قول الزوج: «أنت علي حرام»

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > قول الزوج: «أنت علي حرام»

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 47 دقيقة قراءة

قول الزوج: «أنت علي حرام» - الأقوال والأدلة

الطَّلاقَ- أنهُ ما أرادَ الطَّلاقَ أو ادَّعى أنهُ أرادَ غيرَ الطَّلاقِ دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ؛ لاحتِمالِ صِدقِه، ولم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنهُ خِلافُ ما دَلَّتْ عليهِ الحالُ.

وما لا يَدلُّ على الطَّلاقِ نحوُ «كُلِي واشرَبِي واقعُدِي وقُومِي وباركَ اللهُ عليكِ وأنتِ مَليحةٌ أو قَبيحةٌ» لا يَقعُ بهِ طلاقٌ ولو نَواهُ؛ لأنهُ لا يَحتمِلُ الطَّلاقَ، فلو وقَعَ بهِ الطَّلاقُ وقَعَ بمُجرَّدِ النيَّةِ، وكذا قَولُه: «أنا طالِقٌ، أو أنا مِنكِ طالِقٌ، أو أنا مِنكِ بائِنٌ، أو حَرامٌ، أو بَريءٌ» فلا يقَعُ بهِ طلاقٌ وإنْ نَواهُ؛ لأنهُ مَحلٌّ لا يقَعُ الطَّلاقُ بإضافَتِه إليهِ بالنِّيةِ، فتَعيَّنَ لهُ (١).

قولُ الزَّوجِ: «أنتِ عليَّ حرامٌ»:

اختَلفَ الفُقهاءُ في قَولِ الرَّجلِ لزَوجتهِ: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» هل يُعتبَرُ هذا القَولُ طلاقًا أم ظِهارًا أم يَمينًا فيهِ الكفَّارةُ؟ أم لا يُحسَبُ شيئًا أصلًا؟ أم يُحسَبُ حسَبَ نيَّتهِ؟

فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمتُكِ عَليَّ، أو أنا عليكِ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمْتُ نَفسِي عليكِ، أو أنتِ مُحرَّمةٌ عَليَّ» فهو كلُّه سَواءٌ، ويُسألُ عَنْ نيَّتِه؛ لأنَّه تكلَّمَ بكَلامٍ مُبهَمٍ مُحتمِلٍ

(١) «المغني» (٧/ ٢٩٧، ٣٠٢)، و «الكافي» (٣/ ١٧١)، و «الشرح الكبير» (٨/ ٢٨٥، ٢٨٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٨، ٤٧٠)، و «المبدع» (٧/ ٢٧٥، ٢٧٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٤٧٥، ٤٨٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٨٧، ٢٩١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٤٩، ٣٥٢).

لمَعانٍ، وكَلامُ المُتكلِّمِ مَحمولٌ على مُرادِه، ومُرادُه إنما يُعرَفُ مِنْ جِهتِه، فيُسألُ عَنْ نيَّتِه.

فإنْ قالَ: «نَوَيتُ الطَّلاقَ» فهي تَطليقةٌ بائِنةٌ إلَّا أنْ يَنويَ الثَّلاثَ، فإنْ نَوى ثلاثًا فثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدةً فواحِدةٌ، وإنْ نَوى ثِنتَينِ فواحِدةٌ بائِنةٌ؛ لأنَّ قولَه: «حَرامٌ» كِنايةٌ، والكِنايةُ يُرجَعُ فيها إلى نيَّتِه.

وإنْ قالَ: «أردْتُ الظِّهارَ فهو ظِهارٌ عِنْدَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ؛ لأنَّه وصَفَها بالتَّحريمِ، وفي الظِّهارِ نوعُ تَحريمٍ، والمُطلَقُ يُحمَلُ على المُقيَّدِ إذا نَواهُ؛ لأنه وصَفَها بكَونِها مُحرَّمةً، والمَرأةُ تارةً تكونُ مُحرَّمةً بالطَّلاقِ، وتارةً تكونُ مُحرَّمةً بالظِّهارِ، فأيَّ ذلكَ نَوى فقَدْ نَوى ما يَحتمِلُه كَلامُه فيُصدَّقُ فيهِ.

وقالَ مُحمدٌ: لا يكونُ ظِهارًا؛ لانعِدامِ التَّشبيهِ بالمَحارمِ؛ لأنَّ الظِّهارَ تَشبيهُ الحلالِ بالحَرامِ، والتَّشبيهُ لا بُدَّ لهُ مِنْ حَرفِ التَّشبيهِ ولم يُوجَدْ، فلا يكونُ ظِهارًا.

وإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ، أو لم أُرِدْ بهِ شيئًا» فهو يَمينٌ يَصيرُ بها مُوليًا؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ إنَّما هوَ اليَمينُ، فإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ» فقَدْ أرادَ اليَمينَ، وإنْ قالَ: «لم أُرِدْ شَيئًا» لم يُصدَّقْ في القَضاءِ؛ لأنَّ ظاهِرَ ذلكَ اليَمينُ، وإذا ثبَتَ أنه يَمينٌ كانَ بها مُوليًا، حتَّى لو ترَكَها أربعةَ أشهُرٍ بانَتْ بتَطليقةٍ؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ أنْ يكونَ يَمينًا.

وإنْ قالَ: «أردْتُ الكذِبَ» فليسَ بشيءٍ وهوَ كما قالَ، ولا يكونُ إيلاءً؛ لأنَّه نَوى حَقيقةَ كَلامِه، وهذا فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ، أمَّا في القَضاءِ فلا يُصدَّقُ ويكونُ يَمينًا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الحرامَ في الشَّرعِ يَمينٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، قيلَ: نَزلَتِ الآيةُ في تَحريمِ جارِيتِه ماريةَ القبطيَّةِ لمَّا قالَ: «هي عليَّ حَرامٌ»، وسمَّى اللهُ تعالَى ذلكَ يَمينًا بقَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: وسَّعَ اللهُ عليكُم أو أباحَ لكُم أنْ تُحِلُّوا مَنْ أيمانِكُم بالكَّفارةِ، وفي بَعضِ القِراءاتِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ كَفَّارَةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، والخِطابُ عامٌّ يَتناولُ رَسولَ اللهِ وأمَّتَه.

وكفَّارةُ اليَمينِ تَستَدعي وُجودَ اليَمينِ، فدَلَّ أنَّ هذا اللَّفظَ يَمينٌ في الشَّرعِ، فإذا نَوى بهِ الكذِبَ لا يُصدَّقُ في إبطالِ اليَمينِ في القَضاءِ؛ لعُدولِه عنِ الظَّاهِرِ.

وقالَ في «اللُّبابِ»: قالَ في «الهِداية»: ومِنَ المَشايخِ مَنْ يَصرِفُ لفْظَ التَّحريمِ إلى الطَّلاقِ مِنْ غيرِ نيَّةٍ لحُكمِ العُرفِ، قالَ الإمامُ المَحبُوبِيُّ: وبهِ يُفتَى.

وقالَ نَجمُ الأئمَّةِ: قالَ أصحابُنا المُتأخِّرونَ: «الحَلالُ عَليَّ حَرامٌ، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ، أو حَلالُ اللهِ عليَّ حَرامٌ، أو كُلُّ حَلالٍ عليَّ حَرامٌ» طلاقٌ بائِنٌ، ولا يَفتقِرُ إلى النَّيةِ؛ للعُرفِ، حتَّى قالُوا في قَولِ مُحمدٍ: (إنْ نَوى يَمينًا

فهُوَ يَمينٌ، ولا تَدخُلُ امرأتُهُ إلَّا بالنِّيةِ، وهو على المأكُولِ والمَشروبِ): إنَّما أجابَ بهِ على عُرفِ دِيارِهم، أمَّا في عُرفِ بلادِنا فيُريدُونَ تَحريمَ المَنكُوحةِ فيُحمَلُ عليهِ. اه.

وفي «مُختارات النَّوازِلِ»: وقَد قالَ المُتأخِّرونَ: يَقعُ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ؛ لغَلبةِ الاستِعمالِ بالعُرفِ، وعليهِ الفَتوَى، ولهذا لا يَحلِفُ بهِ إلَّا الرِّجالُ، قُلتُ: ومِنَ الألفاظِ المُستعمَلةِ في مِصْرِنا وريفِنا: (الطَّلاقُ يَلزمُني) و (الحَرامُ يَلزمُني) و (عليَّ الطَّلاقُ) و (عليَّ الحَرامُ) كذا في «التَّصحِيح» (١).

وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» تكونُ طالِقًا بالثَّلاثِ، ولا يُسألُ عن نيَّتِه؛ لِمَا رَواهُ مالِكٌ في «المُوطَّأ» أنَّه بلَغَه أنَّ عليَّ بنِ أبي طالِبٍ كانَ يقولُ في الرَّجُلِ يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنَّها ثلاثُ تَطليقاتٍ».

قالَ مالكٌ: وذلكَ أحسَنُ ما سَمِعتُ في ذلكَ (٢).

وإذا قالَ لها قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنها ثلاثٌ، إلَّا أنْ يقولَ: «نَويتُ واحِدةً» في قولِ مالِكٍ، وقالَ عَبدُ العَزيزِ بنُ أبي سلَمةَ: هي

(١) «اللباب» (٢/ ١١١، ١١٣)، ويُنظر: «المبسوط» (٦/ ٢٧٠، ٢٧٢)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٩٧)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٦٧، ١٦٩)، و «الهداية» (٢/ ١٣)، و «العناية» (٥/ ٣٦٢، ٣٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥١٠، ٥١٢)، و «اختلاف العلماء» (١/ ١٩٨).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٥٥٢).

واحِدةٌ إلَّا أنْ يقولَ: «أردْتُ ثلاثًا»، وقالَ عَبدُ المَلكِ بنُ الماجشُونِ: لا يَنوي فيها وهي ثلاثٌ على كُلِّ حالٍ كالمَدخولِ بها سَواءٌ.

جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبْرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ الرَّجلَ إذا قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» هل تَسألُه عَنْ نيَّتِه أو عن شيءٍ مِنْ الأشياءِ؟ (قالَ): لا يُسألُ عن شيءٍ عِنْدَ مالكٍ، وهيَ ثلاثٌ ألبتَّةُ إنْ كانَ دخَلَ بها، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» وقالَ: «لم أُرِدْ بهِ الطَّلاقَ، إنما أردْتُ بهذا القَولِ الظِّهارَ»؟ (قالَ): سَمعتُ مالِكًا يَقولُ في الَّذي يَقولُ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقُ ألبَتَّةَ» ثَّم زعَمَ أنه إنَّما أرادَ بذلكَ واحِدةً: إنَّ ذلكَ لا يُقبَلُ مِنهُ، قالَ مالِكٌ: إنَّما يُؤخَذُ النَّاسُ بما لفَظَتْ به ألسِنَتُهم مِنْ أمرِ الطَّلاقِ، (قالَ ابنُ القاسِمِ): والحَرامُ عِنْدَ مالِكٍ طلاقٌ، ولا يَدِينُ في الحَرامِ كما لا يَدِينُ في الطلَّاقِ …

(قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» يَنوِي بذلكَ تَطليقةً أو تَطليقتَينِ، أيَكونُ ذلكَ لهُ في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: إنْ كانَ قَدْ دخَلَ بها فهيَ البَتَّةُ، وليسَ نيَّتُه بشيءٍ، فإنْ لَم يَدخُلْ بها فذلكَ لهُ؛ لأنَّ الواحِدةَ والاثنتَينِ تُحرِّمُ الَّتي لم يُدخَلْ بها، والمَدخولُ بها لا يُحرِّمُها إلَّا الثَّلاثُ …

(قُلتُ): أرَأيتَ إذا قالَ لامرأتِهِ: «قدْ حرَّمتُكِ عليَّ، أو قَدْ حَرَّمْتُ نَفسِي عليكِ» أهوَ سواءٌ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعمْ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: إذا قالَ: «قدْ طَلَّقتُكِ، أو أنا طالِقٌ مِنكِ» إنَّ هذا سَواءٌ وهيَ طالِقٌ، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ

قبْلَ الدُّخولِ بها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ»، (قالَ): هي ثَلاثٌ في قَولِ مالِكٍ، إلَّا أنْ يكونَ نوى واحِدةً أو اثنتَينِ فيَكونُ ذلكَ كما نَوى (١).

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: والحُجَّةُ لمالِكٍ ومَن ذهَبَ مَذهبَهُ في الحَرامِ إجماعُ العُلماءِ أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا أنها تَحرُمُ عليهِ، فلمَّا كانَتِ الثَّلاثُ تَحريمًا كانَ تَحريمٌ ثلاثًا، واللهُ أعلَمُ (٢).

وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» فإنْ أرادَ بهِ الطَّلاقَ كانَ طلاقًا؛ لأنَّهُ يَحتمِلُ التَّحريمَ بالطَّلاقِ، ويَقعُ مِنْ عَددِه ما نواهُ مِنْ واحِدةٍ أو اثنتَينِ أو ثَلاثٍ، وإنْ لم يَنوِ عَددًا كانَتْ واحِدةً رَجعيَّةً، وإنْ أرادَ بهِ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا؛ لأنهُ يَحتمِلُ التَّحريمَ بالظِّهارِ، وإنْ أرادَ بهِ الإيلاءَ لم يَكنْ إيلاءً؛ لأنَّ الإيلاءُ يَمينٌ لا يَنعقِدُ بالكِنايةِ.

وإنْ أرادَ بهِ تَحريمَ وطْئِها لم يَحرمْ، وعليهِ كفَّارةُ يَمينٍ؛ لِمَا رَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى ابنِ عبَّاسِ رضي الله عنه فقالَ: إنِّي جَعلْتُ امرأتِي عليَّ حَرامًا، قالَ: كَذبْتَ، ليسَتْ عليكَ بحَرامٍ، ثمَّ تَلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ويَجبُ عليهِ بذلكَ كفَّارةُ يَمينٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ حَرَّمَ

(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٣٩٣، ٣٩٤)، ويُنظر: «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٤٠١، ٤٠٢)، و «الكافي» ص (٢٦٥)، و «الاستذكار» (٦/ ١٦، ٢٢)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٥٨، ٥٩).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٢٢).

ماريةَ القبطيَّةَ أمَّ إبراهِيمَ بنِ رَسولِ اللهِ فأنزَلَ الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾، فوَجبَتِ الكفَّارةُ في الأمَةِ بالآيةِ، وقِسْنا الحُرَّةَ عليها؛ لأنها في مَعناها في تَحليلِ البُضعِ وتَحريمِه.

وإنْ لَم يَكنْ لهُ إرادةٌ لم يَتعلَّقْ بهِ طلاقٌ ولا ظِهارٌ ولا تَحريمٌ، وهل تَجبُ بهِ كفَّارةُ يَمينٍ أم لا؟ على قَولَينِ: أحَدُهما: يَجبُ عَليهِ الكفَّارةُ، والثَّاني: لا يَجبُ.

قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: لو قالَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» لم يَقعْ بهِ طلاقٌ حتَّى يُريدَ الطَّلاقَ، فإذا أرادَ بهِ الطَّلاقَ فهوَ طلاقٌ، وهو ما أرادَ مِنْ عَددِ الطَّلاقِ، وإنْ أرادَ طلاقًا ولَم يُرِدْ عَددًا مِنَ الطَّلاقِ فهي واحدةٌ يَملِكُ الرَّجعةَ، وإنْ قالَ: «أردْتُ تَحريمَها بلا طلاقٍ» لم تَكنْ حَرامًا، وكانَتْ عليهِ كفَّارةُ يَمينٍ، ويُصيبُها إنْ شاءَ قبْلَ أنْ يُكفِّرَ، وإنَّما قُلنا عليهِ كفَّارةُ يَمينٍ إذا أرادَ تَحريمَها ولَم يُرِدْ طلاقَها؛ لأنَّ النَّبيَّ حرَّمَ جاريتَه فأُمِرَ بكفَّارةِ يَمينٍ، واللهُ تعالَى أعلَمُ.

قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآيَة، فلمَّا لَم يُرِدِ الزَّوجُ بتَحريمِ امرَأتهِ طلاقًا كانَ أَوْقعَ التَّحريمَ على فَرْجٍ مُباحٍ لهُ لمْ يَحرُمْ بتَحريمِه، فلَزمَتهُ كفَّارةٌ فيهِ كما لَزِمَ مَنْ حرَّمَ أمَتَه كفَّارةٌ فيها، ولَم تَحرُمْ عليهِ بتَحريمِه؛ لأنهُما

معًا تَحريمٌ لفَرْجَينِ لم يَقعْ بواحدٍ مِنهُما طلاقٌ، ولو قالَ: «كلُّ ما أَملِكُ عليَّ حَرامٌ» -يَعني امرأتَه وجَوارِيه ومالَهُ- كفَّرَ عَنِ المرأةِ والجَوارِي كفَّارةً كفَّارةً إذا لمْ يُرِدْ طلاقَ المَرأةِ، ولو قالَ: «مَالي عليَّ حَرامٌ» لا يُريدُ امرَأتَه ولا جَوارِيه لَم يكنْ عليهِ كفَّارةٌ، ولم يَحرُمْ عليهِ مالُهُ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ في المذهَبِ إلى أنَّ مَنْ قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنَّه يكونُ ظِهارًا تَجبُ بهِ كفَّارةُ الظِّهارِ، نوَى ذلكَ أو لَم يَنوِ؛ لأنهُ تَحريمٌ للزَّوجةِ بغَيرِ طلاقٍ، فوَجبَتْ بهِ كفَّارةُ الظِّهارِ، كما لَو قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ كظَهْرِ أمِّي»؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ جعَلَ التَّشبيهَ بمَن تَحرُمُ عليهِ ظِهارًا، فالتَّصريحُ مِنهُ بالتَّحريمِ أَولى، يُؤيِّدُه أنَّ اللهَ لَم يَجعلِ التَّحريمَ والتَّحليلَ إليهِ، فإذا قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ» فقَد قالَ المُنكَرَ مِنْ الزَّورِ وكَذَبَ على اللهِ، وقَد أوجَبَ أغلَظَ الكفَّارتَينِ عليهِ، وهيَ كفَّارةُ الظِّهارِ.

قالَ عَبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ بنِ حَنبلٍ: سَألتُ أبي عَنْ رَجلٍ قالَ لامرأتِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» ونوَى الطَّلاقَ، قالَ: لا يكونُ طَلاقًا، نَوى أو لَم يَنوِ، قيلَ: فيهِ كفَّارةُ الظِّهارِ (٢).

(١) «الأم» (٥/ ٢٦٢)، ويُنظر: «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٨٢، ١٨٣)، و «المهذب» (٢/ ٨٣)، و «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٧٣، ٧٤)، و «الأوسط» (٩/ ١٨٨، ١٩٥)، و «الإشراف» (٥/ ٢٠٠، ٢٠٢).
(٢) «مسائل عبد الله ابن الإمام أحمد» (١/ ٣٤٣).

والرِّوايةُ الأُخرى: أنها يَمينٌ وعليهِ كفَّارتُها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «إذا حرَّمَ الرَّجلُ امرَأتَه فهيَ يَمينٌ يُكفِّرُها» وقالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [لقمان: ٢١] (١)، ولأنهُ تَحريمٌ للحَلالِ أشبَهَ تَحريمَ الأمَةِ، ولأنَّ ذلكَ يُروَى عنِ الصِّديقِ (٢) وعُمرَ (٣) وابنِ مَسعودٍ (٤) وعائِشةَ رضي الله عنهم، ولأنهُ تَحريمٌ لامرَأةٍ فكانَ يَمينًا كتَحريمِ الأمَةِ.

وعنهُ رِوايةٌ ثالِثةٌ: إذا نوَى الطَّلاقَ كانَ طلاقًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ تَحريمٌ فصَحَّتِ الكِنايةُ عنهُ بالحَرامِ كَقولِه: «أنتِ الحَرَجُ»، فإنْ لَم يَنوِ الطَّلاقَ كانَ ظِهارًا.

(١) رواه البخاري (٤٩٦٥)، ومسلم (١٤٧٣).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٢٢٨) رقم (١٦٩٥)، وابن أبي شيبة «المصنف» (٥/ ٧٤) رقم (١٨٥٠٧)، وفي إسنادَهِ جُوَيْبِرُ ضَعيفُ الحَديثِ، والضَّحاكُ لَم يُدرِكْ أبَا بَكرٍ.
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٧٣) رقم (١٨٤٩٧) سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٢٢٩) رقم (١٧٠١)، والدارقطني (٥/ ٧٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٥٠)، وفي إسنَادِه عِكرَمَةُ لَم يُدرِكْ عُمرَ.
(٤) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٢٢٩) رقم (١٦٩٨) الشافعي في «الأم»: (٧/ ١٥٧)، والطبراني في «الكبير»: (٩/ ٣٢٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٥٠)، وفي إسنَادِه أَشعَثُ بنُ سِوارٌ (ضَعيفٌ).

وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ونوَى الطَّلاقَ والظِّهارَ معًا كانَ ظِهارًا ولم يَكنْ طلاقًا؛ لأنَّ اللَّفظَ الواحِدَ لا يكونُ ظِهارًا وطلاقًا، والظِّهارُ أَولى بهذا اللَّفظِ، فيَنصرِفُ إليهِ.

وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ، أعنِي بهِ الطَّلاقَ» ففيهِ رِوايتانِ:

إحداهُما: أنهُ طلاقٌ، وهيَ المَشهورةُ؛ لأنهُ صَريحٌ بلَفظِ الطَّلاقِ.

والثَّانيةُ: هيَ ظِهارٌ؛ لأنهُ لا يَصلُحُ كِنايةً في الطَّلاقِ، فلَم يَصِرْ طلاقًا لقَولِه: «أعني بهِ الطَّلاقَ»، كقولِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» (١).

وقالَ الإمامُ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: واختَلفَ العُلماءُ في الرَّجلِ يَقولُ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» على ثَمانِيةَ عشَرَ قَولًا (٢). ثمَّ ذَكَرَها.

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وهكذا حُكمُ قَولِه: «إنْ فَعلْتِ كذا فأنتِ عَليَّ حَرامٌ»، وهذا أَولَى بكفَّارَةِ يَمينٍ مِنْ قَولِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ».

وفي قَولِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ، أو ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ كالمَيتةِ والدَّمِ ولَحمِ الخِنزيرِ» مَذاهبُ:

(١) «مسائل عبد الله ابن الإمام أحمد» (١/ ٣٤٣)، و «الإفصاح» (٢/ ١٨٧، ١٨٨)، و «المغني» (٧/ ٣١٧، ٣١٨)، و (٨/ ٨، ١٢)، و «الكافي» (٣/ ١٧٣، ١٧٤)، و «الشرح الكبير» (٨/ ٣٠٠، ٣٠٤)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٧٧، ٤٢٣)، و «منار السبيل» (٣/ ١٣٤، ١٣٥).
(٢) «تفسير القرطبي» (١٨/ ١٨٠، ١٨٥).

أحَدُها: أنهُ لغوٌ وباطِلٌ لا يَترتَّبُ عليهِ شيءٌ، وهو إحدَى الرِّوايتَينِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وبهِ قالَ مَسروقٌ وأبو سَلمةَ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ وعَطاءٌ والشَّعبيُّ وداودُ وجَميعُ أهلِ الظَّاهِرِ وأكثَرُ أصحابِ الحَديثِ، وهوَ أحدُ قَولي المالكيَّةِ، اختارَهُ أصبَغُ بنُ الفَرجِ.

وفي الصَّحيحِ عَنْ سَعيدِ بنِ جُبيرٍ أنهُ سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ يَقولُ: «إذا حَرَّمَ امرأتَهُ فليسَ بشيءٍ، لقدْ كانَ لكمْ في رَسولِ اللهِ أسوةٌ حَسنةٌ» (١)، وصحَّ عَنْ مَسرُوقٍ أنهُ قالَ: ما أُبالي أحرَّمْتُ امرأتِي أو قَصعةً مِنْ ثَريدٍ، وصَحَّ عَنِ الشَّعبيِّ في تَحريمِ المرأةِ: لهُوَ أهوَنُ عليَّ مِنْ نَعلِي، وقالَ أبوُ سَلمةَ: ما أُبالي أحرَّمْتُ امرَأتِي أو حَرَّمْتُ ماءَ النَّهرِ، وقالَ الحَجَّاجُ بنُ مِنهالٍ: إنَّ رَجلًا جعَلَ امرأتَه عليهِ حَرامًا، فسألَ عَنْ ذلكَ حُمَيدَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ، فقالَ لهُ حُمَيدٌ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)[الشرح: ٧]، ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)[الشرح: ٨]، وأنتَ رَجلٌ تَلعَبُ، فاذْهَبْ فالْعَبْ.

المَذهَبُ الثَّاني: أنها ثلاثُ تَطليقاتٍ، وهوَ قولُ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ كرَّمَ اللهُ وَجهَهُ وزَيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عُمرَ والحسَنِ البَصريِّ ومُحمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلَى، وقضَى فيها أميرُ المُؤمنينَ عليٌّ بالثَّلاثِ في عَدِيِّ بنِ قَيسِ الكِلابيِّ، وقالَ لهُ: والَّذي نَفسِي بيَدهِ لَئِنْ مَسَستَها قبْلَ أنْ تَتزوَّجَ غيرَكَ لأرجُمنَّكَ.

(١) رواه البخاري (٤٩٦٥).

وحجَّةُ هذا القولِ أنها لا تُحرَّمُ عليهِ إلَّا بالثَّلاثِ، فكانَ وُقوعُ الثَّلاثِ مِنْ ضَرورةِ كَونِها حَرامًا عليهِ.

المَذهبُ الثَّالِثُ: أنها بهذا القَولِ حَرامٌ عليهِ، صحَّ أيضًا عَنْ أبي هُريرةَ والحسَنِ وخِلَاسِ بنِ عَمرٍو وجابِرِ بنِ زَيدٍ وقَتادةَ، ولم يَذكُرْ هؤلاءِ طلاقًا، بَلْ أمرُوهُ باجتِنابِها فقطْ.

وصَحَّ ذلكَ أيضًا عن عَليٍّ عليه السلام، فإمَّا أنْ يكونَ عَنهُ رِوايتانِ، أو يكونَ أرادَ تَحريمَ الثَّلاثِ، وحُجَّةُ هذا القَولِ أنَّ لفْظَه إنَّما اقتَضَى التَّحريمِ ولم يَتعرَّضْ لعَددِ الطَّلاقِ؛ فحُرِّمَتْ عليهِ بمُقتضَى تَحريمِه.

المَذهبُ الرَّابِعُ: الوَقْفُ فيها، صَحَّ ذلكَ عَنْ أميرِ المُؤمنينَ عَليٍّ أيضًا، وهوَ قولُ الشَّعبيِّ، قالَ: يَقولُ رِجالٌ في «الحَلالُ حَرامٌ» إنَّها حَرامٌ حتَّى تَنْكِحَ زوجًا غيرَهُ، ويَنسُبونَه إلى عليٍّ، واللهِ ما قالَ ذلكَ عليٌّ، إنَّما قالَ: ما أنا بمُحِلِّها ولا بمُحرِّمِها عليكَ، إنْ شِئتَ فتَقدَّمْ، وإنْ شِئتَ فتَأخَّرْ.

وحجَّةُ هؤلاءِ أنَّ التَّحريمَ ليسَ بطَلاقٍ، وهوَ لا يَملِكُ تَحريمَ الحَلالِ، وإنَّما يَملِكُ إنشاءَ السَّببِ الَّذي يُحرِّمُ بهِ، وهو الطَّلاقُ، وهذا ليسَ بصَريحٍ في الطَّلاقِ، ولا هو ممَّا ثبَتَ لهُ عُرفُ الشَّرعِ في تَحريمِ الزَّوجةِ، فاشتَبَه الأمرُ فيهِ.

المَذهبُ الخامِسُ: إنْ نَوَى به الطَّلاقَ فهو طلاقٌ، وإلَّا فهُو يَمينٌ، وهذا قولُ طاوسٍ والزُّهريُّ والشَّافعيُّ ورِوايةٌ عن الحسَنِ.

وحُجَّةُ هذا القَولِ أنهُ كِنايةٌ في الطَّلاقِ، فإنْ نَواهُ بهِ كانَ طلاقًا، وإنْ لم يَنوِه كانَ يَمينًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قَولِه: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].

المَذهبُ السَّادسُ: أنهُ إنْ نَوَى بها الثَّلاثَ فثلاثٌ، وإنْ نَوَى واحدةً فواحدةٌ بائِنةٌ، وإنْ نَوَى يَمينًا فهو يَمينٌ، وإنْ لم يَنوِ شيئًا فهيَ كَذبةٌ لا شيءَ فيها، قالَهُ سُفيانُ، وحكاهُ النَّخَعيُّ عن أصحابهِ.

وحُجَّةُ هذا القولِ أنَّ اللَّفظَ يَحتملُ لِمَا نَواهُ مِنْ ذلكَ، فيَتبعُ نيَّتَه.

المَذهبُ السَّابعُ: مِثلُ هذا، إلَّا أنه إنْ لم يَنوِ شيئًا فهو يَمينٌ يُكفِّرُها، وهو قولُ الأوزاعيِّ.

وحُجَّةُ هذا القَولِ ظاهِرُ قولِه تعالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فإذا نَوَى بهِ الطَّلاقَ لم يكنْ يَمينًا، فإذا طلَّقَ ولم يَنوِ الطَّلاقَ كانَ يَمينًا.

المَذهَبُ الثِّامنُ: مِثلُ هذا أيضًا، إلَّا أنهُ إنْ لم يَنوِ شيئًا فواحِدةٌ بائِنةٌ؛ إعمالًا للَفظِ التَّحريمِ.

المَذهبُ التَّاسعُ: أنَّ فيهِ كفارةَ الظِّهارِ، وصحَّ ذلكَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ أيضًا وأبي قِلابةَ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ ووَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ وعُثمانَ التَّيمِيِّ، وهو إحدَى الرِّواياتِ عَنِ الإمامِ أحمَدَ.

وحُجَّةُ هذا القَولِ أنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ تَشبيهَ المَرأةِ بأمِّهِ المُحرَّمةِ عليهِ

ظِهارًا، وجعَلَه مُنكَرًا مِنْ القولِ وزُورًا، فإذا كانَ التَّشبيهُ بالمُحرَّمةِ يَجعلُه مُظاهِرًا؛ فإذا صرَّحَ بتَحريمِها كانَ أَولَى بالظِّهارِ.

وهذا أَقْيَسُ الأقوالِ وأفقَهُها، ويُؤيِّدُه أنَّ اللهَ لم يَجعَلْ للمُكلَّفِ التَّحريمَ والتَّحليلَ، وإنَّما ذلكَ إليهِ تعالَى، وإنَّما جعَلَ لهُ مُباشَرةَ الأفعالِ والأقوالِ الَّتي يَترتَّبُ عليها التَّحريمُ والتَّحليلُ، فالسَّببُ إلى العبدِ وحُكمُه إلى اللهِ تعالَى، فإذا قالَ: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» أو قالَ «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» فقدْ قالَ المُنكَرَ مِنْ القولِ والزُّورِ، وكَذَبَ؛ فإنَّ اللهَ لم يَجعَلْها كظَهرِ أمِّهِ، ولا جعَلَها عليهِ حَرامًا، فأوجَبَ عليهِ بهذا القولِ مِنَ المُنكَرِ والزُّورِ أَغلَظَ الكفَّارَتينِ، وهي كفَّارةُ الظِّهارِ.

المَذهبُ العاشِرُ: أنها تَطليقةٌ واحدةٌ، وهيَ إحدَى الرِّوايتَينِ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ، وقَولُ حمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ شيخِ أبي حَنيفةَ.

وحجَّةُ هذا القَولِ أنَّ تَطليقَ التَّحريمِ لا يَقتضِي التَّحريمَ بالثَّلاثِ، بلْ يَصدُقُ بأقلِّه، والواحِدةُ مُتيقَّنةٌ، فحُمِلَ اللَّفظُ عليها؛ لأنها اليَقينُ، فهو نَظيرُ التَّحريمِ بانقِضاءِ العِدَّةِ.

المَذهبُ الحادِي عشَرَ: أنه يَنوي ما أرادَهُ مِنْ ذلكَ في إرادَةِ أصلِ الطَّلاقِ وعَددِه، وإنْ نوَى تَحريمًا بغَيرِ طلاقٍ فيَمينٌ مُكفَّرةٌ، وهوَ قولُ الشَّافعيِّ.

وحُجَّةُ هذا القولِ أنَّ اللَّفظَ صالحٌ لذلكَ كُلِّه؛ فلا يَتعيَّنُ واحدٌ منها

إلَّا بالنَّيةِ، فإنْ نَوَى تَحريمًا مُجرَّدًا كانَ امتِناعًا منها بالتَّحريمِ كامتِناعِه باليَمينِ، ولا تُحرَّمُ عليهِ في المَوضعَينِ.

المَذهبُ الثَّاني عشَرَ: أنهُ يَنوِي أيضًا في أصلِ الطَّلاقِ وعَددِهِ، إلَّا أنه إنْ نَوَى واحدةً كانَتْ بائِنةً، وإنْ لم يَنوِ طلاقًا فهوَ مُولٍ، وإنْ نوَى الكَذبَ فليسَ بشيءٍ، وهوَ قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه.

وحُجَّةُ هذا القَولِ احتِمالُ اللَّفظِ لِمَا ذكَرَه، إلَّا أنهُ إنْ نَوَى واحدةً كانَتْ بائِنةً؛ لاقتِضاءِ التَّحريمِ للبَينونةِ، وهيَ صُغرَى وكُبْرَى، والصُّغرَى هي المُتحقِّقةُ، فاعتُبِرَت دُونَ الكُبْرَى.

وعنهُ رِوايةٌ أُخرَى: إنْ نَوَى الكَذبَ دُيِّنَ ولم يُقبَلْ في الحُكمِ، بل يكونُ مُوليًا، ولا يكونُ مُظاهرًا عِندَه، نواهُ أو لم يَنوِهِ، ولو صَرحَّ بهِ فقالَ: «أَعني به الظِّهارَ» لم يكنْ مُظاهِرًا.

المَذهبُ الثَّالثَ عشَرَ: أنهُ يَمينٌ يُكفِّرُه ما يُكفِّرُ اليمينَ على كلِّ حالٍ، صحَّ ذلكَ أيضًا عَنْ أبي بكرٍ الصِّديقِ وعُمرَ بنِ الخطَّابِ وابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ مَسعودٍ وعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وعِكرمةَ وعَطاءٍ ومَكحولٍ وقَتادةَ والحَسنِ والشَّعبيِّ وسَعيدِ بنِ المُسيّبِ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ ونافعٍ والأوزاعيِّ وأبي ثَورٍ وخَلْقٍ سِواهُم.

وحجَّةُ هذا القولِ ظاهِرُ القُرآنِ؛ فإنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَ فرْضَ تَحلِّةِ الأيمانِ عَقِبَ تَحريمِ الحَلالِ، فلا بُدَّ أنْ يَتناولَهُ يَقينًا، فلا يَجوزُ جعْلُ

تَحلِّةِ الأيمانِ لغَيرِ المَذكورِ قبْلَها، ويَخرُجُ المَذكورُ عَنْ حُكمِ التَّحلَّةِ الَّتي قُصِدَ ذكْرُها لأجلِه.

المَذهبُ الرَّابعَ عشَرَ: أنهُ يَمينٌ مُغلَّظةٌ يَتعيَّنُ فيها عِتقُ رَقبةٍ، صَحَّ ذلكَ أيضًا عَنْ ابنِ عبَّاسٍ وأبي بَكرٍ وعُمَرَ وابنِ مَسعودٍ وجَماعةٍ مِنَ التَّابعِينَ.

وحُجَّةُ هذا القَولِ أنه لمَّا كانَ يَمينًا مُغلَّظةً غَلُظَتْ كَفَّارتُها بتَحتُّمِ العِتقِ، ووجهُ تَغليظِها تَضمُّنُها تَحريمَ ما أحَلَّ اللهُ، وليسَ إلى العَبدِ، وقَولُ المُنكَرِ والزُّورِ إنْ أرادَ الخَبَرَ فهوَ كاذِبٌ في إخبارِهِ مُعْتَدٍ في إقسامِه، فغَلُظَتْ كفَّارتُه بتَحتُّمِ العِتقِ كما غَلُظَتْ كفَّارةُ الظِّهارِ بهِ أو بصيامِ شَهرينِ أو بإطعامِ سِتِّينَ مِسكينًا.

المَذهبُ الخامِسَ عَشرَ: أنه طَلاقٌ، ثمَّ إنّا إنْ كانَتْ غيرَ مَدخولٍ بها فهو ما نَواهُ مِنَ الواحدةٍ وما فوْقَها، وإنْ كانَتْ مَدخولًا بها فهو ثلاثٌ وإنْ نَوَى أقَلَّ مِنها، وهو إحدَى الرِّوايتَينِ عن مالِكٍ.

وحجَّةُ هذا القَولِ أنَّ اللَّفظَ لمَّا اقتَضَى التَّحريمَ وجَبَ أنْ يَترتَّبَ عليهِ حُكمُه، وغَيرُ المَدخولِ بها تُحرَّمُ بواحدَةٍ، والمَدخولُ بها لا تُحرَّمُ إلَّا بالثَّلاثِ.

وبعْدُ ففي مَذهبِ مالِكٍ خَمسةُ أقوالٍ، هذا أحَدُها، وهوَ مَشهورُها.

والثَّانِي أنهُ ثلاثٌ بكُلِّ حالٍ نَوَى الثَّلاثَ أو لم يَنوِها، اختارَها عَبدُ المَلكُ في مَبسُوطِه.

والثَّالثُ أنهُ واحدةٌ بائِنةٌ مُطلَقًا، حَكاهُ ابنُ خُوَيْزِ مَنْدادٍ رِوايةً عن مالكٍ.

الرَّابعُ أنهُ واحدةٌ رجعيَّةٌ، وهو قولُ عَبدِ العَزيزِ بنِ أبي سلَمةَ.

الخامسُ أنَّهُ ما نواهُ مِنْ ذلكَ مُطلَقًا، سواءٌ قبْلَ الدُّخولِ وبعْدَه، وقدْ عَرَفْت تَوجيهَ هذهِ الأقوالِ …

[مَذهبُ ابنِ تَيميةَ في المَسألَةِ]:

وفي المَسألةِ مَذهبٌ آخَرُ وراءَ هذا كُلِّه، وهو أنهُ إنْ أَوْقعَ التَّحريمَ كانَ ظِهارًا ولو نَوى بهِ الطَّلاقَ، وإنْ حلَفَ بهِ كانَ يَمينًا مُكفَّرةً، وهذا اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ، وعليهِ يَدلُّ النَّصُّ والقِياسُ؛ فإنهُ إذا أوقعَهُ كانَ قَدْ أتَى مُنكَرًا مِنَ القَولِ وزُورًا، وكانَ أَولَى بكفَّارةِ الظِّهارِ ممَّنْ شبَّهَ امرأتَهُ بالمُحرَّمةِ، وإذا حَلفَ بهِ كانَ يَمينًا مِنَ الأيمانِ، كما لو حلَفَ بالتِزامِ العِتقِ والحَجِّ والصَّدقةِ، وهذا مَحضُ القِياسِ والفِقهِ، ألَا تَرَى أنهُ إذا قالَ: «للهِ عليَّ أنْ أُعتِقَ، أو أحُجَّ، أو أصُومَ» لَزمَه، ولو قالَ: «إنْ كَلَّمْت فُلانًا فللَّهِ عليَّ ذلكَ» على وَجهِ اليَمينِ فهوَ يمينٌ، وكذلكَ لو قالَ: «هوَ يَهوديٌّ، أو نَصرانِيٌّ» كفَرَ بذلكَ، ولو قالَ: «إنْ فَعَلْت كذا فهو يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ» كانَ يَمينًا، وطَرْدَ هذا -بَلْ نَظيرُهُ مِنْ كُلِّ وَجهٍ- أنهُ إذا قالَ: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أُمِّي» كانَ ظِهارًا، فلو قالَ: «إنْ فَعلْت كذا فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أُمِّي» كانَ يَمينًا، وطَرْدُ هذا أيضًا إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» كانَ طلاقًا، وإنْ قالَ: «إنْ فَعلْت كذا فأنتِ طالِقٌ» كانَ يَمينًا، فهذه هي الأصولُ الصَّحيحةُ المُطَّرِدةُ المأخوذةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنةِ والمِيزانِ، وباللهِ التَّوفِيقُ (١).

(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ٦٦، ٧٣)، وذكَرَها أيضًا ابنُ المُنذِرِ في «الأوسط» (٩/ ١٨٨، ١٩٥)، و «الإشراف» (٥/ ٢٠٠، ٢٠٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الظهار
١٣٠٩ - مسألة؛ قال: (وإذا قال لزوجته: أنت على كظهر أمى، أو كظهر امرأة أجنبية، أو أنت على حر

فصل: ومَنْ لا يَصِحُّ طلاقُه لا يصحُّ ظهارُه، كالطِّفْلِ، والزَّائلِ العَقْلِ بجُنونٍ، أو إغماءٍ، أو نَوْمٍ، أو غيرِه. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولا يصحُّ ظهارُ المُكْرَهِ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو يوسفَ: يصحُّ ظهارُه. والخلافُ فى ذلك مَبْنِىٌّ على الخلافِ فى صِحَّةِ طلاقِه. وقد مَضَى ذلك .

فصل: ويصِحُّ الظِّهار من كُلِّ زوجةٍ، كبيرَةً كانتْ أو صغيرةً، مسلمةً كانتْ أو ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤُها أو غيرَ مُمْكِنٍ. وبه قال مالكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يصحُّ الظِّهارُ مِنَ الَّتِى لا يُمْكِنُ وَطْؤُها؛ لأنَّه لا يمْكِنُ وَطْؤُها، والظِّهارُ لتَحْريمِ وَطْئِها. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ، ولأنَّها زوجةٌ يصِحُّ طلاقُها ، فَصَحَّ الظِّهارُ منها، كغيرِها.

١٣٠٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِه: أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى، أَوْ كَظَهْرِ امْرَأةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أو أَنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ. أو حَرَّمَ عُضْوًا مِنْ أعْضَائِهَا، فَلَا يَطَأُهَا حَتَّى يَأْتِىَ بِالْكَفَّارَةِ)

فى هذه المسألةِ فصولٌ خَمْسَةٌ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 478 - 494

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله