الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > المسألة الثالثة عشر: طلاق المكره
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 42 دقيقة قراءةطلَّقْتُ فُلانةَ بنتَ فلانٍ -يَعني زَوجتَه المَخصوصةَ- بالثَّلاثِ على أربعِ مَذاهبِ المُسلِمينَ، كلَّمَا حلَّتْ تَحرُمُ»؛ فهل لا يَقعُ طلاقُه؟
(الجَوابُ): الدَّهشُ هوَ ذَهابُ العَقلِ مِنْ ذَهْلٍ أو وَلَهٍ، وقدْ صرَّحَ في «التَّنوِير» و «التَّتارخانيَّة» وغَيرِهِما بعَدمِ وُقوعِ طلاقِ المَدهوشِ، فعلى هذا حَيثُ حصَلَ للرَّجلِ دَهشٌ زالَ بهِ عَقلُه وصارَ لا شُعورَ لهُ لا يَقعُ طلاقُه، والقَولُ قَولُه بيَمينِهِ إنْ عُرِفَ منهُ الدَّهشُ، وإنْ لَم يُعرَفْ منهُ لا يُقبَلُ قَولُه قَضاءً إلَّا ببيِّنةٍ، كما صرَّحَ بذلكَ عُلماءُ الحَنفيَّةِ رَحِمَهُم اللهُ تعالَى (١).
المسألة الثالثة عشر: طلاق المكرَه:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيمَن أُكرِهَ على طَلاقِ زَوجتِه فطلَّقَها، هَلْ يَقعُ طَلاقُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَنْ أُكرِهَ على طلاقِ زَوجتِه فإنَّ طلاقَهُ يَقعُ، ولا عِبرةَ بالإكراهِ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ولم يُفرِّقْ بيْنَ طلاقِ المُكرَهِ والطَّائعِ، وقَولِه تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فأثبَتَ الرَّجعَةَ عَقِيبَ التَّطليقتَينِ ولَم يُفصِّلْ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلَّا طلاقَ المَعتوهِ»، فدَخلَ طلاقُ المُكرَهِ في عُمومِ الجَوازِ.
ولأنَّ الفائِتَ بالإكراهِ ليسَ إلَّا الرِّضَا طَبعًا، وأنَّه ليسَ بشَرطٍ لوُقوعِ
(١) «تنقيح الفتاوى الحامدية» (١/ ٢٧٢).
الطَّلاقِ؛ فإنَّ طلاقَ الهازِلِ واقِعٌ وليسَ بِراضٍ بهِ طَبعًا، وكذلكَ الرَّجلُ قدْ يُطلِّقُ امرأتَهُ الفائِقةَ حُسنًا وجَمالًا، الرَّائِقةَ تَغنُّجًا ودَلالًا، لخَللٍ في دِينِها، وإنْ كانَ لا يَرضَى بهِ طَبعًا، ويَقعُ الطَّلاقُ عَليها.
ولِمَا رَواهُ الإمامُ مُسلِمٌ في صَحيحِه عَنْ حُذَيفةَ بنِ اليَمانِ رضي الله عنه قالَ: «ما منَعَنِي أنْ أشهَدَ بَدرًا إلَّا أنِّي خَرَجتُ أنا وأبي حُسَيلٌ، قالَ: فأخَذَنا كُفَّارُ قُريشٍ، قالُوا: إنَّكم تُريدونَ مُحمَّدًا، فقُلْنا ما نُريدُهُ، ما نُريدُ إلَّا المدِينةَ، فأخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وميثاقَهُ لنَنْصَرِفَنَّ إلى المدينةِ ولا نُقاتِلُ معَهُ، فأتَيْنا رَسولَ اللهِ ﷺ فأخبَرْناهُ الخبَرَ فقالَ: انصَرِفا، نَفِي لَهُمْ بعَهدِهِم ونَستَعينُ اللهَ عَليهم» (١).
قَالُوا: فَلمَّا مَنَعَهُما رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ حُضورِ بَدرٍ لاستِحلافِ المُشركِينَ القاهِرينَ لَهُما علَى مَا استَحلَفُوهُما عَليهِ ثَبَتَ بِذلكَ أنَّ الحَلِفَ علَى الطَّواعيَةِ والإِكراهِ سَواءٌ، وكَذلكَ الطَّلاقُ والعِتاقُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أَثبَتَ إِحلافَ المُشرِكينَ إيَّاهُم علَى وجْهِ الإِكراهِ، وجعَلَها كَيَمينِ الطَّوعِ، فإذَا ثَبتَ ذَلكَ في اليَمينِ فالطَّلاقُ والعِتاقُ والنِّكاحُ مِثلُها؛ لأنَّ أحَدًا لَم يُفرِّقْ بَيْنَهما.
وأمَّا قَولُهُ ﷺ في حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إِنَّ اللَّهَ وضَعَ عن أمَّتِي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ» (٢). فإنَّما ذلكَ في الشِّركِ
(١) رواه مسلم (١٧٨٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٠٤٥).
خاصَّةً؛ لأنَّ القَومَ كانوا حَدِيثِي عَهدٍ بكُفرٍ في دارٍ كانَتْ دارَ كُفرٍ، فكانَ المُشرِكونَ إذا قَدَرُوا عَليهِم استَكرَهوهُم على الإقرارِ بالكُفرِ، فيُقرُّونَ بذلكَ بألسنَتِهم، قد فَعلُوا ذلكَ بعمَّارِ بنِ ياسِرٍ رضي الله عنه وبغَيرِهِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ورَضِيَ عَنهُم، فنَزلَتْ فيهم ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وربُّما سَهَوْا فتكلَّمُوا بما جَرَتْ عليهِ عادَتُهم قبْلَ الإسلامِ، ورُبَّما أخطَؤُوا فتكلَّمُوا بذلكَ أيضًا، فتَجاوزَ اللهُ ﷿ لهُمْ عَنْ ذلكَ؛ لأنَّهُم غَيرُ مُختارِينَ لذلكَ ولا قاصِدينَ إليه.
وهذا أَولَى ما فُعِلَ في الآثارِ إذا وُقِفَ على معاني بَعضِها، أنْ يُحمَلَ ما بَقِيَ مِنها على ما لا يُخالِفُ ذلكَ المَعنَى متَى ما قُدِرَ على ذلكَ، حتَّى لا تَضادَّ، فثبَتَ بما ذكَرْنا أنَّ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في الشَّركِ، وحَديثَ حُذيفةَ رضي الله عنه في الطَّلاقِ والأيمانِ وما أشبَهَ ذلكَ.
ولِمَا رَواهُ صَفوانُ بنُ عِمرانَ الطَّائيِّ، أنَّ رَجُلًا كانَ نائِمًا معَ امرأتِه، فقامَتْ فأخَذَتْ سكِّينًا فجَلسَتْ على صَدرِه، ووَضعَتِ السِّكِّينَ على حَلقِه وقالَتْ: لَتُطلِّقنِّي ثلاثًا البتَّةَ وإلَّا ذَبحتُكَ، فناشدَها اللَّهَ، فأبَتْ عليهِ، فطَلَّقَها ثلاثًا، فذُكِرَ ذلكَ لرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «لا قَيلولةَ في الطَّلاقِ» (١). أي لا رُجوعَ فيهِ، فدَلَّ على وُقوعِه مع الإكراهِ.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ
(١) ضَعيفٌ مُرسَلٌ: رواه سَعيدُ بنُ مَنصُورٍ في «سننه» مُرسَلًا (١١٣٠).
والطَّلاقُ والرَّجعةُ»، فسَوَّى النَّبيُّ ﷺ فيهنَّ بيْنَ الجادِّ والهازِلِ، ولأنَّ الفَرقَ بيْنَ الجِدِّ والهَزلِ أنَّ الجادَّ قاصِدٌ إلى اللَّفظِ وإلى إيقاعِ حُكمِه، والهازِلَ قاصِدٌ إلى اللَّفظِ غَيرُ مُريدٍ لإيقاعِ حُكمِه، عَلمْنا أنَّه لا حظَّ للإرادةِ في نَفيِ الطَّلاقِ، وأنَّهُما جَميعًا مِنْ حَيثُ كانا قاصِدَينِ للقَولِ أنْ يَثبُتَ حُكمُه عليهِما، وكذلكَ المُكرَهُ قاصِدٌ للقَولِ غَيرُ مُريدٍ لإيقاعِ حُكمِه، فهو كالهازِلِ سواءٌ.
فإنْ قيلَ: الهازِلُ قصَدَ اللَّفظَ ولم يَقصدِ الوَقْعَ، والمُكرَهُ لَم يَقصدِ اللَّفظَ فهوَ كالنَّائِمِ.
قُلنا: المُكرَهُ قاصِدٌ إلى اللَّفظِ ليَدفَعَ عن نَفْسِه أعظَمَ الضَّررَينِ بأيسَرِهما، ألَا تَرَى أنَّه لو قيلَ له: «لِمَ طلَّقْتَ؟ لَقالَ: اختَرتُ الطَّلاقَ على ذَهابِ نَفسِي»، ولأنَّه مَعنًى يَنفي الرِّضا بزَوالِ المِلكِ، فلم يَمتنِعْ وُقوعُ الطَّلاقِ معَ صحَّةِ القولِ، كشَرطِ الخيارِ.
ولأنَّه مَعنًى مِنْ جهَةِ الأجنبيِّ يُزيلُ الاختيارَ، فلَم يَمنَعْ وُقوعَ الطَّلاقِ كالغَضبِ، ولأنَّه لو عيَّنَ الَّتي أُكرِهَ على طَلاقِها طَلُقَتْ، وكلُّ مَنْ وَقعَ طلاقُه على إحدَى نِسائِه وقَعَ على سائِرِ نِسائِه كغَيرِ المُكرَهِ، ولأنَّه أرسَلَ الطَّلاقَ على زَوجتِهِ وهو أهلُ الطَّلاقِ، فوجَبَ أنْ يَقعَ منهُ كالهازِلِ.
ولأنَّ المُكرَهُ مُكلَّفٌ، بدَلالةِ أنَّه لا يَجوزُ عَليهِ أنْ يَقتُلَ ويَزني وإنْ أُكرِهَ على ذلكَ، ومُباحٌ لهُ أنْ يُظهِرَ كَلمةَ الكُفرِ، وواجِبٌ عليهِ أنْ يَشربَ
الخَمرَ ويَأكلَ المَيتَةَ، فلمَّا خُوطِبَ بالحَظرِ والإباحةِ والإيجابِ دلَّ على أنَّهُ مُكلَّفٌ.
ولأنَّنا وَجدْنا الخَطأَ هوَ ما أرادَ الرَّجلُ غَيرَه ففَعَلَه لا عَنْ قَصدٍ مِنهُ إليه، ولا إرادةٍ منهُ إيَّاهُ، وكانَ السَّهوُ ما قصَدَ إليهِ ففَعَلَه على القَصدِ منهُ إليهِ على أنَّهُ ساهٍ عَنِ المَعنَى الَّذي يَمنَعُه مِنْ ذلكَ الفِعلِ، وكانَ الرَّجلُ إذا نَسِيَ أنْ تكونَ هذهِ المَرأةُ لهُ زَوجةً فقصَدَ إليها فطَلَّقَها فكَلٌّ قدْ أجمَعَ أنَّ طلاقَهُ عامِلٌ، ولَم يُبطِلُوا ذلكَ لسَهوِه، ولم يَدخُلْ ذلكَ السَّهوُ في السَّهوِ المَعفوِّ عنهُ، فإذا كانَ السَّهوُ المَعفوُّ عنهُ ليسَ فيهِ ما ذَكَرْنا مِنَ الطَّلاقِ والأيمانِ والعِتاقِ، كانَ كذلكَ الاستِكراهُ المَعفوُّ عنه ليسَ فيهِ أيضًا مِنْ ذلكَ شَيءٌ.
وأمَّا حُكمُ ذلكَ مِنْ طَريقِ النَّظرِ: فإنَّ فِعلَ الرَّجلِ مُكرَهًا لا يَخلُو مِنْ أحَدِ وجهَينِ:
إمَّا أنْ يكونَ المُكرَهُ على ذلكَ الفِعلِ إذا فعَلَه مُكرَهًا في حُكمِ مَنْ لَم يَفعَلْه، فلا يَجبُ عَليهِ شَيءٌ.
أو يكونَ في حُكمِ مَنْ فعَلَه، فيَجبُ عليهِ ما يَجبُ عليهِ لو فعَلَهُ غَيرَ مُستكرَهٍ.
فنظَرْنا في ذلكَ فرَأيْناهُم لا يَختلِفونَ في المرأةِ إذا أكرَهَها زَوجُها وهي صائِمةٌ في شهرِ رَمضانَ أو حاجَّةٌ فجامَعَها أنْ حَجَّها يَبطُلُ وكذلكَ صَومُها، ولم يُراعوا في ذلكَ الاستِكراهَ فيُفرِّقُوا بيْنَه وبيْنَ الطَّواعيَةِ، ولا جُعِلتِ
المَرأةُ فيهِ في حُكمِ مَنْ لم يَفعلَ شيئًا، بل قدْ جُعِلتْ في حُكمِ مَنْ قد فعَلَ فعلًا يَجبُ عليهِ الحُكمُ، ورُفعَ عنها الإثمُ في ذلكَ خاصَّةً، وكذلكَ لو أنَّ رَجلًا أكرَهَ رَجلًا على جِماعِ امرأةٍ اضطُرَّتْ إلى ذلكَ كانَ المَهرُ في النَّظرِ على المُجامِعِ لا على المُكرِهِ، ولا يَرجعُ بهِ المُجامِعُ على المُكرِهِ؛ لأنَّ المُكرِهَ لم يُجامِع فيَجبَ عليهِ بجِماعِه مَهرٌ، وما يَجبُ في ذلكَ الجِماعِ فهو على المُجامِعِ لا على غيرِهِ، فلمَّا ثبَتَ في هذهِ الأشياءِ أنَّ المُكرَهَ عليها مَحكومٌ عليهِ بحُكمِ الفاعِلِ، كذلكَ في الطَّواعيَةِ، فيُوجِبونَ عليهِ فيها مِنَ الأموالِ ما يَجبُ على الفاعِلِ لها في الطَّواعيَةِ، ثبَتَ أنَّه كذلكَ المُطلِّقُ والمُعتِقُ والمُراجِعُ في الاستِكراهِ، يُحكَمُ عليهِ بحُكمِ الفاعِلِ، فيُلزَمُ أفعالَهُ كلَّها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فلِمَ لا أَجزَتْ بَيعَه وإجارَتَه؟
قيلَ لهُ: إنَّا قَدْ رَأيْنا البُيوعَ والإجاراتِ قدْ تُرَدُّ بالعُيوبِ وبخِيارِ الرُّؤيةِ وبخيارِ الشَّرطِ، وليسَ النِّكاحُ كذلكَ ولا الطَّلاقُ ولا المُراجَعةُ ولا العِتقُ، فما كانَ قدْ يُنقَضُ بالخيارِ للشُّروطِ فيهِ وبالأسبابِ الَّتي في أصلِهِ مِنْ عَدمِ الرُّؤيةِ والرَّدِّ بالعيوبُ؛ نُقِضَ بالإكراهِ، وما لا يَجبُ نَقْضُه بشيءٍ بعْدَ ثُبوتِه لم يُنقَضْ بإكراهٍ ولا بغَيرِه، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ رحمهم الله، وقَد رَأيْنا مِثلَ هذا قد جاءَتْ به السُّنَّةُ، وهوَ قولُ النَّبيِّ ﷺ: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ والطَّلاقُ والرَّجعةُ»،
فلمَّا قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ»، فمنَعَ النِّكاحَ مِنَ البُطلانِ بعْدَ وُقوعِه، وكذلكَ الطَّلاقُ والمُراجَعةُ، ولم نَرَ البُيوعَ على ذلكَ المَعنَى، بل حُمِلَتْ ضِدَّهُ، فجُعِلَ مَنْ باعَ لاعبًا كانَ بَيعُهُ باطلًا، وكذلكَ مَنْ أجَّرَ لاعبًا كانَتْ إجارَتُه باطِلةً، فلمْ يكنْ ذلكَ إلَّا لأنَّ البُيوعَ والإجاراتِ ممَّا يُنقَضُ بالأسبابِ الَّتي ذكَرْنا، فنُقِضَتْ بالهَزلِ كما نُقضَتْ بذلكَ، وكانَتِ الأشياءُ الأُخَرُ مِنْ الطَّلاقِ والعِتاقِ والرَّجعةِ لا يَبطلُ بشيءٍ مِنْ ذلكَ، فجُعِلَتْ غَيرَ مَردودِةٍ بالهَزلِ، فكذلكَ أيضًا في النَّظرِ ما كانَ يُنقَضُ بالأسبابِ الَّتي ذكَرْنا نُقِضَ بالإكراهِ، وما كانَ لا يُنقَضُ بتلكَ الأسبابِ لم يُنقَضْ بالإكراهِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابِلةُ إلى أنَّ طلاقَ المُكرَهِ لا يَقعُ، فمَن أُكرِهَ على طلاقِ زَوجتِه مِنْ سُلطانٍ أو غَيرِه فطلَّقَها فلا يَلزمُه ما أوقَعَ، وهي زَوجتُه.
واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِ اللهِ ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فنَفَى الكُفرَ باللِّسانِ إذا كانَ القَلبُ مُطمئنًّا بالإيمانِ، فكذلكَ الطَّلاقُ إذا لَم يُرِدْه بقَلبِه ولَم يَنوِه ولم يَقصِدْه لم يَلزمْه.
(١) «شرح معاني الآثار» (٣/ ٩٥، ٩٩)، و «أحكام القرآن» (٥/ ١٤، ١٧)، و «التجريد» للقدوري (١٠/ ٤٩١٣، ٤٩٣٠)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٠)، و (٧/ ١٨٢)، و «شرح مختصر الطحاوي» (٥/ ٥، ١٥)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٢٩، ٤٣٠)، و «المبسوط» (٢٤/ ٤٠، ٤١)، و «الاختيار» (٣/ ١٥٥).
ولأنَّ للكُفرِ أحكامًا، فلمَّا وضَعَها اللهُ تعالَى عنهُ سَقطَتْ أحكامُ الإكراهِ عنِ القَولِ كُلِّه؛ لأنَّ الأعظَمَ إذا سقَطَ عنِ النَّاسِ سقَطَ ما هوَ أصغرُ منه.
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وأبي ذَرِّ الغِفاريِّ رضي الله عنهم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ وضَعَ عن أمَّتِي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ»، وفي رِوايةٍ: «تَجاوزَ» (١). فاقتَضَى أنْ يكونَ طَلاقُ المُكرَهِ مَرفوعًا.
فإنْ قيلَ: فالاستِكراهُ لم يُرفَعْ لأنَّهُ قد يُوجَدُ.
قيلَ: المُرادُ بهِ حُكمُ الاستِكراهِ لا الاستِكراهُ، كما أنَّ المُرادَ بهِ حُكمُ الخَطأِ لا وُجودُ الخطأِ.
فإنْ قيلَ: فهو مَحمُولٌ على رَفعِ الإثمِ.
قيلَ: حَملُه على رَفعِ الحُكمِ أَولَى؛ لأنَّه أعَمُّ؛ لأنَّ ما رفَعَ الحُكمَ قد رفَعَ الإثمَ، ورَوتْ عائِشةُ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا طلاقَ ولا عتاقَ في إغلاقٍ» (٢). قالَ أبو عُبَيدٍ: الإغلاقُ كالإكراهِ، يَعني أنَّه كالمُغلَقِ عليهِ اختِيارُه، وقالَ أبو بكرٍ: سَألتُ ابنَ دُرَيدٍ وأبا طاهِرٍ النَّحْويَّينِ فقالا: يُريدُ الإكراهَ؛ لأنَّه إذا أُكرِهَ انغَلقَ عليهِ رَأيُه.
فإنْ قيلَ: المُرادُ بهِ الجُنونُ؛ لأنَّه مُعلَّقُ الإرادةِ، ففيهِ جَوابانِ: أحدُهما: أنَّ أهلَ اللُّغةِ أَقْوَمُ بمَعانيها مِنْ غَيرِهم، فكانَ حَمْلُه على ما قَرَّرهُ أَولَى، والثَّاني: أنَّه يُحمَلُ على الأمرَينِ، فيكونُ أعمَّ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٠٤٣، ٢٠٤٥).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦)، وأحمد (٢٦٤٠٣).
ولأنَّه إجماعُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، قالَهُ خَمسةٌ مِنهُم، لم يَظهَرْ مُخالِفٌ لهم، مِنهُم عُمرُ، رَوى عنهُ ابنُ المُنذِرِ وغَيرُه «أنَّ رَجلًا على عَهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه تَدَلَّى يَشتَارُ (١) عَسلًا فأقبَلَتِ امرأتُهُ فجَلسَتْ على الحَبلِ، فحَلفَتْ لَتَقطَعنَّ الحَبلَ أو ليُطلِّقنَّها ثلاثًا، فذكَّرَها اللَّهَ والإسلامَ، فحَلفَتْ لَتَفعَلنَّ أو ليَفعَلنَّ، فطَلَّقَها ثلاثًا، فلَمَّا خَرَجَ أتَى عُمَرَ بنَ الخطَّابِ فذكَرَ لهُ الَّذي كانَ من امرأتِهِ إليهِ والَّذي كانَ منهُ إليها، فقالَ: «ارجِعْ إلى أهلِكَ فليسَ هذا بطلاقٍ» (٢).
ومنهُم عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه: «كانَ لا يَرى طلاقَ المُكرَهِ شيئًا».
ومنهُم عَبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قالَ: «ليسَ على المُكرَهِ والمُضطَهَدِ طلاقٌ».
ومنهُم عَبدُ الله بنُ عُمرَ وعَبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، كانا يَرَيانِ مثلَ ذلكَ.
ومنَ القِياسِ: أنَّه لَفظٌ حُمِلَ عليهِ بغَيرِ حقٍّ، فوجَبَ أنْ لا يَثبُتَ بهِ حُكمٌ، كالإكراهِ على الإقرارِ بالطَّلاقِ.
(١) قالَ ابنُ الملقنِ: قَولُه: (يَشتَارُ): هوَ بالشِّينِ المُعجَمَةِ وبالرَّاءِ المُهمَلَةِ، يُقالُ: شِرْتُ العَسَلَ أَشُورُ، علَى وَزنِ: قُلتُ أَقولُ، واشْتَرْتُ على وَزنِ اختَرْتُ، إذَا جَنَيْتَه مِنْ مَكانِ النَّحلِ في الجِبالِ أو غَيرِها، وأَشَرْتُ لِغةٌ فيهِ، ذَكَرَه الجَوهريُّ في الكَلامِ على: (شورٍ). «البدر المنير» (٨/ ١١٩).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١١٢٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٨٧٦).
وأمَّا الإكراهُ على فِعلِ الإسلامِ فإنَّما يَصِحُّ ويَثبُتُ فيمَن كانَ حَربيًّا فيُدعَى بالسَّيفِ إلى الإسلامِ؛ لأنَّ إكراهَهُ عَليهِ واجِبٌ قد ورَدَ الشَّرعُ بهِ، ولا يَصحُّ إكراهُ الذمِّيِّ الباذِلِ للجَزيةِ؛ لأنَّ الشَّرعَ قدْ أقرَّهُ عَليهِ، فكانَ إكراهُهُ عليهِ ظُلمًا فلم يَصحَّ.
ولأنَّ الإكراهَ مَعنًى يُزيلُ حُكمَ الإقرارِ بالطَّلاقِ، فوَجَبَ أنْ يُزيلَ حُكمَ إيقاعِ الطَّلاقِ كالجُنونِ والنَّومُ والصِّغرِ.
ولأنَّه لَفظٌ يَتعلَّقُ بهِ الفَرقُ بيْنَ الزَّوجَينِ، فوجَبَ أنْ لا يَصحَّ إذا حُمِلَ عليهِ فيهِ حقٌّ، أصلُهُ الإكراهُ على كَلمةِ الكُفرِ.
ولأنَّه قَولٌ في أحَدِ طَرفي النِّكاحِ، فوجَبَ أنْ لا يَصحَّ معَ الإكراهِ كالنِّكاحِ.
ولأنَّ كلَّ بُضعٍ لم يُملَكْ بلَفظِ المُكرَهِ لم يَحرُمْ بقَولِ المُكرَهِ، كالإيماءِ في البَيعِ والشِّراءِ.
وأمَّا قَولُه ﷺ: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ»، فهو أنَّنا نَقولُ بمُوجَبِه، ونَجعَلُ الجِدَّ والهَزلَ في وُقوعِ الطَّلاقِ سَواءً، والمُكرَهُ ليسَ بجادٍّ ولا هازِلٍ، فخرَجَ عنها كالمَجنونِ؛ لأنَّ الجَادَّ قاصِدُ اللَّفظِ مُريدٌ للفُرقةِ، والهازِلَ قاصِدٌ للَّفظِ غَيرُ مُريدٍ للفُرقةِ، والمُكرَهُ غَيرُ قاصِدٍ للَّفظِ ولا مُريدٍ للفُرقةِ.
فالفَرقُ بيْنَ طلاقِ الهازِلِ وطلاقِ المُكرَهِ أنَّ الهازِلَ قاصِدٌ للَّفظِ مُؤثِرٌ
له، فلَزمُه حُكمُه، والمُكرَهُ وإنْ قصَدَ اللَّفظَ فإنَّه لَم يُؤثِرْه ولا اختارَهُ، فلَم يَتعلَّقْ بهِ حُكمُه.
ولأنَّنا وجَدْنا الطَّلاقَ لا يَلزمُ إلَّا بلَفظٍ ونيَّةٍ، والمُكرَهُ لا نيَّةَ له، إنَّما طلَّقَ بلِسانِه لا بقَلبِه، فلمَّا رفَعَ اللهُ عنهُ الكُفرَ الَّذي تَكلَّمَ بهِ مُكرَهًا ولم يَعتقِدْه؛ وجَبَ رَفعُ الطَّلاقِ؛ لرَفعِ النِّيةِ فيه.
وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ المُشركِينَ لو أكرَهُوا رَجلًا على الكُفرِ باللهِ بلِسانِه وقَلبُه مُطمَئنٌّ بالإيمانِ وله زَوجةٌ حرَّةٌ مُسلمةٌ أنَّها لا تَحرُمُ عليهِ، ولا يَكونُ مُرتدًّا بذلكَ، والردَّةُ فُرقةٌ بائِنةٌ، فهذا يقضِي على اختِلافِهم في طَلاقِ المُكرَهِ.
ولأنَّه لَفظٌ لو عَرِيَ منَ الإكراهِ لَلَزمَ بهِ الطَّلاقُ، فإذا وُجدَ معَ الإكراهِ لم يَلزمْ بهِ، أصلُه لَفظُ الإقرارِ بالطَّلاقِ، ولأنَّ كلَّ حالٍ لم يَثبُتْ مَعها حُكمُ الإقرارِ بالطَّلاقِ لم يَثبُتْ مَعها حُكمُ إيقاعِهِ كالصَّغيرِ والمَجنونِ، ولأنَّه مَعنًى يُؤثِّرُ في البَينونةِ، فإذا وُجِدَ التَّلفُّظُ معَ الإكراهِ لم يكنْ لهُ حُكمٌ، أصلُهُ الارتِدادُ، ولأنَّ كلَّ عَقدٍ يَنفي الإكراهُ لزومَ الإقرارِ بهِ، كذلكَ يَنفي لُزومَ إنشائِه كالبَيعِ (١).
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٢٩)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢٩٢، ٢٩٣)، و «الاستذكار» (٦/ ٢٠١، ٢٠٣)، و «اختلاف العلماء» للمروزي (١/ ١٧٥، ١٧٦)، و «شرح السنة» للبغوي (٩/ ٢٢١، ٢٢٢)، و «الإفصاح» (٢/ ١٧٥)، و «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٨٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٢٧، ٤٢٨) رقم (١٢٤٥)، و «المعونة» (١/ ٥٦٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٤٣، ٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٩)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٣٩، ١٤٠)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٢٧، ٢٢٩)، و «البيان» (١٠/ ٧٠، ٧٢)، و «المهذب» (٢/ ٧٨)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٣٥٦، ٣٥٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٨١٧، ٨١٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٠٣، ٥٠٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٧٠، ٤٧١)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٣٧٤، ٣٨٧)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٥١٣، ٥١٦)، و «الديباج» (٣/ ٤١٦، ٤١٧)، و «المغني» (٧/ ١٩١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥/ ٣٦٦، ٣٦٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٨٦، ٨٧)، و «إعلام الموقعين» (٤/ ٥١، ٥٢)، و «فتح الباري» (٩/ ٣٩٠)، و «عمدة القاري» (٢٠/ ٢٥٠).
ونصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ (وهوَ أيضًا مَذهبُ الحَنفيَّةِ الَّذينَ يُوقِعونَ طلاقَ المُكرَهِ مُطلَقًا ومُقتَضى مَذهبِ المالكيَّةِ) أنْ يكونَ الإكراهُ بغَيرِ حقٍّ، فإنْ كانَ الإكراهُ بحقٍّ وَقَعَ الطَّلاقُ، نَحوُ إكراهِ الحاكِمِ المُولي على الطَّلاقِ بعْدَ التَّربُّصِ إذا لم يَفِئ، وإكراهِهِ الرَّجلَينِ اللَّذينِ زوَّجَهما وَليَّانِ ولا يُعلَمُ السَّابقُ منهما على الطَّلاقِ وَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه قولٌ حُمِلَ عليهِ بحَقٍّ فصَحَّ كإسلامِ المُرتدِّ إذا أُكرِهَ عليهِ، ولأنَّهُ إنَّما جازَ إكراهُهُ على الطَّلاقِ ليَقعَ طلاقُه، فلو لم يَقعْ لَم يَحصُلِ المَقصودُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: فَصلٌ: النيَّةُ الصَّحيحةُ في طلاقِ المُكرَهِ.
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٣٢)، و «المهذب» (٢/ ٧٨)، و «المغني» (٧/ ٢٩١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٧١).
واختَلفُوا في المُكرَهِ يَظنُّ أنَّ الطَّلاقَ يَقعُ بهِ فيَنويهِ، هلْ يَلزمُه؟ على قَولينِ، وهُمَا وَجهانِ للشَّافعيَّةِ، فمَن ألزَمَه رَأى أنَّ النِّيةَ قد قارنَتِ اللَّفظَ، وهوَ لم يُكرَهْ على النِّيةِ، فقَدْ أتَى بالطَّلاقِ المَنْويِّ اختيارًا فلَزمَه، ومَن لم يُلزِمْه بهِ رَأى أنَّ لفْظَ المُكرَهِ لغوٌ لا عِبرةَ بهِ، فلم يَبقَ إلَّا مُجرَّدُ النِّيةِ، وهيَ لا تَستَقلُّ بوُقوعِ الطَّلاقِ.
فصلٌ: التَّوريةُ في طَلاقِ المُكرَهِ.
واختُلفَ في ما لو أمكَنَه التَّوريةُ فلم يُوَرِّ، والصَّحيحُ أنَّه لا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ وإنْ ترَكَها، فإنَّ اللهَ تعالَى لم يُوجِبِ التَّوريةِ على مَنْ أُكرِهَ على كَلمةِ الكُفرِ وقَلبُه مُطمَئنٌّ بالإيمانِ، معَ أنَّ التَّوريةَ هُناكَ أَولَى، ولكنَّ المُكرَهَ إنَّما لَم يُعتبَرْ لَفظُه؛ لأنَّه غَيرُ قاصِدٍ لِمعناهُ، ولا مُريدٍ لمُوجَبِه، وإنَّما تَكلَّمِ به فِداءً لنَفسِهِ مِنْ ضَررِ الإكراهِ، فصارَ تَكلُّمُه باللَّفظِ لغوًا بمَنزلةِ كَلامَ المَجنونِ والنَّائمِ ومَن لا قصْدَ لهُ، سواءٌ وَرَّى أو لم يُوَرِّ.
وأيضًا: فاشتِراطُ التَّوريةِ إبطالٌ لرُخصَةِ التَّكلُّمِ معَ الإكراهِ، ورُجوعٌ إلى القَولِ بنُفوذِ طَلاقِ المُكرَهِ، فإنَّه لَو وَرَّى بغَيرِ إكراهٍ لَم يقَعْ طَلاقُه، والتَّأثيرُ إذًا إنَّما هو للتَّوريةِ لا للإكراهِ، وهذا باطِلٌ، وأيضًا فإنَّ المُوَرِّي إنَّما لم يَقعْ طَلاقُه معَ قَصدِه للتَّكلُّمِ باللَّفظِ؛ لأنَّه لَم يَقصِدْ مَدلولَه، وهذا المَعنَى بعَينِه ثابِتٌ في الإكراهِ، فالمَعنَى الَّذي مَنَعَ مِنْ النُّفوذِ في التَّوريةِ هوَ الَّذي مَنَعَ النُّفوذَ في الإكراهِ (١).
(١) «إعلام الموقعين» (٤/ ٥٣، ٥٤)، ويُنظر: و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٠٣، ٥٠٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٧٠، ٤٧١)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٣٧٤، ٣٨٧)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٥١٣، ٥١٦).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب الطلاق بالوقت وطلاق المكره وغيره من كتاب إباحة الطلاق والإملاء وغيرهما)
(باب الطلاق بالوقت وطلاق المكره وغيره من كتاب إباحة الطلاق والإملاء وغيرهما)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَأَيُّ أَجَلٍ طَلَّقَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلَ وَقْتِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ. الطَّلَاقُ يَقَعُ نَاجِزًا وَعَلَى صِفَةٍ، وَإِلَى أَجَلٍ، فَوُقُوعُهُ نَاجِزًا أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَتَقَعُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَوُقُوعُهُ عَلَى صِفَةٍ أَنْ يَقُولَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، سَوَاءٌ بِصِفَةٍ مُضَافَةٍ إِلَيْهَا بِدُخُولِ الدَّارِ، أَوْ مُضَافَةٍ إِلَى غَيْرِهَا كَقُدُومِ زَيْدٍ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا تَعْلِيقُهُ بِأَجَلٍ فَكَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى بَعْدِ شَهْرٍ، أَوْ إِلَى سَنَةٍ، أَوْ رَأْسِ الشَّهْرِ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَقَعُ الطَّلَاقُ مُعَجَّلًا، اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِيرُ نِكَاحًا إِلَى مُدَّةٍ وَهَذَا بَاطِلٌ كَالْمُتْعَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَقْدَ التَّحْرِيمِ إِلَى أَجَلٍ، يُوجِبُ تَعْجِيلَهُ كَالْمُكَاتَبَةِ لَمَّا أَوْجَبَتِ الْكِتَابَةُ تَحْرِيمَهَا بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْأَدَاءِ، تُعَجِّلُ تَحْرِيمَهَا بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في تغيير العدة
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فِيهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ.
وَلَوْ حَمَلَتْ الْمُعْتَدَّةُ فِي عِدَّتِهَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ مَنْ حَمَلَتْ فِي عِدَّتِهَا فَالْعِدَّةُ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ وَقَدْ فَصَلَ مُحَمَّدٌ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ مَاتَ عَنْ امْرَأَتِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ ثُمَّ حَمَلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعِدَّتُهَا الشُّهُورُ، فَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَنْتَقِلُ بِوُجُودِ الْحَمْلِ مِنْ الْأَشْهُرِ إلَى وَضْعِ الْحَمْلِ، قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ فَحَبِلَتْ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَعُلِمَ بِذَلِكَ فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا.
وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ أَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ أَصْلُ الْعِدَدِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ وُضِعَتْ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ، وَلَا شَيْءَ أَدَلُّ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ وَضْعِ الْحَمْلِ فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ مَعَهُ مَا سِوَاهُ كَمَا تَسْقُطُ الشُّهُورُ مَعَ الْحَيْضِ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ أَنَّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَتَغَيَّرُ بِوُجُودِ الْحَمْلِ بَعْدَ الْوَفَاةِ وَلَا تَنْتَقِلُ مِنْ الْأَشْهُرِ إلَى وَضْعِ الْحَمْلِ بِخِلَافِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب تصريح الطلاق وغيره
بابُ تصْريحِ الطَّلاقِ وغيره
وجملةُ ذلك أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلا بلَفْظٍ، فلو نَوَاهُ بقَلْبِه مِن غيرِ لفظٍ، لم يَقَعْ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيْدٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ويحيى بنُ أبى كَثِيرٍ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ أيضًا عن القاسِمِ، وسالِمٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ. وقال الزُّهرِىُّ: إذا عزَمَ على ذلك طَلُقَتْ. وقال ابنُ سِيرينَ، فى من طَلَّقَ فى نفسِه: أليس قد عَلِمَه اللَّهُ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ" . رَوَاه النَّسائىُّ، والتِّرمذىُّ . وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّه تَصرُّف يُزيلُ المِلكَ، فلم يَحْصُلْ بالنِّيَّةِ كالبيعِ والهِبَةِ. وإن نَواهُ بقلبه، وأشارَ بأصابعِه، لم يَقعْ أيضًا؛ لما ذكَرْناه. إذا ثَبَتَ أنَّه يُعتبرُ فيه اللَّفظُ، فاللَّفظُ يَنْقسِمُ فيه إلى صريحٍ وكنايةٍ، فالصَّريحُ يقَعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، والكنايةُ لا يَقعُ بها الطَّلاقُ حتى يَنْوِيَه، أو يَأْتِىَ بما يَقومُ مقامَ نِيَّتِه.
١٢٥٧ - مسألة؛ قال: (وإِذَا قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُكِ، أَوْ قَدْ فَارَقْتُكِ، أَوْ قَدْ سَرَّحْتُكِ. لَزِمَهَا الطَّلَاقُ)
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.