلك أنَّ الخُلْعَ مِنَ الكُفَّارِ جائزٌ، سواءٌ كانوا أهلَ الذِّمَّةِ أو أهلَ حربٍ؛ لأنَّ كلَّ مَن مَلَكَ الطَّلاقَ، مَلَكَ المُعاوَضَةَ عليه، كالمُسْلمِ، فإن تخالَعا بعِوَضٍ صحيحٍ، ثم أسْلَما أو تَرافعا إلى الحاكمِ، أمْضَى ذلك بينهما كالمُسْلِمَيْنِ، وإن
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.