الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > إذا مضى زمن التخيير
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةمَنْ يَقومُ مَقامُه عندَ عدمِه- متى عُلِمَ ذلكَ، ولا تُتركُ تحتَه، وأمرُها بيَدِها حتى تُوقَفَ فتَقضي برَدٍّ أو طلاقٍ، إلا أنْ يطَأَ وهي طائِعةٌ فيَزولُ ما بيَدِها، ولا قَضاءَ لها بعدَ الأجَلِ؛ عَملًا باللفظِ، فإنْ أوقَفَها الحاكِمُ وأمَرَها بإيقاعِ الطلاقِ أو رَدِّ ما بيَدِها مِنَ التمليكِ فلم تَفعلْ فإنه يَسقطُ ما بيَدِها، ولا يُمهلُها وإنْ رَضيَ الزوجُ؛ لحَقِّ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ فيه التَّمادِي على عِصمةٍ مَشكوكٍ فيها.
وعُملَ بمُقتضَى جَوابِها الصَّريحِ، فإنْ أجابَتْ بالطلاقِ عُملَ بمُقتضاهُ، كقَولِها: «أنا طالقٌ مِنكَ، أو طلَّقتُ نفسِي، أو أنا بائنةٌ، أو أنتَ بائنٌ منِّي»، وإنْ أجابَتْ برَدِّه عُملَ بمُقتضاهُ، كقَولها: «ردَدْتُ ما مَلَّكتَني، أو لا أقبَلُه مِنْكَ» ونحوِ ذلكَ، كما إذا طلَّقَ هو بلَفظٍ صريحٍ فإنه يُعملُ بمُقتضاهُ، ومِثلُ رَدِّها بالقولِ -كما مَرَّ- رَدُّها بفعلٍ صَريحٍ، كما إذا أمكَنَتْه مِنْ نفسِها -ولو مِنْ المُقدِّماتِ- وهي طائعةٌ عالِمةٌ بالتمليكِ، ولو جَهلَتِ الحُكمَ ولو لم يَفعلْ فإنه يَبطلُ ما بيَدِها، وكذا لو ملَّكَ أجنَبيًّا أمْرَها فخَلَّى بينَه وبيْنَها ومكَّنَه منها زالَ ما بيَدِه، فلو مَكَّنتْه غيرَ عالِمةٍ لم يَبطلْ ما بيَدِها، والقولُ قَولُها في عَدمِ العِلمِ، وقولُه في الإصابةِ إنْ عُلِمَتِ الخَلوةَ، وفي الطَّوعِ في الوطءِ بيَمينِه، بخلافِ القُبلةِ فقَولُها بيَمينِها، أي إنْ قالَتْ: «أكرَهَني، أو غلَبَني عليها»، بخِلافِ الوطءِ؛ لأنَّ الوطءَ يَكونُ على هَيئةٍ وصِفةٍ.
إذا مَضَى زَمنُ التَّخييرِ:
وإذا قالَ: «اختارِي اليومَ كُلَّه» فمَضَى اليومُ ولم تَختَرْ فلا خِيارَ لها ويَبطلُ ما بيَدِها، والمُرادُ باليَومِ: الزَّمنُ قَلَّ أو كَثُرَ.
ويَسقطُ ما بيَدِها برَدِّها للعِصمةِ بعدَ بَينونتِها بخُلعٍ أو بَتاتٍ؛ لاستِلزامِه رِضاها، وأمَّا لو طلَّقَها طَلاقًا رَجعيًّا ثمَّ راجَعَها فإنَّ خِيارَها لا يَسقطُ؛ لِمَا عَلِمْتَ أنَّ الرَّجعيةَ كالزوجةِ.
وإذا ملَّكَها تَمليكًا مُطلَقًا أو خَيَّرها تَخييرًا مُطلَقًا -أي عارِيًا عنِ التقييدِ بالزَّمانِ والمَكانِ- فالذي رجَعَ إليهِ مالِكٌ أنهُما بيَدِها ما لم تُوقَفْ عندَ حاكمٍ أو تُوطَأْ أو تُمكِّنْ من ذلكَ طائِعةً، قالَتْ في المَجلسِ: «قَبِلْتُ» أم لا، بعدَ أنْ كانَ يقولُ أولًا: يَبقى ذلكَ بيَدِها في المَجلسِ فقطْ، وإنْ تفرَّقَا بعدَ إمكانِ القَضاءِ فلا شيءَ لها، وإنْ وثَبَ حينَ ملَّكَها يُريدُ قطْعَ ذلك عنها لم يَنفعْه، وحَدُّ ذلكَ إذا قعَدَ معها قدْرَ ما يَرَى الناسُ أنها تَختارُ في مِثلِه ولم يَقُمْ فِرارًا، وإنْ ذهَبَ عامَّةُ النَّهارِ وعلِمَ أنهُما قد ترَكَا ذلكَ وخرَجَا إلى غيرِه فلا خِيارَ لها، وأخَذَ ابنُ القاسِمِ بهذا القَولِ المَرجوعِ عنهُ.
جاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إذا شِئتِ»؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إنَّ المَشيئةَ لها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها ذلكَ حتى تُوقَفَ، فتَقضي أو تَتركَ، فإنْ هي ترَكَتْه فجامَعَها قبلَ أنْ تُوقَفَ أو تَقضي فلا شيءَ لها وقد بطَلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلكَ، قالَ ابنُ القاسِمِ: وإنَّما قلتُ لكَ في الرَّجلِ الذي يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ وإنْ تَفرَّقَا مِنْ مَجلسِهما؛ لأنَّ مالِكًا قد ترَكَ قولَه الأولَ في التمليكِ، ورجَعَ إلى أنْ قالَ: ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ،
فهو أشكَلُ مِنْ التمليكِ؛ لأنَّ مالِكًا قد كانَ يَقولُ مرَّةً: إذا قالَ الرَّجلُ لغُلامِه: «أنتَ حُرٌّ إذا قَدِمَ أبي، أو: أنتَ حرٌّ إنْ قَدِمَ أبي» كانَ يقولُ: هُما مُفتَرِقانِ، قولُه: «إذا قَدِمَ أبي» أشَدُّ وأقوَى عندِي مِنْ قولِه: «إنْ قَدِمَ أبِي»، ثمَّ رجَعَ فقالَ: هُما سَواءٌ «إذا» و «إنْ»، فعلَى هذا رَأيتُ قولَه: «إذا شِئتِ فأنتِ طالقٌ، و: إنْ شِئتِ فأنتِ طالقٌ» على قولِه: «إذا قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ، و: إنْ قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ»، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قَبِلَتْه أيَكونُ هذا تَركًا لِمَا كانَ جعَلَ لها مِنْ ذلك؟ (قالَ): نعمْ، وهذا رأيِي ولم أسمَعْه مِنْ مالِكٍ (١).
وفيها أيضًا: (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ، أو اختارِي، أو أمرُكِ بيَدكِ» أيَكونُ ذلكَ لها إنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها في قولِ مالكٍ أم لا؟ (قالَ): كانَ مالكٌ مرَّةً يَقولُ: ذلكَ لها ما دامَتْ في مَجلسِها، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها، فقيلَ لمالكٍ: فلو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أمرُكِ بيَدكِ» ثمَّ وثَبَ فارًّا يريدُ أنْ يَقطعَ بذلكَ عنها ما كانَ جعَلَ لها مِنْ التمليكِ، (قالَ): لا يَقطعُ ذلكَ عنها الذي جعَلَ لها مِنْ التمليكِ.
فقيلَ لمالكٍ: فما حَدُّه عندكَ؟ فقالَ: إذا قعَدَ معها قدْرَ ما يَرَى الناسُ أنها تَختارُ في مِثلِه وإنَّ فَراقَه إيَّاها لم يُرِدْ بذلكَ فِرارًا إلا أنه قامَ على وَجهِ ما يُقامُ له فلا خِيارَ للمَرأةِ بعدَ ذلكَ، فكانَ هذا قولَه قَديمًا ثمَّ رجَعَ فقالَ: أرَى ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ، (قالَ): فقيلَ لمالكٍ: كأنَّكَ
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٢، ٣).
رَأيتَه مثلَ التي تقولُ: «قَدْ قَبلْتُ» وتفرَّقَا ولم تَقْضِ شيئًا؟ (قالَ): نعمْ، ذلكَ في يَدَيها إنْ قالَتْ في مَجلسِها ذلكَ: «قد قَبلْتُ» أو لم تَقُلْ: «قد قَبلْتُ» فذلك في يَدَيها حتى تُوقَفَ أو تُوطأَ قبلَ أنْ تَقضي، فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ، وقولُه: «اختارِي» إنَّ ذلكَ لها في قولِ مالكٍ مثلُ ما يكونُ لها في قولِه لها: «أمرُكِ بيَدكِ».
وكذلكَ قالَ مالِكٌ في الخِيارِ و «أمرُكِ بيَدكِ»؛ أنه سواءٌ في الذي يُجعلُ منه إلى المرأةِ، وقولُه الأولُ أعجَبُ إليَّ إذا تفرَّقَا فلا شيءَ لها، وهو الذي عليهِ جَماعةُ الناسِ.
(قالَ ابنُ القاسِمِ): وإذا قالَ الرَّجلُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلك في يَدَيها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها، ولم أسمَعْ مِنْ مالكٍ فيهِ شيئًا، إلا أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها قبلَ أنْ تَقضي، وأرَى أنْ تُوقَفَ فإما أنْ تَقضي، وإمَّا أنْ يَبطلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلك، وإنما قلتُ ذلكَ لأنه حينَ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» كأنه تَفويضٌ فوَّضَه إليها.
(قلتُ): أرَأيتَ إذا خيَّرَ الرَّجلُ امرأتَه، حتَّى متى يكونُ لها أنْ تَقضي في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): يكونُ لها أنْ تَقضِي إلى مثلِ ما أخبَرتُكَ في التمليكِ، إلى أنْ يَفترقَا، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ (١).
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٣٧٧، ٣٧٨)، ويُنظَر: «شرح مختصر خليل» (٤/ ٧٠)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٤٥).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل في أحكام الاستنابة على الطلاق]
فَصْلٌ) إنْ فَوَّضَهُ لَهَا تَوْكِيلًا؛ فَلَهُ الْعَزْلُ إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ، لَا تَخْيِيرًا، أَوْ تَمْلِيكًا.
ــ
منح الجليل
رَبِيعَةَ عَلَى الْعُمُومِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الطَّلْقَاتِ دُونَ تَعْلِيقٍ وَالتَّعَالِيقَ الْمُتَّفِقَةَ وَالْمُخْتَلِفَةَ فَيَكُونُ خِلَافًا لِلْإِمَامِ فِي التَّلْفِيقِ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ، لَكِنَّ تَعْبِيرَهُ بِيَمِينٍ يَمْنَعُهُ وَيُعَيِّنُ الْحَمْلَ عَلَى الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
فَصْلٌ فِي أَحْكَام الِاسْتِنَابَة عَلَى الطَّلَاق
وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ تَوْكِيلٌ وَإِرْسَالٌ وَتَمْلِيكٌ وَتَخْيِيرٌ (إنْ فَوَّضَهُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ (لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (تَوْكِيلًا) أَيْ جُعِلَ إنْشَاءً لَهَا بَاقِيًا لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ إنْ شَاءَ فَخَرَجَ بِالْإِنْشَاءِ الْإِرْسَالُ وَبِبَقَاءِ الْمَنْعِ التَّمْلِيكُ وَالتَّخْيِيرُ (فَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الْعَزْلُ) أَيْ مَنْعُهَا مِنْ إيقَاعِهِ قَبْلَهُ اتِّفَاقًا عَلَى قَاعِدَةِ التَّوْكِيلِ مِنْ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ) لَهَا بِإِيقَاعِهِ كَقَوْلِهِ لَهَا: إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَقَدْ وَكَّلْتُكِ عَلَى طَلَاقِك أَوْ طَلَاقِ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا بِرَفْعِ ضَرَرِ الضَّرَّةِ عَنْهَا.
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.