حكم الاستثناء في الطلاق

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > حكم الاستثناء في الطلاق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

حكم الاستثناء في الطلاق - الأقوال والأدلة

واحِدةً، أو حَاشَى واحِدةً، أو عَدَا واحِدةً» صحَّ استِثناؤُه بهذهِ الألفاظِ كُلِّها، وطُلِّقتِ اثنتَينِ (١).

ثمَّ الاستِثناءُ على ضَربَينِ:

ضَربٌ يَرفعُ العدَدَ لا أصْلَ الطلاقِ، كالاستِثناءِ ب «إلَّا» أو إحِدَى أخَواتِها.

وضَربٌ يَرفعُ أصْلَ الطلاقِ كالتَّعليقِ بالمَشيئةِ، وهَذا يُسمَّى استِثناءً شَرعيًّا؛ لاشتِهارِه في عُرفِ الشَّرعِ، قالَ بَعضُ المُحقِّقينَ: وسُمِّيتْ كَلمةُ المَشيئةِ استِثناءً؛ لصَرفِها الكَلامَ عن الجَزاءِ والثُّبوتِ حَالًا مِنْ حَيثُ التعليقِ بما لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ (٢).

حُكمُ الاستِثناءِ في الطَّلاقِ:

نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على صحَّةِ الاستِثناءِ في الطلاقِ؛ لأنه لُغةُ العرَبِ ونزَلَ بهِ القُرآنُ، كقَولِ اللهِ تعالَى على لِسانِ الخَليلِ عليه السلام: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] وقَولِهِ تعالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٥٢).
(٢) «التاج والإكليل» (٣/ ٧٧، ٧٨)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٥٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٣٥٧، ٣٥٩)، و «المهذب» (٢/ ٨٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٨٧)،.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا استَثنَى بلِسانِه صَحَّ ولم يقَعْ ما استَثناهُ، وهو قَولُ جَماعةِ أهلِ العِلمِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ ثَلاثًا إلا واحِدةً» أنها تَطلُقُ طَلقَتينِ، مِنهمُ الثَّوريُّ والشافعيُّ وأصحابُ الرأيِ.

وحُكِيَ عن أبي بَكرٍ أنَّ الاستِثناءَ لا يُؤثِّرُ في عَددِ الطَّلقاتِ ويَجوزُ في المُطلَّقاتِ، فلو قالَ: «أنتِ طالقٌ ثَلاثًا إلا واحِدةً» وقَعَ الثلاثُ، ولو قالَ: «نِسائِي طَوالِقُ إلا فُلانةَ» لم تَطلُقْ؛ لأنَّ الطلاقَ لا يُمكِنُ رَفعُه بعدَ إيقاعِه، والاستِثناءُ يَرفعُه لو صَحَّ، وما ذكَرَه مِنْ التعليلِ باطِلٌ بما سلَّمَه مِنْ الاستِثناءِ في المُطلَّقاتِ، وليسَ الاستِثناءُ رَفعًا لِمَا وقَعَ؛ إذْ لو كانَ كذلكَ لَمَا صَحَّ في المُطلَّقاتِ ولا الإعتِاقِ ولا في الإقرارِ ولا الإخبارِ، وإنَّما هو مُبيِّنٌ أنَّ المُستثنَى غيرُ مُرادٍ بالكَلامِ، فهو يَمنعُ أنْ يَدخلَ فيهِ ما لولاه لَدخَلَ، فقَولُه تعالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] عِبارةٌ عن تسعِمائةٍ وخَمسِينَ، وقَولُه تعالَى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] تبَرُّؤٌ مِنْ غيرِ اللهِ.

فكذلكَ قولُه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحدةً» عِبارةٌ عنِ اثنتَينِ لا غيرَ، وحَرفُ الاستِثناءِ المُستولَى عليه «إلَّا»، ويُشبَّهُ به أسماءٌ وأفعالٌ وحُروفٌ، فالأسمَاءُ «غيرُ» و «سِوَى»، والأفعالُ «ليسَ» و «لا يَكونُ» و «عَدَا»، والحُروفُ «حاشَا» و «خَلا»، فبِأيِّ كَلمةٍ استَثنَى بها صَحَّ الاستِثناءُ (١).

(١) «المغني» (٧/ ٣٢١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب الطلاق بالحساب والاستثناء من الجامع من كتابين)

(باب الطلاق بالحساب والاستثناء من الجامع من كتابين)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ فَإِنْ نَوَى مَقْرُونَةً بِاثْنَتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى الْحِسَابَ فَهِيَ اثْنَتَانِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَوَاحِدَةٌ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ، فَقَدْ قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ حَالَهُ فِيهِ ثلاثة أقسام:

أحدهما: أَنْ يُرِيدَ وَاحِدَةً مَعَ اثْنَتَيْنِ، فَتُطَلَّقَ ثَلَاثًا لِأَنَّ (فِي) قَدْ تَقُومُ مَقَامَ مَعَ، لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} الأنبياء: ٧٧ . أَيْ عَلَى الْقَوْمِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ الْحِسَابَ وَهُوَ مَضْرُوبُ وَاحِدَةٍ فِي اثْنَتَيْنِ، فَتُطَلَّقَ اثْنَتَيْنِ، لِأَنَّهُمَا مَضْرُوبُ الْوَاحِدَةِ فِيهِمَا.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل طلاق السنة]

وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ، فَلَا عُهْدَةَ.

(فَصْلٌ) .

طَلَاقُ السُّنَّةِ: وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ

ــ

منح الجليل

الْمُدَّعِيَةُ، فَعَلَيْهَا الْبَيَانُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهِمَا.

(وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُخَالَعِ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْخُلْعِ (فَلَا عُهْدَةَ) أَيْ ضَمَانَ عَلَيْهَا وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَائِبًا عَلَى الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ يَمُوتُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ بَائِعِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ ضَمَانُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ الْمُخَالَعُ بِهِ فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْخُلْعِ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ آبِقًا وَبَانَتْ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ

(فَصْلٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) .

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب تصريح الطلاق وغيره

بابُ تصْريحِ الطَّلاقِ وغيره

وجملةُ ذلك أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلا بلَفْظٍ، فلو نَوَاهُ بقَلْبِه مِن غيرِ لفظٍ، لم يَقَعْ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيْدٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ويحيى بنُ أبى كَثِيرٍ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ أيضًا عن القاسِمِ، وسالِمٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ. وقال الزُّهرِىُّ: إذا عزَمَ على ذلك طَلُقَتْ. وقال ابنُ سِيرينَ، فى من طَلَّقَ فى نفسِه: أليس قد عَلِمَه اللَّهُ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ" . رَوَاه النَّسائىُّ، والتِّرمذىُّ . وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّه تَصرُّف يُزيلُ المِلكَ، فلم يَحْصُلْ بالنِّيَّةِ كالبيعِ والهِبَةِ. وإن نَواهُ بقلبه، وأشارَ بأصابعِه، لم يَقعْ أيضًا؛ لما ذكَرْناه. إذا ثَبَتَ أنَّه يُعتبرُ فيه اللَّفظُ، فاللَّفظُ يَنْقسِمُ فيه إلى صريحٍ وكنايةٍ، فالصَّريحُ يقَعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، والكنايةُ لا يَقعُ بها الطَّلاقُ حتى يَنْوِيَه، أو يَأْتِىَ بما يَقومُ مقامَ نِيَّتِه.

١٢٥٧ - مسألة؛ قال: (وإِذَا قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُكِ، أَوْ قَدْ فَارَقْتُكِ، أَوْ قَدْ سَرَّحْتُكِ. لَزِمَهَا الطَّلَاقُ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 84 - 85

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل