الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > الرسالة بالطلاق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءة«طلَّقتُ نفسِي واحِدةً رَجعيةً» وقَعَتْ بائِنةً؛ اعتِبارًا لأمرِ الزوجِ، وإنْ قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا إنْ شئتِ» فطلَّقَتْ واحِدةً لم يَقعْ شيءٌ؛ لأنَّ مَعناهُ «إنْ شِئتِ الثلاثَ» وهي ما شاءَتِ الثلاثَ، فلمْ يُوجَدِ الشرطُ، وإنْ قالَ: «طلِّقي نفسَكِ واحِدةً إنْ شئتِ» فطلَّقَتْ ثلاثًا فكذا عندَ أبي حَنيفةَ لا يَقعُ شيءٌ؛ لأنَّ مَشيئةَ الثلاثَ ليسَ مَشيئةً للواحِدةٍ، وعندَهُما يقَعُ واحِدةٌ؛ لأنَّ مَشيئةَ الثلاثِ مَشيئةٌ للواحِدةٍ.
والفَرقُ بينَ التَّفويضِ والتَّوكيلِ في خَمسةُ أحكامٍ:
ففي التَّفويضِ لا يَرجِعُ ولا يَعزِلَ، ولا يبطلُ بجُنونِ الزوجِ، ويَتقيَّدُ بمَجلسٍ لا بعَقلٍ، فيَصحُّ تَفويضُه لمَجنونٍ وصَبيٍّ لا يَعقلُ، بخلافِ التوكيلِ في المَسائلِ الخَمسِ.
الرِّسالةُ بالطلاقِ:
إذا قالَ الزوجُ لرَجلٍ: «اذهَبْ إلى فُلانةَ وقُلَ لها: إنَّ زوْجَكِ يقولُ لكِ: اختاري»، فهو ناقِلٌ لكَلامِ المُرسِلِ لا مُنشِئٌ لكَلامِه؛ لأنَّ الرسولَ مُعبِّرٌ وسفيرٌ (١).
وقالَ المالِكيةُ: النِّيابةُ في الطلاقِ أربَعةٌ: تَوكيلٌ وتَخييرٌ وتَمليكٌ ورِسالةٌ.
(١) «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٨٧، ١٩١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٢٢، ٤٢٣)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١١٧، ١١٩)، و «الهداية» (١/ ٢٤٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٥٢، ٤٦٤)، و «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٣/ ٣١٤، ٣١٨)، و «اللباب» (٢/ ٩٢، ٩٤).
ويجوزُ للزوجِ تَفويضُ الطلاقِ لزَوجتِه أو لغيرِها توكيلًا أو تَخييرًا أو تَمليكًا.
فالتَّوكيلُ: جَعلُ إنشاءِ الطلاقِ بيَدِ الغيرِ باقيًا مَنعُ الزوجِ مِنْ إيقاعِه، فلهُ عَزلُها أو عَزلُ الوكيلِ قبلَ إيقاعِه اتِّفاقًا كما لكُلِّ مُوكِّلٍ ذلكَ، لأنَّ للمُوكِّلِ عَزلَ وكيلِه متى شاءَ؛ لأنَّ الوكيلَ يَفعلُ ما وُكِّلَ فيهِ نِيابةً عن مُوكِّلِه، فله عَزلُ مُوكِّلِه قبلَ تَمامِ الأمرِ الذي وكَّلَ فيهِ لا بعدَهُ.
إلا لتُعلِّقِ حَقٍّ لها زَائدٍ على التَّوكيلِ، كدَفعِ الضَّررِ عنها، فليسَ له عَزلُها قبلَ إيقاعِه، ك: «إنْ تَزوَّجْتُ عليكِ فأمرُكِ أو أمرُ الدَّاخِلةِ بيَدكِ توكيلًا» فليسَ لهُ حِينئذٍ عَزلُها، والحَقُّ هُنا دَفعُ الضررِ عنها؛ لأنَّ دفْعَ الضررِ عنها حَقٌّ لها تَعلَّقَ بذلكَ التَّوكيلِ.
وأمَّا تَفويضُ التَّخييرِ فهُوَ: جَعلُ إنشَاءِ الطلاق ثلاثًا -صَريحًا أو حُكمًا- حقًّا لغيرِه، خرَجَ بذلكَ التوكيلُ؛ لأنَّ الزوجَ لم يَجعلْ إنشاءَ الطلاقِ حَقًّا للوَكيلِ، بل جعَلَه بيَدِه نِيابةً عنه.
وصِيغةُ التَّخييرِ: «اختارِيني، أو اختارِي نفسَكِ، أو طلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا، أو اختارِي أمْرَكِ».
وليسَ له في هذهِ الحالةِ عَزلُها في التَّخييرِ.
وتفويضُ التَّمليكِ: جَعلُ إنشاءِ الطلاقِ حقًّا لغيرِه راجِحًا في الثَّلاثِ يُخَصُّ بما دُونَها، وليسَ لهُ العَزلُ.
ومِن صِيَغِه: «أمرُكِ، أو طلاقُكِ بيَدكِ»، وكذا كلُّ لفظٍ دَلَّ على جَعلِ الطلاقِ بيَدِها دُونَ تَخييرٍ ك: «طلِّقِي نفسَكِ، ومَلَّكتُكِ أمْرَكِ، أو وَلَّيتُكِ أمْرَكِ».
والحاصِلُ: أنَّ كلَّ لَفظٍ دَلَّ على أنَّ الزوجَ فوَّضَ لها البقاءَ في العِصمةِ أو الذَّهابَ عنها فهوَ تَخييرٌ، وكلُّ لَفظٍ دلَّ على جَعلِ الطلاقِ بيَدِها أو بيَدِ غيرِها دُونَ تَخييرٍ فهوَ صِيغةُ تَمليكٍ.
وإنَّما كانَ لهُ العَزلُ في التوكيلِ دُونَ التَّخييرِ والتَّمليكِ؛ لأنه في التوكيلِ جعَلَها نائِبةً عنهُ في إنشائِه، وأمَّا فيهما فقدْ جعَلَ لها ما كانَ يَملكُ، فهُمَا أقوَى.
ولذلكَ يُحالُ بيْنَ الزوجَينِ في التَّخييرِ والتَّمليكِ كالتَّوكيلِ إنْ تَعلَّقَ بهِ حقٌّ -كما إذا قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ عليكِ فأمرُكِ، أو فأمرُ الدَّاخِلةِ بيَدكِ» تَوكيلًا فتَزوَّجَ- فلا يَقربُها، ويُحالُ بينَهُما حتَّى تُجيبَ بما يَقتضي رَدًّا أو أخذًا، وإلا لَأدَّى إلى الاستِمتاعِ في عِصمةٍ مَشكوكٍ في إبقائِها، بخِلافِ التَّوكيلِ؛ فإنه لا يُحالُ فيهِ بينَه وبينَها؛ لقُدرةِ الزوجِ على عَزلِها، فلو استَمتعَ بها لَكانَ ذلكَ منهُ عَزلًا.
ومَحلُّ الحَيلولةِ إنْ لم يُعلِّقِ التَّخييرَ أو التمليكَ على شيءٍ كقُدومِ زَيدٍ، فإنْ علَّقَ فلا حَيلولةَ حتَّى يَحصلَ المعلَّقُ عليه.
وإذا قالَ لزَوجتِه: «أمرُكِ بيَدِكِ إلى سَنةٍ» وُقِفَتْ -أي أوقَفَها القاضي أو
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في الرسالة في الطلاق
مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ فَإِذَا وَقَعَ الْأَصْلُ اسْتَتْبَعَ الْوَصْفُ الْمُمَلَّكُ فَيَقَعُ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
فَصْلٌ فِي الرِّسَالَةِ فِي الطَّلَاقِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الرِّسَالَةُ فَهِيَ أَنْ يَبْعَثَ الزَّوْجُ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ الْغَائِبَةِ عَلَى يَدِ إنْسَانٍ فَيَذْهَبُ الرَّسُولُ إلَيْهَا وَيُبَلِّغُهَا الرِّسَالَةَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْقُلُ كَلَامَ الْمُرْسِلِ فَكَانَ كَلَامُهُ كَكَلَامِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
عَدَمُ الشَّكِّ مِنْ الزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ حَتَّى لَوْ شَكَّ فِيهِ، لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِهِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَزِلَ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِهِ بِالطَّلَاقِ فَلَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهِ بِالشَّكِّ كَحَيَاةِ الْمَفْقُودِ، أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ ثَابِتَةً وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِهَا لَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهَا بِالشَّكِّ حَتَّى لَا يُورَثَ مَالُهُ وَلَا يَرِثَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَقَارِبِهِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل طلاق السنة]
وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ، فَلَا عُهْدَةَ.
(فَصْلٌ) .
طَلَاقُ السُّنَّةِ: وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ
ــ
منح الجليل
الْمُدَّعِيَةُ، فَعَلَيْهَا الْبَيَانُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهِمَا.
(وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُخَالَعِ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْخُلْعِ (فَلَا عُهْدَةَ) أَيْ ضَمَانَ عَلَيْهَا وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَائِبًا عَلَى الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ يَمُوتُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ بَائِعِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ ضَمَانُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ الْمُخَالَعُ بِهِ فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْخُلْعِ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ آبِقًا وَبَانَتْ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ
(فَصْلٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) .
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب الطلاق بالحساب
بابُ الطَّلاقِ بالحِسَاب
١٢٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ يَدُكِ، أو عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِكِ طَالِقٌ. أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطلِيقَةٍ، أَوْ رُبْعَ تَطْلِيقَه. وَقَعَتْ بهَا وَاحِدَةٌ)
الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصلَيْنِ:
أحدُهما، أنَّه إذا طَلَّقَ جُزءًا منها. والثّانى، إذا طَلّقَ جُزءًا مِن طَلْقةٍ.
فأمّا الأوّلُ، فإنَّه متى طَلَّقَ من المرأةِ جُزءًا مِن أجزائِها الثّابتةِ، طَلُقَتْ كُلُّها، سَواءٌ كان جُزءًا شائعًا، كنِصْفِها، أو سُدْسِها، أو جزءًا مِن ألْفِ جُزءٍ منها، أو جُزءًا مُعَيَّنًا، كيَدِها، أو رأْسِها، أو أُصْبُعها. وهذا قولُ الحسنِ، ومذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن القاسمِ صاحبِ مالكٍ. وذهَب أصحابُ الرَّأْىِ، إلى أنَّه إن أضافَه إلى جُزءٍ شائعٍ، أو واحدٍ من أعْضاءٍ خمسةٍ؛ الرّأس، والوجهِ، والرَّقَبَةِ، والظَّهْرِ، والفَرْجِ، طَلُقَتْ. وإِنْ أضافه إلى جُزءٍ مُعَيَّن، غيرِ هذه الخمسةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه جزءٌ تَبْقَى الجُملةُ بدُونِه، أو جزءٌ لا يُعبَّرُ به عن الجملةِ، فلم تَطْلُقِ المرأةُ بإضافةِ الطّلاقِ إليه، كالسِّنِّ، والظُّفْرِ. ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزْءٍ ثابتٍ، اسْتباحَه بعَقْدِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ الجزءَ الشائعَ، والأعضاءَ الخمسةَ، ولأنَّها جُملةٌ لا تَتَبَعَّضُ فى الحِلِّ والحُرْمَةِ، وُجِدَ فيها ما يَقْتضِى التَّحْريمَ والإِباحةَ، فغَلَبَ فيها حُكْمُ التَّحْريمِ، كما لو اشْتَركَ مسلمٌ ومَجُوسىٌّ فى قتل صَيْدٍ، وفارقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه ليس بثابتٍ، والشَّعْرُ والظُّفرُ ليس بثابتٍ، فإنَّهما
يَزُولانِ ويَخْرُجُ غيرُهما، ولا يَنْقُضُ مَسُّهما الطَّهارةَ.
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.