شروط التفويض في الطلاق

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > شروط التفويض في الطلاق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 31 دقيقة قراءة

شروط التفويض في الطلاق - الأقوال والأدلة

شُروطُ التَّفويضِ في الطلاقِ:

يَجوزُ للزوجِ التفويضُ بأنواعِهِ الثلاثةِ -التَّوكيلِ والتَّخييرِ والتَّمليكِ- لغَيرِ الزوجةِ، أجنَبيًّا مِنها أو قَريبًا أو امرَأةً أو صَبيًّا يَعقلُ أو ذمِّيًّا ولو لم يَكنْ مِنْ شَرعِه طلاقُ النساءِ، وسواءٌ شرَكَها مع ذلكَ الغيرُ أم لا، بشُروطٍ:

أنْ يكونَ حاضِرًا بالبَلدِ أو تَقربَ غَيبتُه كاليَومينِ لا أكثَرَ، فيُرسِلُ إليه: إمَّا أنْ يَحضرَ، وإمَّا أنْ يُعلِمَنا ببيِّنةٍ بما أرادَ.

وإنْ لَم يكنْ حاضِرًا ولا قَريبَ الغَيبةِ -بأنْ كانَ بَعيدَ الغَيبةِ- انتَقلَ التفويضُ لها، وجرَى فيه جَميعُ ما تَقدَّمَ.

وعلى المُفوَّضُ له النَّظرُ في أمرِ الزوجةِ، فلا يَفعلُ إلا ما فيهِ مَصلحةٌ، فلا يَرُدُّ إلا إذا كانَ في الردِّ مَصلحةٌ، وإلا قامَ الحاكِمُ مَقامَه.

ويَصيرُ المُخيَّرُ كالزوجةِ في التخييرِ والتمليكِ، فيَجرِي فيهِ جَميعُ ما تَقدَّمَ فيها مِنْ حَيلولةٍ وإيقافٍ وغيرِ ذلكَ.

تَفويضُ الزَّوجِ الطلاقَ لأكثَرَ مِنْ واحِدٍ:

إذا ملَّكَ أمْرَ امرَأتِه لرَجلَينِ وأمَرَهما بطَلاقِها فليسَ لأحَدِهما أنْ يَستقلَّ بطَلاقِها دُونَ صاحِبِه، وذلكَ بأنْ يَقولَ لهُما: «طلِّقَا إنْ شِئتُما- كالوَكيلَينِ في البَيعِ والشراءِ، فإنْ أَذِنَ له أحَدُهما في وَطئِها زالَ ما بيَدِهما، فإنْ ماتَ أحَدَهما فليسَ للثاني تَمليكٌ، إلا أنْ يَكونَا رَسولَينِ فلكُلٍّ مِنهُما القَضاءُ، وذلكَ بأنْ يَقولَ لهُما: «طلِّقَا امرأتي» ولم يَقلْ: «إنْ شِئتُما».

إلا أنْ يَقولَ لهُما -مُجتَمعَينِ أو مُتفرِّقَينِ-: «جعَلْتُ لكلٍّ مِنكُما، أو فوَّضْتُ لكلٍّ منكُما طلاقَها»، فلكلِّ واحِدٍ منهُما الاستِقلالُ بالطلاقِ.

ولو قالَ: «أَعلِماها بأني طلَّقتُها» فالطلاقُ لازِمٌ وإنْ لم يُعلِماها، ويُسمَّى رِسالةً في عُرفِهم، ولو قالَ: «طلِّقاها» احتَملَ الرِّسالةَ والتمليكَ والتوكيلَ، فعلَى الرِّسالةِ يَلزمُ إنْ لم يُبلِّغاها، وعلى التمليكِ لا يَلزمُ ولا يَقعُ إلا بهما، وعلى التوكيلِ: يَلزمُ بتَبليغِ أحَدِهما ولهُ عَزلُه، وهيَ أقوالٌ ثلاثةٌ، المَشهورُ الأولُ، أي أنه رِسالةٌ، فيَلزمُ بمُجرَّدِ الإخبارِ وإنْ لَم يُعلِماها اتِّفاقًا (١).

وقالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ تَفويضُ الطلاقِ للزوجةِ بالإجماعِ، لأنه خيَّرَ نِساءَه بينَ المقامِ معهُ وبينَ مُفارَقتِه لمَّا نزَلَ قَولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)[الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، فلو لم يَكنْ لاختِيارِهنَّ الفُرقةَ أثَرٌ لم يَكنْ لتَخييرِهنَّ معنًى.

وللزوجِ تَفويضُ طَلاقِها المُنجَّزِ -صَريحًا كانَ أو كِنايةً- ك: «طلِّقِي أو أبيني نفسَكِ» إلى زَوجتِه البالِغةِ العاقِلةِ، فلا يَصحُّ تَعليقُه كقولِه: «إذا جاءَ

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٠٣، ١١٤)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٣٢٠، ٣٢٩)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٧٠، ٧٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣١١، ٣٢٦)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٠٧، ٢٢٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٣٩٥، ٤١٣).

الغَدُ أو زَيدٌ فطَلِّقي نفسَكِ»، ولا التفويضُ لصَغيرةٍ أو حُكم مَجنونةٍ كسائِرِ التمليكاتِ في جَميعِ ذلكَ.

والتفويضُ تَمليكٌ للطلاقِ في الجَديدِ؛ لأنه يَتعلَّقُ بغَرضِها كغَيرِه مِنْ التملِيكاتِ، فنزَلَتْ مَنزلةَ قَولِه: «مَلَّكتُكِ طلاقَكِ»، فيُشترطُ لوُقوعِه تَكليفُه وتَكليفُها وتَطليقُها على الفَورِ؛ لأنَّ التطليقَ هُنا جَوابٌ للتمليكِ، فكانَ كقَبولِه، وقَبولُه فَورٌ، فإنْ أخَّرتْ بقَدرِ ما يَنقطعُ به القَبولُ عن الإيجابِ أو تَخلَّلَ كَلامٌ أجنَبيٌّ كثيرٌ بينَ تَفويضِه وتَطليقِها ثمَّ طلَّقَتْ نفسَها لم تَطلُقْ.

فلو قالَتْ: «كيفَ أُطلِّقُ نفسِي؟» ثمَّ طلَّقَتْ وقَعَ، والفَصلُ بذلكَ لا يُؤثرُ؛ لقِصرِه، ولا يَصحُّ مِنْ غَيرِ مُكلَّفٍ، ولا يقَعُ على غَيرِ مُكلَّفةٍ؛ لفَسادِ العِبارةِ.

ولو قالَ: «وَكَّلتُكِ في طلاقِ نفسِكِ» لم يُشترطِ الفَورُ، وكذا إنْ قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ متَى، أو متى ما شِئتِ» لَم يُشترطِ الفَورُ.

وإنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ بألفٍ» فطلَّقَتْ فَورًا وهي جائزةُ التصرُّفِ بانَتْ ولَزمَها ألفٌ، ويَكونُ تَمليكُها بعِوضٍ كالبَيعِ، فإنْ لم يُذكرْ عِوضٌ فهو كالهِبةِ.

وفي قولِ قَديمٍ أنَّ التفويضَ تَوكيلٌ، كما لو فوَّضَ طلاقَها لأجنَبيٍّ، وعليه فلا يُشترطُ في تَطليقِها فَورٌ في الأصحِّ، كما في تَوكيلِ الأجنبيِّ.

والثَّاني: يُشترطُ؛ لِمَا فيه مِنْ شائبةِ التمليكِ.

وعلى القَولينِ -أي التمليكِ والتَّوكيلِ- له الرجوعُ عن التفويضِ قبلَ تَطلِيقِها؛ لأنَّ التمليكَ والتوكيلَ يَجوزُ الرجوعُ فيهِما قبلَ القَبولِ، فإذا رجَعَ ثمَّ طلَّقَتْ لم يقَعْ، عَلِمَتْ برُجوعِه أم لا.

ولو علَّقَ التَّفويضَ -كأنْ قالَ لها: «إذا جاءَ رَمضانُ مَثلًا فطَلِّقي نفسَكِ» - لغَا على قَولِ التمليكِ؛ لأنَّ التمليكَ لا يَصحُّ تَعليقُه.

واعْلَم أنَّ ما تَقدَّمَ مِنْ صُوَرِ التفويضِ إنما هو في الصريحِ.

وأمَّا بالكِنايةِ فهو كما لو قالَ لها: «أَبيني نفسَكِ» فقالَتْ: «أَبَنتُ» ونوَيَا -أي الزوجُ تَفويضَ الطلاقِ إليها بأَبيني، ونَوَتْ هي تَطليقَ نَفسِها بأبَنْتُ- وقَعَ الطلاقُ؛ لأنَّ الكِنايةَ معَ النِّيةِ كالصريحِ.

وإنْ لم يَنويَا أو أحَدُهما فلا يَقعُ؛ لأنه إنْ لم يَنوِ هو فلا تَفويضَ، وإنْ لم تَنوِ هي فلا تَطليقَ؛ إذِ الطلاقُ لا يقَعُ بهذا اللَّفظِ وحْدَه.

ولو صرَّحَ فكَنَّتْ أو عكسُه -كأنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ» فقالَت: «أبَنْتُ» ونَوَتْ، أو قالَ: «أبيني نفسَكِ» ونَوَى فقالَتْ: «طلَّقتُ» - وقَعَ الطلاقُ؛ لأنها أُمِرَتْ بالطلاقِ وقد فعَلَتْه في الحالَينِ، ولا يَضرُّ اختِلافُ لَفظِهما.

وإنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ بصَريحِ الطلاقِ أو بكِنايتِه أو بالتسريحِ أو نَحوِ ذلك» فعدَلَتْ عن المَأذونِ فيه إلى غيرِه لم تَطلُقْ؛ لمُخالَفتِها صَريحَ كَلامِه.

ولو قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ» ونوَى ثلاثًا فقالَتْ: «طلَّقْتُ» ونَوَتْهنَّ وقد عَلِمَتْ نيَّتَه أو وقَعَ ذلكَ اتِّفاقًا فثَلاثٌ؛ لأنَّ اللفظَ يَحتملُ العَددَ وقد نَوَياهُ، وإلا فواحِدةٌ في الأصحِّ؛ لأنَّ صَريحَ الطلاقِ كِنايةٌ في العَددِ.

والثاني: تقَعُ ثلاثٌ؛ حَملًا على مَنْوِيِّه.

ولو قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ ثَلاثًا» فوحَّدَتْ -أي قالَتْ: طلَّقتُ نَفسِي واحِدةً- أو عكسُه كقولِه: «طلِّقي نفسَكِ واحِدةً» فثلَّثَتْ -أي قالتْ: طلَّقتُ نَفسِي ثلاثًا- فتقَعُ واحدةٌ في الصُّورتَينِ، أمَّا في الأُولى فلِأنَّ ما أوقَعَتْه داخِلٌ في المُفوَّضِ إليها، وأمَّا في الثانيةِ فلِأنَّ المُفوَّضَ إليها واحِدةٌ الزائدُ غيرُ مَأذونٍ فيه فيقَعُ ما تَملكُه.

ولو قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ ثَلاثًا» فقالَتْ بلا نيَّةٍ: «طلَّقتُ» وقَعَ الثلاثُ؛ لأنَّ قولَها جَوابٌ لكَلامِه، فهو كالمُعادِ في الجَوابِ، بخِلافِ ما إذا لم يَتلفَّظْ هو بالثلاثِ ونَواها؛ لأنَّ المَنْوِيَّ لا يُمكِنُ تَقديرُ عَوْدِه في الجَوابِ؛ إذِ التخاطُبُ باللفظِ لا بالنيةِ.

ولو طلَّقَتْ نفسَها عبَثًا ونَوَتْ فصادفَتِ التفويضَ لها ولم يَطُلِ الفَصلُ بينَهما طَلُقتْ، كما لو باعَ مالَ أبيهِ ظانًّا حياتَه فبانَ مَيتًا.

ولو فوَّضَ طلاقَ زَوجتِه إلى اثنَينِ وطلَّقَ أحَدُهما طَلقةً والآخَرُ ثلاثًا وقَعَتْ واحِدةٌ فقطْ؛ لاتِّفاقِهما عليها.

وإنْ جعَلَ طَلاقَها بيَدِ اللهِ ويَدِ زَيدٍ لغَا إنْ قصَدَ الشركةَ، فليسَ لزَيدٍ أنْ يُطلِّقَها، فإنْ قصَدَ التَّبركَ أو أنَّ الأمورَ كُلَّها بيَدِ اللهِ فلا.

ولو قالَ: «جعَلْتُ كلَّ أمرٍ لي عليكِ بيَدِكِ» كانَ كِنايةً في التفويضِ إليها، وليسَ لها أنْ تُطلِّقَ نفسَها ثلاثًا ما لم يَنوِها.

ولو قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا إنْ شِئتِ» فطلَّقَتْ واحدةً، أو: «طلِّقِي نفسَكِ واحِدةً إنْ شِئتِ» فطلَّقَتْ ثلاثًا؛ طَلُقتْ واحِدةً كما لو لم يَذكرِ المَشيئةَ، وإنْ قدَّمَ المَشيئةَ على العَددِ فقالَ: «طلِّقي نفسَكِ إنْ شئتِ واحِدةً» فطَّلقَتْ ثلاثًا أو عَكسُه لغَا؛ لصَيرورةِ المَشيئةِ شَرطًا في أصلِ الطلاقِ، والمَعنى «طلِّقِي إنْ اختَرْتِ الثلاثَ» فإذا اختارَتْ غَيرَهنَّ لم يُوجَدِ الشرطُ، بخِلافِ ما إذا أخَّرَها فإنها تَرجِعُ إلى تَفويضِ المَعنى، والمَعنى «فَوَّضتُ إليكِ أنْ تُطلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا فإنْ شئتِ فافعَلي ما فوَّضتُ إليكِ»، وذلكَ لا يَمنعُ نُفوذَ ذلكَ المُعيَّنِ ولا نُفوذَ ما يَدخلِ فيهِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ للرَّجلِ تَفويضُ الطلاقِ إلى زَوجتِه؛ لِمَا رَوى أبو سلَمةَ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ قالَتْ: «لمَّا أُمِرَ رَسولُ اللهِ بتَخييرِ أزواجِه بدَأَ بي فقالَ: إني ذاكِرٌ لكِ أمرًا فلا عَليكِ أنْ لا تَعجَلِي حتَّى تَستأْمِرِي أبوَيكِ، قالَتْ: وقد عَلِمَ أنَّ أبوَيَّ لم يكونَا يَأمُراني بفِراقِه، قالَتْ: ثمَّ قالَ: إنَّ اللهَ جلَّ ثَناؤُه قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ

(١) «كنز الراغبين» (٣/ ٨١١، ٨١٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٩٦، ٤٩٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٦٤، ٤٦٦)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٣٥٩، ٣٦٥)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٥٠٦، ٥٠٩)، و «الديباج» (٣/ ٤١٠، ٤١٢).

وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)[الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، قالَتْ: فَقلتُ: ففي أيِّ هذا أسْتَأمِرُ أبوَيَّ؟! فإني أريدُ اللهَ ورَسولَه والدارَ الآخِرةَ، قالَتْ: ثمَّ فعَلَ أزواجُ النبيِّ مِثلَ ما فَعلْتُ» (١).

والتفويضُ على ضَربينِ:

أحَدُهما: تَفويضُه بلَفظٍ صَريحٍ فيَقولُ: «طلِّقِي نفسَكِ»، فلها أنْ تُطلِّقَ نفسَها واحدةً، ليسَ لها أكثَرُ منها؛ لأنَّ الأمرَ المُطلَقَ يَتناولُ أقَلَّ ما يقَعُ عليهِ الاسمُ، كما لو وكَّلَ فيه أجنَبيًّا، إلا أنْ يَجعلَ إليها أكثَرَ مِنْ ذلكَ بلَفظِه أو نيَّتِه؛ لأنه نَوَى بكَلامِه ما يَحتملُه، والقَولُ قولُه في نيَّتِه؛ لأنه أعلَمُ بها، ولها أنْ تُطلِّقَ بلَفظِ الصريحِ والكِنايةِ مع النِّيةِ؛ لأنَّ الجَميعَ طلاقٌ فيَدخلُ في لَفظِه، ولها أنْ تُطلِّقَ متى شاءَتْ؛ لأنه تَوكيلٌ في الطلاقِ مُطلَقٌ، فأشبَهَ تَوكيلَ الأجنبيِّ.

وقالَ القاضي: يَتقيَّدُ بالمَجلسِ؛ قياسًا على التخييرِ.

الضربُ الثاني: تَفويضُه إليها بلَفظِ الكِنايةِ: وهو نَوعانِ:

أحَدُهما: أنْ يَقولَ: «أمرُكِ بيَدكِ» فيَكونُ لها أنْ تُطلِّقَ نفسَها ما شاءَتْ ومتى شاءَتْ؛ لأنه نَوعُ تَوكيلٍ بلَفظٍ يَقتضي العُمومَ في جَميعِ أمرِها، فأشبَهَ ما لو قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ ما شئتِ ومتى شِئتِ»، وقد رُويَ عن عليٍّ في رَجلٍ جعَلَ أمرَ امرَأتِه بيَدِها قالَ: «هو لها حتَّى يَنكلَ».

(١) رواه البخاري (٤٥٠٨)، ومسلم (١٤٧٥).

وعن أحمدَ ما يَدلُّ على أنه إنْ نَوَى واحِدةً فهي واحِدةٌ؛ لأنه نَوعُ تَخييرٍ، فرجَعَ إلى نيَّتِه كالتخييرِ.

النوعُ الثاني: أنْ يَقولَ لها: «اختارِي» فليسَ لها أنْ تَختارَ أكثَرَ مِنْ واحِدةٍ، إلا أنْ يَجعَلَ إليها أكثَرَ مِنْ ذلكَ بلَفظِه أو نيَّتِه، وليسَ لها أنْ تَختارَ إلا عَقيبَ تَخييرِه قبلَ أنْ يَقطعَا ذلكَ بالأخذِ في كَلامٍ غيرِه أو قِيامِ أحَدِهما عن مَجلسِه؛ لأنَّ ذلكَ يُروَى عن عُمرَ وعُثمانَ وابنِ مَسعودٍ وجابرٍ رضي الله عنهم، فعَن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: قضَى عُمرُ وعُثمانُ في الرَّجلِ يُخيِّرُ امرَأتَه أنَّ لها الخِيارَ ما لم يَتفرَّقَا، وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قالَ: ما دامَا في مَجلسِها، ونَحوُه عنِ ابنِ مَسعودٍ وجابرٍ، ولم نَعرفْ لهم مُخالِفًا في الصحابةِ فكانَ إجماعًا، وهو قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛ ولأنه خِيارُ تَمليكٍ، فكانَ على الفَورِ كخِيارِ القَبولِ.

وإنْ جعَلَ إليها أكثَرَ مِنْ ذلكَ بلَفظِه أو نيَّتِه أو قَرينةٍ فهو على ما جعَلَ إليها؛ لأنَّ النبيَّ قالَ لعائِشةَ: «فلا عليكِ ألا تَعجَلِي حتَّى تَستأمِرِي أبوَيكِ».

وللزوجِ الرُّجوعُ فيما فوَّضَه إليها قبلَ تَطليقِها؛ لأنه نوعُ تَفويضٍ، فملَكَ الرُّجوعَ فيهِ كتَوكيلِ الأجنَبيِّ، وإنْ وَطئَها كانَ رُجوعًا؛ لدَلالتِه على رَغبتِه فيها ورُجوعِه عمَّا جعَلَ إليها.

ولَفظةُ الخِيارِ و «أمرُكِ بيَدكِ» كِنايةٌ في حَقِّ الزوجِ؛ لأنه ليسَ بصَريحٍ في

إرادةِ الطلاقِ، فلم يَنصرفْ إليهِ بغيرِ نيَّةٍ، وإنْ نَوَى بهِ إيقاعَ الطلاقِ في الحالِ وقَعَ؛ لأنه يَصلحُ كِنايةً عن الطلاقَ، فأشبَهَ سائِرَ كِناياتِه، وإنْ نَوَى بهِ التفويضَ فطَلَّقتْ نفْسَها بلَفظٍ صَريحٍ وقَعَ مِنْ غيرِ نيَّةٍ، وإنْ لم تَختَرْ شَيئًا لم يقَعْ بها شَيءٌ، وكذلكَ إنِ اختارَتْ زوْجَها؛ لأنَّ النبيَّ خيَّرَ أزواجَه فاختَرْنَه فلم يَكنْ طَلاقًا، ولأنه تَفويضٌ للطلاقِ إليها، فلم يقَعْ بمُجرَّدِه طَلاقٌ كقَولِه: «طلِّقي نفسَكِ»، وإنْ قالَتْ: «قَبِلْتُ» فليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ ذلكَ يَنصرِفُ إلى قَبولِ التفويضِ، فهو كقَبولِ التوكيلِ، وإنْ قالَتْ: «اختَرْتُ نفسِي أو أهلِي أو أبوَيَّ أو الأزواجَ أو ألَّا تَدخلَ عليَّ» ونحوَ هذا ممَّا يَحتملُ إرادةَ الطلاقِ فهو كِنايةٌ يَفتقرُ إلى النِّيةِ؛ لأنه ليسَ بصَريحٍ، فاعتُبِرَتِ النِّيةِ فيهِ كالكِناياتِ، فإنْ نَوَت به الطلاقَ كانَ طَلاقًا، وإلا فلا، ويقَعُ بهِ واحدةٌ، إلا أنْ يَنويَ الثلاثَ إذا جعَلَ إليها ثلاثًا.

وإنْ ملَّكَها ثَلاثَ تَطليقاتٍ بلَفظِه أو بنيَّتِه فطلَّقَتْ ثلاثًا وقَعَ ثَلاثٌ، وإنْ طلَّقَتْ أقَلَّ منها وقَعَ؛ لأنَّ مَنْ ملَكَ ثَلاثًا ملَكَ واحدةً كالزوجِ.

وإنْ قالَ: «اختارِي» فاختارَتْ نفسَها ونوَيَا ثَلاثًا وقَعَ الثلاثُ، وإنْ نَوَى أحَدُهما طَلقةً والآخَرُ أكثَرَ منها وقَعَتْ طَلقةٌ؛ لأنَّ الطلاقَ يَفتقرُ إلى تَمليكِ الزوجِ وإيقاعِ المَرأةِ، فالزائِدُ لم يُوجَدْ فيهِ إلا أحَدُهما فلم يقَعْ.

ويَصحُّ تَفويضُ الطلاقِ إلى غيرِ الزوجةِ؛ لأنه إزالةُ مِلكٍ، فصَحَّ التوكيلُ فيهِ كالعِتقِ؛ فإذا قالَ لرَجلٍ: «طلِّقْ زَوجتِي، أو أمرُها بيَدكَ» فالحُكمُ فيه كالحُكمِ في جَعلِ ذلكَ إلى الزوجةِ على ما مَضَى.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل طلاق السنة]

وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ، فَلَا عُهْدَةَ.

(فَصْلٌ) .

طَلَاقُ السُّنَّةِ: وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ

ــ

منح الجليل

الْمُدَّعِيَةُ، فَعَلَيْهَا الْبَيَانُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهِمَا.

(وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُخَالَعِ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْخُلْعِ (فَلَا عُهْدَةَ) أَيْ ضَمَانَ عَلَيْهَا وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَائِبًا عَلَى الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ يَمُوتُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ بَائِعِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ ضَمَانُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ الْمُخَالَعُ بِهِ فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْخُلْعِ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ آبِقًا وَبَانَتْ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ

(فَصْلٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) .

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في حكم الإيلاء

فِي الْجِمَاعِ لِيَكُونَ إزَالَةُ هَذَا الظُّلْمِ بِقَدْرِ الظُّلْمِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِ الْعِلَّةِ.

وَأَمَّا وَقْتُ الْفَيْءِ فَالْفَيْءُ عِنْدَنَا فِي الْمُدَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْمُولِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ إيلَائِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، أَوْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُك فَعَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ، أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ يَصِحُّ إيلَاؤُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا تَبِينُ مِنْهُ فِي الْمُدَّةِ وَلَوْ قَرِبَهَا فَفِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالصَّوْمِ، وَفِي غَيْرِهَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَحْلِفُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ بِأَنْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُكِ فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب المطلقة ثلاثا)

(باب المطلقة ثلاثا)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْمُطَلَّقَةِ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} البقرة: ٢٣٠ . وَشَكَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي طَلَّقَهَا رِفَاعَةُ ثَلَاثًا زَوْجَهَا بَعْدَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَتْ إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَقَالَ (أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ) ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ كُلُّ زَوْجٍ وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ مِنْ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ عَاقِلَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ إِذَا اسْتَكْمَلَ طَلَاقَهَا ثَلَاثًا مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَيَدْخُلَ بِهَا الثَّانِي، فَتَحِلَّ بَعْدَهُ لِلْأَوَّلِ بِعَقْدِ الثَّانِي وَإِصَابَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ تَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بِعَقْدِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا فَجَعَلَا الشَّرْطَ فِي إِبَاحَتِهَا لِلْأَوَّلِ عَقْدَ الثَّانِي دُونَ إِصَابَتِهِ اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} البقرة: ٢٣٠ . وَاسْمُ النِّكَاحِ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ دُونَ الْوَطْءِ.

وَلِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 41 - 49

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله