الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > حكم تعليق الطلاق على أمر مستقبل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 33 دقيقة قراءةحكمُ تعليقِ الطَّلاقِ على أمرٍ مُستَقبلٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ الزَّوجَ إذا علَّقَ طَلاقَ زَوجَتِه على أمرٍ مُحتَملٍ وُقوعُه غَيرُ غالِبٍ كدُخولِ دارٍ ك: «إنْ دَخلْتِ الدَّارِ أو كَلَّمتِ زَيدًا فأنتِ طالِقٌ، أو إنْ قَدِمَ زيدٌ فأنتِ طالِقٌ، أو إنْ أكلْتِ أو شَربْتِ أو لَبستِ فأنتِ طالِقٌ» فلا يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ، وانتَظرَ حُصولَ المَحلوفِ عليهِ، فإنْ حصَلَ لَزمَ، وإلَّا فلا.
إلَّا أنهمُ اختَلفُوا فيما لو عَلَّقَ الطَّلاقَ على أمرٍ مُستَقبلٍ مُحقَّقِ الوُقوعِ عَقلًا كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إذا طَلعَتِ الشَّمسُ، أو دخَلَ رَمضانُ» أو غالِبٍ وُقوعُه أو مَشكوكٍ في حُصولِه في الحالِ ويُمكِنُ الاطِّلاعُ عليهِ بعدُ أو لا يُمكِنُ؛ هل يُنجَّزُ الطَّلاقُ عليهِ في الحالِ؟ أم لا يقَعُ الطَّلاقُ قبْلَ وُجودِ الشَّرطِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيةُ والحنابِلةُ إلى أنهُ إذا علَّقَ طلاقَ امرَأتِه بشَرطٍ غَيرِ مُستحيلٍ لَم يقَعِ الطَّلاقُ قبْلَ وُجودِ الشَّرطِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، ولأنهُ علَّقَ الطَّلاقَ على شَرطٍ غَيرِ مُستحيلٍ؛ فلَم يَقعِ الطَّلاقُ قبْلَ وُجودِ الشَّرطِ، كما لو علَّقَه على قُدومِ زَيدٍ.
ولأنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما كانَ يقولُ في الرَّجلِ يَقولِ لامرأتِهِ: «أنتِ طالِقٌ إلى رأسِ السَّنةِ» قالَ: «يَطَأُ فيما بيْنَه وبيْنَ رأسِ السَّنةِ» (١).
(١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٨٦٨).
ولأنهُ إزالةُ مِلكٍ يَصحُّ تَعليقُه بالصِّفاتِ، فمتى عَلَّقَه بصِفةٍ لم يقَعْ قبْلَها كالعِتقِ، ولأنهُ تَعليقٌ للطَّلاقِ بصِفةٍ لم تُوجَدْ فلم يَقعْ، كما لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ إذا قَدِمَ الحاجُّ»، وليسَ هذا تَوقيتًا للنِّكاحِ، وإنَّما هوَ تَوقيتٌ للطَّلاقِ، وهذا لا يُمنَعُ، كما أنَّ النِّكاحَ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ مُعلَّقًا بشَرطٍ، والطَّلاقُ يَجوزُ فيهِ التَّعليقِ (١).
وذهبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا علَّقَ الطَّلاقَ على أمرٍ مُستقبلٍ مُحقَّقِ الوُقوعِ عَقلًا كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إذا طَلعَتِ الشَّمسُ، أو إنْ دخَلَ رَمضانُ، أو طالِقٌ بعْدَ سَنةٍ» أو غالبٍ وُقوعُه أو مَشكوكٍ في حُصولِه في الحالِ ويُمكِنُ الاطِّلاعُ عليهِ بعْدُ أو لا يُمكِنُ؛ فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ في الحالِ، وبَيانُه كما يلي:
١ - إنْ عَلَّقَ الطَّلاقَ بمُحقَّقِ الوُقوعِ عادةً وكانَ يَبلُغُه عُمرُهما مَعًا عادةً بأنْ كانَ أقلَّ مِنْ مُدَّةِ التَّعميرِ، كقَولِه لها: «أنتِ طالِقٌ بعدَ سَنةٍ مَثلًا»، فبَعديَّةُ السَّنةِ أمرٌ مُحقَّقٌ عادةً ويَبلغُه عُمرُهما عادةً، فيُنجَّزُ عليهِ مِنَ الآنِ، بخِلافِ بعدَ ثمَانينَ سَنةٍ، أو «أنتِ طالِقٌ يومَ مَوتي أو قبْلَه بساعَةٍ» فيُنجَّزُ عليهِ الآنَ؛
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٣٨، ٤٤٠)، و «المبسوط» (٦/ ١١٤)، و «اللباب» (٢/ ٨٧، ٨٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٤٠٠، ٤٠١)، و «المهذب» (٢/ ٩٢، ٩٣)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٩٢، ١٩٤)، و «البيان» (١٠/ ١٣٥)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٠٦)، و «مراتب الإجماع» ص (٧٢)، و «الإفصاح» (٢/ ١٧٨)، و «المغني» (٧/ ٣٢٤، ٣٢٥)، و «الكافي» (٣/ ٢١٢).
لأنهُ حِينئذٍ شَبيهٌ بنِكاحِ المُتعةِ؛ لأنه جعَلَ حِلِّيَّةَ فَرجِها إلى وقتٍ مَعلومٍ يَبلغُه عمُرُه في ظاهرِ الحالِ، فلأجْلِ ذلكَ نُجِّزَ عليهِ، ولا فرْقَ بيْنَ أنْ يقولَ: «قبْلَ مَوتي بشَهرٍ أو «قبْلَ مُوتِكِ».
وأمَّا إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ بعْدَ مَوتي أو مَوتِكِ، أو: إنْ مُتُّ» فلا شيءَ عليهِ؛ إذْ لا طلاقَ بعْدَ مَوتٍ.
فيُشتَرطُ لوُقوعِه بُلوغُهما مَعًا إلى هذهِ المُدَّةِ، أمَّا إنْ كانَ يُشبِهُ بُلوغَ أحَدِهما إليهِ دُونَ الآخَرِ فلا يُنجَّزُ؛ لأنه إذا كانَ كُلٌّ مِنَ الزَّوجَينِ يَبلغُ الأجَلَ ظاهِرًا صار شَبيهًا بنِكاحِ المُتعةِ مِنْ كلِّ وَجهٍ، وأمَّا إنْ كانَ يَبلغُه أحَدُهما فقَطْ فلا يأتي الأجَلُ إلَّا والفُرقةُ حاصِلةٌ بالمَوتِ، فلَم يُشبهِ المُتعةَ حِينئذٍ.
فالأقسامُ أربَعةٌ: إمَّا أنْ يَكونَ ذلكَ الأجَلُ ممَّا يَبلُغُه عُمرُهما؛ فهذا يَلزمُ، أو يَكونَ ممَّا لا يَبلغُه عُمرُهما أو يَبلغُه عُمرُه أو عُمرُها؛ فهذِه الثَّلاثةُ لا شيءَ عليهِ فيها؛ إذْ لا تَطلُقُ مَيِّتةٌ ولا يُؤمَرُ ميِّتٌ بطلاقٍ.
أو قالَ لها: «إنْ أمطَرَتِ السَّماءُ فأنتِ طالِقٌ»، فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ؛ إذِ المَطرُ أمرٌ واجِبٌ عادةً.
أو: «إنْ لم أمَسَّ السَّماءَ فأنتِ طالِقٌ»، فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ؛ إذْ عَدَمُ مَسِّه لها مُحقَّقٌ عادةً؛ لأنهُ ليسَ في قُدرتَهِ، والأوَّلُ يَمينُ بِرٍّ، والثَّاني حِنثٌ.
أو: «إنْ قُمْت أو قامَ زَيدٌ أو جلَسْت أو أكَلْت أو جلَسَ أو أكَلَ زَيدٌ» مِنْ كُلِّ فِعلٍ لا صَبْرَ للإنسانِ عَنهُ فيُنجَّزُ عليهِ في يَمينِ البِرِّ، بخِلافِ الحِنثِ نَحوُ:
«إنْ لَم أقُمْ وإنْ لم آكُلْ» فيُنتَظَرُ كما يُنتَظَرُ في البِرِّ ممَّا للإنسانُ الصَّبْرُ عنهُ نحوُ: «إنْ دخَلْتِ الدَّارَ».
٢ - أو عَلَّقَه بمُحقَّقٍ -أي واجِبٍ- شَرعًا ك: «إنْ صَلَّيتُ أو صُمتُ رَمضانَ فأنتِ طالِقٌ»، فيُنجَّزُ عَليهِ مِنَ الآنَ، وسَواءٌ صَلَّى الخمْسَ أو صَامَ رَمضانَ أم لَا؛ لِوُجوبِهِ عَليهِ شرْعًا، ومِثلُه: «إنْ صلَّى زَيدٌ».
٣ - أو عَلَّقَهُ بغالِبٍ وُقوعُه ك: «إنْ حِضْتِ أو حاضَتْ هِندُ» وقالَهُ لغَيرِ آيِسةٍ مِنَ الحَيضِ -وهيَ من شَأنها الحَيضُ- أو صَغيرةٍ يُتوقَّعُ مِنها الحَيضُ ولو بعْدَ عَشرِ سِنينَ؛ فيُنجَّزُ عليهِ، بخِلافِ ما لو قالَهُ لآيِسةٍ فلا شيءَ عليهِ؛ لأنَّ الحَيضَ في حقِّها مِنَ المُمتنِعِ عادةً.
٤ - أو عَلَّقَه بما لا يُعلَمُ حَالًا -أي: في حالِ التَّعليقِ بأنْ كانَ مَشكوكًا في الحالِ وإنْ كانَ يُعلَمُ في المآلِ- كقَولِه لحامِلٍ مُحقَّقةِ الحَملِ: «إنْ كانَ في بَطنِكِ غُلامٌ، أو: إنْ لم يَكنْ في بَطنِكِ غُلامٌ -أي ذَكَرٌ- فأنِتِ طالِقٌ» فيُنجَّزُ عليهِ ولا يُنتظَرُ ما في بَطنِها؛ للشَّكِ حِينَ اليَمينِ، ولا بقاءِ على فَرجٍ مَشكوكٍ.
أو قالَ لها: «إنْ كانَ في هذهِ اللَّوزَةِ قَلْبانِ، أو: إنْ لَم يَكنْ فأنتِ طالِقٌ» فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ؛ للشَّكِ حالَ اليَمينِ، ونحوُ: «إنْ كانَتْ هذهِ البِطِّيخةُ حُلوةً، أو: إنْ لَم تكنْ» أو قالَ: «إنْ كانَ فُلانٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ، أو: إنْ لم يَكنْ مِنْ أهلِها فأنتِ طالِقٌ» للشَّكِ في الحالِ فيُنجَّزُ عليهِ، ما لم يكنْ مَقطوعًا بأنهُ مِنْ أهلِها كأحَدِ العَشَرةِ الكِرامِ ونَحوِهم ممَّنْ ورَدَ النَّصُّ فيهِم بدُخولِ الجنَّةِ.
أو قالَ لغَيرِ ظاهِرةِ الحَملِ: «إنْ كُنْتِ حامِلًا، أو: إنْ لم تَكوني حامِلًا فأنتِ طالِقٌ» فيُنجَّزُ عليهِ؛ للشَّكِّ في الحَملِ وعَدمِه، وحُمِلَتِ المَرأةُ على البَراءةِ مِنَ الحَملِ إذا كانَتْ حالَ يَمينِه في طُهْرٍ لَم يَمَسَّ فيهِ، وحِينئذٍ فلا حِنثَ عليهِ في يَمينِ البِرِّ وهوَ: «إنْ كُنْتِ حامِلًا فأنتِ طالِقٌ»، بخِلافِ يَمينِ الحِنثِ وهو: «إنْ لَم تكوني إلخ» فيَحنَثُ؛ للعِلمِ بعَدمِ حَمْلِها.
٥ - أو عَلَّقَ بما لا يَمكِنُ اطِّلاعُنا عليهِ حالًا ومآلًا كمَشيئةِ اللهِ أو المَلائكةِ أو الجِنِّ، كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللهُ، أو إنْ شاءَتِ الجِنُّ، أو إلَّا أنْ يَشاءَ اللهُ … إلخ» فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ؛ لأنَّ مَشيئةَ مَنْ ذُكِرَ لا اطِّلاعَ لنا عليها، بخِلافِ: «إنْ شاءَ زيدٌ، أو إلَّا أنْ يَشاءَ زَيدٌ» فتُنتَظرُ مَشيئتُه.
٦ - أو عَلَّقَ بمُحتمَلٍ وُقوعُه -أي مُمكِنٍ لِكنْ ليسَ في وُسعِنا- ك: «إنْ لَم تُمطِرِ السَّماءُ في هذا الشَّهرِ، أو غَدًا، أو في هذا اليومِ -بأنْ قَيَّدَ بزَمنٍ يُمكِنُ فيهِ الوُجودُ والعَدمُ- فأنتِ طالِقٌ» فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ في يَمينِ الحِنثِ كما ذكَرْنا، بخِلافِ يَمينِ البِرِّ ك: «إنْ أَمطرَتِ السَّماءُ في هذا الشَّهرِ مَثلًا فأنتِ طالِقٌ» فيُنتظَرُ؛ فإنْ أمطَرَتْ في الأجَلِ المَذكورُ طَلُقَتْ وإلَّا فلا على الأرجَحِ، وهوَ قولُ الأكثَرِ، ومُقابِلُه يُنجَّزُ كالحِنثِ.
٧ - أو عَلَّقَه بمُحرَّمٍ بصِيغةِ حِنثٍ ك: «إنْ لَم أَزْنِ أو أشرَبِ الخَمرَ فأنتِ طالِقٌ» فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ لَكنْ بحُكمِ حاكِمٍ في هذا الفَرعِ، إلَّا أنْ يَتحقَّقَ فِعلُ المُحرَّمِ قبْلَ التَّنجيزِ فلا شيءَ عليهِ؛ لانحِلالِ يَمينِه.
وحَيثُ احتاجَ لحُكمٍ فلو أخبَرُه مُفتٍ بوُقوعِ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ حُكمٍ فاعتَدَّتْ زَوجَتُه وتَزوَّجَتْ ثمَّ فعَلَ المَحلوفَ عليهِ المُحرَّمَ فإنَّ زَوجَتُه تُرَدُّ لعِصمةِ الأوَّلِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: أمَّا تَعليقُ الطَّلاقِ بوَقتٍ يَجِيءُ لا مَحالةَ كرَأسِ الشَّهرِ والسَّنةِ وآخِرِ النَّهارِ ونَحوِه فللفُقهاءِ في ذلكَ أربَعةُ أقوالٍ:
أحَدُها: أنها لا تَطلُقُ بحالٍ، وهذا مَذهبُ ابنِ حَزمٍ واختيارُ أبي عَبدِ الرَّحمَنِ الشَّافعيِّ، وهوَ مِنْ أجَلِّ أصحابِ الوُجوهِ.
وحُجَّتُهم: أنَّ الطَّلاقَ لا يَقبلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ كما لا يَقبَلُه النِّكاحُ والبَيعُ والإجارةُ والإبراءُ.
قالُوا: والطَّلاقُ لا يَقعُ في الحالِ ولا عِنْدَ مَجيءِ الوَقتِ، أمَّا في الحالِ فلأنهُ لَم يُوقِعْه مُنجَّزًا، وأمَّا عِنْدَ مَجيءِ الوَقتِ فلأنهُ لم يَصدُرْ مِنهُ طلاقٌ حِينئذٍ ولَم يَتجدَّدْ سِوى مَجيءُ الزَّمانِ، ومَجيءُ الزَّمانِ لا يَكونُ طلاقًا.
وقابَلَ هذا القولَ آخرُونَ وقالُوا: يَقعُ الطَّلاقُ في الحالِ، وهذا مَذهبُ مالِكٍ وجَماعةٍ مِنَ التَّابعِينَ.
(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ١٩٤)، و «الكافي» ص (٢٦٦)، و «البيان والتحصيل» (٦/ ١٧٥، ١٧٧)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٧٨، ٨٨)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٨٩، ٣٠٠)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٥٥، ٦٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٨٤، ٢٩٠)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٨٠، ١٩٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٣٦٣، ٣٧٣).
وحُجَّتُهم أنْ قالوا: لَو لَم يَقعْ في الحالِ لَحَصلَ مِنهُ استباحةُ وَطءٍ مُؤقَّتٍ، وذلكَ غَيرُ جائِزٍ في الشَّرعِ؛ لأنَّ استباحةَ الوَطءِ فيهِ لا تكونُ إلَّا مُطلَقًا غيْرَ مُؤقَّتٍ، ولهذا حَرُمَ نِكاحُ المُتعةِ لدُخولِ الأجَلِ فيهِ، وكذلكَ وَطءُ المُكاتِبةِ، أَلا تَرَى أنهُ لَو عَرى مِنَ الأجَلِ بأنْ يقولَ: «إنْ جِئتِني بألفِ دِرهمٍ فأنتِ حُرَّةٌ» لم يَمنعْ ذلكَ الوَطءَ.
قالَ المُوقِعونَ عِنْدَ الأجَلِ: لا يَجوزُ أنْ يُؤخذَ حُكمُ الدَّوامِ مِنْ حُكمِ الابتِداءِ؛ فإنَّ الشَّريعةَ فرَّقَتْ بيْنَهما في مَواضِعَ كَثيرةٍ، فإنَّ ابتِداءَ عَقدِ النِّكاحِ في الإحرامِ فاسِدٌ دُونَ دَوامِه، وابتداءَ عَقدِه على المُعتدَّةِ فاسِدٌ دُونَ دَوامِه، وابتِداءَ عَقدِه على الأمَةِ معَ الطَّولِ وعَدمِ خَوفِ العَنَتِ فاسِدٌ دُونَ دَوامِه، وابتداءَ عَقدِه على الزَّانيةِ فاسِدٌ عِنْدَ أحمدَ ومَن وافَقَه دُونَ دَوامِه، ونَظائرُ ذلكَ كَثيرةٌ جِدًّا.
قالوا: والمَعنَى الَّذي حَرُمَ لأجْلِه نِكاحُ المُتعةِ كَونُ العَقدِ مُؤقَّتًا مِنْ أصلِه، وهذا العَقدُ مُطلَقٌ، وإنما عرَضَ لهُ ما يُبطِلُه ويَقطعُه، فلا يَبطُلُ، كما لو عَلَّقَ الطَّلاقَ بشَرطٍ وهو يَعلَمُ أنها تَفعلُه أو يَفعلُه هوَ ولا بُدَّ ولكنْ يَجوزُ تَخلُّفُه.
والقَولُ الثَّالثُ: أنهُ إنْ كانَ الطَّلاقُ المُعلَّقُ بمَجيءِ الوَقتِ المَعلومِ ثلاثًا وقَعَ في الحالِ، وإنْ كانَ رَجعيًّا لم يَقعْ قبْلَ مَجيئِه، وهذا إحدَى الرِّوايتينِ عنِ الإمامِ أحمَدَ، نَصَّ عليهِ في رِوايةِ مُهَنَّا: إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ
ثلاثًا قبْلَ مَوتي بشَهرٍ» هيَ طالِقٌ الساعةَ، كانَ سَعيدُ بنُ المُسيّبِ والزُّهريُّ لا يُوقِّتونَ في الطَّلاقِ، قالَ مُهَنَّا: فقُلتُ لهُ: أَفتَتزوَّجُ هذهِ الَّتي قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا قبْلَ مَوتي بشَهرٍ»؟ قالَ: لا، ولكنْ يُمسِكُ عنِ الوَطءِ أبدًا حتَّى يَموتَ. هذا لَفظُه.
وهو في غايةِ الإشكالِ؛ فإنهُ قد أوقَعَ عليها الطَّلاقَ مُنجَّزًا، فكيفَ يَمنعُها مِنْ التَّزويجِ؟
وقَولُه: «يُمسِكُ عنِ الوَطءِ أبدًا» يَدلُّ على أنها زَوجَتَه إلَّا أنهُ لا يَطؤُها، وهذا لا يَكونُ معَ وُقوعِ الطَّلاقِ؛ فإنَّ الطَّلاقَ إذا وقَعَ زالَتْ أحكامُ الزَّوجيَّةِ كُلُّها.
فقَدْ يُقالُ: أخَذَ بالاحتِياطِ فأوقَعَ الطَّلاقَ ومَنعَها مِنَ التَّزويجِ للخِلافِ في ذلكَ، فحَرَّمَ وطْأَها وهوَ أثرُ الطَّلاقِ، ومنَعَها مِنْ التَّزويجِ؛ لأنَّ النِّكاحَ لم يَنقطِعْ بإجماعٍ ولا نَصٍّ.
ووَجهُ هذا: أنهُ إذا كانَ الطَّلاقُ ثلاثًا لَم يَحلَّ وَطؤُها بعْدَ الأجَلِ، فيَصيرُ حالُ الوَطءِ مُؤقَّتًا، وإنْ كانَ رَجعيًّا جازَ لهُ وَطؤُها بعْدَ الأجَلِ، فلا يَصيرُ الحالُ مُؤقَّتًا، وهذا أفقَهُ مِنْ القَولِ الأوَّلِ.
والقَولُ الرَّابعُ: أنها لا تَطلُقُ إلَّا عِنْدَ مَجيءِ الأجَلِ، وهوَ قولُ الجُمهورِ، وإنَّما تَنازَعُوا: هل هو مُطلِّقٌ في الحالِ ومَجيءُ الوَقتِ شَرطٌ لنُفوذِ الطَّلاقِ؟ كما لَو وَكَّلَه في الحالِ وقالَ: «لا تَتصرَّفْ إلى رأسِ الشَّهرِ» فمَجيءُ رَأسِ
الشَّهرِ شَرطٌ لنُفوذِ تَصرُّفِه لا لحُصولِ الوَكالةِ، بخِلافِ ما إذا قالَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقَدْ وَكَّلتُكَ»، ولهذا يُفرِّقُ الشَّافعيُّ بيْنَهما فيُصحِّحُ الأُولى ويُبطِلُ الثَّانيةَ.
أو يُقالُ: ليسَ مُطلِّقًا في الحالِ وإنَّما هوَ مُطلِّقٌ عِنْدَ مَجيءِ الأجَلِ، فيُقدَّرُ حِينئذٍ أنهُ قالَ: «أنتِ طالِقٌ»، فيَكونُ حُصولُ الشَّرطِ وتَقديرُ حَصولِ «أنتِ طالِقٌ» معًا، فعلى التَّقديرِ الأوَّلِ: السَّببُ تَقدَّمَ وتَأخَّرَ شَرطُ تَأثيرِه، وعلى التَّقديرِ الثَّانِي: نَفسُ السَّببِ تأخَّرَ تَقديًرا إلى مَجيءِ الوَقتِ، وكأنهُ قالَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فحِينئذٍ أنا قائِلٌ لكِ: أنتِ طالِقٌ»، فإذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ قُدِّرَ قائِلًا لذلكَ اللَّفظِ المُتقدِّمِ.
فمَذهبُ الحَنفيَّةِ أنَّ الشَّرطَ يَمتنِعُ بهِ وُجودُ العِلَّةِ، فإذا وُجِدَ الشَّرطُ وُجدَتِ العِلَّةُ، فيَصيرُ وُجودُها مُضافًا إلى الشَّرطِ وقبْلَ تَحقُّقِه لم يكنِ المُعلَّقُ عليهِ علَّةً، بخِلافِ الوُجوبِ؛ فإنهُ ثابِتٌ قبْلَ مَجيءِ الشَّرطِ، فإذا قالَ: «إنْ دَخلْت الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فالعلَّةُ للوُقوعِ التَّلفظُ بالطَّلاقِ والشَّرطُ الدُّخولُ، وتَأثيرُه في امتِناعِ وُجودِ العلَّةِ قبْلَه، فإذا وُجِدَ وُجدَتْ.
وأصحابُ الشَّافعيِّ يَقولونَ: أثَرُ الشَّرطِ في تَراخِي الحُكمِ، والعلَّةُ قَدْ وُجدَتْ، وإنَّما تَراخَى تأثيرُها إلى وَقتِ مَجيءِ الشَّرطِ، فالمُتقدِّمُ علَّةٌ قد تأخَّرَ تأثيرُها إلى مَجيءِ الشَّرطِ (١).
(١) «إغاثة اللهفان» (١/ ١٧٢، ١٧٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
الرجعة
مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرْعِيَّةِ الرَّجْعَةِ، وَفِي بَيَانِ مَاهِيَّتِهَا، وَفِي بَيَانِ رُكْنِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِ الرُّكْنِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَالرَّجْعَةُ مَشْرُوعَةٌ عُرِفَتْ شَرْعِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْمَعْقُولِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ البقرة: ٢٢٨ أَيْ: رَجْعَتِهِنَّ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ البقرة: ٢٣١ وقَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ البقرة: ٢٢٩ ، وَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ رضي الله عنه مُرْ ابْنَك يُرَاجِعْهَا» الْحَدِيثَ، وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا طَلَّقَ حَفْصَةَ رضي الله عنها جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﷺ فَقَالَ لَهُ: رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ فَرَاجَعَهَا» ، وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ طَلَّقَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها ثُمَّ رَاجَعَهَا، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب الطلاق بالوقت وطلاق المكره وغيره من كتاب إباحة الطلاق والإملاء وغيرهما)
(باب الطلاق بالوقت وطلاق المكره وغيره من كتاب إباحة الطلاق والإملاء وغيرهما)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَأَيُّ أَجَلٍ طَلَّقَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلَ وَقْتِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ. الطَّلَاقُ يَقَعُ نَاجِزًا وَعَلَى صِفَةٍ، وَإِلَى أَجَلٍ، فَوُقُوعُهُ نَاجِزًا أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَتَقَعُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَوُقُوعُهُ عَلَى صِفَةٍ أَنْ يَقُولَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، سَوَاءٌ بِصِفَةٍ مُضَافَةٍ إِلَيْهَا بِدُخُولِ الدَّارِ، أَوْ مُضَافَةٍ إِلَى غَيْرِهَا كَقُدُومِ زَيْدٍ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا تَعْلِيقُهُ بِأَجَلٍ فَكَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى بَعْدِ شَهْرٍ، أَوْ إِلَى سَنَةٍ، أَوْ رَأْسِ الشَّهْرِ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَقَعُ الطَّلَاقُ مُعَجَّلًا، اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِيرُ نِكَاحًا إِلَى مُدَّةٍ وَهَذَا بَاطِلٌ كَالْمُتْعَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَقْدَ التَّحْرِيمِ إِلَى أَجَلٍ، يُوجِبُ تَعْجِيلَهُ كَالْمُكَاتَبَةِ لَمَّا أَوْجَبَتِ الْكِتَابَةُ تَحْرِيمَهَا بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْأَدَاءِ، تُعَجِّلُ تَحْرِيمَهَا بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل طلاق السنة]
وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ، فَلَا عُهْدَةَ.
(فَصْلٌ) .
طَلَاقُ السُّنَّةِ: وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ
ــ
منح الجليل
الْمُدَّعِيَةُ، فَعَلَيْهَا الْبَيَانُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهِمَا.
(وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُخَالَعِ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْخُلْعِ (فَلَا عُهْدَةَ) أَيْ ضَمَانَ عَلَيْهَا وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَائِبًا عَلَى الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ يَمُوتُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ بَائِعِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ ضَمَانُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ الْمُخَالَعُ بِهِ فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْخُلْعِ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ آبِقًا وَبَانَتْ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ
(فَصْلٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) .
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.