الحالة الثانية: أن يقول لها: «أنت طالق» وينوي ثلاثا

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > الحالة الثانية: أن يقول لها: «أنت طالق» وينوي ثلاثا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يقول لها: «أنت طالق» وينوي ثلاثا - الأقوال والأدلة

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ» ويَنوِي ثَلاثًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا طلَّقَ زَوجَتَه طَلقةً واحِدةً وهوَ يَنوِي ثَلاثًا بأنْ قالَ لهَا: «أنتِ طالِقٌ»، هل تَقعُ ثَلاثٌ أم واحِدةٌ؟

فذهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ» ونوَى ثلاثًا لم يَقعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ لا يَتضمَّنُ عَددًا ولا بَينُونةً، فلَم يَقعْ بهِ الثَّلاثُ، ولأنَّ «أنتِ طالِقٌ» إخبارٌ عَنْ صِفةٍ هيَ عَليها، فلَم يَتضمَّنِ العَددَ كقَولِه: حائِضٌ وطاهِرٌ.

ولأنَّ الطَّلاقَ صَريحٌ في الواحِدِ، فلَم يَجُزْ أنْ يُجعَلَ كِنايةً في الثَّلاثِ؛ لأنهُ يُؤخَّرُ إلى أنْ يكونَ اللَّفظُ الواحِدُ في الجِنسِ الواحِدِ صَريحًا وكِنايةً في حالٍ واحِدةٍ.

ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، ولَم يُفصِّلْ بيْنَ أنْ يَنوِي الثَّلاثَ أو لم يَنوِ.

ورُويَ أنَّ ابنَ عُمرَ رضي الله عنهما طلَّقَ امرأتَهُ في الحَيضِ «فأمَرَهُ النَّبيُّ أنْ يُراجِعَها، ثمَّ ليُطلِّقها طاهِرًا أو حامِلًا»، ولَم يَستحلِفْه أنهُ لَم يُرِدْ ثلاثًا، ولوِ احتَملَ اللَّفظُ ذلكَ استَحلَفَه كما استَحلَفَ رُكانةَ في البَتَّةِ باللهِ «ما أردْتَ إلَّا واحِدةً».

ولأنَّ قَولَه: «أنتِ طالِقٌ» يَقتضِي طَلقةً واحِدةً، بدَلالةِ إجماعِهمْ على أنهُ إذا لم يَنوِ شَيئًا كانَتْ واحِدةً.

ولأنَّ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ» صَريحٌ، والنِّيةُ لا تُسلَّطُ على الصَّريحِ فتَصرِفَه مِنْ وَجهٍ إلى وَجهٍ، وإذا سَقطَتِ النِّيةُ فكأنهُ أَطلَقَ اللَّفظَ، ولأنهُ صَريحٌ في الإيقاعِ، فإذا نوَى بهِ العَددَ لم يقَعْ، كمَن قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» ونوَى ظِهارَينِ (١).

قالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ رحمة الله عليه: قالَ أصحابُنا: إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» فإنهُ لا يَكونُ إلَّا واحِدةً، وإنْ أرادَ ثَلاثًا لم يَكنْ ثَلاثًا، وهوَ قَولُ الثَّوريِ والأوزاعيِّ.

وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ والشَّافعيُّ: إنْ أرادَ ثَلاثًا كانَ ثلاثًا.

قالَ أبو جَعفرٍ: إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا» فالواقِعُ هو الثَّلاثُ والطَّلاقُ صِفةٌ لهُ، فإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» وسكَتَ فالواقِعُ قولَهُ: «طالِقٌ»، فلو ثَلاثًا بنِيَّتهِ كانَ العامِل ما لَم يَلفِظْ بهِ الثَّلاثُ، والمَلفوظُ بهِ صِفةٌ لهُ، فلا يَصحُّ إيقاعُ ما ليسَ بمَلفوظٍ بهِ بالنِّيةِ، ولا يَجوزُ وُقوعُ الطَّلاقِ بنيَّةٍ لا لفْظَ مَعها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى تَجاوَزَ لهذهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثتْ بهِ أنفُسَها ما لم تَنطِقْ بهِ بلِسانٍ أو تَعمَلْه (٢).

(١) «التجريد» للقدوري (١٠/ ٤٨٦٩، ٤٨٧٣)، و «فتاوى السغدي» (١٣٢٧)، و «عمدة القاري» (١/ ٣٤)، و «الإفصاح» (٢/ ١٧٣)، و «المغني» (٧/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٠٠)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٦٠).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤١١).

وذهَبَ المالِكيَّةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ» ونوَى ثَلاثًا كانَتْ ثلاثًا؛ لأنها صِيغةٌ مُحتمِلةٌ للعَددِ قابِلةٌ لهُ، واللَّفظُ إذا احتَملَ شَيئًا فنَوَى بهِ قُبِلَ مِنْ ناويهِ؛ اعتِبارًا بقَولِه: «أنتِ الطَّلاقُ»، ولأنَّ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ» نَعتُ اسمِ الفاعِلِ مِنْ «طلقَتْ، فهيَ طالِقٌ»، فهوَ كقَولِكَ: «زَيدٌ ضارِبٌ وقاتِلٌ»، ومَعلومٌ أنَّ ذلكَ يَصحُّ للواحِدِ والاثنَينِ والثَّلاثةِ، فكذلكَ «طالِقُ»، ولأنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا تُشارِكُ المُطلَّقةَ واحدةً في الوَصفِ لها بأنها طالِقٌ، وإذا كانَ الاسمُ مُستَعملًا فيها فدَلَّ على قَبولِه بعَددِ طلاقِها، ولأنَّ قَولَه: «أنتِ طالِقٌ» نَعتٌ لمَصدرٍ مَحذُوفٍ تَقديرُه «أنتِ طالِقٌ طلاقًا»، وذلكَ المَصدَرُ قابِلٌ للعَددِ باتِّفاقِنا، وإظهارُه كتَركِه؛ لأنهُ مَعلومٌ مِنَ اللَّفظِ، فإذا كانَ المَصدَرُ قابِلًا للعَددِ جازَ أنْ يُوصَفَ نَعتًا بما يَصحُّ أنْ يَقبلُه لو أظهَرَه، ولأنَّ الاتِّفاقَ حاصِلٌ على أنهُ إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» طلقَتْ ثلاثًا، وليسَ يَخلو قَولُنا «ثلاثًا» مِنْ أنْ يكونَ تَفسيرًا أو بياناً لِمَا أُبهِمَ مِنْ عَددِ قَولِه: «أنتِ طالِقٌ» أو كَلامًا مُبتدَأً، أو أنْ يكونَ لمَجموعِهما صِيغةً مَبنيَّةً لإفادةِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ؛ فإنْ كانَ تَفسيرًا فذلكَ ما نَقولُه؛ لأنهُ لو لم يَحتملْهُ لم يكنْ مُفسِّرًا لهُ؛ وإنْ كانَ مُبتدَأً فذلِكٌ باطِلٌ؛ لأنهُ لو كانَ مُبتدَأً لامتَنعَ إيقاعُه على الَّتي لم يدخلْ بها؛ لأنهُ يَرِدُ عليهِ بعْدَ البَينونةِ، ولأنه نُصِبَ على التَّمييزِ كقَولِه: «عِشرونَ دِرهمًا»، ولأنهُ ليسَ بمُستقِلِّ بنَفسِه، فلَم يكنْ مُبتدَأً، أو لأنهُ يُوجِبُ إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ اثنتَينِ»

أنْ يُطلِّقَ ثلاثًا، وكُلُّ ذلكَ يبطلُ أنْ يكونَ مُبتدَأً؛ وإذا كانَ لمَجموعِه صِيغةً مَبنيَّةً فذلكَ شاهِدٌ لنا؛ لأنَّ اسمَ الصِّيغةِ إذا صَحَّ بَيانُ العَددِ المُرادِ بهِ قَولُه: «أنتِ بائِنٌ» لَفظًا؛ صحَّ بَيانُه فيهِ كقَولِه: «أنتِ بائِنٌ، وأنتِ الطَّلاقُ»، ولأنَّ كُلَّ لَفظٍ ملَكَ الطَّلاقَ لو صَرَّحَ فيهِ بالثَّلاثِ لَصَحَّ استِعمالُه فيهِ، فكذلِكَ إذا أرادَ بهِ، أصلُه: «أنتِ بائِنٌ، وأنتِ الطَّلاقُ»، ولأنَّ كلَّ لَفظٍ مَلكَتِ المَرأةُ بهِ إيقاعَ الثَّلاثِ إذا جُعِلَ إليها فإنَّ الزَّوجَ يَملِكُه، أصلُه: «أنتِ الطَّلاقُ»، ولأنَّ كُلَّ مُنحصرٍ يَملِكُ إيقاعَ الثَّلاثِ بالصَّريحِ ملَكَه بقَولِه: «أنتِ طالِقٌ البَتَّة»، أصلُه المَرأةُ إذا وَكلَّها الزَّوجُ (١).

قالَ الإمامَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: إذا نَوَى بصَريحِ الطَّلاقِ ثلاثًا فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» ونَوَى الثَّلاثَ كانَتْ ثَلاثًا، ولو نَوَى اثنتَينِ كانَتِ اثنتَينِ، فيُحمَلُ صَريحُ الطَّلاقِ على ما نَوَى مِنْ عَددِه … دَليلُنا أنَّ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ» عِنْدَ أهلِ العَربيَّةِ اسمُ فاعِلٍ؛ لأنهم يَقولونَ: «طُلِّقَتْ فهيَ طالِقٌ» كما قالوا: «حاضَتْ فهيَ حائِضٌ، وضَرَبَتْ فهيَ ضارِبٌ»، واسمُ الفاعِلِ يَحتمِلُ

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤١٦، ٤١٨) رقم (١٢٣٧)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٦٢، ١٦٣)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٣٧٥، ٣٧٦)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥١٧، ٥١٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٧٨، ٤٧٩)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٤٠٩، ٤١٠)، و «الإفصاح» (٢/ ١٧٣)، و «المغني» (٧/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٨٠)، و «المبدع» (٧/ ٣٩٣)، و «الإنصاف» (٩/ ٨، ٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٠٠).

العَددَ؛ لأنهُ يَجبُ أنْ يُفسَّرَ بأعدادِ المَصادِرِ، فيُقالُ: «أنتِ طالِقٌ طَلقتَينِ، وأنتِ طالِقٌ ثلاثَ تَطليقاتٍ، ومِائةَ طَلقةٍ، وضارِبٌ مِائةَ ضَربةٍ»، ولو كانَ الاسمُ لا يَتضمَّنُ أعدادَ مَصادِرِه فأحسَنُ أنْ يُعتبَرَ بهِ، كما لا يَحسُنُ أنْ يُقالَ: «أنتِ ضارِبٌ طَلقةً، وقائِمٌ قَعْدَةً»، ولِذا تَضمَّنَ العَددَ بدَليلِ ما ذكَرْنا، جازَ أنْ يقَعَ بهِ الثَّلاثُ كما يقَعُ بقَولِه: «أنتِ الطَّلاقُ».

وتَحريرُه قِياسًا: أنَّ كُلَّ لَفظٍ جازَ أنْ يكونَ العَددُ فيهِ مُظهَرًا جازَ أنْ يكونَ العَددُ فيهِ مُضمَرًا، كالمَصدرِ إذا قالَ: «أنتِ الطَّلاقُ».

ودلَيلٌ ثَانٍ: وهو أنهُ لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» وقعَتِ الثَّلاثُ بقَولِه: «أنتِ طالِقٌ» وكانَ قولَهُ: «ثلاثًا» تَفسيرًا للعَددِ المُضمَرِ فيهِ، ألَا تَراهُ لو قالَ لغَيرِ مَدخولٍ بها: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا» طُلِّقَتْ ثلاثًا، ولو كانَتِ الثَّلاثُ لا تَقعُ إلَّا باللَّفظِ الأوَّلِ لَمَا وقَعَ عَليها إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّ غيْرَ المَدخولِ بها لا تُطلَّقُ بلَفظٍ بعْدَ لَفظٍ؛ لأنهُ لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ» وقعَتِ الأُولَى ولَم تَقعِ الثَّانيةُ، وإذا جازَ أنْ يكونَ العَددُ فيهِ مُضمَرًا فيهِ إذا أظهَرَهُ جازَ أنْ يكونَ مُضمَرًا فيهِ إذا نَواهُ.

وتَحريرُه قِياسًا: أنَّ كُلَّ عَددٍ جازَ أنْ يَتضمَّنَه مَصدَرُ الطَّلاقِ جازَ أنْ يَتضمَّنَه اسمُ الطَّلاقِ كالمُظهَرِ.

ودَليلٌ ثالِثٌ: وهوَ أنهُ لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ» وأشارَ بأصابِعِه الثَّلاثِ طُلِّقَتْ ثلاثًا، ونيَّةُ الثَّلاثِ أقوَى مِنْ إشارَتِه بالثَّلاثِ؛ لأنَّ الكِنايةَ تَعمَلُ فيها

النِّيةُ ولا تَعملُ فيها الإشارةُ، فلمَّا وقَعَتِ الثَّلاثُ بالإشارَةِ فأَولَى أنْ تقَعَ بالنِّيةِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيمَن قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ» وادَّعَى أنهُ أرادَ بذلكَ أكثَرَ مِنْ واحِدةٍ، إمَّا اثنتَينِ وإمَّا ثلاثًا، فقالَ مالِكٌ: هو ما نَوَى وقَد لَزمَه، وبهِ قالَ الشَّافعيُّ، إلَّا أنْ يُقيِّدَ فيَقولَ: «طَلقةً واحِدةً»، وهذا القَولُ هوَ المُختارُ عِنْدَ أصحابِه، وأمَّا أبو حَنيفةَ فقالَ: لا يقَعُ ثَلاثًا بلَفظِ الطَّلاقِ؛ لأنَّ العَددَ لا يَتضمَّنُه لَفظُ الإفرادِ لا كِنايةً ولا تَصريحًا.

وسَببُ اختِلافِهم: هل يَقعُ الطَّلاقُ بالنِّيةِ دُونَ اللَّفظِ؟ أو بالنِّيةِ معَ اللَّفظِ المُحتَمِلِ؟ فمن قالَ بالنِّيةِ أوجَبَ الثَّلاثَ، وكذلكَ مَنْ قالَ بالنِّيةِ واللَّفظِ المُحتمِلِ ورَأى أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ يَحتمِلُ العَددَ، ومَن رَأى أنهُ لا يَحتمِلُ العَددَ وأنهُ لا بُدَّ مِنِ اشتِراطِ اللَّفظِ في الطَّلاقِ معَ النِّيةِ قالَ: لا يَجبُ العَددُ وإنْ نَواهُ، وهذهِ المَسألةُ اختَلفُوا فيها، وهيَ مِنْ مَسائِلِ شُروطِ ألفاظِ الطَّلاقِ -أعنِي اشتِراطَ النِّيةِ معَ اللَّفظِ أو بانفِرادِ أحدِهِما-، فالمَشهورُ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ إلَّا باللَّفظِ والنِّيةِ، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ، وقَد رُويَ عنهُ أنهُ يقَعُ باللَّفظِ دُونَ النِّيةِ، وعِندَ الشَّافعيِّ أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ الصَّريحَ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، فمَنِ اكتَفَى بالنِّيةِ احتَجَّ بقَولِه : «إنَّما الأعمالُ

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٦٢، ١٦٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في قوله أنت طالق إن شئت

هَذَا.

وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمَا أَنَّ اخْتِيَارَ الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةِ صَحِيحٌ وَلَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ غَيْرَ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ لَا يَلْزَمُهَا الْأَلْفُ إلَّا إذَا اخْتَارَتْ الْأَخِيرَةَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ التَّخْيِيرَاتِ عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ حَرْفُ الْجَمْعِ فَيُجْعَلُ الْكُلُّ كَلَامًا وَاحِدًا فَبَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَخْيِيرًا تَامًّا بِنَفْسِهِ فَيُعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَ نَفْسِهِ.

وَالْبَدَلُ لَمْ يُذْكَرْ إلَّا فِي التَّخْيِيرِ الْأَخِيرِ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِاخْتِيَارِ الْأَخِيرَةِ، وَلَوْ ذَكَرَ حَرْفَ الْوَاوِ أَوْ حَرْفَ الْفَاءِ فَقَالَ: اخْتَارِي وَاخْتَارِي وَاخْتَارِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَاخْتَارِي فَاخْتَارِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا وَعَلَيْهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ لِمَا ذَكَرْنَا وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ التَّخْيِيرَاتِ الثَّلَاثِ بِحَرْفِ الْجَمْعِ جَعَلَ الْكُلَّ كَلَامًا وَاحِدًا وَقَدْ أَمَرَهَا أَنْ تُحَرِّمَ نَفْسَهَا عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَا تَمْلِكُ التَّحْرِيمَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

فَصْلٌ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 504 - 509

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده