الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > القسم الأول: الشك في أصل الطلاق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةالقِسمُ الأوَّلُ: الشَّكُّ في أصلِ الطَّلاقِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ شَكَّ في أصلِ الطَّلاقِ هلْ طلَّقَ زَوجتَهُ أم لا؟ فإنهُ لا يُحكَمُ بوُقوعِ الطَّلاقِ عليهِ؛ إسقاطًا لحُكمِ الشَّكِّ واعتِبارًا بيَقينِ النِّكاحِ، وأنَّ أحكامَ الشَّرعِ مُستقرَّةٌ على تَغليبِ اليَقينِ على الشَّكِّ؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا شَكَّ أحَدُكمْ في صَلاتِهِ فلَم يَدرِ كَمْ صلَّى ثلاثًا أمْ أربعًا؟ فلْيَطرَحِ الشَّكَّ ولْيَبنِ على ما استَيقَنَ» (١). ولقَولِه ﷺ: «إذا وجَدَ أحَدُكُم في بَطنِهِ شيئًا فأَشْكَلَ عليهِ أخَرَجَ منه شَيءٌ أمْ لا؟ فلا يَخرُجَنَّ مِنَ المَسجدِ حتَّى يَسمعَ صَوتًا أو يَجدَ رِيحًا» (٢). فأمَرَهُ في هذينِ الخَبرينِ أنْ يَعمَلَ على اليقينِ فيما يُؤدِّيهِ مِنْ صلاتِهِ وفيما يَلتزِمُ مِنْ حَدَثِه، وأسقَطَ حُكمَ الشَّكِّ أنْ يَتعلَّقَ به حُكمٌ، فكذلكَ في الطَّلاقِ يَلزَمُ ما يَتيقَّنُه ويُسقِطُ ما يَشكُّ فيهِ، وكذلكَ سائِرُ الأحكامِ (٣).
(١) رواه مسلم (٥٧١).
(٢) رواه مسلم (٣٦١).
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٢٥، ٤٢٦)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٢٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٥١)، و «الأشباه والنظائر» (٦١)، و «القوانين الفقهية» ص (١٥٣) «التاج والإكليل» (٣/ ٩٨)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٣١٤)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٦٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٠٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٣٨٦)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٧٢، ٢٧٤)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٤٠٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٣٩، ٥٤٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٩١)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٤٤٨، ٤٤٩)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٥٤٤، ٥٤٥)، و «الديباج» (٣/ ٤٣٦، ٤٣٧)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٦٠)، و «المغني» (٧/ ٣٧٩)، و «الكافي» (٣/ ٢٢٠، ٢٢١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٨٢)، و «المبدع» (٧/ ٣٨٠، ٣٨٢)، و «الإنصاف» (٩/ ١٣٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٤٩٨، ٤٩٩)، و «منار السبيل» (٣/ ١١٩).
قالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: إذا شكَّ الرَّجلُ هلْ طَلَّقَ امرأتَهُ أم لا؟ لَم يَلزَمْه الطَّلاقُ -وهوَ إجماعٌ-؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النِّكاحِ وعَدَمُ الطَّلاقِ.
وقالَ الشَّافعيُّ: (والوَرَعُ والاحتِياطُ أنْ يُحنِثَ نَفْسَه، فإنْ كانَ يَعرِفُ مِنْ عادتِهِ أنَّه إذا طلَّقَ امرأتَهُ طلَّقَ واحدةً أو اثنتَينِ .. راجَعَها، وإنْ كانَ يَعرِفُ مِنْ عادَتِه أنَّه يُطلِّقُ الثَّلاثَ .. طلَّقَها ثلاثًا، فتَحلُّ لغَيرهِ بيقينٍ) (١).
وهكذا قالَ الماوَرْديُّ رحمة الله عليه: فإنْ كانَ شَكَّ في أصلِه هلْ طلَّقَ أم لا؟ لم يَلزَمْه الطَّلاقُ؛ اعتِبارًا باليقينِ في بقاءِ النِّكاحِ، وإسقاطًا للشَّكِّ في رفْعِه بالطَّلاقِ، وهذا مُتفَقٌ عَليهِ، لكنَّ الورَعَ أنْ يَلتزمَ حُكمَ الطَّلاقَ حتَّى لا يَستَبيحَ بُضعًا بالشَّكِّ، فإنْ كانَ الشَّكُّ في طَلقةٍ واحدةٍ هلْ أوقَعَها أم لا؟ فالتِزامُهُ لحُكمِها ورَعًا أنْ يَرتجِعَها، فإنْ كانَ قدْ طلَّقَ حلَّتْ لهُ بالرَّجعَةِ، وإنْ لم يكنْ قدْ طلَّقَ لم تَضرَّهُ الرَّجعَةُ ويَستَبقيها على طَلقتَينِ، وإنْ كانَ الشَّكُّ في الطَّلاقِ الثَّلاثِ هلْ أوقَعَها أم لا؟ فالورَعَ أنْ يَتْرُكَ الاستِمتاعَ بها، أنْ يَعتَزِلَها ويَلتزِمَ نفَقَتَها، فيَغلِبُ الشَّكُّ في اعتِزالِ الوَطءِ، واليَقينُ في التِزامِ النَّفقةِ، وإنْ
(١) «البيان» (١٠/ ٢٢٥).
أرادَ الاستِمتاعَ بها أنْ يُطلِّقَها ثلاثًا لتَستَبيحَ نِكاحَ غَيرِه بيَقينٍ، فإنْ كانَ قدْ وطِئَها مِنْ قبْلُ لم يَقعْ هذا الطَّلاقُ، وإنْ لمْ يَكنْ قد طَلَّقَها مِنْ قَبلُ وقَعَ هذا الطَّلاقُ وحلَّتْ لهُ لزَوجٍ بعْدَهُ، فإذا استَحلَّتْ بزَوجٍ حلَّتْ لهُ أنْ يَنكِحَها ثمَّ هيَ مُستَباحةٌ بيَقينٍ، هذا في الوَرعِ، وإنْ لم يَلزَمْه في الحُكمِ أنْ يَرتَجِعَ إذا شَكَّ في الواحدةِ ولا أنْ يَعتزِلَ أو يُطلِّقَ باليقينِ في أصلِ النِّكاحِ واستِدامةِ إباحَتهِ (١).
وهكذا قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والورَعُ التِزامُ الطَّلاقِ، فإنْ كانَ المَشكوكُ فيهِ طلاقًا رَجعيًّا راجَعَ امرأتَهُ إنْ كانَتْ مَدخولًا بها، أو جدَّدَ نِكاحَها إنْ كانَتْ غيرَ مَدخولٍ بها أو قَدْ انقَضَتْ عِدَّتُها، وإنْ شَكَّ في طلاقِ ثلاثٍ طلَّقَها واحدةً وترَكَها؛ لأنهُ إذا لَم يُطلِّقْها فيَقينُ نِكاحِه باقٍ فلا تَحِلُّ لغَيرِه.
وحُكيَ عَنْ شَريكٍ أنهُ إذا شَكَّ في طلاقِهِ طلَّقَها واحدةً ثمَّ راجَعَها؛ لتكونَ الرَّجعَةُ عَنْ طلقَةٍ فتكونَ صَحيحةً في الحُكمِ، وليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ التَّلفُّظَ بالرَّجعَةِ مُمكِنٌ معَ الشَّكِّ في الطَّلاقِ، ولا يَفتقرُ إلى ما تَفتقرُ إليهِ العِباداتُ مِنَ النِّيةِ، ولأنهُ لو شَكَّ في طَلقتَينِ فطلَّقَ واحدةً لَصارَ شاكًّا في تَحريمِها عليهِ، فلا تُفيدُه الرَّجعةُ (٢).
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٧٣، ٢٧٤).
(٢) «المغني» (٣٧٩).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب الشك في الطلاق)
(باب الشك في الطلاق)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (إن الشيطان لعنة الله يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ إِلْيَتَيْهِ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَشُمَّ رِيحًا) . عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُزَلْ يَقِينُ طَهَارَةٍ إِلَّا بِيَقِينِ حَدَثٍ فَكَذَلِكَ مَنِ اسْتَيْقَنَ نِكَاحًا ثُمَّ شَكَّ فِي الطَّلَاقِ لَمْ يُزَلِ الْيَقِينُ إِلَّا بِالْيَقِينِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب الطلاق بالحساب
بابُ الطَّلاقِ بالحِسَاب
١٢٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ يَدُكِ، أو عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِكِ طَالِقٌ. أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطلِيقَةٍ، أَوْ رُبْعَ تَطْلِيقَه. وَقَعَتْ بهَا وَاحِدَةٌ)
الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصلَيْنِ:
أحدُهما، أنَّه إذا طَلَّقَ جُزءًا منها. والثّانى، إذا طَلّقَ جُزءًا مِن طَلْقةٍ.
فأمّا الأوّلُ، فإنَّه متى طَلَّقَ من المرأةِ جُزءًا مِن أجزائِها الثّابتةِ، طَلُقَتْ كُلُّها، سَواءٌ كان جُزءًا شائعًا، كنِصْفِها، أو سُدْسِها، أو جزءًا مِن ألْفِ جُزءٍ منها، أو جُزءًا مُعَيَّنًا، كيَدِها، أو رأْسِها، أو أُصْبُعها. وهذا قولُ الحسنِ، ومذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن القاسمِ صاحبِ مالكٍ. وذهَب أصحابُ الرَّأْىِ، إلى أنَّه إن أضافَه إلى جُزءٍ شائعٍ، أو واحدٍ من أعْضاءٍ خمسةٍ؛ الرّأس، والوجهِ، والرَّقَبَةِ، والظَّهْرِ، والفَرْجِ، طَلُقَتْ. وإِنْ أضافه إلى جُزءٍ مُعَيَّن، غيرِ هذه الخمسةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه جزءٌ تَبْقَى الجُملةُ بدُونِه، أو جزءٌ لا يُعبَّرُ به عن الجملةِ، فلم تَطْلُقِ المرأةُ بإضافةِ الطّلاقِ إليه، كالسِّنِّ، والظُّفْرِ. ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزْءٍ ثابتٍ، اسْتباحَه بعَقْدِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ الجزءَ الشائعَ، والأعضاءَ الخمسةَ، ولأنَّها جُملةٌ لا تَتَبَعَّضُ فى الحِلِّ والحُرْمَةِ، وُجِدَ فيها ما يَقْتضِى التَّحْريمَ والإِباحةَ، فغَلَبَ فيها حُكْمُ التَّحْريمِ، كما لو اشْتَركَ مسلمٌ ومَجُوسىٌّ فى قتل صَيْدٍ، وفارقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه ليس بثابتٍ، والشَّعْرُ والظُّفرُ ليس بثابتٍ، فإنَّهما
يَزُولانِ ويَخْرُجُ غيرُهما، ولا يَنْقُضُ مَسُّهما الطَّهارةَ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان مقادير العدة وما تنقضي به
أَجَلَهُنَّ؛ لِأَنَّ أَجَلَهُنَّ مُدَّةُ حَمْلِهِنَّ، وَهَذِهِ الْعِدَّةُ إنَّمَا تَجِبُ لِئَلَّا يَصِيرَ الزَّوْجُ بِهَا سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وَشَرْطُ وُجُوبِهَا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ النِّكَاحِ صَحِيحًا كَانَ أَوْ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ يُوجِبُ الْعِدَّةَ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَامِلِ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الزِّنَا جَازَ النِّكَاحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مَا لَمْ تَضَعْ لِئَلَّا يَصِيرَ سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَقَادِيرِ الْعِدَّةِ وَمَا تَنْقَضِي بِهِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.