الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > المسألة الثامنة: حكم طلاق السكران
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةالتَّجاوُزِ، فمَن حمَلَ التَّجاوُزَ على رَفعِ الإثمِ خاصَّةً دُونَ الوُقوعِ في الإكراهِ لَزمَ أنْ يَقولَ مثلَ ذلكَ في النِّسيانِ، والحَديثُ قدْ أخرجَهُ ابنُ ماجَةَ وصحَّحَه ابنُ حِبَّانَ (١).
المسألةُ الثامنَةُ: حكمُ طلاقِ السَّكرانِ:
السَّكرانُ لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَسكرَ بمُباحٍ:
ذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الإنسانَ إذا زالَ عَقلُه بسُكْرٍ مُباحٍ كمَن أُكرِهَ على شُربِ الخَمرِ فسَكِرَ، أو شَرِبَ الدَّواءَ المُزيلَ للعَقلِ، أو شَرِبَ لَبنًا أو شَيئًا مُتحقِّقًا أو ظانًّا أنَّهُ لا يُغيِّبُ عقْلَه فغابَ باستِعمالِه أنَّهُ لا يَقعُ طلاقُه؛ لقَولِه ﷺ: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المَعتوهِ المَغلوبِ على عَقلِه» (٢). ولأنَّ الطَّلاقَ قولٌ يُزيلُ المِلكَ، فاعتُبِرَ لهُ العَقلُ كالبيعِ، ولأنَّه في حُكمِ المَغلوبِ على عَقلِه، ولا طلاقَ عليهِ؛ لارتِفاعِ المأثَمِ عنه (٣).
قالَ الرّحيبانِيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ مَنْ زالَ عَقلُه بغَيرِ
(١) «فتح الباري» (٩/ ٣٩٠).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١١٩١)، وقالَ: لَا نَعرفُه مَرفوعًا إلَّا مِنْ حَديثِ عَطاءِ بنِ عَجلانَ، وعَطاءُ بنُ عَجلانَ ضَعيفٌ.
(٣) «شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٢)، و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٦)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٣٥)، و «المغني» (٧/ ٢٢٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٢١، ٣٢٢).
سُكْرٍ مُحرَّمٍ كالنَّومِ والإغماءِ والجُنونِ وشُربِ الدَّواءِ المُزيلِ للعَقلِ والمَرضِ لا يَقعُ طَلاقُه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وسَواءٌ زالَ عَقلُه لجُنونٍ أو إغماءٍ أو نَومٍ أو شُربِ دَواءٍ أو إكراهٍ على شُربِ خَمرٍ أو شَرِبَ ما يُزيلُ عَقلَه شُربُه ولا يَعلمُ أنَّهُ مُزيلٌ للعَقلِ، فكُلُّ هذا يَمنعُ وقوعَ الطَّلاقِ رِوايةً وَاحدةً، ولا نَعلمُ فيهِ خِلافًا (٢).
أمَّا الحنفيَّةُ فقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ سُكرُه بسَببٍ مُباحٍ لكنْ حصَلَ لهُ بهِ لذَّةٌ بأنْ شَربَ الخَمرَ مُكرهًا حتَّى سَكِرَ، أو شَربَها عندَ ضَرورةِ العطَشِ فسَكِرَ، قالُوا: إنَّ طلاقُه واقِعٌ أيضًا؛ لأنَّه وإنْ زالَ عَقلُه فإنَّما حصَلَ زَوالُ عَقلِه بلذَّةٍ، فيُجعَلُ قائِمًا، ويُلحَقُ الإكراهُ والاضطِرارُ بالعَدمِ، كأنَّه شَربَ طائِعًا حتَّى سَكِرَ.
وذكَرَ مُحمدٌ رحمة الله عليه فيمَن شَربَ النَّبيذَ ولم يَزُلْ عَقلُه ولكنْ صُدِّعَ فزالَ عَقلُه بالصُّداعِ أنَّهُ لا يقَعُ طلاقُهُ؛ لأنَّهُ ما زالَ عَقلُه بمَعصيةٍ ولا بلذَّةٍ، فكانَ زائِلًا حَقيقةً وتَقديرًا، وكذلكَ إذا شَربَ البَنجَ أوِ الدَّواءَ الَّذي يُسكِرُ وزالَ عَقلُه لا يقعُ طلاقُه؛ لِمَا قُلنا (٣).
(١) «مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٢١، ٣٢٢).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٨٨).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٠).
وقالَ في «الدُّر المُختَار»: أو أفيُونٍ أو بَنجٍ زَجرًا بهِ يُفتَى، تَصحيحُ القدوريِّ.
واختَلفَ التَّصحيحُ فيمَن سَكِرَ مُكرَهًا أو مُضطرًّا، نعَمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ أو بمُباحٍ لم يَقعْ.
وفي القُهُستانِيِّ مَعزيًّا للزاهديِّ أنَّه لو لم يُميِّزْ ما يَقومُ بهِ الخِطابُ كانَ تَصرُّفُه باطِلًا. اه.
قالَ ابنُ عَابدينَ رحمة الله عليه: قولُه (أو أَفيُونٍ أو بَنجٍ) الأَفيُونُ: ما يَخرجُ مِنْ الخَشخاشِ.
والبَنجُ بالفَتحِ: نَبتٌ مُنبَتٌ.
وصرَّحَ في «البَدائع» وغَيرِها بعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ بأكلِهِ، مُعلِّلًا بأنَّ زَوالَ عَقلهِ لم يكنْ بسَببٍ هوَ مَعصيةٌ.
والحقُّ التَّفصيلُ، وهو إنْ كانَ للتَّداوِي لَم يَقعْ؛ لعَدمِ المَعصيةِ، وإنْ للَّهوِ وإدخالِ الآفةِ قَصدًا فيَنبغِي أنْ لا يتردَّدَ في الوُقوعِ.
وفي تَصحيحِ القُدُوريِّ عن «الجَواهِر»: وفي هذا الزَّمانِ إذا سَكِرَ مِنْ البَنجِ والأفيُونِ يقَعُ زَجرًا، وعليهِ الفَتوَى، وتَمامُه في «النَّهر».
قَولُه: (زَجرًا) أشارِ بهِ إلى التَّفصيلِ المَذكورِ، فإنَّه إذا كانَ للتَّداوِي لا يُزجَرُ عنهُ؛ لعَدمِ قَصدِ المَعصيةِ ط.
قَولُه: (اختَلفَ التَّصحيحُ … إلخ) فصحَّحَ في «التُّحفَة» وغَيرِها عَدمَ الوُقوعِ، وجزَمَ في «الخُلاصَة» بالوُقوعِ.
قالَ في «الفَتح»: والأوَّلُ أحسَنُ؛ لأنَّ مُوجِبَ الوُقوعِ عِنْدَ زَوالِ العَقلِ ليسَ إلَّا التَّسبُّبُ في زَوالهِ بسَببٍ مَحظورٍ، وهوَ مُنتَفٍ.
وفي «النَّهْر» عَنْ «تَصحيحِ القُدُورِيِّ» أنَّه التَّحقيقُ.
قَولُه: (نَعمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ) لأنَّ علَّةَ زَوالِ العَقلِ الصُّداعُ، والشُّربُ عِلَّةُ العلَّةِ، والحُكمُ لا يُضافُ إلى علَّةِ العلَّةِ إلَّا عندَ عدمِ صَلاحيَّةِ العلَّةِ، وتَمامُه في «الفتح».
هذا وقد فرَضَ المسألةَ في «الفتح» و «البَحر» فيما إذا شَربَ خَمرًا فصدَّعَ، ويُخالِفُه ما في «المُلتقَط»: لو كانَ النَّبيذُ غَيرَ شَديدٍ فصدَّعَ فذهَبَ عَقلُه بالصُّداعِ لا يَقعُ طلاقُه، وإنْ كانَ النَّبيذُ شَديدًا حرامًا فصَدَّعَ فذهَبَ عَقلُه يقَعُ طلاقُه. اه.
فقَدْ فرَّقَ بيْنَ ما إذا كانَ بطَريقٍ مُحرَّمٍ وغَيرِ مُحرَّمٍ كما تَرَى فتأمَّلْ.
قولُه: (أو بمُباحٍ) كما إذا سَكرَ مِنْ وَرقِ الرُّمانِ فإنَّهُ لا يَقعُ طَلاقُه ولا عِتاقُه.
ونقَلَ الإجماعَ على ذلكَ صاحِبُ «التَّهذِيب»، كذا في «الهِنديَّة» ط.
قلتُ: وكذا لو سَكرَ ببَنجٍ أو أفيُونٍ تَناولَه لا على وَجهِ المَعصيةِ بل للتَّداوِي كما مَرَّ، قَولُه (وفي القُهُستانِيِّ … إلخ) هذا مَبنيٌّ على تَعريفِ
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الثانية في أركان الطلاق
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ مِنَ النِّسَاءِ مِمَّنْ لَا يَقَعُ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ فَصْلَانِ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُقَيَّدَةِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب إباحة الطلاق ووجهه وتفريعه
(كِتَابُ الطَّلَاقِ)
(بَابُ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَوَجْهِهِ وَتَفْرِيَعِهِ
(مِنَ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمِنْ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَمِنْ جِمَاعِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذلك)
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} وَقَدْ قُرِئَتْ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ (قَالَ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} الطلاق: ١ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَهُوَ عَامُّ الْحُكْمِ فِيهِ وَفِي جَمِيعِ أُمَّتِهِ.
فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ.
فَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ طَلَّقَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَفْصَةَ فَأَتَتْ أَهْلَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فطلقوهن} فَقِيلَ لَهُ: رَاجِعْهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَهِيَ مِنْ أَزْوَاجِكَ فِي الْجَنَّةِ.
وقَوْله تَعَالَى: {لِعِدَّتِهِنَّ} أَيْ فِي طُهْرِهِنَّ إِذَا لَمْ يُجَامَعْنَ فِيهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَقْرَأُ فَطَلِّقُوهُنَ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَقَالَ تَعَالَى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} البقرة: ٢٢٩ وَفِي قَوْلِهِ {الطلاق مرتان} تَأْوِيلَانِ:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان حكم الطلاق
فَصْلٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ الطَّلَاقِ
فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الطَّلَاقِ فَحُكْمُ الطَّلَاقِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّلَاقِ مِنْ الرَّجْعِيِّ، وَالْبَائِنِ، وَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ، وَبَعْضُهَا مِنْ التَّوَابِعِ، أَمَّا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ فَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لَهُ هُوَ نُقْصَانُ الْعَدَدِ، فَأَمَّا زَوَالُ الْمِلْكِ، وَحِلُّ الْوَطْءِ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ أَصْلِيٍّ لَهُ لَازِمٍ حَتَّى لَا يَثْبُتَ لِلْحَالِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الثَّانِي بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا بَلْ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَانَتْ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ زَوَالُ حِلِّ الْوَطْءِ مِنْ أَحْكَامِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ، وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ.
وَأَمَّا زَوَالُ الْمِلْكِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمِلْكُ يَزُولُ فِي حَقِّ حِلِّ الْوَطْءِ لَا غَيْرُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَزُولُ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْوَطْءِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ.
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.