المسألة الخامسة عشر: طلاق الناسي

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > المسألة الخامسة عشر: طلاق الناسي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

المسألة الخامسة عشر: طلاق الناسي - الأقوال والأدلة

المسألةُ الخامسَةَ عشَرَ: طلاقُ النَّاسِي:

تَكلَّمَ الفُقهاءُ في طلاقِ النَّاسِي، وهوَ لا يَخلُو مِنْ ثلاثِ صُوَرٍ:

الصُّورةُ الأُولَى: إذا طلَّقَ الرَّجلُ زَوجتَهُ وهوَ ناسٍ أنَّه تَزوَّجَها، أو طلَّق امرأةً بعَينِها ناسِيًا أنَّها زَوجتَهُ:

نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرَأةٍ مَثلًا -وهوَ يقَعُ كَثيرًا فيمَن يَعقِدُ عَليها ولم يَدخُلْ بها- ثمَّ طلَّقَها وهوَ ناسٍ أنَّها زَوجتَهُ ويَظنُّ أنَّها

= وأبلَغُ مِنْ هذا الصَّبيُّ المُراهِقُ للبُلوغُ؛ إذْ هوَ مِنْ أهلِ الإرادةِ والقصدِ الصَّحيحِ، ثمَّ لم يَترتَّبْ على كلامِهِ أثَرُه، وكذلكَ مَنْ سبَقَ لسانُه بالطَّلاقِ ولم يُرِدْه فإنهُ لا يَقعُ طلاقُه، وقد أتَى باللَّفظِ في حالِ «الاختيار» غيرَ مُكرَهٍ، ولكنْ لم يَقصدْهُ، والغَضبانُ وإنْ قَصدَه فلا حُكمَ لقَصدِه في حالِ الغَضبِ؛ لمَا تَقدَّمَ مِنْ الأدلَّةِ الدَّالَّةِ على ذلكَ.
وقَد صرَّحُ أصحابُنا: مَنْ كانَ جُنونُه لنَشافٍ أو بَرسامٍ لا يَقعُ طلاقُه، ويَسقُطُ حُكمُ تَصرُّفِه، وإنْ كانَتْ مَعرفتُه غَيرَ ذاهِبةٍ بالكُليةِ، ولا يَضرُّه أنْ يَذكُرَ الطَّلاقَ وأنه أوقَعَه.
وما ذَكرْناهُ مِنْ دُعاءِ النَّبيِّ ربَّهُ أنْ يَجعلَ سَبَّهُ لمَن سَبَّهُ في حالِ غَضبِه صَريحٌ في أنَّه غَيرُ مُريدٍ لهُ؛ إذْ لو أرادَهُ واختارَه لم يَسألْ ربَّه أنْ يَفعلَ بالمَدعوِّ عليهِ ضدَّ ما دعا بهِ عليهِ؛ إذْ لا يُتصوَّرُ إرادةُ ضِدَّينِ في حالةٍ واحِدةٍ، وهذا وحْدَه كافٍ في المَسألةِ.
فهذا ما ظهَرَ في هذِه المَسألةِ بعْدَ طُولِ التأمُّلِ والفِكرِ، ونَحنُ مِنْ وَراءِ القَبولِ والشُّكرِ لمَن رَدَّ ذلكَ بحُجَّةٍ يَجبُ المَصيرُ إليها، ومِن وَراءِ الرَّدِّ على مَنْ رَدَّ ذلكَ بالهَوى والعِنادِ، واللهُ المُستعانُ، وعليهِ التُّكلانُ، وصلَّى اللهُ على سيِّدِ المُرسَلِينَ وخاتمِ النَّبيِّينَ، وعلى آلِهِ وأصحابِه وعِتْرَتِه وأنصارِهِ، صلاةً دائِمةً بدَوامِ مُلكِ اللهِ ﷿.
إلى هُنا انتَهى كلامُ الإمامِ ابنِ القيِّمِ وانتهَتْ رِسالتُه الماتِعةُ، وإنَّما ذكَرْتُها ولم أحذِفْ مِنها إلَّا الشَّيءَ اليَسيرَ؛ لعِظَمِ نَفعِها؛ إذْ هي لُبُّ بابِ الطَّلاقِ، فعامَّةُ الطَّلاقِ الَّذي يقَعُ بيْنَ المُسلمِينَ اليومَ يَكونُ في حالةِ الغَضبِ الَّتي أفرَدَها الإمامُ في رِسالتِه.

خَطيبَتُه فقَطْ أو لسَببٍ آخرَ، فإنَّ الفُقهاءَ نَصُّوا في هذهِ الحالةِ أنَّه إذا طلَّقَها أنَّ طَلاقَه يَلزمُه.

قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: الخَطأُ: هو ما أرادَ الرَّجلُ غيْرَه ففعَلَهُ لا عَنْ قَصدٍ مِنهُ إليهِ ولا إرادةٍ منهُ إيَّاهُ، وكانَ السَّهوُ ما قصَدَ إليهِ ففعَلَه على القَصدِ منهُ إليهِ على أنَّهُ سَاهٍ عَنِ المَعنى الَّذي يَمنَعُه مِنْ ذلكَ الفِعلِ، وكانَ الرَّجلُ إذا نَسِيَ أنْ تكونَ هذهِ المَرأةُ لهُ زَوجةً فقصَدَ إليها فطَلَّقَها فكُلٌّ قد أجمَعَ أنَّ طلاقَهُ عامِلٌ، ولَم يُبطِلُوا ذلكَ لسَهوِه، ولَم يَدخُلْ ذلكَ السَّهوُ في السَّهوِ المَعفوِّ عنهُ (١).

ويُسمَّى أيضًا طلاقَ الظَّانِّ، قالَ الإمامُ السُّغْدِيُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: طلاقَ الظَّانِّ طلاقٌ، وهو أنَّ الرَّجلَ يَرَى امرأتَهُ فيَظنُّها أجنبيَّةً فيَقولُ لها: «أنتِ طالِقٌ» … أو نَسِيَ نِكاحَها فقالَ بعْدَ ذلكَ: «كلُّ امرَأةٍ لهُ طالِقٌ» فإنَّها لا تَطلُقُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٢).

لكنْ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ هذهِ الصُّورةَ يَجرِي فيها الخِلافُ الآتي ذِكرُه وإنْ لم أَجِدْه مَنصوصًا للفُقهاءِ.

وقد قالَ شَيخُ الإسلامُ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: لو لَقِيَ امرَأةً ظَنَّها أجنبيَّةً فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» فتَبيَّنَ أنَّها امرَأتُه فإنَّها لا تَطلُقُ على الصَّحيحِ؛ إذِ

(١) «شرح معاني الآثار» (٣/ ٩٥).
(٢) «فتاوى السغدي» (١/ ٣٥٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل طلاق السنة]

وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ، فَلَا عُهْدَةَ.

(فَصْلٌ) .

طَلَاقُ السُّنَّةِ: وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ

ــ

منح الجليل

الْمُدَّعِيَةُ، فَعَلَيْهَا الْبَيَانُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهِمَا.

(وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُخَالَعِ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْخُلْعِ (فَلَا عُهْدَةَ) أَيْ ضَمَانَ عَلَيْهَا وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَائِبًا عَلَى الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ يَمُوتُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ بَائِعِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ ضَمَانُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ الْمُخَالَعُ بِهِ فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْخُلْعِ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ آبِقًا وَبَانَتْ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ

(فَصْلٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) .

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب الطلاق بالحساب والاستثناء من الجامع من كتابين)

(باب الطلاق بالحساب والاستثناء من الجامع من كتابين)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ فَإِنْ نَوَى مَقْرُونَةً بِاثْنَتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى الْحِسَابَ فَهِيَ اثْنَتَانِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَوَاحِدَةٌ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ، فَقَدْ قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ حَالَهُ فِيهِ ثلاثة أقسام:

أحدهما: أَنْ يُرِيدَ وَاحِدَةً مَعَ اثْنَتَيْنِ، فَتُطَلَّقَ ثَلَاثًا لِأَنَّ (فِي) قَدْ تَقُومُ مَقَامَ مَعَ، لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} الأنبياء: ٧٧ . أَيْ عَلَى الْقَوْمِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ الْحِسَابَ وَهُوَ مَضْرُوبُ وَاحِدَةٍ فِي اثْنَتَيْنِ، فَتُطَلَّقَ اثْنَتَيْنِ، لِأَنَّهُمَا مَضْرُوبُ الْوَاحِدَةِ فِيهِمَا.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان انتقال العدة

الْأَوَّلِ وَلَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ الثَّانِي، وَنِكَاحُ الزَّوْجِ الثَّانِي جَائِزٌ؛ لِأَنَّ إقْدَامَهَا عَلَى التَّزَوُّجِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَحْتَمِلُ الِانْقِضَاءَ، فِي مِثْلِهَا دَلِيلُ الِانْقِضَاءِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ انْتِقَالِ الْعِدَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ انْتِقَالِ الْعِدَّةِ، وَتَغَيُّرِهَا، أَمَّا انْتِقَالُ الْعِدَّةِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: انْتِقَالُهَا مِنْ الْأَشْهُرِ إلَى الْأَقْرَاءِ، وَالثَّانِي: انْتِقَالُهَا مِنْ الْأَقْرَاءِ إلَى الْأَشْهُرِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَحْوُ الصَّغِيرَةِ اعْتَدَّتْ بِبَعْضِ الْأَشْهُرِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا مِنْ الْأَشْهُرِ إلَى الْأَقْرَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ بَدَلٌ عَنْ الْأَقْرَاءِ وَقَدْ تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُبْدَلِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ يُبْطِلُ حُكْمَ الْبَدَلِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْوُضُوءِ فِي حَقِّ الْمُتَيَمِّمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيُبْطِلُ حُكْمَ الْأَشْهُرِ فَانْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إلَى الْحَيْضِ، وَكَذَا الْآيِسَةُ إذَا اعْتَدَّتْ بِبَعْضِ الْأَشْهُرِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا إلَى الْحَيْضِ، كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ.

وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ يُقَدِّرُوا لِلْإِيَاسِ تَقْدِيرًا بَلْ هُوَ غَالِبٌ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّهَا آيِسَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا رَأَتْ الدَّمَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ آيِسَةً، وَأَنَّهَا أَخْطَأَتْ فِي الظَّنِّ، فَلَا يُعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ فِي حَقِّهَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا بَدَلٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 350 - 351

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد