الحالة الثانية: أن يشرب بنجا أو دواء يذهب العقل أو حشيشا أو أفيونا لغير حاجة

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > الحالة الثانية: أن يشرب بنجا أو دواء يذهب العقل أو حشيشا أو أفيونا لغير حاجة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يشرب بنجا أو دواء يذهب العقل أو حشيشا أو أفيونا لغير حاجة - الأقوال والأدلة

المَنفعةِ، وقدْ يكونُ مِنْ بعضِ ذلكَ سَببُ التَّلفِ، ولكنَّ الأغلبَ السَّلامةُ، وأنْ ليسَ يُرادُ ذلكَ لذَهابِ العَقلِ ولا للتَّلذُّذِ بالمَعصيةِ (١).

وقالَ الحنفيَّةُ: فأمَّا إذا شَربَ البَنجَ أو شَيئًا حُلوًا فذهَبَ عَقلُه أو الدَّواءَ الَّذي يُسكِرُ وزالَ عَقلُه لم يَقعْ طلاقُهُ في تلكَ الحالةِ؛ لأنَّه بمَنزلةِ المَعتوهِ في التَّصرُّفاتِ (٢).

الحالةُ الثانيَةُ: أنْ يَشربَ بَنجًا أو دواءً يُذهِبُ العَقلَ أو حَشيشًا أو أفيُونًا لغَيرِ حاجَةٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شَربَ بَنجًا أو ما يُذهِبُ العَقلَ لغَيرِ حاجَةٍ، هلْ يَقعُ طلاقُه كالسَّكرانِ بمُحرَّمٍ أم لا؟

فذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وغَيرُه إلى أنَّ مَنْ شَربَ ما يُزيلُ عَقلَهُ لغَيرِ حاجَةٍ كالبَنجِ، أو الدَّواءَ الَّذي يُذهِبُ العقلَ ليَزولَ عَقلُه أنَّ حُكمَه كالسَّكرانِ بمُحرَّمٍ، فيَقعُ طلاقُه إذا طلَّقَ في هَذهِ الحالةِ؛ لأنَّه زالَ عَقلُه بمَعصيةٍ، فهو كمَن شَربَ الخَمرَ أو النَّبيذَ.

قالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: فإنْ شَربَ دَواءً أو شَرابًا غَيرَ الخَمرِ والنَّبيذِ فسَكِرَ؛ فإنْ شَربَه لحاجَةٍ .. فحُكمُه حُكمُ المَجنونِ، وإنْ شَربَه ليَزولَ عَقلُه ..

(١) «الأم» (٥/ ٢٥٤).
(٢) «المبسوط» (٢٤/ ٣٤)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٠)، و «المحيط البرهاني» (٣/ ٤١٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٥٦)، و «غمز عيون البصائر» (٢/ ١١٨)، وابن عابدين (٣/ ٢٤٠).

فهوَ كالسَّكرانِ يَشربُ الخَمرَ؛ لأنَّهُ زالَ عَقلُه بمَعصيةٍ، فهوَ كمَن شَربَ الخَمرَ أو النَّبيذَ (١).

وذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ شَربَ ما يُزيلُ عَقلَه لغَيرِ حاجَةٍ وطلَّقَ أنَّه لا يَقعُ طلاقُه، سواءٌ كانَ للتَّداوِي أو لغَيرِه؛ لأنَّه لا لذَّةَ فيهِ (٢).

لكنْ هذا في غَيرِ الحَشيشةِ والأفيُونِ عِنْدَ مُتأخِّرِي الحَنفيَّةِ.

قالَ في «الدُّر المُختَار»: أو حَشيشٍ أو أفيُونٍ أو بَنجٍ زَجرًا بهِ يُفتَى، تَصحيحُ القدوريِّ.

واختَلفَ التَّصحيحُ فيمَن سَكِرَ مُكرَهًا أو مُضطرًّا، نعَمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ أو بمُباحٍ لم يَقعْ.

وفي القُهُستانِيِّ مَعزيًّا للزاهديِّ أنَّه لو لم يُميِّزْ ما يَقومُ بهِ الخِطابُ كانَ تَصرُّفُه باطِلًا. اه.

قالَ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: مَطلَبٌ في الحَشيشةِ والأَفيونِ والبَنجِ.

قَولُه: (وحَشيشٍ)، قالَ في «الفَتح»: اتَّفقَ مَشايخُ المَذهبَينِ مِنَ الشَّافعيةِ

(١) «البيان» (١٠/ ٧٠)، و «التنبيه» ص (١٧٣)، و «المغني» (٧/ ٢٨٨).
(٢) «المبسوط» (٢٤/ ٣٤)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٠)، و «المحيط البرهاني» (٣/ ٤١٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٥٦)، و «التنبيه» ص (١٧٣)، و «الكافي» (٣/ ١٦٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٦٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٦٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٣١، ٢٣٢).

والحَنفيةِ بوُقوعِ طلاقِ مَنْ غابَ عَقلُه بأكلِ الحَشيشِ، وهو المُسمَّى بوَرقِ القُنَّبِ، لفَتواهُم بحُرمتِهِ بعدَ أنِ اختَلفُوا فيها، فأفتَى المُزنِيُّ بحُرمتِها، وأفتَى أسدُ بنُ عَمرٍو بحِلِّها؛ لأنَّ المُتقدِّمينَ لم يَتكلَّمُوا فيها بشيءٍ؛ لعَدمِ ظُهورِ شَأنِها فيهم، فلمَّا ظهَرَ مِنْ أمرِها مِنَ الفَسادِ كثيرٌ وفشَا عادَ مَشايخُ المَذهبَينِ إلى تَحريمِها، وأفتَوا بوُقوعِ الطَّلاقِ ممَّن زالَ عَقلُه بها. اه.

قولُه: (أو أَفيُونٍ أو بَنجٍ) الأَفيُونُ: ما يَخرجُ مِنْ الخَشخاشِ.

والبَنجُ بالفَتحِ: نَبتٌ مُنبَتٌ.

وصرَّحَ في «البَدائع» وغَيرِها بعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ بأكلِهِ، مُعلِّلًا بأنَّ زَوالَ عَقلهِ لم يكنْ بسَببٍ هوَ مَعصيةٌ.

والحقُّ التَّفصيلُ، وهو إنْ كانَ للتَّداوِي لَم يَقعْ؛ لعَدمِ المَعصيةِ، وإنْ للَّهوِ وإدخالِ الآفةِ قَصدًا فيَنبغِي أنْ لا يتردَّدَ في الوُقوعِ.

وفي تَصحيحِ القُدُوريِّ عن «الجَواهِر»: وفي هذا الزَّمانِ إذا سَكِرَ مِنْ البَنجِ والأفيُونِ يقَعُ زَجرًا، وعليهِ الفَتوَى، وتَمامُه في «النَّهر».

قَولُه: (زَجرًا) أشارِ بهِ إلى التَّفصيلِ المَذكورِ، فإنَّه إذا كانَ للتَّداوِي لا يُزجَرُ عنهُ؛ لعَدمِ قَصدِ المَعصيةِ ط.

قَولُه: (اختَلفَ التَّصحيحُ … إلخ) فصحَّحَ في «التُّحفَة» وغَيرِها عَدمَ الوُقوعِ، وجزَمَ في «الخُلاصَة» بالوُقوعِ.

قالَ في «الفَتح»: والأوَّلُ أحسَنُ؛ لأنَّ مُوجِبَ الوُقوعِ عِنْدَ زَوالِ العَقلِ ليسَ إلَّا التَّسبُّبُ في زَوالهِ بسَببٍ مَحظورٍ، وهوَ مُنتَفٍ.

وفي «النَّهْر» عَنْ «تَصحيحِ القُدُورِيِّ» أنَّه التَّحقيقُ.

قَولُه: (نَعمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ) لأنَّ علَّةَ زَوالِ العَقلِ الصُّداعُ، والشُّربُ عِلَّةُ العلَّةِ، والحُكمُ لا يُضافُ إلى علَّةِ العلَّةِ إلَّا عندَ عدمِ صَلاحيَّةِ العلَّةِ، وتَمامُه في «الفتح».

هذا وقد فرَضَ المسألةَ في «الفتح» و «البَحر» فيما إذا شَربَ خَمرًا فصدَّعَ، ويُخالِفُه ما في «المُلتقَط»: لو كانَ النَّبيذُ غَيرَ شَديدٍ فصدَّعَ فذهَبَ عَقلُه بالصُّداعِ لا يَقعُ طلاقُه، وإنْ كانَ النَّبيذُ شَديدًا حرامًا فصَدَّعَ فذهَبَ عَقلُه يقَعُ طلاقُه. اه.

فقَدْ فرَّقَ بيْنَ ما إذا كانَ بطَريقٍ مُحرَّمٍ وغَيرِ مُحرَّمٍ كما تَرَى فتأمَّلْ.

قولُه: (أو بمُباحٍ) كما إذا سَكرَ مِنْ وَرقِ الرُّمانِ فإنَّهُ لا يَقعُ طَلاقُه ولا عِتاقُه.

ونقَلَ الإجماعَ على ذلكَ صاحِبُ «التَّهذِيب»، كذا في «الهِنديَّة» ط.

قلتُ: وكذا لو سَكرَ ببَنجٍ أو أفيُونٍ تَناولَه لا على وَجهِ المَعصيةِ بل للتَّداوِي كما مَرَّ، قَولُه: (وفي القُهُستانِيِّ … إلخ) هذا مَبنيٌّ على تَعريفِ السَّكرانِ الَّذي تَصحُّ تَصرُّفاتُه عِندَنا بأنَّه مَنْ معهُ مِنَ العَقلِ ما يَقومُ بهِ التَّكليفُ.

وتَعجَّبَ منهُ في «الفَتح»، وقالَ: لا شَكَّ أنَّه على هذا التَّقديرِ لا يتَّجِهُ لأحدٍ أنْ يَقولَ: لا تَصحُّ تَصرُّفاتُه (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا إنْ شَربَ البَنجَ ونَحوَه ممَّا يُزيلُ عَقلَه عالِمًا بهِ مُتلاعِبًا فحُكمُه حُكمُ السَّكرانِ في طلاقِهِ، وبهذا قالَ أصحابُ الشَّافعيِّ.

وقالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ: لا يَقعُ طَلاقُه؛ لأنَّه لا يَلتذُّ بشُربِها.

ولنا: إنَّه زالَ عَقلُه بمَعصيةٍ، فأشبَهَ السَّكرانَ (٢).

وقالَ الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: وممَّا يَدخلُ في كَلامِ الخرقيِّ: مَنْ تَعاطَى ما يُزيلُ عَقلَه لغَيرِ حاجَةٍ كالبَنجِ ونَحوِه، وقدِ اختَلفَ المَذهبُ في هذا، فألحَقَه ابنُ حامِدٍ وأبو الخطَّابِ في «الهِدايَة» وأبو مُحمَّدٍ بالسَّكرانِ، وفَرَّقَ أحمَدُ بَيْنَهما فألحَقَه بالمَجنونِ، ووجَّهَ القاضي الفَرْقَ بأنَّ الغالِبَ مِنَ النَّاسِ أنَّهُم يَشرَبونَ لغَير المَعصيةِ، بخِلافِ المُسكِرِ، والحُكمُ يَتعلَّقُ بالغالِبِ، ولأنَّ كثيرًا مِمَّنْ يَشرَبُ المُسكِرَ يظهرُ زَوالُ العقلِ معَ إثباتِهِ، فحُكِمَ بإيقاعِ الطَّلاقِ سَدًّا للذَّريعةِ، بخِلافِ مُتعاطِي البَنجِ ونَحوِه.

وممَّا قدْ يُلحَقُ بالبَنجِ الحَشيشةُ الخَبيثَةُ، وأبو العبَّاسِ يَرَى أنَّ حُكمَها حُكمُ الشَّرابِ المُسكِرِ، حتَّى في إيجابِ الحَدِّ، ويُفرِّقُ بيْنَها وبيْنَ البَنجِ بأنَّها

(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٨٨).

تُشتَهى وتُطلَبُ، فهيَ كالخَمرِ، بخِلافِ البَنجِ، فالحُكمُ عِندَه مَنوطٌ باشتِهاءِ النَّفسِ وطَلبِها، واللهُ أعلمُ (١).

وقالَ الإمامُ المِرْداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (ومَن شَربَ ما يُزيلُ عَقلَه لغَيرِ حاجَةٍ ففي صحَّةِ طلاقِه رِوايتانِ).

اعلَمْ أنَّ كَثيرًا مِنَ الأصحابِ ألحَقُوا بالسِّكرانِ مَنْ شَربَ أو أكَلَ ما يُزيلُ عَقلَهُ لغَيرِ حاجَةٍ، كالمُزيلاتِ للعَقلِ غَيرِ الخَمرِ مِنَ المُحرَّماتِ والبَنجِ ونَحوِه، فجَعَلُوا فيهِ الخِلافَ الَّذي في السَّكرانِ، مِنهُم ابنُ حامِدٍ وأبو الخطَّابِ في «الهِداية» وصاحبُ «المُذْهَبِ» و «مَسبُوك الذَّهبِ» و «المُستَوعِبِ» و «الخُلاصَة» والمُصنِّفُ هُنا، وفي «الكافي» و «المُغنِي» والشَّارح وابن مُنَجَّا في شَرْحِه وصاحِب التَّصحيحِ وغَيرهم، وقدَّمَه في «الرِّعايتَين» و «الزُّبدَة».

ومَن أطلَقَ الخِلافَ في السَّكرانِ أطلَقَه هُنا، إلَّا صاحِبَ «الخُلاصَة»، فإنَّه جَزمَ بالوُقوعِ مِنَ السَّكرانِ، وأطلَقَ الخِلافَ هُنا، وصحَّحَ في «التَّصحيح» الوُقوعَ فيهما.

واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه أنَّه كالسَّكرانِ، قالَ: لأنَّهُ قصَدَ إزالَةَ العَقلِ بسَببٍ مُحرَّمٍ.

(١) «شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٢).

وقالَ في «الواضِح»: إنْ تَداوَى ببَنجٍ فسَكِرَ لم يَقعْ، وصحَّحَه في القاعِدةِ الثَّانيةِ بعْدَ المِائةِ، قالَ في «الفُروع»: وهوَ ظاهِرُ كلامِ جَماعةٍ.

قالَ في «الجامِع الكَبير»: إنْ زالَ عَقلُه بالبَنجِ نَظَرْت؛ فإنْ تَداوَى بهِ فهو مَعذورٌ، ويكونُ الحُكمُ فيهِ كالمَجنونِ، وإنْ تَناوَلَ ما يُزيلُ عَقلَه لغَيرِ حاجَةٍ كانَ حُكمُه كالسَّكرانِ، والتَّداوِي حاجَةٌ. انتهى.

قُلتُ: ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ أنَّه إذا تَناوَلَه لحاجَةٍ أنَّه لا يَقعُ، وصرَّحَ بهِ المُصنِّفُ في «المُغني» وغَيرِه.

واعلَمْ أنَّ الصَّحيحَ مِنَ المَذهبِ أنَّ تَناوُلَ البَنجِ ونَحوِه لغَيرِ حاجَةٍ إذا زالَ العَقلُ بهِ كالمَجنونِ لا يَقعُ طلاقُ مَنْ تَناولَه، نصَّ عَليهِ؛ لأنَّهُ لا لذَّةَ فيه.

وفَرَّقَ الإمامُ أحمَدُ رحمة الله عليه بيْنَه وبيْنَ السَّكرانِ، فألحَقَهُ بالمَجنونِ.

وقدَّمَهُ في «النَّظْم» و «الفُرُوع»، وهوَ ظاهِرُ ما قدَّمَه في «المُحرَّر» ومالَ إليه.

قالَ في «المُنَوِّر»: لا يَقعُ مِنْ زائلِ العَقلِ إلَّا بمُسكِرٍ مُحرَّمٍ، وهو الظَّاهِرُ مِنْ كَلامِ الخِرَقيِّ، فإنَّهُ قالَ: وطلاقُ الزَّائلِ العَقلِ بلا سُكرٍ لا يَقعُ، قالَ الزَّركَشيُّ: قد يَدخُلُ ذلكَ في كَلامِ الخِرَقيِّ.

وقالَ في «الرِّعايتَين» و «الحاوي الصَّغير»: وإنْ أَثِمَ بسُكرٍ ونَحوِه فرِوايتانِ، ثمَّ ذكَرَ حُكمَ البَنجِ ونَحوِه.

فائدَتانِ:

إحداهُما: قالَ الزَّركشيُّ: وممَّا يُلحَقُ بالبَنجِ الحَشيشةُ الخَبيثَةُ،

وأبو العبَّاسِ يرَى أنَّ حُكمَها حُكمُ الشَّرابِ المُسكِرِ، حتَّى في إيجابِ الحَدِّ، وهوَ الصَّحيحُ، إنْ أسكَرَتْ أو كَثيرُها، وإلَّا حُرِّمَتْ، وعُزِّرَ فقط فيها في الأظهَرِ ولو طَهُرتْ.

وفرَّقُ أبو العبَّاسِ بيْنَها وبيْنَ البَنجِ بأنَّها تُشتَهى وتُطلَبُ فهي كالخَمرِ بخِلافِ البَنجِ.

فالحُكمُ عِندَه مَنوطٌ باشتِهاءِ النَّفسِ لها وطَلبِها (١).

وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: أو شَرِبَ ما يُزيلُ عَقلَه ولم يَعلمْ أنَّهُ يُزيلُ العَقلَ، أو أَكلَ بَنجًا ونَحوَه ولو لغَيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّه لا لذَّةَ فيهِ، وفرَّقَ الإمامُ أحمَدُ بيْنَه وبيْنَ السَّكرانِ، فألحَقَهُ بالمَجنونِ (٢).

وأمَّا المالكيَّةُ فقالَ الخِرَشيُّ رحمة الله عليه: (ص) ولو سَكِرَ حَرامًا، وهل إلَّا أنْ لَا يُميِّزَ أو مُطلقًا؟ تَردُّدٌ.

(ش) هذا مُبالَغةٌ في لُزومِ طلاقِ المُسلِمِ المُكلَّفِ؛ إذْ سُكرُهُ لا يُخرِجُه عنِ التَّكليفِ، فيَلزمُه طلاقُهُ ولو سَكِرَ سُكرًا حَرامًا كالخَمرِ والنَّبيذِ.

أو المِزِرِ أو الحَشيشةِ عِنْدَ مَنْ يَرى إسكارَها، وهذا إذا تَعمَّدَ ذلكَ المُحرَّمَ، أمَّا إذا لم يَتعمَّدْ كظنِّهِ لَبنًا أو ماءً لم يَلزمْه طلاقٌ ولا حَدُّ قَذفٍ، ومَحمَلُه مَحمَلُ المَجنونِ والمُغمَى، ويُصدَّقُ في ظَنِّهِ إنْ لم يُتَّهمْ في دِينِه.

(١) «الإنصاف» (٨/ ٤٣٧، ٤٣٨).
(٢) «كشاف القناع» (٥/ ٢٦٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٦٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٢٤ - مسألة؛ قال: (ومن زوج غلاما غير بالغ، أو معتوها، لم يجز إلا أن يزوجه والده، أو وصى ن

أحمدُ: أخافُ أن يكونَ ضامِنًا. وليس الأبُ مثلَ الوَلِىِّ، ولا تَمْلِكُ المرأةُ الفَسْخَ؛ لأنَّه قد حَصَلَ لها وُجُوبُ مَهْرِ مِثْلِها. واللَّه أعلم.

١١٢٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ زَوَّجَ غُلَامًا غَيْرَ بَالغٍ، أو مَعْتُوهًا، لَمْ يَجُزْ إلَّا أنْ يُزَوِّجَهُ وَالِدُهُ، أوْ وَصِىٌّ ناظِرٌ لَهُ فِى التَّزْوِيجِ)

الكلام فى هذه المسألة فى فصولٍ أربعة:

أحدها: أنَّه ليس لغيرِ الأبِ أو وَصِيِّه تزويجُ الغلامِ قبلَ بُلُوغِه. وقال القاضى، فى "المُجَرَّدِ" : للحاكمِ تَزْويجُه؛ لأنَّه يَلِى مالَه. وقال الشافعىُّ: يَمْلِكُ وَلِىُّ الصَّبِىِّ تَزْويجَه، لِيَأْلَفَ حِفْظَ فَرْجِه عند بُلُوغِه. وليس بسَدِيدٍ؛ فإنَّ غيرَ الأبِ لا يَمْلِكُ تَزْويجَ الجاريةِ الصغيرةِ، فالغلامُ أَوْلَى. وفارَقَ الأبَ ووَصِيَّه؛ فإنَّ لهما تَزْويجَ الصغيرةِ، ووِلايةَ الإجْبارِ. وسواءٌ أذِنَ الغُلامُ فى تزويجِه أو لم يَأْذَنْ، فإنَّه لا إذْنَ له.

الفصل الثانى: أَنَّ المَعْتُوهَ؛ وهو الزائِلُ العَقْلِ بجُنُونٍ مُطْبِقٍ، ليس لغيرِ الأبِ وَوَصِيِّه تَزْويجُه. وهذا قولُ مالكٍ. وقال أبو عبدِ اللَّه بن حامدٍ: للحاكِم تَزْويجُه إذا ظَهَرَ منه شَهْوَةُ النساءِ، بأن يَتْبَعَهُنَّ ويُرِيدَهُنَّ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذلك من مَصالحِه، وليس له حالٌ يُنْتَظرُ فيها إذْنُه. وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ الوَجْهينِ فى تَزْويجِ المَجْنونةِ. وينبغى على هذا القولِ أن يَجُوزَ تَزْويجُه إذا قال أهلُ الطبِّ: إنَّ فى تَزْويجِه ذَهابَ عِلَّتِه. لأنَّه من أعْظَمِ مَصالحِه. واللَّهُ أعلمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 280 - 287

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد