المسألة الخامسة: طلاق الأعجمي

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > المسألة الخامسة: طلاق الأعجمي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

المسألة الخامسة: طلاق الأعجمي - الأقوال والأدلة

اللَّخميُّ: أرَى إنْ قامَ دليلُ الهَزلِ لم يَلزمْهُ طلاقٌ.

وقالَ ابنُ القاسِمِ: مَنْ قالَ لامرَأتِهِ: «قَدْ وَلَّيْتُكِ أمْرَكِ إنْ شاءَ اللهُ» فقالَتْ: «فارَقْتُكَ إنْ شاءَ اللهُ» وهُمَا لاعبانِ لا يُريدانِ طلاقًا فلا شيءَ عَليهما.

وقالَ ابنُ القاسمِ في رَجلٍ قالَ لهُ رجلٌ: «أَطلَّقْتَ امرأتَكَ؟» قالَ: «نَعم كما طلَّقْتَ أنتَ امرأتَكَ»، فإذا بالآخَرِ قدْ طلَّقَ امرأتَهُ والآخَرُ لم يَعلمْ: لا شيءَ عليهِ؛ إذْ لم يُرِدْ طلاقًا، ويَحلِفُ أنَّهُ لم يَعلمْ بطلاقِ الآخَرِ، ولا يَحلفُ أنَّهُ كانَ لاعِبًا؛ لأنَّ اللَّاعِبَ يَلزمُه الطَّلاقُ (١).

وهو أيضًا رِوايةٌ للحَنابلةِ، فقدْ قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وقَد ألغَى طلاقَ الهازِلِ بَعضُ الفُقهاءِ، وهوَ إحدَى الرِّوايتَينِ عَنْ الإمامِ أحمَدَ، حَكاها أبو بكرٍ عَبدُ العَزيزِ وغَيرُه، وبهِ يَقولُ بعضُ أصحابِ مالكٍ إذا قامَ دَليلُ الهَزلِ، فلَم يَلزَمْه عِتقٌ ولا نِكاحٌ ولا طلاقٌ؛ ولا رَيبَ أنَّ الغَضبانَ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ طَلاقِه مِنْ هذا (٢).

المسألةُ الخامسةُ: طلاقُ الأعجَميِّ:

الأعجَميُّ إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ» فلا يَخلُو مِنْ ثلاثةِ أحوالٍ:

الحالَةُ الأُولَى: أنْ يَعرِفَ مَعناهُ، فيَلزمُه الطَّلاقُ، سواءٌ أرادَه أو لم يُرِدْه، كالعربيِّ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بيْنَ أهلِ العِلمِ.

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٤٢)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٦٥).
(٢) «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» ص (٤١).

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ الأعجَميَّ إذا طلَّقَ بلسانِهِ وأرادَ الطَّلاقَ أنَّ الطَّلاقَ لازِمٌ لهُ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: وقَولُه -أي البُخاريِّ-: طلاقُ كلِّ قَومٍ بلِسانِهم، فالعُلماءُ مُجمِعونَ أنَّ العَجَميَّ إذا طلَّقَ بلِسانِهِ وأرادَ الطَّلاقَ أنَّه يَلزمُه؛ لأنَّهُم وسائِرَ النَّاسِ في أحكامِ اللهِ سواءٌ (٢).

وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ رحمة الله عليه: مَنْ لُقِّنَ لفْظَ الطَّلاقِ بالعَجميَّةِ أو بالعَكسِ فأوقَعَهُ وهو لا يَعرفُ مَعناهُ فإنَّهُ لا يَلزمُه شيءٌ، لا في الفَتوَى ولا في القَضاءِ؛ لعَدمِ القَصدِ الَّذي هوَ رُكنٌ في الطَّلاقِ، فإنْ فَهِمَ فإنَّه يَلزمُه اتِّفاقًا (٣).

والحالَةُ الثَّانيةُ: أنْ لا يَعرِفَ مَعناهُ ولا يُريدَ مُوجَبَهُ عِنْدَ أهلِ العَربيَّةِ، فلا طلاقَ عَليهِ، ويَصيرُ ذلكَ مِنْ كَلامِه لَغوًا، كما لو تَكلَّمَ بكَلمةِ الكُفرِ وهوَ لا يَعرفُ مَعناه ولم يُرِدْ مُوجَبَهُ كما نصَّ على ذلكَ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ.

والحالةُ الثَّالثةُ: أنْ لا يَعرفَ مَعناهُ، ولكنَّهُ يُريدُ مُوجَبَهُ عندَ أهلِ العَربيَّةِ، أي نَوَى مُوجَبَ هذا اللَّفظِ الَّذي لا يَعرِفُ مَعناهُ، فاختَلفَ فيهِ أهلُ العِلمِ.

(١) «الإجماع» (٤٠٠).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٤١٦، ٤١٧).
(٣) «شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٣)، ويُنظر: «التاج والإكليل» (٣/ ٤٢)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٦٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٧)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٣٨).

فذهَبَ الشَّافعيةُ في أحَدِ الوَجهَينِ -وهَو الَّذي ذكَرَه أبو حامِدٍ الإسفرايينيُّ وحَكاه عنِ الشَّافعيةِ- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَلزمُه الطَّلاقُ حتَّى يَعرِفَ مَعنَى اللَّفظِ؛ لأنَّهُ مُوجِبٌ للطَّلاقِ، كما لا يَصيرُ كافِرًا إذا تَكلَّمَ بكَلمةِ الكُفرِ وأرادَ مُوجبَهُ بالعَربيَّةِ.

وفي «مُصنَّف وَكيعٍ»: أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ قَضَى في امرَأةٍ قالَتْ لزَوجِها: «سَمِّنِي» فَسمَّاها الطَّيِّبَة فقالَتْ: لا، فقالَ لها: «مَا تُريدينَ أنْ أُسميَكِ؟» قالَتْ: «سَمِّنِي خَليَّةَ طالقٍ»، فقالَ لها: «فأنتِ خَليَّةُ طالِقٍ»، فأتَتْ عُمرَ بنَ الخطَّابِ فقالَتْ: إنَّ زَوجِي طلَّقَنِي، فجاءَ زَوجُها فقَصَّ عليهِ القصَّةَ، فأوجَعَ عُمرُ رَأسَها وقالَ لزَوجهَا: خُذْ بيَدِها وأَوجِعْ رَأسَها»، قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وهذا هوَ الفِقهُ الحيِّ الَّذي يَدخلُ على القُلوبِ بغَيرِ استِئذانٍ، وإنْ تَلفَّظَ بصَريحِ الطَّلاقِ، وقَد تقدَّمَ أنَّ الَّذي قالَ لمَّا وجَدَ راحِلتَه: «اللَّهمَّ أنتَ عَبدِي وأنا رَبُّك، أخطَأَ مِنْ شدَّةِ الفَرحِ» لم يَكفُرْ بذلكَ وإنْ أتَى بصَريحِ الكُفرِ؛ لكَونِه لَم يُرِدْه (١).

واختارَ الإمامُ الماوَرْديُّ والحَنابلةُ في وَجهٍ أنَّهُ يقَعُ في هذهِ الحالَةِ؛ لأنَّه أتَى بالطَّلاقِ ناوِيًا مُقتضاهُ، فوقَعَ كما لو عَلِمَه.

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وعِندِي أنَّ الطَّلاقَ لازِمٌ لهُ؛ لأنَّهُ قد أرادَ مُوجَبَ اللَّفظِ وإنْ لم يَعرِفْ مَعناهُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ يَقعُ بمُجرَّدِ اللَّفظِ إذا كانَ المُتكلِّمُ

(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ٦٣).

بهِ مِنْ أهلِ الإرادةِ وإنْ لم يَكنْ لهُ فيهِ إرادةٌ؛ لأنَّهُ وإنْ لم يَعرفْ مَعناهُ فقدْ كانَ يَقدرُ على تَعرُّفِ مَعناهُ، ولأنَّنا لو أسقَطْنا عنهُ الطَّلاقَ لَسَوَّينا بيْنَ أنْ يُريدَ مُوجَبَه أو لا يُريدَ، وهُمَا لا يَستويانِ، وهكَذا العربيُّ إذا طلَّقَ بصَريحِ الأعجميَّةِ وهو لا يَعرفُ مَعناها كانَ على هذهِ الأقسامِ الثَّلاثةِ.

فلو أنَّ زَوجةَ الأعجَميِّ ادَّعَتْ عليهِ أنَّهُ يَعرِفُ معنَى الطَّلاقِ بالعربيَّةِ كانَ القَولُ فيهِ قولَ الزَّوجِ معَ يَمينِه، وكذلكَ زَوجةُ العَربيِّ لوِ ادَّعَتْ عَليهِ أنَّهُ يَعرفُ الطَّلاقَ بالأعجميَّةِ كانَ القَولُ قَولَه معَ يَمينِه (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فَصلٌ: فإنْ قالَ الأعجَميُّ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ» ولا يَفهمُ مَعناهُ لم تَطلُقْ؛ لأنَّهُ ليسَ بمُختارٍ للطَّلاقِ، فطلاقُهُ كالمُكرَهِ، فإنْ نَوَى مُوجَبَه عِنْدَ أهلِ العَربيَّةِ لم يَقَعْ أيضًا؛ لأنَّهُ لا يَصحُّ مِنهُ اختِيارُ ما لا يَعلمُه، ولذلكَ لو نطَقَ بكَلمةِ الكُفرِ مَنْ لا يَعلمُ مَعناها لم يَكفُرْ.

ويَحتمِلُ أنْ تَطلُقَ إذا نَوَى مُوجَبَها؛ لأنَّهُ لفَظَ بالطَّلاقِ ناوِيًا مُوجَبَه، فأشبَهَ العربيَّ، وكذلكَ الحُكمُ إذا قالَ العَربيُّ: «بهشتم» وهوَ لا يَعلَمُ مَعناها (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٢٧)، و «المهذب» (٢/ ٧٨)، و «البيان» (١٠/ ٧٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «الكافي» (٣/ ١٦٦)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٥٤)، و «المبدع» (٧/ ٢٧٥)، و «الإنصاف» (٨/ ٤٧٥، ٤٧٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٨٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٨٩).

أمَّا الحنفيَّةُ فقالَ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: وأفادَ بعَدمِ تَوقُّفِه على النِّيةِ أنَّهُ لا يُشترطُ العِلمُ بمَعناهُ، فلو لَقَّنتْه لفْظَ الطَّلاقِ فتَلفَّظَ بهِ غَيرَ عالِمٍ بمَعناهُ وقَعَ قَضاءً لا دِيانةً، وقالَ مَشايخُ أُوزْجَنْدَ: لا يَقعُ أصلًا؛ صِيانَةً لأملاكِ النَّاسِ عنِ الضَّياعِ بالتَّلبيسِ، كما في «البَدائِع» (١).

وقالَ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: لَو لَقَّنتْهُ لفْظَ الطَّلاقِ فتَلفَّظَ بهِ غَيرَ عالِمٍ بمَعناهُ فلا يقَعُ أصلًا على ما أفتَى بهِ مَشايخِ أُوزْجَنْدَ صِيانةً عَنْ التَّلبيسِ وغَيرُهِم مِنَ الوُقوعِ قَضاءً فقَطْ (٢).

وقالَ الإمامَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الطَّلاقُ بالفارسيَّةِ فقَدْ رُويَ عَنْ أبيِ حَنيفةَ رضي الله عنه أنهُ قالَ في فارِسيٍّ قالَ لامرأتِهِ: «بهشتم إن زن، أو قالَ: إن زن بهشتم، أو قالَ: بهشتم»، لا يكونُ ذلكَ طلاقًا إلَّا أنْ يَنويَ بهِ الطَّلاقَ؛ لأنَّ مَعنَى هذا اللَّفظِ بالعَربيَّةِ خَلَّيْتُ، وقَولُهُ: «خَلَّيتُ» مِنْ كِناياتِ الطَّلاقِ بالعربيَّةِ، فكذا هذا اللَّفظُ، إلَّا أنَّ أبا حَنيفةَ فرَّقَ بيْنَ اللَّفظَينِ مِنْ وَجهَينِ:

أحدُهُما: أنَّهُ قالَ: إذا نَوَى الطَّلاقَ بقَولِهِ: «خَلَّيتُ» يَقَعُ بائِنًا، وإذا نَوى الطَّلاقَ بهذه اللَّفظةِ يقَعُ رَجعيًّا؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ يَحتملُ أنْ يكونَ صَريحًا في لُغتِهِم، ويَحتملُ أنْ يكونَ كِنايةً، فلا تَثبتُ البَينونةُ بالشَّكِّ.

والثَّانِي: قالَ: إنَّ قولَه: «خَلَّيتُ» في حالِ الغضَبِ وفي حالِ مُذاكَرةِ

(١) «البحر الرائق» (٣/ ٢٧٧).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٥٠).

الطَّلاقِ يَكونُ طلاقًا، حتَّى لا يُدَيَّنُ في قَولِه إنَّه مَا أرادَ بهِ الطَّلاقَ، وهذا اللَّفظُ في هاتَينِ الحالَتينِ لا يكونُ طلاقًا، حتَّى لَو قالَ: «ما أردتُ بهِ الطَّلاقَ» يُدَيَّنُ في القَضاءِ؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ أُقيمَ مَقامَ التَّخليةِ، فكانَ أضعَفَ مِنَ التَّخليةِ، فلا تَعمَلُ فيهِ دَلالةُ الحالِ، ولم يُفرَّقْ بَينَهما فيما سِوى ذلكَ، حتَّى قالَ: إنْ نَوى بائِنًا يَكونُ بِائنًا، وإنْ نوَى ثلاثًا يكونُ ثلاثًا، كما لو قالَ: «خَلَّيتُ» ونَوى البائِنَ أو الثَّلاثَ، ولو نوَى اثنتَينِ يكونُ واحدةً، كما في قَولِه: «خَلَّيتُ»، إلَّا أنَّ هَهُنا يَكونُ واحدةً يَملكُ الرَّجعةَ، بخِلافِ لَفظةِ التَّخليَةِ؛ لِمَا بَيَّنا.

وقالَ أبو يُوسفَ: إذا قالَ: «بهشتم إن زن، أو قالَ: إن زن بهشتم» فهيَ طالقٌ، نَوَى الطَّلاقَ أو لم يَنوِ، وتكونُ تَطليقةً رَجعيَّةً؛ لأنَّ أبا يُوسفَ خالَطَ العَجَمَ ودَخلَ جُرْجَانَ فعَرَفَ أنَّ هذا اللَّفظَ في لُغتِهِم صَريحٌ، قالَ: وإنْ قالَ:» بهشتم» ولَم يَقُلْ: «إن زن»؛ فإنْ قالَ ذلكَ في حالِ سُؤالِ الطَّلاقِ أو في حالِ الغضَبِ فهي واحدةٌ يَملكُ الرَّجعةَ، ولا يُدَيَّنُ أنَّه ما أرادَ بهِ الطَّلاقَ في القَضاءِ، وإنْ قالَ في غَيرِ حالِ الغَضبِ ومُذاكرةِ الطَّلاقِ يُدَيَّنُ في القَضاءِ؛ لأنَّ مَعنَى قَولِهم بهشتم: خَلَّيْتُ، وليسَ في قولِه: «خَلَّيتُ» إضافةٌ إلى النِّكاحِ ولا إلى الزَّوجةِ، فلا يُحملُ على الطَّلاقِ إلَّا بقَرينةِ نيَّةٍ أو بدَلالةِ حالٍ، وحالُ الغَضبِ ومُذاكرةِ الطَّلاقِ دَليلُ إرادةِ الطَّلاقِ ظاهِرًا، فلا يُصدَّقُ في الصَّرفِ عنِ الظَّاهرِ، قالَ: وإنْ نَوَى بائنًا فبائنٌ، وإنْ نوَى ثلاثًا فثَلاثٌ؛ لأنَّ

هذا اللَّفظَ وإنْ كانَ صَريحًا في الفارسيَّةِ فمَعناهُ التَّخليَةُ في العربيَّةِ، فكانَ مُحتمِلًا للبَينونةِ والثَّلاثِ كلَفظةِ التَّخليَةِ، فجازَ أنْ يُحملَ عَليهِ بالنِّيةِ.

وقالَ مُحمدٌ في قولَهِ «بهشتم إن زن، أو: إن زن بهشتم»: إنَّ هذا صَريحُ الطَّلاقِ، كما قالَ أبو يُوسفَ، وقالَ في قَولهِ «بهشتم»: إنَّهُ إنْ كانَ في حالِ مُذاكَرةِ الطَّلاقِ فكذلكَ، ولا يُدَيَّنُ أنَّهُ ما أرادَ بهِ الطَّلاقَ، وإنْ لَم يكنْ في حالِ مُذاكرَةِ الطَّلاقِ يُدَيَّنُ، سواءٌ كانَ في حالِ الغضَبِ أو الرِّضَا؛ لأنَّ معنَى هذا اللَّفظِ بالعربيَّةِ: «أنتِ مُخلَّاةٌ، أو قد خَلَّيتُكِ».

وقالَ زُفَرُ: إذا قالَ: «بهشتم» ونَوَى الطَّلاقَ بائنًا أو غَيرَ بائنٍ فهو بائنٌ، وإنْ نَوى ثلاثًا فثَلاثٌ، وإنْ نوَى اثنتَينِ فاثنَتانِ، وأجرَى هذهِ اللَّفظةَ مَجرَى قَولِه: «خَلَّيتُ»، ولَو قالَ: «خَلَّيتُكِ» ونَوَى الطَّلاقَ فهي واحدةٌ بائنةٌ، نوَى البَينونةَ أو لم يَنوِ، وإنْ نوَى ثلاثًا يكونُ ثلاثًا، وإنْ نَوى اثنتَينِ يَكونُ اثنتَين على أصلِه، فكذا هذا، هذا ما نُقِلَ عَنْ أصحابِنا في الطَّلاقِ بالفارسيَّةِ.

والأصلُ الَّذي عليهِ الفَتوى في زَمانِنا هذا في الطَّلاقِ بالفارِسيَّةِ أنَّه إنْ كانَ فيها لَفظٌ لا يُستعملُ إلَّا في الطَّلاقِ فذلكَ اللَّفظُ صَريحٌ يقَعُ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ إذا أُضيفَ إلى المرأةِ، مثلَ أنْ يَقولَ في عُرفِ دِيارِنا: «دها كنم»، أو في عُرفِ خُراسانَ والعراقِ: «بهشتم»؛ لأنَّ الصَّريحَ لا يَختلفُ باختِلافِ اللُّغاتِ، وما كانَ في الفَارسيَّةِ مِنَ الألفاظِ ما يُستعملُ في الطَّلاقِ وفي غَيرِهِ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل طلاق السنة]

وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ، فَلَا عُهْدَةَ.

(فَصْلٌ) .

طَلَاقُ السُّنَّةِ: وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ

ــ

منح الجليل

الْمُدَّعِيَةُ، فَعَلَيْهَا الْبَيَانُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهِمَا.

(وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُخَالَعِ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْخُلْعِ (فَلَا عُهْدَةَ) أَيْ ضَمَانَ عَلَيْهَا وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَائِبًا عَلَى الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ يَمُوتُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ بَائِعِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ ضَمَانُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ الْمُخَالَعُ بِهِ فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْخُلْعِ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ آبِقًا وَبَانَتْ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ

(فَصْلٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) .

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب تصريح الطلاق وغيره

بابُ تصْريحِ الطَّلاقِ وغيره

وجملةُ ذلك أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلا بلَفْظٍ، فلو نَوَاهُ بقَلْبِه مِن غيرِ لفظٍ، لم يَقَعْ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيْدٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ويحيى بنُ أبى كَثِيرٍ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ أيضًا عن القاسِمِ، وسالِمٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ. وقال الزُّهرِىُّ: إذا عزَمَ على ذلك طَلُقَتْ. وقال ابنُ سِيرينَ، فى من طَلَّقَ فى نفسِه: أليس قد عَلِمَه اللَّهُ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ" . رَوَاه النَّسائىُّ، والتِّرمذىُّ . وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّه تَصرُّف يُزيلُ المِلكَ، فلم يَحْصُلْ بالنِّيَّةِ كالبيعِ والهِبَةِ. وإن نَواهُ بقلبه، وأشارَ بأصابعِه، لم يَقعْ أيضًا؛ لما ذكَرْناه. إذا ثَبَتَ أنَّه يُعتبرُ فيه اللَّفظُ، فاللَّفظُ يَنْقسِمُ فيه إلى صريحٍ وكنايةٍ، فالصَّريحُ يقَعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، والكنايةُ لا يَقعُ بها الطَّلاقُ حتى يَنْوِيَه، أو يَأْتِىَ بما يَقومُ مقامَ نِيَّتِه.

١٢٥٧ - مسألة؛ قال: (وإِذَا قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُكِ، أَوْ قَدْ فَارَقْتُكِ، أَوْ قَدْ سَرَّحْتُكِ. لَزِمَهَا الطَّلَاقُ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان حكم الطلاق

فَصْلٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ الطَّلَاقِ

فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الطَّلَاقِ فَحُكْمُ الطَّلَاقِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّلَاقِ مِنْ الرَّجْعِيِّ، وَالْبَائِنِ، وَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ، وَبَعْضُهَا مِنْ التَّوَابِعِ، أَمَّا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ فَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لَهُ هُوَ نُقْصَانُ الْعَدَدِ، فَأَمَّا زَوَالُ الْمِلْكِ، وَحِلُّ الْوَطْءِ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ أَصْلِيٍّ لَهُ لَازِمٍ حَتَّى لَا يَثْبُتَ لِلْحَالِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الثَّانِي بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا بَلْ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَانَتْ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ زَوَالُ حِلِّ الْوَطْءِ مِنْ أَحْكَامِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ، وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ.

وَأَمَّا زَوَالُ الْمِلْكِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمِلْكُ يَزُولُ فِي حَقِّ حِلِّ الْوَطْءِ لَا غَيْرُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَزُولُ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْوَطْءِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 239 - 245

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله