المسألة الثالثة: حكم طلاق السفيه

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > المسألة الثالثة: حكم طلاق السفيه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

المسألة الثالثة: حكم طلاق السفيه - الأقوال والأدلة

وقالَ ابنُ بطَّالٍ نقلًا عنِ الطَّحَاويِّ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ طَلاقَ المَعتوهِ لا يَجوزُ (١).

المسألةُ الثالثةُ: حكمُ طلاقِ السَّفيهِ:

أجمَعُ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ السَّفيهِ لازِمٌ لهُ، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ طَلاقَ السَّفيهِ لازِمٌ لهُ، وانفَردَ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ فقالَ: لا يَجوزُ نِكاحُهُ ولا طَلاقُه (٢).

وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ المالكيُّ رحمة الله عليه: يَصحُّ طلاقُ السَّفيهِ المَحجورِ عليهِ وخُلعُه، وهوَ مَذهبُ العُلماءِ (٣).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: طَلاقُ المَحجورِ عَليهِ بالسَّفهِ واقِعٌ، وهوَ قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، وقالَ ابنُ أبِي ليلَى وأبو يُوسُفَ: طلاقُهُ لا يَقعُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ إتلافُ مالٍ كالعِتقِ؛ لأنَّ البُضعَ يُملَكُ بالمالِ ويَزولُ عنهُ المِلكُ بالمالِ، فلمَّا لمْ يَصحَّ عِتقُهُ وجَبَ أنْ لا يَصحَّ طلاقُهُ، ولأنَّ شاهدَينِ لو شَهِدَا على رَجلٍ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ ومَضَى الحكْمُ بِشهادتِهما فرجَعَ الشَّاهدانِ لَزمَهُما مَهرُ المِثلِ، فلو لمْ يَكنْ ذلكَ إتلافَ مالٍ ما لَزمَهُما غُرمُ المالِ.

(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٤١٣)، ويُنظر: «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٠٢).
(٢) «الإجماع» (٤١٠)، و «الإشراف» (٥/ ٢٣٧).
(٣) «عيون المسائل» ص (٥٤٦).

ودَليلُنا عُمومُ قولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقولُهُ : «الطَّلاقُ لِمَنْ أخَذَ بالسَّاقِ».

ولأنَّ السَّفيهَ أحسَنُ حالًا مِنَ العَبدِ؛ لحُريَّتِه وثُبوتِ مِلكِهِ، فلمَّا صحَّ طَلاقُ العَبدِ فأَولَى أنْ يَصحَّ طَلاقُ السَّفيهِ، ولأنَّهُ يَستَفيدُ بطَلاقِهِ سُقوطَ النَّفقةِ إنْ كانَ بعْدَ الدُّخولِ، ونصفَ المَهرِ إنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ، فلم يَجُزْ أنْ يُمنعَ مِنْ هذهِ الفائِدةِ ويُجبَرَ على التِزامِ النَّفقةِ، وقَولُهم أنَّهُ مالٌ كالعَبدِ غلَطٌ؛ لأنَّ العبدَ يَصحُّ بَيعُه ورَهنُه ويُورَثُ عنهُ، ولا يَصحُّ ذلكَ في الزَّوجةِ، وغُرمُ الشَّاهدَينِ المَهرَ إنَّما كانَ لأجْلِ ما أوقَعَا مِنَ الحَيلُولةِ بيْنَ الزَّوجَينِ وتَفويتِ الاستِمتاعِ عَليهِما وإنْ لَم يَتلقَّا بشَهادَتِهما مالًا، كما لو شَهِدَا بما أوجَبَ القَودَ لَزمَتْهما الدِّيةُ وإنْ لَم يَكنِ الحقُّ مالًا، واللهُ أعلَمُ بالصَّوابِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فَصلٌ: فأمَّا السَّفيهُ فيَقعُ طَلاقُهُ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، مِنهُم القاسِمُ بنُ محمَّدٍ ومالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهُ، ومِنهُ منَعَ عَطاءٌ، والأَولَى صِحَّتُه؛ لأنَّهُ مُكلَّفٌ مالكٌ لمَحلِّ الطَّلاقِ، فوقَعَ طَلاقُهُ كالرَّشيدِ، والحَجرُ عَليهِ في مالِهِ لا يَمنعُ تَصرُّفَه في غَيرِ ما هو مَحجورٌ عليهِ فيهِ كالمُفلِسِ (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٣٦٣، ٣٦٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٨٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الثالثة في الرجعة بعد الطلاق

الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْمِيمِ وَالتَّخْصِيصِ: فَاسْتِحْسَانٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا عَمَّمَ فَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى النِّكَاحِ الْحَلَالِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَنَتًا بِهِ وَحَرَجًا، وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ. وَأَمَّا إِذَا خَصَّصَ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِذَا أَلْزَمْنَاهُ الطَّلَاقَ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا طَلَاقَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» . وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ. وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَضَعَّفَ قَوْمٌ الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.

الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ

الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ. وَلَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: بَائِنٍ، وَرَجْعِيٍّ ; وَكَانَتْ أَحْكَامُ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ غَيْرَ أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْجِنْسِ بَابَانِ:

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ.

الْبَابُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِ الِارْتِجَاعِ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل في أحكام رجعة المطلقة طلاقا رجعيا وما يتعلق بها]

(فَصْلٌ) يَرْتَجِعُ مَنْ يَنْكِحُ، وَإِنْ بِكَإِحْرَامٍ، وَعَدَمِ إذْنِ سَيِّدٍ: .

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ فِي أَحْكَام رَجْعَة الْمُطَلَّقَة طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا

(فَصْلٌ)

فِي أَحْكَامِ رَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الرَّجْعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْهَا بِكَسْرِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ الرَّجْعَةُ رَفْعُ الزَّوْجِ أَوْ الْحَاكِمِ حُرْمَةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِهَا فَخَرَجَتْ الْمُرَاجَعَةُ، وَعَلَى رَأْيٍ رَفْعُ إيجَابِ الطَّلَاقِ حُرْمَةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. الْحَطّ أَشَارَ إلَى الْخِلَافِ فِي حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالرَّجْعِيَّةِ زَمَنَ عِدَّتِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَإِبَاحَتُهُ وَهُوَ الشَّاذُّ، فَالتَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى الثَّانِي. ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ قَاصِرٌ عَنْ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً غَيْرِ خُلْعٍ بَعْدَ دُخُولٍ وَوَطْءٍ جَائِزٍ قَبِلُوهُ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِتَزَوُّجِهَا عَقِبَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَيْسَتْ مُعْتَدَّةً إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ إذًا اسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ فَلَا بُطْلَانَ.

وَيُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ الْمُرْتَجِعُ وَالْمُرْتَجَعَةُ وَصِيغَةُ الرَّجْعَةِ وَالْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا قَبْلَ ارْتِجَاعِهَا.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان ركن الطلاق

أَصْلِ الْحَظْرِ وَالثَّانِي أَنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ زَوَالُ الْحِلِّ وَهُوَ حِلُّ الْمَحَلِّيَّةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحِلِّ وَحِلُّ الْأَمَةِ أَنْقَصُ مِنْ حِلِّ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ يُنْقِصُ الْحِلَّ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ نِعْمَةٌ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى النَّعْمَةِ؛ وَهِيَ مَقَاصِدُ النِّكَاحِ وَالْوَسِيلَةُ إلَى النَّعْمَةِ نِعْمَةٌ، وَلِلرِّقِّ أَثَرٌ فِي نُقْصَانِ النِّعْمَةِ وَلِهَذَا أَثَرٌ فِي نُقْصَانِ الْمَالِكِيَّةِ حَتَّى يَمْلِكَ الْحُرُّ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ إلَّا بِامْرَأَتَيْنِ وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُمَا غَرِيبَانِ ثُمَّ إنَّهُمَا مِنْ الْآحَادِ وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا مُعَارَضَةُ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ بِهِ ثُمَّ نَقُولُ: لَا حُجَّةَ فِيهِمَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ» إلْصَاقُ الِاسْمِ بِالِاسْمِ فَيَقْتَضِي مُلْصَقًا مَحْذُوفًا، وَالْمُلْصَقُ الْمَحْذُوفُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْإِيقَاعُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الِاعْتِبَارُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ وَقَوْلُهُ: " الْإِيقَاعُ لَا يُشْكِلُ " مَمْنُوعٌ بَلْ قَدْ يُشْكِلُ وَبَيَانُ الْإِشْكَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النِّكَاحَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الِانْعِقَادِ وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ عَقْدٍ - كَانَ انْعِقَادُهُ بِعَاقِدَيْنِ - أَنْ يَكُونَ ارْتِفَاعُهُ بِهِمَا أَيْضًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فِي الْأَحْكَامِ وَالْمَقَاصِدِ فَيُشْكِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِيقَاعُ بِهِمَا عَلَى الشَّرِكَةِ فَحَلَّ الْإِشْكَالَ بِقَوْلِهِ "…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 202 - 203

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله