الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > حكم تعليق الطلاق واليمين بالطلاق، هل يقع أم لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 49 دقيقة قراءةالمَحلوفَ عليهِ؛ لِمَا عَلمْت مِنْ أنه يُرادُ بهِ في العُرفِ التَّعليقُ، وأنَّ قَولَه: «عليَّ الطَّلاقُ لا أفعَلُ كذا» بمَنزلةِ قَولِه: «إنْ فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ»، فإذا لم يَذكُرْ «لا أفعَلُ كذا» بَقيَ قَولُه: «عليَّ الطَّلاقُ» بدُونِ تَعليقٍ، والمُتعارَفُ استِعمالُه في مَوضِعِ التَّعليقِ دُونَ الإنشاءِ، فإذا لَم يُتعارَفِ استِعمالُه في الإنشاءِ مُنجَّزًا لم يَكنْ صَريحًا، فيَنبغي أنْ يكونَ على الخِلافِ الآتي فيما لو قالَ: «طَلاقُكِ عليَّ» (١).
حكمُ تعليقِ الطَّلاقِ واليَمينِ بالطَّلاقِ، هل يقعُ أم لا؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّ الزَّوجَ إذا علَّقَ طلاقَ زَوجَتِه -مثلَ أنْ يقولَ لها: «عليَّ الطَّلاقُ لا أفعَلُ كذا، أو: إنْ فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ، أو: إنْ كَلَّمتِ زَيدًا أو أخاكِ أو غيرَ ذلكَ، أو: الطَّلاقُ يَلزمُني» - فإنهُ لا يَقعُ الطَّلاقُ ما دامَ لم يَقعْ ما عَلَّقَ عليهِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: الطَّلاقُ يقَعُ ناجِزًا وعلى صِفةٍ وإلى أجَلٍ، فوُقوعُه ناجِزًا أنْ يقولَ: «أنتِ طالِقٌ» فتَقعُ بمُجرَّدِ اللَّفظِ، ووُقوعُه على صِفةٍ أنْ يقولَ: «إنْ دخَلْتِ الدَّارِ فأنتِ طالِقٌ، أو إنْ قَدِمَ زَيدٌ فأنتِ طالِقٌ» فلا يَقعُ الطَّلاقُ قبْلَ وُجودِ الصِّفةِ، سواءٌ بصَفةٍ مُضافةٍ إليها بدُخولِ الدَّارِ، أو مُضافةٍ إلى غَيرِها كقُدومِ زَيدٍ، وهذا مُتَّفَقٌ عليهِ (٢).
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٥٣).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٩٢).
إلا أنَّهمُ اختَلفُوا فيما لو وقَعَ ما عَلَّقَ عليهِ الطَّلاقَ أو الحَلِفَ، هل يَقعُ الطَّلاقُ أم لا؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: هوَ قَولُ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ، وحُكِيَ فيهِ الإجماعُ، أنهُ يقَعُ الطَّلاقُ إذا وقَعَ ما عُلِّقَ عليهِ، وهوَ الصَّحيحُ عِنْدَ المَذاهِبِ الأربعةِ (١).
وحَكى ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه فيهِ الإجماعَ فقالَ: ذِكرُ اليَمينِ بالطَّلاقِ:
أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنهُ مِنْ عُلماءِ الأمصارِ على أنَّ مَنْ حَلَفَ بالطَّلاقِ على زَوجَتِه في أمرٍ لا يَفعَلُه ففَعلَهُ أنَّ الطَّلاقَ يقَعُ على زَوجَتِه.
هذا قولُ مالِكٍ والشَّافعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرَّأيِ، وذكَرَ أبو عُبيَدٍ أنَّ هذا قَولُ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ والشَّامِ (ومِصرَ) منهُم مالِكٌ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: وكذلكَ نَقولُ (٢).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بيْنَ عُلماءِ الأمَّةِ سَلَفِهم وخَلَفِهم أنَّ الطَّلاقَ لا كفَّارَةَ فيهِ، وأنَّ اليَمينَ بالطَّلاقِ كالطَّلاقِ على الصِّفةِ، وأنه لازِمٌ معَ وُجودِ الصِّفةِ (٣).
واستَدلُّوا على ذلكَ بآثارٍ عنِ الصَّحابةِ، ولَم يَرِدْ مِنها شَيءٌ مَرفوعٌ عنِ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٥٩).
(٢) «الأوسط» (١٢/ ١٣٤).
(٣) «التمهيد» (٢٠/ ٩٠).
النَّبيِّ ﷺ، فرَوى البُخاريُّ مُعلَّقًا عن نافِعٍ قالَ: «طلَّقَ رجُلٌ امرَأتَهُ البتَّةَ إنْ خرَجَتْ، فقالَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما: إنْ خَرجَتْ فقَدْ بُتَّتْ منهُ، وإنْ لم تَخرُجْ فليسَ بشيءٍ» (١).
وعن إبراهيمَ عَنِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه في رَجُلٍ قالَ لامرَأتِه: «إنْ فَعلَتْ كذا وكذا فهيَ طالِقٌ فتَفعَلُهُ، قالَ: هي واحدةٌ وهو أحَقُّ بها» (٢).
القولُ الثَّاني: أنَّه لا يَقعُ مُطلَقًا وليسَ فيهِ كفَّارَةُ يَمينٍ، وهو قَولُ طائفةٍ مِنْ أهلِ العِلمِ كابنِ حَزمٍ وغَيرِه، حَكاهُ ابنُ تَيميةَ عَنهُم.
القَولُ الثَّالثُ: أنهُ يَمينٌ مُنعقِدةٌ وفيها كفَّارَةُ يَمينٍ، وهو اختيارُ جماعةٍ مِنَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيةِ، وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيِّمِ وغَيرِهما، وقد نَصَرَ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ هذا القولَ بقوَّةٍ.
فقدْ سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عَمَّن حلَفَ بالطَّلاقِ على أمرٍ مِنْ الأمورِ ثمَّ حنَثَ في يَمينِه، هلْ يَقعُ بهِ الطَّلاقُ أم لا؟
فأجابَ: المَسألةُ فيها نِزاعٌ بيْنَ السَّلفِ والخلَفِ على ثلاثةِ أقوالٍ:
أحَدَها: أنهُ يقَعُ الطَّلاقُ إذا حنَثَ في يَمينِه، وهذا هو المَشهورُ عِنْدَ أكثَرِ
(١) رواه البخاري مُعلَّقًا (٥/ ٢٠١٩)، ويُنظر: «شرح السنة» للبغوي (٩/ ٢١٥)، و «عمدة القاري» (٢٠/ ٢٥٣).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٨٦٧)، وهو مُنقَطعٌ كما قالَ ابنُ القيِّمِ في «إعلام الموقعين» (٣/ ٥٤).
الفُقهاءِ المُتأخِّرينَ، حتَّى اعتَقدَ طائِفةٌ مِنهُم أنَّ ذلكَ إجماعٌ، ولهذا لم يَذكُرْ عامَّتُهم عليهِ حجَّةً، وحُجَّتُهم عليهِ ضَعيفةٌ جدًّا، وهي أنهُ التَزمَ أمرًا عِنْدَ وُجودِ شرطٍ فلَزمَه ما التَزمَه، وهذا مَنقوضٍ بصَورٍ كَثيرةٍ، وبَعضُها مُجمَعٌ عليهِ كنَذرِ الطَّلاقِ والمَعصيةِ والمُباحِ، وكالتِزامِ الكُفرِ على وَجهِ اليَمينِ، مع أنهُ ليسَ لهُ أصلٌ يُقاسُ بهِ إلَّا وبيْنَهما فَرقٌ مُؤثِّرٌ في الشَّرعِ، ولا دلَّ عليهِ عُمومُ نَصٍّ ولا إجماعٌ، لكنْ لمَّا كانَ مُوجبُ العَقدِ لُزومَ ما التزَمَه صارَ يُظَنُّ في بادئِ الرَّأيِ أنَّ هذا عَقدٌ لازِمٌ، وهذا يُوافِقُ ما كانوا عليهِ في أوَّلِ الإسلامِ قبْلَ أنْ يُنزِلَ اللهُ كفَّارةَ اليَمينِ مُوجبةً ومُحرّمةً، كما يُقالُ: إنهُ كانَ شرْعَ مَنْ قبْلَنا، لكنْ نسَخَ هذا شَرعُ مُحمدِ ﷺ، وفرَضَ للمُسلمينَ تَحِلَّةَ أيمانِهم، وجعَلَ لهُم أنْ يُحِلُّوا عقْدَ اليَمينِ بما فرَضَه مِنْ الكَّفارةِ.
وأمَّا إذا لم يَحنَثْ في يَمينِه فلا يقَعُ بهِ الطَّلاقُ بلا رَيبٍ، إلَّا على قولٍ ضَعيفٍ يُروَى عَنْ شُريحٍ، ويُذكَرُ رِوايةً عن أحمَدَ فيما إذا قَدَّمَ الطَّلاقَ، وإذا قيلَ: يَقعُ بهِ الطَّلاقُ؛ فإنْ نَوَى باليَمينِ الثَّانيةِ تَوكيدَ الأُولى لا إنشاءَ يَمينٍ أُخرَى لم يقَعْ بهِ إلَّا طَلقةٌ واحِدةٌ، وإنْ أَطلَقَ وقَعَ بهِ ثلاثٌ، وقيلَ: لا يَقعُ بهِ إلَّا واحدةٌ.
والقَولُ الثَّاني: أنه لا يَقعُ بهِ طلاقٌ ولا يَلزمُه كفَّارةٌ، وهذا مَذهبُ داودَ وأصحابِه وطَوائِفَ مِنْ الشِّيعةِ، ويَذكُرُ ما يَدلُّ عليهِ عَنْ طائفةٍ مِنَ السَّلفِ، بل هو مأثورٌ عن طائفةٍ صَريحًا كأبي جَعفرٍ الباقِرٍ رِواية جَعفرِ بنِ مُحمدٍ.
وأصلُ هؤلاءِ أنَّ الحَلِفَ بالطَّلاقِ والعِتاقِ والظِّهارِ والحَرامِ والنَّذرِ لَغوٌ كالحَلِفِ بالمَخلوقاتِ، ويُفتِي به في اليَمينِ الَّتي يَحلِفُ بها بالتِزامِ الطَّلاقِ طائفةٌ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ كالقَفَّالِ وصاحِبِ «التَّتِمَّة»، ويُنقَلُ عن أبي حَنيفةَ نَصًّا؛ بِناءً على أنَّ قولَ القائِلِ: «الطَّلاقُ يَلزمُني، أو لازِمٌ لي» ونحوَ ذلكَ صِيغةُ نَذرٍ لا صِيغةُ إيقاعٍ، كقولِه: «للهِ عليَّ أنْ أُطلِّقَ».
ومَن نذَرَ أنْ يُطلِّقَ لم يَلزمْه طلاقٌ بلا نِزاعٍ، ولكنْ في لُزومِه الكفَّارةَ لُه قَولانِ: …
والقَولُ الثَّالثُ، وهوَ أصَحُّ الأقوالِ، وهو الَّذي يَدلُّ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ والاعتبارُ: أنَّ هذه يَمينٌ مِنْ أيمانِ المُسلمينَ، فيَجري فيها ما يَجري في أيمانِ المُسلمينَ، وهو الكفَّارةُ عِنْدَ الحِنثِ؛ إلَّا أنْ يَختارَ الحالِفُ إيقاعَ الطَّلاقِ فلهُ أنْ يُوقِعَه ولا كفَّارةَ، وهذا قولُ طائفةٍ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ كطاووسٍ وغَيرِه، وهو مُقتَضى المَنقولِ عَنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ في هذا البابِ، وبه يُفتِي كثيرٌ مِنْ المالكيَّةِ وغَيرِهم، حتَّى يُقالُ: إنَّ في كَثيرٍ مِنْ بِلادِ المَغرِبِ مَنْ يُفتِي بذلكَ مِنْ أئمَّةِ المالكيَّةِ، وهو مُقتَضى نُصوصِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ وأصولِه في غَيرِ مَوضِعٍ.
وعلى هذا القولِ فإذا كرَّرَ اليَمينَ المُكفّرةَ مَرَّتَينِ أو ثلاثًا على فِعلٍ واحِدٍ: فهَلْ عليهِ كفَّارةٌ واحِدةٌ؟ أو كفَّاراتٌ؟ فيهِ قَولانِ للعُلماءِ، وهُمَا رِوايتانِ عَنْ أحمدَ، أشهَرُهما عنهُ: تُجزِيهِ كفَّارةٌ واحدةٌ، وهذهِ الأقوالُ
الثَّلاثةُ حَكاها ابنُ حَزمٍ وغَيرُه في الحَلِفِ بالطَّلاقِ كما حَكَوْها في الحَلِفِ بالعِتقِ والنَّذرِ وغَيرِهما، فإذا قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فعَبيدِي أحرارٌ» ففيها الأقوالُ الثَّلاثةُ؛ لكنْ هُنا لَم يَقُلْ أحدٌ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ: إنهُ لا يَلزمُه العِتقُ كما قالوا ذلكَ في الطَّلاقِ، فيَصحُّ نَذرُه بخِلافِ الطَّلاقِ، والمَنقولُ عَنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ أنهُ يُجزئُه كفَّارةُ يَمينٍ، كما ثبَتَ ذلكَ عَنِ ابنِ عُمرَ وحَفصةَ وزَينبَ، ورَوَوْه أيضًا عَنْ عائِشةَ وأمِّ سَلَمةَ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ؛ وهو قولُ أكابرِ التَّابعِينَ كطاووسٍ وعَطاءٍ وغَيرِهما، ولم يَثبُتْ عن صَحابيٍّ ما يَخالِفُ ذلكَ؛ لا في الحَلِفِ بالطَّلاقِ ولا في الحَلِفِ بالعِتاقِ؛ بل إذا قالَ الصَّحابةُ: «إنَّ الحالِفَ بالعِتقِ لا يَلزمُه العِتقُ» فالحالِفُ بالطَّلاقِ أَولى عِندَهم، وهذا كالحلِفِ بالنَّذرِ مِثلَ أنْ يقولَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فعَليَّ الحَجُّ، أو صَومُ سَنةٍ، أو ثُلثُ مالي صَدقةٌ»، فإنَّ هذا يَمينٌ تُجزئُ فيهِ الكفَّارةُ عندَ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِثلَ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ وابنِ عُمرَ، وهو قولُ جَماهيرِ التَّابعِينَ كطاووسٍ وعَطاءٍ وأبي الشَّعثاءِ وعِكرمةَ والحسَنِ وغَيرِهم، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ المَنصوصُ عنهُ، ومَذهبُ أحمَدَ بلا نِزاعٍ عنهُ، وهو إحدَى الرِّوايتَينِ عن أبي حَنيفةَ اختارَها مُحمدُ بنُ الحسَنِ، وهو قولُ طائِفةٍ مِنْ أصحابِ مالِكٍ كابنِ وَهبٍ وابنِ أبي الغَمْرِ، وأفتَى ابنُ القاسِمِ ابنَهُ بذلكَ، والمَعروفُ عَنْ جُمهورِ السَّلفِ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومَن بَعدَهم أنهُ لا فرْقَ بيْنَ أنْ
يَحلِفَ بالطَّلاقِ أو العِتاقِ أو النَّذرِ: إمَّا أنْ تُجزئَهُ الكفَّارةُ في كُلِّ يَمينٍ، وإمَّا أنْ لا شيءَ عليهِ، وإمَّا أنْ يُلزمَه كما حلَفَ بهِ، بل إذا كانَ قَولُه: «إنْ فَعلْتُ كذا فعَليَّ أنْ أُعتِقَ رَقبةً» وقصَدَ بهِ اليَمينَ لا يَلزمُه العِتقُ؛ بلْ يُجزئُه كفَّارةُ يَمينٍ، ولو قالَهُ على وجهِ النَّذرِ لَزمَه بالاتِّفاقِ … (١).
وقالَ أيضًا: إذا حَلفَ الرَّجلُ بالطَّلاقِ فقالَ: «الطَّلاقُ يَلزمُني لَأفعلَنَّ كذا أو لا أفعَلُه، أو: الطَّلاقُ لازِمٌ لي لَأفعلَنَّه، أو: إنْ لَم أفعَلْه فالطَّلاقُ يَلزمُني أو لازِمٌ» ونحوُ هذهِ العِباراتِ الَّتي تَتضمَّنُ التِزامَ الطَّلاقِ في يَمينِه ثمَّ حنَثَ في يَمينِه فهلْ يَقعُ بهِ الطَّلاقُ؟ فيهِ قَولانِ لعُلماءِ المُسلمِينَ في المَذاهبِ الأربَعةِ وغَيرِها مِنْ مَذاهبِ عُلماءِ المُسلمينَ:
أحَدُهما: أنهُ لا يَقعُ الطَّلاقُ، وهذا مَنصوصٌ عَنْ أبي حَنيفةَ نَفسِه، وهو قولُ طائفةٍ مِنْ أصحابِ الشَّافعيِّ كالقَفَّالِ وأبي سَعيدٍ المُتَولِّي صاحِبِ «التَّتِمَّة»، وبهِ يُفتِي ويَقضي في هذهِ الأزمِنةِ المُتأخِّرةِ طائِفةٌ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وغَيرِهم مِنْ أهلِ السُّنةِ والشِّيعةِ في بلادِ الشَّرقِ والجَزيرةِ والعِراقِ وخُرَاسانَ والحِجازِ واليَمنِ وغيرِها، وهو قولُ داودَ وأصحابِه كابنِ حَزمٍ وغَيرِه، كانوا يُفتونَ ويَقضونَ في بلادِ فارِسَ والعِراقِ والشَّامِ ومِصرَ وبلادِ المَغربِ إلى اليومِ، فإنهم خَلْقٌ عَظيمٌ وفيهم قُضاةٌ ومُفتونَ عَددٌ كَثيرٌ، وهو قولُ طائِفةٍ مِنَ السَّلفِ كطاووسٍ وغَيرِ طاوُوسٍ، وبهِ يُفتِي
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢١٥، ٢٢٠).
كَثيرٌ مِنْ عُلماءِ المَغربِ في هذهِ الأزمِنةِ المُتأخِّرةِ مِنْ المالكيَّةِ وغَيرِهم، وكانَ بعضُ شُيوخِ مِصرَ يُفتي بذلكَ، وقَد دَلَّ على ذلكَ كَلامُ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ المَنصوصُ عنهُ وأصولُ مَذهبِه في غَيرِ مَوضِعٍ.
ولو حلَفَ بالثَّلاثِ فقالَ: «الطَّلاقُ يَلزمُني ثلاثًا لَأفعلَنَّ كذا» ثمَّ لم يَفعلْ فكانَ طائِفةٌ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ مِنْ أصحابِ مالِكٍ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ وداودَ وغَيرِهم يُفتونَ بإنهُ لا يَقعُ بهِ الثَّلاثُ، لكنْ منهم مَنْ يُوقِعُ بهِ واحدةً، وهذا مَنقولٌ عن طائفةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وغَيرِهم في التَّنجيزِ فَضلًا عنِ التَّعلِيقِ واليَمينِ، وهذا قولُ مَنِ اتَّبعهُم على ذلكَ مِنْ أصحابِ مالِكٍ وأحمَدَ وداودَ في التَّنجيزِ والتَّعليقِ والحلِفِ.
ومِن السَّلَفِ طائِفةٌ مِنْ أعيانِهم فرَّقُوا في ذلكَ بيْنَ المَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها.
والَّذينَ لم يُوقِعُوا طلاقًا بمَن قالَ: «الطَّلاقُ يَلزمُني لَأفعلَنَّ كذا» مِنهم مَنْ لا يُوقِعُ بهِ طلاقًا ولا يَأمرُه بكفَّارةٍ، ومِنهم مَنْ يَأمرُه بكفَّارةٍ، وبكُلٍّ مِنْ القَولَينِ أفتَى كثيرٌ مِنَ العُلماءِ، وقَد بَسطْتُ أقوالَ العُلماءِ في هذهِ المَسائلِ وألفاظَهَم ومَن نقَلَ ذلكَ عَنهم، والكتُب المَوجودُ ذلكَ فيها والأدلَّة على هذهِ الأقوالِ في مَواضِعَ أُخَرَ تَبلُغُ عدَّةَ مُجلَّداتٍ.
وهذا بخِلافِ الَّذي ذَكرْتُه في مَذهبِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ، وهوَ فيما إذا حلَفَ بصِيغةِ اللُّزومِ مِثلَ قولَهِ: «الطَّلاقُ يَلزمُني» ونحوُ ذلكَ، وهذا
النِّزاعُ في المذهَبَينِ، سواءٌ كانَ مُنجَّزًا أو مُعلَّقًا بشَرطٍ أو مَحلوفًا بهِ، ففي المَذهبَينِ: هل ذلكَ صَريحٌ؟ أو كِنايةٌ؟ أو لا صَريحٌ ولا كِنايةٌ فلا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ وإنْ نَواهُ؟ ثلاثةٌ أقوالٍ، وفي مَذهبِ أحمدَ قَولانِ: هل ذلكَ صَريحٌ؟ أو كِنايةٌ؟
وأمَّا الحَلِفُ بالطَّلاقِ أو التَّعليقُ الَّذي يُقصَدُ بهِ الحَلِفُ فالنِّزاعُ فيهِ مِنْ غَيرِهم بغَيرِ هذهِ الصِّيغةِ، فمَن قالَ: «إنَّ مَنْ أفتَى بأنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ في مثلِ هذهِ الصُّورَةِ خالَفَ الإجماعَ وخالَفَ كلَّ قولٍ في المَذاهبِ الأربعةِ» فقدْ أخطَأَ واقتَفَى ما لا عِلمَ بهِ، وقدْ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، بلْ أجمَعَ الأئمَّةُ الأربعَةُ واتْباعُهم وسائرُ الأئمَّةِ مِثلَهم على أنهُ مَنْ قَضَى بأنهُ لا يَقعُ الطَّلاقُ في مِثلِ هذهِ الصُّورةِ لم يَجُزْ نَقضُ حُكمِه، ومَن أفتَى بهِ ممَّن هو مِنْ أهلِ الفُتيَا ساغَ لهُ ذلكَ، ولم يَجُزِ الإنكارُ عليهِ باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربَعةِ وغَيرِهم مِنْ أئمَّةِ المُسلمينَ، ولا على مَنْ قلَّدَه ولو قضَى أو أفتَى بقولٍ سائغٍ يَخرجُ عَنْ أقوالِ الأئمَّةِ الأربَعةِ في مَسائلِ الأيمانِ والطَّلاقِ وغَيرِهما ممَّا ثبَتَ فيهِ النِّزاعُ بيْنَ عُلماءِ المُسلمينَ، ولَم يُخالِفْ كتابًا ولا سُنَّةً ولا مَعنَى ذلكَ، بلْ كانَ القاضي بهِ والمُفتِي به يَستدلُّ عليهِ بالأدلَّةِ الشَّرعيةِ كالاستِدلالِ بالكِتابِ والسُّنةِ، فإنَّ هذا يَسوغُ له أنْ يَحكُمَ به ويُفتِي بهِ، ولا يَجوزُ باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعَةِ نَقضُ حُكمِه إذا حكَمَ، ولا مَنعُه مِنَ الحُكمِ بهِ ولا مِنَ الفُتيا بهِ ولا مَنعُ أحَدٍ مِنْ تَقليدِه.
ومَن قالَ: «إنهُ يَسوغُ المَنعُ مِنْ ذلكَ» فقَدْ خالَفَ إجماعَ الأئمَّةِ الأربعَةِ، بلْ خالَفَ إجماعَ المُسلِمينَ معَ مُخالَفتِه للهِ ورَسولِه، فإنَّ اللهَ تعالَى يقولُ في كِتابِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾، فأمَرَ اللهُ المُؤمنينَ بالرَّدِ فيما تَنازعُوا فيهِ إلى اللهِ والرَّسولِ، وهوَ الرَّدُّ إلى الكِتابِ والسُّنةِ، فمَن قالَ: «إنهُ ليسَ لأحَدٍ أنْ يَردَّ ما تَنازعُوا فيهِ إلى الكِتابِ والسُّنةِ، بلْ على المُسلمينَ اتباعُ قَولِنا دُونَ القَولِ الآخَرِ» مِنْ غَيرِ أنْ يُقيمَ دليلًا شَرعيًّا كالاستِدلالِ بالكِتابِ والسُّنةِ على صحَّةِ قَولِه فقدْ خالَفَ الكِتابَ والسُّنةَ وإجماعَ المُسلمينَ، وتَجبُ استِتابةُ مِثلِ هذا وعُقوبتُه كما يُعاقَبُ أمثالهُ، فإذا كانَتِ المَسألةُ ممَّا تَنازَعَ فيهِ عُلماءُ المُسلمينَ وتَمسَّكَ بأحَدِ القولَينِ لم يُحتَجَّ على قَولِه بالأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ كالكِتابِ والسُّنةِ، وليسَ معَ صاحِبِ القَولِ الآخَرِ مِنَ الأدلَّةِ الشَّرعيةِ ما يَبطُلُ بهِ قَولُه، لم يَكنْ لهذا الَّذي ليسَ معهُ حجَّةٌ تَدلُّ على صحَّةِ قَولِه أنْ يَمنعَ ذلكَ الَّذي يَحتَجُّ بالأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ بإجماعِ المُسلمينَ، بل جَوَّزَ أنْ يَمنعَ المُسلمونَ مِنْ القَولِ المُوافِقِ للكتابِ والسُّنةِ وأوجَبَ على النَّاسِ اتَّباعَ القَولِ الَّذي يُناقِضُه بلا حُجَّةٍ شَرعيَّةٍ تُوجِبُ عليهم اتِّباعَ هذا القَولِ، وتُحرِّمُ عليهم اتِّباعَ ذلكَ القَولِ؛ فإنهُ قدِ انسَلخَ مِنَ الدِّينِ تَجبُ استِتابتُه وعُقوبتُه كأمثالِه، وغايتُه أنْ يكونَ جاهِلًا فيُعذَرَ بالجَهلِ أوَّلًا حتَّى يَتبيَّنَ لهُ أقوالُ أهلِ
العلمِ ودلائلُ الكتابِ والسُّنةِ، فإنْ أصَرَّ بعْدَ ذلكَ على مُشاقَّةِ الرَّسولِ مِنْ بعْدِ ما تَبيَّنَ لهُ الهُدَى واتَّبعَ غيْرَ سَبيلِ المُؤمنينَ فإنهُ يُستَتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ.
وكلُّ يَمينٍ مِنْ أيمانِ المُسلمينَ غَيرُ اليمينِ باللهِ ﷿ مِثلُ الحلِفِ بالطَّلاقِ والعِتاقِ والظِّهارِ والحَرامِ والحلِفِ بالحَجِّ والمَشيِ والصَّدقةِ والصِّيامِ وغَيرِ ذلكَ- فللعُلماءِ فيها نِزاعٌ مَعروفٌ عندَ العُلماءِ، سواءٌ حلَفَ بصِيغةِ القسَمِ فقالَ: «الحَرامُ يَلزمُني، أو العِتقُ يَلزمُني لَأفعلَنَّ كذا»، أو حلَفَ بصِيغةِ العِتقِ فقالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فعليَّ الحَرامُ ونِسائي طَوالِقُ، أو فعَبيدِي أحرارٌ، أو مالي صَدقةٌ وعليَّ المَشيُ إلى بَيتِ اللهِ تعالَى».
واتَّفقتِ الأئمَّةُ الأربعَةُ وسائرُ أئمَّةِ المُسلمينَ على أنهُ يَسوغُ للقاضي أنْ يَقضِي في هذهِ المَسائلِ جَميعِها بأنهُ إذا حنَثَ لا يَلزمُه ما حلَفَ بهِ، بل إمَّا أنْ لا يَجبَ عليهِ شيءٌ، وإمَّا أنْ تُجزيهِ الكفَّارةُ، ويَسوغُ للمُفتِي أنْ يَقضي بذلكَ، وما زالَ في المُسلمينَ مَنْ يُفتِي بذلكَ مِنْ حينِ حدَثَ الحلِفُ بها وإلى هذهِ الأزمِنةِ، مِنهم مَنْ يُفتِي بالكفَّارةِ فيها، ومِنهم يُفتِي بأنهُ لا كفَّارةَ فيها ولا لُزومَ المَحلوفِ بهِ، كما أنَّ مِنهم مَنْ يُفتِي بلُزومِ المَحلوفِ بهِ، وهذهِ الأقوالُ الثَّلاثةُ في الأمَّةِ مَنْ يُفتِي بها بالحَلِفِ بالطَّلاقِ والعِتاقِ والحَرامِ والنَّذرِ، وأمَّا إذا حلَفَ بالمَخلوقاتِ كالكَعبةِ والمَلائكةِ فإنهُ لا كفَّارةَ في هذا باتِّفاقِ المُسلمِينَ.
فالأيمانُ ثلاثةُ أقسامٍ:
إمَّا الحَلِفُ باللهِ؛ ففيهِ الكفَّارةُ بالاتِّفاقِ، وإمَّا الحَلِفُ بالمَخلوقاتِ؛ فلا كفَّارةَ فيهِ بالاتِّفاقِ، إلَّا الحلِفُ بالنَّبيِّ قولانِ في مَذهبِ أحمدَ، والجُمهورُ أنهُ لا كفَّارةَ فيهِ، وقَد عَدَّى بعضُ أصحابِ ذلكَ إلى جَميعِ النَّبيِّينَ، وجَماهيرُ العُلماءِ مِنْ أصحابِ أحمَدَ وغَيرِهم على خِلافِ ذلكَ.
وأمَّا ما عُقِدَ مِنْ الأيمانِ باللهِ تعالَى -وهو هذهِ الأيمانُ- فللمُسلمينَ فيها ثلاثةُ أقوالٍ، وإنْ كانَ مِنْ النَّاسِ مَنِ ادَّعى الإجماعَ في بَعضِها، فهذا كما أنَّ كَثيرًا مِنْ مَسائلِ النِّزاعِ يَدَّعي فيها الإجماعَ مَنْ لَم يَعلمِ النِّزاعَ، ومَقصودُه أنِّي لا أعلَمُ نِزاعًا، فمَنْ عَلِمَ النِّزاعَ وأثبَتَه كانَ مُثبِتًا عالِمًا، وهوَ مُقدَّمٌ على النَّافي الَّذي لا يَعلمُه باتِّفاقِ المُسلمينَ.
وإذا كانَتِ المَسألةُ مَسألةَ نِزاعٍ في السَّلفِ والخَلَفِ، ولم يكنْ مع مَنْ ألزَمَ الحالِفَ بالطَّلاقِ أو غَيرِه نَصُّ كتابٍ ولا سُنةٍ ولا إجماعٍ كانَ القَولُ بنَفيِ لُزومِه سائِغًا باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعَةِ وسائرِ أئمَّةِ المُسلمينَ، بلْ هُمْ مُتَّفِقونَ على أنه ليسَ لأحدٍ أنْ يَمنعَ قاضيًا يَصلُحُ للقضاءِ أنْ يَقضيَ بذلكَ، ولا يَمنعَ مُفتيًا يَصلحُ للفُتيا أنْ يُفتيَ بذلكَ، بل هُمْ يُسوِّغونَ الفُتيا والقَضاءَ في أقوالٍ ضَعيفةٍ؛ لوُجودِ الخِلافِ فيها، فكيفَ يَمنَعونَ مِثلَ هذا القَولِ الَّذي دلَّ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ والقِياسُ الصَّحيحُ الشَّرعيُّ؟! والقَولُ به ثابِتٌ عَنِ السَّلفِ والخَلَفِ، بلِ الصَّحابةُ الَّذينَ هُمْ خَيرُ هذهِ الأمَّةِ ثبَتَ عَنهم أنهم
أفتَوْا في الحَلِفِ بالعِتقِ الَّذي هوَ أحبُّ إلى اللهِ تعالَى مِنَ الطَّلاقِ أنهُ لا يَلزمُ الحالِفَ بهِ، بل يُجزِيهِ كفَّارةُ يَمينٍ، فكيفَ يكونُ قَولُهم في الطَّلاقِ الَّذي هو أبغَضُ الحَلالِ إلى اللهِ؟ وهل يُظنُّ بالصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم أنهم يَقولونَ فيمَن حَلَفَ بما يُحبُّه اللهُ مِنْ الطَّاعاتِ كالصَّلاةِ والصِّيامِ والصَّدقةِ والحَجِّ أنهُ لا يَلزمُه أنْ يَفعلَ هذهِ الطَّاعاتِ، بلْ يُجزيهِ كفَّارةُ يَمينٍ، ويَقولونَ فيما لا يُحبُّهُ اللهُ بلْ يُبغِضُه إنهُ يَلزمُ مَنْ حلَفَ به؟!
وقَدِ اتَّفقَ المُسلمونَ على أنَّه مَنْ حلَفَ بالكُفرِ والإسلامِ أنهُ لا يَلزمُه كُفرٌ ولا إسلامٌ، فلو قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا يَهوديٌّ» وفعَلَه لم يَصِرْ يَهوديًّا بالاتِّفاقِ، وهل يَلزمُه كفَّارةُ يَمينٍ؟ على قَولينِ:
أحَدَهما: يَلزمُه، وهوَ مَذهبُ أبي حَنيفةَ وأحمدَ في المَشهورِ عَنه.
والثَّاني: لا يَلزمُه، وهو قولُ مالكٍ والشَّافعيِّ ورِوايةٌ عَنْ أحمدَ، وذهَبَ بعضُ أصحابِ أبي حَنيفةَ إلى أنهُ إذا اعتَقدَ أنهُ يَصيرُ كافِرًا إذا حنَثَ وحلَفَ بهِ فإنهُ يَكفرُ، قالوا: لأنهُ مُختارٌ للكُفرِ، والجُمهورُ قالوا: لا يَكفرُ؛ لأنَّ قصْدَه أنْ لا يَلزمَه الكُفرُ، فلبُغضِه لهُ حلَفَ بهِ، وهكذا كلُّ مَنْ حلَفَ بطلاقٍ أو غَيرِه إنما يَقصِدُ بيَمينِه أنهُ لا يَلزمُه؛ لفَرطِ بِغضِه له.
وبهذا فرَّقَ الجُمهورُ بيْنَ نَذرِ التَّبَرُّرِ ونَذرِ اللَّجاجِ والغَضبِ، قالوا: لأنَّ الأوَّلَ قَصدُه وُجودُ الشَّرطِ والجزاءِ، بخِلافِ الثَّاني، فإذا قالَ: «إنْ شَفَى اللهُ مَريضِي فعَليَّ عِتقُ رَقبةٍ، أو فعَبدِي حرٌّ» لَزمَه ذلكَ بالاتِّفاقِ، وأمَّا إذا قالَ:
«إنْ فَعلْتُ كذا فعَليَّ عِتقُ رَقبةٍ، أو فعَبدِي حُرُّ» وقَصدُه أنْ لا يَفعلَه فهذا مَوضِعُ النِّزاعِ؛ هل يَلزمُه العِتقُ في الصُّورتَينِ؟ أو لا يَلزمُه في الصُّورتَينِ؟ أو يُجزيهِ كفَّارةُ يَمينٍ؟ أو يُجزيهِ الكفَّارةُ في تَعليقِ الوُجوبِ دُونَ تَعليقِ الوُقوعِ؟ وهذهِ الأقوالُ الثَّلاثةُ في الطَّلاقِ.
ولو قالَ اليَهوديُّ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا مُسلِمٌ» وفعَلَه لم يَصِرْ مُسلِمًا بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ الحالِفَ حلَفَ بما يَلزمُه وُقوعُه، وهكذا إذا قالَ المُسلِمُ: «إنْ فَعلْتُ كذا فنِسائي طَوالِقُ وعَبيدِي أحرارٌ وأنا يَهوديٌ»، هو يَكرهُ أنْ يُطلِّقَ نِساءَه ويُعتِقَ عَبيدَه ويُفارِقَ دِينَه، مع أنَّ المَنصوصَ عنِ الأئمَّةِ الأربعةِ وُقوعُ العِتقِ.
ومَعلومٌ أنَّ سَبعةً مِنْ الصَّحابةِ مِثلَ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وعائِشةَ وأمِّ سَلَمةَ وحَفصةَ وزَينبَ رَبيبةِ النِّبيِّ أجَلُّ مِنْ أربعةٍ مِنْ عُلماءِ المُسلمِينَ، فإذا قالوا هم وأئِمَّةُ التَّابعِينَ أنهُ لا يَلزمُه العِتقُ المَحلوفُ بهِ بَلْ يُجزيهِ كفَّارةُ يَمينٍ؛ كانَ هذا القَولُ مع دَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ إنَّما يَدلُّ على هذا القَولِ، فكيفَ يُسوغُ لمَن هو مِنْ أهلِ العِلمِ والإيمانِ أنْ يُلزِمَ أمَّةَ مُحمدٍ بالقَولِ المَرجوحِ في الكِتابِ والسُّنةِ والأقيِسةِ الصَّحيحةِ الشَّرعيَّةِ؟ مع ما لهُم مِنْ مَصلحةِ دِينِهم ودُنياهُم، فإنَّ في ذلكَ مِنْ صِيانةِ أنفُسِهم وحَريمِهم وأموالِهم وأعراضِهم وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهم وصِلةِ أرحامِهم واجتِماعِهم على طاعةِ اللهِ ورَسولِه واستِغنائِهمْ عن مَعصيةِ اللهِ ورَسولِه ما يُوجِبُ تَرجيحَه
لِمَنْ لا يكونُ عارِفًا بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ، فكيفَ بمَن كانَ عارِفًا بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ.
فإنَّ القائِلَ بوُقوعِ الطَّلاقِ ليسَ مَعهُ مِنَ الحُجَّةِ ما يُقاوِمُ قولَ مَنْ نَفَى وُقوعَ الطَّلاقِ، ولوِ اجتَهدَ مَنِ اجتَهدَ في إقامةِ دَليلٍ شَرعيٍّ سالِمٍ عَنِ المُعارِضِ المُقاوِمِ على وُقوعِ الطَّلاقِ على الحالِفِ لَعَجَزَ عن ذلكَ كما عَجزَ عَنْ تَحديدِ ذلكَ، فهل يَسوغُ لأحَدٍ أنْ يَأمُرَ بما يُخالِفُ إجماعَ المُسلمينَ ويُخرِجُ عن سَبيلِ المُؤمنينَ؟ فإنَّ القولَ الَّذي ذهَبَ إليهِ بعضُ العُلماءِ وهو لَم يُعارِضْ نَصًّا ولا إجماعًا ولا ما في مَعنَى ذلكَ ويُقدِّمُ عليهِ الدَّليلَ الشَّرعيَّ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ والقياسِ الصَّحيحِ ليسَ لأحَدٍ المَنعُ مِنَ الفُتيا بهِ والقَضاءِ بهِ وإنْ لم يَظهرْ رُجحانُه، فكيفَ إذا ظهَرَ رُجحانُه بالكِتابِ والسُّنةِ وبَيَّنَ ما للهِ فيهِ مِنَ المِنَّةِ، فإنَّ اللهَ تعالَى يَقولُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وقالَ في كِتابِه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، وقَد ثبَتَ في الصَّحيحِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرأَى غيْرَها خَيرًا مِنها فلْيُكفِّرْ عَنْ يَمينِه ولْيَأتِ الَّذي هوَ خَيرٌ»، وهذا مَرويٌّ عنِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ وُجوهٍ كثيرةٍ، وفي «مُسلِمٍ» مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ وعَديِّ بنِ حاتِمٍ وأبي مُوسَى الأشعريِّ وفي «الصَّحيحَينِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لعَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرَةَ: «إذا حَلفْتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غيْرَها خَيرًا مِنها إلَّا أَتيتَ الَّذي هو خَيرٌ وتَحلَّلْتَها»، وفي «الصَّحيحَينِ» عن أبي هُريرةَ عنِ
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل في أحكام الاستنابة على الطلاق]
فَصْلٌ) إنْ فَوَّضَهُ لَهَا تَوْكِيلًا؛ فَلَهُ الْعَزْلُ إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ، لَا تَخْيِيرًا، أَوْ تَمْلِيكًا.
ــ
منح الجليل
رَبِيعَةَ عَلَى الْعُمُومِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الطَّلْقَاتِ دُونَ تَعْلِيقٍ وَالتَّعَالِيقَ الْمُتَّفِقَةَ وَالْمُخْتَلِفَةَ فَيَكُونُ خِلَافًا لِلْإِمَامِ فِي التَّلْفِيقِ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ، لَكِنَّ تَعْبِيرَهُ بِيَمِينٍ يَمْنَعُهُ وَيُعَيِّنُ الْحَمْلَ عَلَى الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
فَصْلٌ فِي أَحْكَام الِاسْتِنَابَة عَلَى الطَّلَاق
وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ تَوْكِيلٌ وَإِرْسَالٌ وَتَمْلِيكٌ وَتَخْيِيرٌ (إنْ فَوَّضَهُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ (لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (تَوْكِيلًا) أَيْ جُعِلَ إنْشَاءً لَهَا بَاقِيًا لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ إنْ شَاءَ فَخَرَجَ بِالْإِنْشَاءِ الْإِرْسَالُ وَبِبَقَاءِ الْمَنْعِ التَّمْلِيكُ وَالتَّخْيِيرُ (فَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الْعَزْلُ) أَيْ مَنْعُهَا مِنْ إيقَاعِهِ قَبْلَهُ اتِّفَاقًا عَلَى قَاعِدَةِ التَّوْكِيلِ مِنْ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ) لَهَا بِإِيقَاعِهِ كَقَوْلِهِ لَهَا: إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَقَدْ وَكَّلْتُكِ عَلَى طَلَاقِك أَوْ طَلَاقِ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا بِرَفْعِ ضَرَرِ الضَّرَّةِ عَنْهَا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في الرسالة في الطلاق
مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ فَإِذَا وَقَعَ الْأَصْلُ اسْتَتْبَعَ الْوَصْفُ الْمُمَلَّكُ فَيَقَعُ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
فَصْلٌ فِي الرِّسَالَةِ فِي الطَّلَاقِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الرِّسَالَةُ فَهِيَ أَنْ يَبْعَثَ الزَّوْجُ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ الْغَائِبَةِ عَلَى يَدِ إنْسَانٍ فَيَذْهَبُ الرَّسُولُ إلَيْهَا وَيُبَلِّغُهَا الرِّسَالَةَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْقُلُ كَلَامَ الْمُرْسِلِ فَكَانَ كَلَامُهُ كَكَلَامِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
عَدَمُ الشَّكِّ مِنْ الزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ حَتَّى لَوْ شَكَّ فِيهِ، لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِهِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَزِلَ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِهِ بِالطَّلَاقِ فَلَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهِ بِالشَّكِّ كَحَيَاةِ الْمَفْقُودِ، أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ ثَابِتَةً وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِهَا لَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهَا بِالشَّكِّ حَتَّى لَا يُورَثَ مَالُهُ وَلَا يَرِثَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَقَارِبِهِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب الطلاق بالحساب
بابُ الطَّلاقِ بالحِسَاب
١٢٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ يَدُكِ، أو عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِكِ طَالِقٌ. أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطلِيقَةٍ، أَوْ رُبْعَ تَطْلِيقَه. وَقَعَتْ بهَا وَاحِدَةٌ)
الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصلَيْنِ:
أحدُهما، أنَّه إذا طَلَّقَ جُزءًا منها. والثّانى، إذا طَلّقَ جُزءًا مِن طَلْقةٍ.
فأمّا الأوّلُ، فإنَّه متى طَلَّقَ من المرأةِ جُزءًا مِن أجزائِها الثّابتةِ، طَلُقَتْ كُلُّها، سَواءٌ كان جُزءًا شائعًا، كنِصْفِها، أو سُدْسِها، أو جزءًا مِن ألْفِ جُزءٍ منها، أو جُزءًا مُعَيَّنًا، كيَدِها، أو رأْسِها، أو أُصْبُعها. وهذا قولُ الحسنِ، ومذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن القاسمِ صاحبِ مالكٍ. وذهَب أصحابُ الرَّأْىِ، إلى أنَّه إن أضافَه إلى جُزءٍ شائعٍ، أو واحدٍ من أعْضاءٍ خمسةٍ؛ الرّأس، والوجهِ، والرَّقَبَةِ، والظَّهْرِ، والفَرْجِ، طَلُقَتْ. وإِنْ أضافه إلى جُزءٍ مُعَيَّن، غيرِ هذه الخمسةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه جزءٌ تَبْقَى الجُملةُ بدُونِه، أو جزءٌ لا يُعبَّرُ به عن الجملةِ، فلم تَطْلُقِ المرأةُ بإضافةِ الطّلاقِ إليه، كالسِّنِّ، والظُّفْرِ. ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزْءٍ ثابتٍ، اسْتباحَه بعَقْدِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ الجزءَ الشائعَ، والأعضاءَ الخمسةَ، ولأنَّها جُملةٌ لا تَتَبَعَّضُ فى الحِلِّ والحُرْمَةِ، وُجِدَ فيها ما يَقْتضِى التَّحْريمَ والإِباحةَ، فغَلَبَ فيها حُكْمُ التَّحْريمِ، كما لو اشْتَركَ مسلمٌ ومَجُوسىٌّ فى قتل صَيْدٍ، وفارقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه ليس بثابتٍ، والشَّعْرُ والظُّفرُ ليس بثابتٍ، فإنَّهما
يَزُولانِ ويَخْرُجُ غيرُهما، ولا يَنْقُضُ مَسُّهما الطَّهارةَ.
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.