فالبينونة نوعان

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > فالبينونة نوعان

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

فالبينونة نوعان - الأقوال والأدلة

فالطلاقُ الأصلُ فيه أنْ يَكونَ رَجعيَّا دائمًا، إلا في ثَلاثةِ أحوالٍ:

١ - إذا طلَّقَها ثَلاثًا.

٢ - إذا طلَّقَها على مَالٍ.

٣ - إذا طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ.

فالبَينونةُ نَوعانِ:

قالَ الحَنفيةُ: البَينونةُ نَوعانٍ: غَليظةُ وخَفيفةٌ، فالخَفيفةُ: هيَ التي تَحلُّ له المَرأةُ بعدَ بَينونتِها بنِكاحٍ جَديدٍ بدُونِ التزوُّجِ بزَوجٍ آخَرَ.

والغَليظةُ: ما لا تَحلُّ له إلا بنِكاحٍ جَديدٍ بعدَ التزوُّجِ بزَوجٍ آخَرَ (١).

وقالَ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: البَينونةُ نَوعانٍ:

البَينونةُ الكُبْرَى: وهي إيقاعُ البَينونةِ الحاصِلةِ بإيقاعِ الطلاقِ الثلاثِ الذي تَحرمُ به المَرأةُ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَه.

والبَينونةُ الصُّغرَى: وهي التي تَبِينُ بها المَرأةُ وله أنْ يَتزوَّجَها بعَقدٍ جَديدٍ في العدَّةِ وبعدَها (٢).

وهذا في المَدخولِ بها، وكذا في غيرِ المَدخولِ بها عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ إذا قالَ لها زَوجُها: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» بلَفظٍ واحدٍ، أو يَقولُ: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» ونوَى الثلاثَ، فإنها لا تَحِلُّ له حتَّى تَنكحَ

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٧٨٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١٣، ٣١٤).

زَوجًا غيرَه، وهي بَينونةٌ كُبْرَى في حقِّها، قالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنه إذا قالَ الزوجُ لغيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» طَلُقتْ ثلاثًا (١).

وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتفصيلِ.

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَه ولم يَدخلْ بها تَطليقةً أنها قد بانَتْ منه، فلا تَحلُّ له إلا بنكاحٍ جَديدٍ، ولا عدَّةَ لهُ عليها.

واختَلفوا في الرَّجلِ يُطلِّقُ غيرَ المَدخولِ بها ثلاثًا بلَفظةٍ واحِدةٍ.

فقالتْ طائِفةٌ: لا تَحلُّ له حتى تَنكحَ زَوجًا غيرَه، كذلكَ قالَ ابنُ عبَّاسٍ وأبو هُريرةَ وعبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ وعبدُ اللهِ بنُ عُمرَ وأنسُ بنُ مالِكٍ وابنُ مَسعودٍ.

وبه قالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ وابنُ سِيرينَ وابنُ مَعقلٍ وعِكرمةُ والنخَعيُّ والشعبيُّ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ والحكَمُ ومالكٌ وابنُ أبي ليلَى والثوريُّ والأوزاعِيُّ والشافعيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ.

ورُويَ ذلكَ عن عَليٍّ وزَيدٍ.

قالَ أبو بَكرٍ: وبهِ نَقولُ.

وكانَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ وطاووسٌ وأبو الشعثاءِ وعطاءٌ وعَمرُو بنُ دِينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البكرَ ثلاثًا فهي واحدةٌ.

(١) «الإفصاح» (٢/ ١٧٤).

واختَلفَتِ الأخبارُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فروَى طاووسٌ عنه أنه قالَ: «كانَ الطلاقُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ وأبي بكرٍ وسَنتينِ مِنْ خِلافةِ عُمرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةٌ».

ورَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ ومُجاهدٌ وعطاءٌ ومالكُ بنُ الحارثِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ خِلافَ روايةِ طاووسٍ عنه (١).

وإذا قالَ لزَوجتِه غيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، أو: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ» ولم يَنوِ بالأُولى الثلاثَ تَقعُ واحدةٌ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وبانَتِ بها ولا يَلحقُها ما بعدَها؛ لأنه قد فرَّقَ فوقَعَ بالأُولى طَلقةٌ وبانَتْ بها، ولم يقَعْ ما بعْدَها؛ لأنها بانَتْ بها، ولا عدَّةَ عليها؛ لأنها غيرُ مَدخولٍ بها، ولم تَقعِ الثانيةُ ولا الثالثةُ؛ لأنه لا يَبقَى لوُقوعِها مَحلٌّ، فيَلغو كِلاهُما، ويَجوزُ له أنْ يَعقدَ عليها عَقدًا جَديدًا.

وخالَفَ قَولَه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا»؛ لأنهنَّ وقَعْنَ معًا باللفظِ الأولِ مِنْ غيرِ تَرتِيبٍ (٢).

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٨٧، ١٨٨)، و «الأوسط» (٩/ ١٥١، ١٥٥).
(٢) «موطأ مالك» من رواية محمد بن الحسن (٢/ ٥١٦)، و «المبسوط» (٦/ ٨٩)، و «البناية» (٥/ ٣٥٤)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٨٩، ١٩٠)، و «المهذب» (٢/ ٨٤، ٨٥)، و «البيان» (١٠/ ١١٥، ١١٦)، و «الإفصاح» (٢/ ١٧٤)، و «المغني» (٧/ ٣٦٧).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» بألفاظٍ مُتناسِقةٍ طَلُقتْ ثلاثًا؛ لأنَّ كلَّ زَوجٍ ملَكَ إيقاعَ الطلاقِ ثلاثًا عليها بلَفظٍ واحِدٍ صحَّ أنْ يُوقِعَه بثلاثةِ ألفاظٍ مُتناسِقةٍ كالمَدخولِ بها (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» نَسقًا فإنه يَكونُ ثَلاثًا عندَ مالكٍ، وقالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ: يَقعُ واحدةٌ، فمَن شبَّهَ تَكرارَ اللفظِ بلَفظِه بالعَددِ -أعني بقَولِه: «طلَّقتُكِ ثلاثًا» - قالَ: يَقعُ الطلاقُ ثلاثًا، ومَن رَأى أنه باللَّفظةِ الواحِدةِ قَدْ بانَتْ مِنه قالَ: لا يقَعُ عليها الثاني والثالثُ (٢).

وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتفصيلِ.

المرأةُ إذا عَلِمَتْ أنها طلقَتْ ثَلاثًا وأنكَرَ الزَّوجُ لا تُمَكِّنُه مِنْ نَفسِها:

الزوجُ إذا طلَّقَ زَوجتَه ثلاثًا وتيقَّنَتِ المَرأةُ مِنْ ذلكَ فلا يَحلُّ لها باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ أنْ تُمكِّنَه مِنْ نَفسِها.

قالَ الحَنفيةُ: مَنْ طلَّقَ امرَأتَه ثلاثًا ثمَّ قصَدَها فإنها تَرُدُّه عن نَفسِها ولها أنْ تَقتلَه.

وإذا شَهدَ شاهِدانِ عَدلانِ أنْ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا وهو يَجحدُ ذلك ثمَّ

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٢٧)، رقم (١٢٤٤).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٦٠).

ماتَا أو غابَا قبلَ أنْ يَشهدَا عندَ القاضي لم يَسَعْها أنْ تُقِيمَ معه وأنْ تدَعَه يَقربُها، فإنْ حلَفَ الزوجُ على ذلك والشُّهودُ قد ماتوا فرَدَّها القاضي عليه لا يَسَعُها المقَامُ معه، ويَنبغي لها أنْ تَفتديَ بمالِها أو تَهربَ منه، وإنْ لم تَقدرْ على ذلك قتَلَتْه متى عَلِمتْ أنه يَقربُها، ولا تُمكِّنُه مِنْ نَفسِها بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ؛ لأنه تَمكينٌ مِنْ الزِّنى، وكانَ إسماعيلُ الزاهِدُ رحمة الله عليه يَقولُ: تَسقيهِ ما تَنكسرُ به شَهوتُه، فإنْ لم تَقدرْ على ذلكَ قتَلَتْه إذا قصَدَها؛ لأنه لو قصَدَ أخْذَ مالِها كانَ لها أنْ تَقتلَه دَفعًا عن مالِها، فإذا قصَدَ الزِّنى بها أَولى أنْ يكونَ لها أنْ تَقتلَه دَفعًا عن نَفسِها، لكنْ يَنبغي أنْ تَقتلَه بالدَّواءِ لا بالآلةِ، فإنْ قتَلَتْه بالآلةِ يَجبُ القِصاصُ، وليسَ لها أنْ تَقتلَ نَفسَها.

وإذا هرَبَتْ منه لم يَسَعْها أنْ تَعتدَّ وتَتزوَّجَ بزَوجٍ آخَرَ في الحُكمِ، فأمَّا فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالَى إذا هرَبَتْ فلها أنْ تَعتدَّ وتَتزوَّجَ بزوجٍ آخَرَ (١).

وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للمُطلَّقةِ أنْ تُمكِّنَه مِنْ نَفسِها إنْ عَلِمتْ بَينونتَها منه ولا بيَّنةَ لها تُقيمُها عندَ حاكمٍ أو جَماعةِ المُسلمينَ ليُفرِّقُوا بينَهما.

ويَحرمُ عليها الزِّينةُ إلا إذا كانَتْ مُكرَهةً، والإكرَاهُ بخَوفِ مُؤلمٍ مِنْ ضَربٍ أو سِجنٍ أو قَتلٍ أو أخذِ مالٍ، وتَخلَّصتْ منه وُجوبًا بما أمكَنَ مِنْ فِداءٍ أو هُروبٍ لتَتخلَّصَ مِنْ الزِّنا، فإنْ طلَبَ منها الجِماعَ فإنه يَجبُ عليها

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٥٢)، و «المبسوط» (١٠/ ١٨٣)، و «المحيط البرهاني» (٣/ ٣٦٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٢١)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ١٣١).

أنْ لا تُطيعَه ولا تُمكِّنَه، إلا إذا أكرَههَا بالقَتلِ فيَجوزُ؛ لأنه مِنْ بابِ الإكراهِ على الزِّنا.

وهل يَجوزُ لها أنْ تَقتلَه عندَ طَلبِه ذلك منها؟ أو لا يَجوزُ لها ذلكَ؟ فيه خِلافٌ، وظاهِرُ القولِ بجَوازِ قَتلِه، سَواءٌ كانَ مُحصَنًا أم لا، وهو ظاهِرٌ؛ لشَبَهِه بالصَّائلِ حَيثُ عُلِمَ أنه لا يَندفعُ إلا بالقَتلِ، فإنْ كانَ يَندفعُ بغيرِ القتلِ كالضربِ أو غيرِه فلا يَجوزُ اتِّفاقًا.

قالَ ابنُ عَرفةَ رحمة الله عليه: الصَّوابُ أنها إنْ أَمِنتْ مِنْ قَتلِ نفسِها إنْ قتَلَتْه أو حاولَتْ قتْلَه ولم تَقدرْ على دَفعِه إلا بقَتلِه وجَبَ عليها قَتلُه؛ لإباحتِه، وإنْ لم تَأمَنْ مِنْ قَتلِ نَفسِها في مُدافَعتِها بالقَتلِ أو بعدَ قَتلِه فهي في سَعةٍ، وكذا مَنْ رَأى فاسقًا يُحاوِلُ فِعلَ ذلكَ بغيرِه (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فصلٌ: وأمَّا زَوجةُ المَدِينِ في طَلاقِه إذا أُلزِمَ الطلاقَ في الظاهِرِ دونَ الباطِنِ فلا يَخلو حالُها مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ:

إمَّا أنْ تَعلمَ صِدقَه فيما دِينَ فيه، فيَسعُها فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالى أنْ تُقيمَ معه وتُمكِّنَه مِنْ نفسِها، ولا يُكرَهُ لها، ويَجبُ على الزوجِ نفَقتُها، ويَحرمُ عليها النُّشوزُ عنه، فإنْ نَشَزتْ لم يُجبِرْها الحاكِمُ وإنْ أَثِمتْ؛ لوُقوعِ طلاقِه في الظاهِرِ، واختَلفَ أصحابُنا في الحاكمِ إذا رَآهُما على الاجتماعِ، هل يَلزمُه التفرِقةُ بينَهما أم لا؟ على وَجهينِ:

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٩٦، ٩٧)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٦٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٠٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٣٩٤).

أحَدُهما: يَلزمُه بحُكمِ الظاهِرِ الفُرقةُ.

والوجهُ الثاني: لا يَلزمُه؛ لأنَّ ما هُما عليه مِنْ الاجتماعِ يَجوزُ إباحتُه في الشرعِ، فلو فرَّقَ الحاكمُ بينَهُما ففي تَحريمِها عليهِ في الباطِن وَجهانِ مِنْ اختلافِ الوَجهينِ في وُجوبِ حُكمِه بالفُرقةِ.

والقِسمُ الثاني: أنْ تَعلمَ الزوجةُ كَذِبَه فيما دِينَ فيه، فعليها الهَربُ منه، ولا يسَعُها في حُكمِ الظاهِرِ والباطنِ أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها وإنْ جوَّزْنا للزوجِ أنْ يَستمتعَ بها، وإنْ سألَتِ الحاكِمَ أنْ يَحكمَ بينَهُما بالفُرقةِ لَزمَه الحُكمُ بها، ويَجوزُ لها بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ أنْ تَتزوَّجَ بغيرِه، ويَجوزُ لمَن خطَبَتْه أنْ يَتزوَّجَها إنْ لم يُصدِّقِ الزوجَ فيما دِينَ فيه، فإنْ عَلِمَ صِدقَه لم يَجُزْ أنْ يَتزوَّجَها إنْ لم يَحكمِ الحاكِمُ بينَهما بالفُرقةِ، وفي جَوازِ تَزويجِه بها بعدَ الحُكمِ بالفُرقةِ وَجهانِ.

والقِسمُ الثالثُ: أنْ لا تَعلمَ الزوجةُ صِدقَه فيما دِينَ فيهِ ولا كَذِبَه، فيُكرَهُ لها تَمكينُه مِنْ نفسِها؛ لجَوازِ كَذبِه، وفي تَحريمِه فيما بينَهَا وبينَ اللهِ تعالَى وجهانِ:

أحَدُهما: لا يَحرمُ عليها في الباطنِ؛ تَغليبًا لبَقاءِ النكاحِ، فعَلى هذا تَكونُ في حُكمِ القِسمِ الأولِ.

والثاني: يَحرمُ عليها في الباطِنِ؛ تَغليبًا لوُقوعِ الطلاقِ في الظاهرِ، فعَلى هذا يَكونُ في حُكمِ القِسمِ الثاني، فلو ادَّعَى عليها تَصديقَه فيما دِينَ فيه وأنكَرَتْه

ففي وُجوبِ إحلافِها عليهِ وَجهانِ؛ بناءً على ما مَضَى، واللهُ أعلَمُ (١).

وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فصلٌ: إذا ادَّعَتِ المرأةُ أنْ زوْجَها طلَّقَها فأنكَرَها فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النكاحِ وعَدمُ الطلاقِ، إلَّا أنْ يَكونَ لها بما ادَّعَتْه بيِّنةٌ، ولا يُقبَلُ فيه إلا عَدلانِ، ونقَلَ ابنُ مَنصورٍ عن أحمَدَ أنه سُئلَ: أَتجوزُ شَهادةُ رَجلٍ وامرَأتَينِ في الطلاقِ؟ قالَ: لا واللهِ، إنَّما كانَ كذلكَ؛ لأنَّ الطلاقَ ليسَ بمالٍ ولا المَقصودُ منه المالُ، ويَطَّلعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحوالِ، فلم يُقبَلْ فيهِ إلا عَدلانِ كالحُدودِ والقِصاصِ، فإنْ لم تَكنْ بيِّنةٌ فهل يُستحلَفُ؟ فيه رِوايتانِ، نقَلَ أبو الخطَّابِ أنه يُستحلَفُ، وهو الصَّحيحُ؛ لقَولِ النبيِّ : «ولكنَّ اليَمينَ على المُدَّعى عليه»، وقَولِه: «اليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، ولأنه يَصحُّ مِنْ الزوجِ بَذلُه، فيُستحلَفُ فيهِ كالمَهرِ.

ونقَلَ أبو طالِبٍ عنه: لا يُستحلَفُ في الطلاقِ والنكاحِ؛ لأنه لا يُقضَى فيهِ بالنُّكولِ، فلا يُستحلَفُ فيه، كالنكاحِ إذا ادَّعَى زَوجِيَّتها فأنكَرَتْه، وإنِ اختَلفَا في عَددِ الطلاقِ فالقَولُ قولُه؛ لِمَا ذكَرْناه.

فإذا طلَّقَ ثلاثًا وسَمِعتْ ذلكَ وأنكَرَ أو ثبَتَ ذلكَ عندَها بقَولِ عَدلَينِ لم يَحِلَّ لها تَمكينُه مِنْ نفسِها، وعليها أنْ تَفِرَّ منه ما استطاعَتْ، وتَمتنعَ منه إذا أرادَها، وتَفتديَ منه إنْ قدَرَتْ.

قالَ أحمَدُ: لا يسَعُها أنْ تُقيمَ معه، وقالَ أيضًا: تَفتدِي منه بما تَقدِرُ

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٥٤، ١٥٥).

عليه، فإنْ أُجبِرتْ على ذلك فلا تَزيَّنُ له ولا تَقربُه وتَهربُ إنْ قدَرَتْ، وإنْ شَهدَ عندَها عَدلانِ غيرُ مُتَّهمَينِ فلا تُقيمُ معه، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ.

قالَ جابرُ بنُ زَيدٍ وحمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ وابنُ سِيرينَ: تَفِرُّ منه ما استطاعَتْ، وتَفتدي منه بكُلِّ ما يُمكِنُ، وقالَ الثوريُّ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ وأبو عُبيدٍ: تَفِرُّ منه، وقالَ مالكٌ: لا تَتزيَّنُ له ولا تُبدِي لهُ شيئًا مِنْ شَعرِها ولا عَرِيَّتها ولا يُصيبُها إلا وهي مُكرَهةٌ.

والصَّحيحُ ما قالَه الأوَّلونَ؛ لأنَّ هذه تَعلمُ أنها أجنبيَّةٌ منه مُحرَّمةٌ عليه، فوجَبَ عليها الامتِناعُ والفِرارُ منه كسائِرِ الأجنبيَّاتِ، وهكذا لو ادَّعى نِكاحَ امرَأةٍ كَذبًا وأقامَ بذلكَ شاهِدَي زُورٍ فحكَمَ له الحاكمُ بالزوجيةِ، ولو تَزوَّجَها تَزويجًا باطلًا وسُلِّمتْ إليه بذلك فالحُكمُ في هذا كلِّه كالحُكمِ في المُطلَّقةِ ثلاثًا.

فصلٌ: ولو طلَّقَها ثلاثًا ثمَّ جحَدَ طلاقَها لم تَرِثْه؛ نصَّ عليه أحمدُ، وبه قالَ قَتادةُ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والشافِعيُّ وابنُ المُنذِرِ، وقالَ الحسَنُ: تَرِثُه؛ لأنها في حُكمِ الزوجاتِ ظاهِرًا.

ولنا: إنها تَعلمُ أنها أجنبيَّةٌ، فلم تَرِثْه كسائرِ الأجنبيَّاتِ.

وقالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: تَهربُ منه ولا تَتزوَّجُ حتى يُظهِرَ طلاقَها وتَعلمَ ذلك يَجيءُ فيَدَّعِيها فتُرَدُّ عليه وتُعاقَبُ، وإنْ ماتَ ولم يُقِرَّ بطلاقِها لا تَرثُه، لا تأخُذ ما ليسَ لها، تَفِرُّ منهُ، ولا تَخرجُ مِنْ البَلدِ، ولكنْ تَختفي في بَلدِها.

قيلَ له: فإنَّ بعضَ النَّاسِ قالَ: «تَقتلُه، هي بمَنزلةِ مَنْ يُدافِعُ عن نَفسِه» فلم يُعجِبْه ذلكَ، فمنَعَها مِنْ التزويجِ قبلَ ثُبوتِ طَلاقِها؛ لأنها في ظاهِرِ الحُكمِ زَوجةُ هذا المُطلِّقِ، فإذا تَزوَّجتْ غيرَه وجَبَ عليها في ظاهِرِ الشرعِ العُقوبةُ والرَّدُّ إلى الأولِ، ويَجتمعُ عليها زَوجانِ؛ هذا بظاهرِ الأمرِ وذاكَ بباطنِه، ولم يأذَنْ لها في الخُروجِ مِنْ البَلدِ؛ لأنَّ ذلكَ يُقوِّي التُّهمةَ في نُشوزِها، ولأنَّ في قَتلِه قَصدًا؛ لأنَّ الدَّافعَ عَنْ نفسِه لا يَقتلُ قَصدًا، فأمَّا إنْ قصَدَتِ الدَّفعَ عن نفسِها فآلَ إلى نفسِه فلا إثْمَ عليها ولا ضَمانَ في الباطِنِ، فأمَّا في الظاهرِ فإنها تُؤخَذُ بحُكمِ القَتلِ ما لم يَثبتْ صِدقُها.

فصلٌ: قالَ أحمَدُ: إذا طلَّقَها ثَلاثًا فشَهِدَ عليه أربَعةٌ أنه وَطئَها أُقيمَ عليه الحَدُّ، إنما أوجَبَه لأنها صارَتْ بالطلاقِ أجنبيَّةً، فهي كسائِرِ الأجنبيَّاتِ، بل هي أشَدُّ تَحريمًا؛ لأنها مُحرَّمةٌ وطئًا ونكاحًا، فإنْ جحَدَ طَلاقَها ووَطئَها ثمَّ قامَتِ البيِّنةُ بطَلاقِه فلا حَدَّ عليه، وبهذا قالَ الشعبيُّ ومالكٌ وأهلُ الحِجازِ والثوريُّ والأوزاعيُّ ورَبيعةُ والشافعيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ؛ لأنَّ جحْدَه لطَلاقِه يُوهِمُنا أنه نَسِيَه، وذلكَ شُبهةٌ في دَرءِ الحَدِّ عنه، ولا سَبيلَ لنا إلى عِلمِ مَعرفتِه بالطلاقِ حالةَ وَطئِه إلا بإقرارِه بذلك، فإنْ قالَ: «وَطئْتُها عالِمًا بأنني كنتُ طَلَّقتُها ثلاثًا» كانَ إقرارًا منه بالزِّنا، فيُعتبَرُ فيه ما يُعتبَرُ في الإقرارِ بالزنا (١).

(١) «المغني» (٧/ ٣٨٧، ٣٨٨)، ويُنظَر: «الشرح الكبير» (٨/ ٤٦٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٩٠، ٣٩١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 118 - 127

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد