الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > حكم الحلف بالطلاق وتعليق الطلاق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةالأمرِ، وتَعليقُ المَحبوبِ للنَّفسِ على ذلكَ يُفيدُ الحمْلَ عليهِ فكانَ يَمينًا.
وفي قَولٍ للحنفيَّةِ أنَّ التَّعليقَ يَمينٌ في اللُّغةِ، وفي الاصطِلاحِ حَقيقةٌ، فاليَمينُ يقَعُ على الحَلِفِ باللهِ تعالَى وعلى التَّعليقِ.
وإذا كانَ الطَّلاقُ مُعلَّقًا لا على فِعلِ أحَدٍ كما إذا قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ إنْ طَلعَتِ الشَّمسُ» فهذا يكونُ تَعليقًا وليسَ يَمينًا؛ لانتِفاءِ معنَى اليَمينِ فيهِ، وإنْ كانَ في الحُكمِ مِثلَ اليَمينِ، ويُطلَقُ عليهِ يَمينٌ أيضًا عندَ بعضِ الفُقهاءِ (١).
فكمَا قُلنا: إنَّ الطَّلاقَ المُعلَّقَ يَمينٌ عِنْدَ الجُمهُورِ، وعليهِ يُحلَفُ بالطَّلاقِ، وحَقيقةُ الحَلِفِ بالطَّلاقِ هو تَعليقُ الطَّلاقِ.
حكمُ الحلِفِ بالطَّلاقِ وتَعليقِ الطَّلاقِ:
الحَلِفُ بالشَّيءِ حَقيقةً: هوَ القَسَمُ بهِ وإدخالُ بَعضِ حُروفِ القسَمِ عليهِ، كقَولِه: واللهِ والرَّحمنِ، وقد يُطلَقُ على التَّعليقِ بالشَّيءِ يَمينٌ، كما يَقولُ الفُقهاءُ: إذا حلَفَ بالطَّلاقِ على كذا، ومُرادُهم تَعليقُ الطَّلاقِ بهِ، وهذا مَجازٌ، وكأنَّ سَببَه مُشابَهةُ هذا التَّعليقِ باليَمينِ في اقتِضاءِ الحَثِّ أو المَنْعِ (٢). وقد تَقدَّمَ بَيانُ هذا.
والمَقصودُ بالحَلِفِ بالطَّلاقِ عِنْدَ جَماهِيرِ الفُقهاءِ: تَعليقُ الطَّلاقِ على
(١) «درر الحكام» (٤/ ٢٧٨) و (٥/ ١٦٣)، و «البحر الرائق» (٤/ ٢)، و «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٣/ ٣٤١).
(٢) «إحكام الأحكام» (٤/ ١٤٩)، و «فتح الباري» (١١/ ٥٣٨).
نَحوٍ يُفيدُ المَنعَ مِنْ الفِعلِ أو الحمْلَ عليهِ أو يَبعَثُ على التَّصديقِ، فإنْ كانَ التَّعليقُ لا يُفيدُ شيئًا ممَّا ذُكِرَ -كأنْ يكونَ التَّعليقُ على أمرٍ غَيرِ اختياريٍّ نَحوُ: «إنْ طَلعَتِ الشَّمسُ فأنتِ طالِقٌ» - لا يُعَدُّ التَّعليقُ حِينئذٍ يَمينًا بالطَّلاقِ؛ بل يُقالُ له: «الطَّلاقُ بصَفةٍ».
فالطَّلاقُ بصِفةٍ: أنْ يُعلِّقَ طلاقَها بشَرطٍ لا تَقدِرُ على دَفْعِه، كأنْ يقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ إذا طَلعَتِ الشَّمسُ، أو إذا دخَلَ أوَّلُ الشَّهرِ، أو جاءَ المَطرُ، أو قَدِمَ الحاجُّ، أو حِضْتِ، أو إنْ وَلَدْتِ، أو إنْ شِئت».
وأمَّا اليَمينُ بالطَّلاقِ: فما قُصِدَ بها المَنعُ مِنْ فِعلٍ، أو الحَثُّ على فِعلٍ، أو التَّصديقُ على فِعلٍ، على الشَّكلِ التَّالي:
فما قصَدَ بها المَنعَ مِنْ فِعلٍ كَقولِه: «إنْ دخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ».
وما قصَدَ بها الحَثَّ على فِعلٍ كقَولِه: «إنْ لم تَدخُلِي الدَّارَ فأنتِ طالقٌ».
وما قصَدَ بها التَّصديقَ على فِعلٍ كقَولِه: «إنْ لم أَكُنْ دَخلْتُ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ»، وهذا كُلُّه حَلِفٌ بالطَّلاقِ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: اختَلفَ أصحابُنا في الحَلِفِ بالطَّلاقِ، فقالَ القاضي في «الجامِع» وأبو الخَطَّابِ: هو تَعليقُه على شَرطٍ أيَّ شَرطٍ كانَ إلَّا قولَه: «إذا شِئتِ فأنتِ طالِقٌ» ونحوه، فإنهُ تَمليكٌ، و «إذا حِضتِ فأنتِ طالِقٌ»، فإنهُ طلاقُ بِدعةٍ، و «إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالِقٌ»، فإنهُ طلاقُ سُنَّةٍ، وهذا
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢١٧، ٢١٨).
قولُ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ ذلكَ يُسمَّى حَلِفًا عُرفًا فيَتعلَّقُ الحُكمُ به، كما لو قالَ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ»، ولأنَّ في الشَّرطِ مَعنَى القسَمِ مِنْ حَيثُ كَونِه جُملةً غيْرَ مُستقلَّةٍ دُونَ الجَوابِ، فأشبَهَ قَولَه: واللهِ وبِاللهِ وتَاللهِ.
وقالَ القاضي في «المُجرَّد»: هو تَعليقُه على شَرطٍ يَقصِدُ بهِ الحَثَّ على الفِعلِ أو المَنعَ مِنهُ، كقَولِه: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ، وإنْ لَم تَدخُلي فأنتِ طالِقٌ» أو على تَصديقِ خَبَرِه مِثلَ قَولِه: «أنتِ طالِقٌ لقُدومِ زَيدٌ، أو لَم يَقدُمْ»، فأمَّا التَّعليقُ على غَيرِ ذلكَ كقَولهِ: «أنتِ طالِقٌ إنْ طَلعَتِ الشَّمسُ، أو قَدِمَ الحاجُّ، أو إنْ لَم يَقدُمِ السُّلطانُ» فهوَ شَرطٌ مَحضٌ ليسَ بحَلفٍ؛ لأنَّ حَقيقةَ الحلِفِ القسَمُ، وإنما سُمِّيَ تَعليقُ الطَّلاقِ على شَرطٍ حلِفًا تَجوُّزًا؛ لمُشارَكتِه الحَلِفَ في المَعنى المَشهورِ، وهو الحَثُّ أو المَنعُ أو تأكيدُ الخبَرِ، نَحوُ قَولُه: «واللهِ لَأفعَلَنَّ، أو لا أفعَلُ، أو لقدْ فَعلْتُ»، وما لم يَوجَدْ فيهِ هذا المَعنَى لا يَصحُّ تَسميتُه حَلِفًا، وهذا مَذهبُ الشَّافعيِّ (١).
فالحَلِفُ بالطَّلاقِ ليسَ يَمينًا عِنْدَ أهلِ العِلمِ حَقيقةً، بلْ مَجازًا كما تَقدَّمَ، وإنَّما هو طلاقٌ بصِفةٍ؛ فإذا أوقَعَه مُوقِعٌ وقَعَ عِنْدَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على الصَّحيحِ في كُلِّ مَذهبٍ عِندَهم.
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأمَّا الحَلِفُ بالطَّلاقِ والعِتقِ فليسَ بيَمينٍ عِنْدَ أهلِ التَّحصيلِ والنَّظرِ، وإنما هو طلاقٌ بصِفةٍ أو عِتقٌ بصِفةٍ إذا أوقَعَه
(١) «المغني» (٧/ ٣٣٢، ٣٣٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في الرسالة في الطلاق
مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ فَإِذَا وَقَعَ الْأَصْلُ اسْتَتْبَعَ الْوَصْفُ الْمُمَلَّكُ فَيَقَعُ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
فَصْلٌ فِي الرِّسَالَةِ فِي الطَّلَاقِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الرِّسَالَةُ فَهِيَ أَنْ يَبْعَثَ الزَّوْجُ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ الْغَائِبَةِ عَلَى يَدِ إنْسَانٍ فَيَذْهَبُ الرَّسُولُ إلَيْهَا وَيُبَلِّغُهَا الرِّسَالَةَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْقُلُ كَلَامَ الْمُرْسِلِ فَكَانَ كَلَامُهُ كَكَلَامِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
عَدَمُ الشَّكِّ مِنْ الزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ حَتَّى لَوْ شَكَّ فِيهِ، لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِهِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَزِلَ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِهِ بِالطَّلَاقِ فَلَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهِ بِالشَّكِّ كَحَيَاةِ الْمَفْقُودِ، أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ ثَابِتَةً وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِهَا لَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهَا بِالشَّكِّ حَتَّى لَا يُورَثَ مَالُهُ وَلَا يَرِثَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَقَارِبِهِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل طلاق السنة]
وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ، فَلَا عُهْدَةَ.
(فَصْلٌ) .
طَلَاقُ السُّنَّةِ: وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ
ــ
منح الجليل
الْمُدَّعِيَةُ، فَعَلَيْهَا الْبَيَانُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهِمَا.
(وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُخَالَعِ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْخُلْعِ (فَلَا عُهْدَةَ) أَيْ ضَمَانَ عَلَيْهَا وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَائِبًا عَلَى الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ يَمُوتُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ بَائِعِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ ضَمَانُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ الْمُخَالَعُ بِهِ فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْخُلْعِ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ آبِقًا وَبَانَتْ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ
(فَصْلٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) .
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب الطلاق بالحساب
بابُ الطَّلاقِ بالحِسَاب
١٢٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ يَدُكِ، أو عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِكِ طَالِقٌ. أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطلِيقَةٍ، أَوْ رُبْعَ تَطْلِيقَه. وَقَعَتْ بهَا وَاحِدَةٌ)
الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصلَيْنِ:
أحدُهما، أنَّه إذا طَلَّقَ جُزءًا منها. والثّانى، إذا طَلّقَ جُزءًا مِن طَلْقةٍ.
فأمّا الأوّلُ، فإنَّه متى طَلَّقَ من المرأةِ جُزءًا مِن أجزائِها الثّابتةِ، طَلُقَتْ كُلُّها، سَواءٌ كان جُزءًا شائعًا، كنِصْفِها، أو سُدْسِها، أو جزءًا مِن ألْفِ جُزءٍ منها، أو جُزءًا مُعَيَّنًا، كيَدِها، أو رأْسِها، أو أُصْبُعها. وهذا قولُ الحسنِ، ومذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن القاسمِ صاحبِ مالكٍ. وذهَب أصحابُ الرَّأْىِ، إلى أنَّه إن أضافَه إلى جُزءٍ شائعٍ، أو واحدٍ من أعْضاءٍ خمسةٍ؛ الرّأس، والوجهِ، والرَّقَبَةِ، والظَّهْرِ، والفَرْجِ، طَلُقَتْ. وإِنْ أضافه إلى جُزءٍ مُعَيَّن، غيرِ هذه الخمسةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه جزءٌ تَبْقَى الجُملةُ بدُونِه، أو جزءٌ لا يُعبَّرُ به عن الجملةِ، فلم تَطْلُقِ المرأةُ بإضافةِ الطّلاقِ إليه، كالسِّنِّ، والظُّفْرِ. ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزْءٍ ثابتٍ، اسْتباحَه بعَقْدِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ الجزءَ الشائعَ، والأعضاءَ الخمسةَ، ولأنَّها جُملةٌ لا تَتَبَعَّضُ فى الحِلِّ والحُرْمَةِ، وُجِدَ فيها ما يَقْتضِى التَّحْريمَ والإِباحةَ، فغَلَبَ فيها حُكْمُ التَّحْريمِ، كما لو اشْتَركَ مسلمٌ ومَجُوسىٌّ فى قتل صَيْدٍ، وفارقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه ليس بثابتٍ، والشَّعْرُ والظُّفرُ ليس بثابتٍ، فإنَّهما
يَزُولانِ ويَخْرُجُ غيرُهما، ولا يَنْقُضُ مَسُّهما الطَّهارةَ.
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.