الإسلام > النكاح والأسرة > أركان اللعان وشروطه > الشرط الخامس: أن يكونا عدلين غير محدودين في قذف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوقدِ اتَّفقُوا على أنَّ العبْدَ لا يُحَدُّ بقَذفِه، وكذلكَ الكافِرُ، فشَبَّهُوا مَنْ يَجبُ عليه اللِّعانُ بمَن يَجبُ في قَذفِه الحَدُّ؛ إذْ كانَ اللِّعانُ إنَّما وُضِعَ لدَرءِ الحَدِّ معَ نَفيِ النَّسبِ، وربَّما احتَجُّوا بما رَوى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدَّه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا لِعانَ بينَ أربَعةٍ: العَبدَينِ، والكافِرَينِ» (١).
والجُمهورُ يَرَونَ أنه يَمينٌ وإنْ كانَ يُسمَّى شَهادةً، فإنَّ أحَدًا لا يَشهدُ لنَفسِه، وأمَّا أنَّ الشهادةَ قد يُعبَّرُ عنها باليَمينِ فذلكَ بيِّنٌ في قَولِه تَعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا﴾ [المنافقون: ١] الآية، ثمَّ قالَ: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] (٢).
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَا عَدلَينِ غيرَ مَحدودَينِ في قَذفٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُتلاعنَينِ، هل يُشترطُ فيهِما العَدالةُ فلا يَصحُّ بينَ فاسِقَينِ أو مَحدودَينِ في قَذفٍ؟ أم يَصحُّ بينَ كلِّ زوجَينِ ولو كانَا فاسِقَينِ أو مَحدودَينِ في قَذفٍ أو كانَ أحَدُهما كذلكَ؟
على نَفسِ الخِلافِ السابقِ في لِعانِ الكافِرِ، وسَببُ الخِلافِ: هلِ اللِّعانُ
(١) بهذا اللَّفظِ لا أصلَ لهُ، ولكنْ رَواهُ الدارقطني (٣٣٨٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٨٠٧٤)، بإسنادٍ ضَعيفٍ جِدًّا بلَفظِ: «أربَعٌ مِنْ النِّساءِ لا مُلاعَنةَ بينَهُم: النَّصرانيةُ تحتَ المُسلِمِ، واليَهوديةُ تحتَ المُسلِمِ، والمَملوكةُ تحتَ الحُرِّ، والحُرَّةُ تحتَ المَملوكِ».
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٨٩).
شَهادةٌ مُؤكَّدةٌ بالأَيمانِ مَقرونةٌ باللَّعنِ والغَضبِ، فكُلُّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الشهادةِ واليَمينِ كانَ مِنْ أهلِ اللِّعانِ، ومَن لا فَلا؟
أم أنَّ اللِّعانَ أَيمانٌ بلَفظِ الشهادةِ مَقرونةٌ باللَّعنِ والغضَبِ؟ فعليهِ كلُّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ اليَمينِ فهو مِنْ أهلِ اللِّعانِ، سَواءٌ كانَ مِنْ أهلِ الشهادةِ أو لم يَكنْ.
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يُشترطُ أنْ يَكونَ اللِّعانُ بينَ زَوجَينِ عَدلَينِ، فلا يَصحُّ بينَ فاسِقَينِ ولا بينَ مَحدودَينِ في قَذفٍ أو كانَ أحَدُهما كذلك؛ لأنَّ المَحدودَ في قَذفٍ لا شَهادةَ له؛ لأنَّ اللهَ تَعالى رَدَّ شَهادتُه على التَّأبيدِ.
ولأنَّ كلَّ قَذفٍ لا يُوجِبُ الحَدَّ لو كانَ القاذِفُ أجنَبيًّا لا يُوجِبُ اللعانَ إذا كانَ القاذِفُ زَوجًا؛ لأنَّ اللعانَ مُوجبُ القذفِ في حَقِّ الزوجِ، كما أنَّ الحَدَّ مُوجبُ القَذفِ في الأجنَبيِّ، وقَذفُ واحِدٍ ممَّن ذكَرْنا لا يُوجِبُ الحَدَّ لو كانَ أجنَبيًّا، فإذا كانَ زَوجًا لا يُوجِبُ اللعانَ.
ولأنَّ اللهَ تَعالى سَمَّى الذينَ يَرمونَ أزواجَهُم شُهداءَ في آيةِ اللعانِ، واستَثناهُم مِنْ الشُّهداءِ المَذكورينَ في آيةِ القَذفِ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، ولم يَدخلْ واحِدٌ مِمَّنْ ذكَرْنا، واللعانُ شَهادةٌ، فلا يَجوزُ إذا كانَا كذلك أو أحَدُهما كذلكَ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ٢٧٨)، و «العناية» (٦/ ٥٧)، و «المغني» (٨/ ٤٠)، و «الكافي» (٣/ ٢٢٧)، و «المبدع» (٨/ ٨٢)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٤٢، ٢٤٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وذكَرَ القاضِي في «المُجرَّد» أنَّ مَنْ لا يَجبُ الحَدُّ بقَذفِها -وهيَ الأمَةُ والذمِّيةُ والمَحدودةُ في الزِّنا- لزَوجِها لِعانُها لنَفيِ الوَلدِ خاصَّةً، وليسَ له لِعانُها لإسقاطِ القَذفِ والتعزيرِ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَجبُ، واللعانُ إنَّما يُشرعُ لإسقاطِ حَدٍّ أو نَفيِ ولَدٍ، فإذا لم يَكنْ واحدٌ مِنهُما لم يُشرَعِ اللِّعانِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَصحُّ اللِّعانُ بينَ كلِّ زوجَينِ، سَواءٌ كانَا مُسلمَينِ أو كافرَينِ، أو أحَدُهما مُسلِمًا والآخَرُ كافِرًا، وسَواءٌ كانَا عَدلَينِ أو فاسِقَينِ أو مَحدودَينِ في قَذفٍ، أو كانَ أحَدُهما كذلكَ؛ لعُمومِ قَولِه تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ولَم يُفرِّقْ، ولأنَّ كلَّ زَوجٍ صحَّ طَلاقُه صحَّ لِعانُه.
ولأنَّ اللعانَ لدَرءِ العُقوبةِ الواجِبةِ بالقَذفِ ونَفيِ النَّسبِ، والعَدلُ والفاسِقٌ في هذا سَواءٌ.
ولأنَّ الزوجَ يَحتاجُ إلى نَفيِ الوَلدِ، فيُشرَعُ بهِ طَريقًا إلى نَفيِه، كما لو كانَتِ امرَأتُه مِمَّنْ يُحَدُّ بقَذفِها (٢).
(١) «المغني» (٨/ ٤٠، ٤١).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٨٩)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٥٩)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٢٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٩٣، ٣٩٤)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ١٢، ١٤)، و «المهذب» (٢/ ١٢٤)، و «المغني» (٨/ ٤٠)، و «الكافي» (٣/ ٢٢٧)، و «المبدع» (٨/ ٨٢)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٦٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٦٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللعان
١٣٢٧ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه الله: (وإذا قذف الرجل زوجته البالغة الحرة المسلمة، فقال
لِهِلَالٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْألْيَتَيْنِ، فَهُوَ لِلَّذِى رُمِيَتْ بِهِ ". فجاءت به أوْرَقَ، جَعْدًا، جُمَالِيًّا، خَدَلَّجَ السّاقينِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " لَوْلَا الْأَيْمَانُ، لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ ". قال عِكْرِمَةُ: فكانَ بعد ذلك أميرًا على مُضَر ، وما يُدْعَى لأَبٍ . ولأنَّ الزَّوْجٍ يُبْتَلَى بقَذْفِ امرأتِه لِيَنْفِىَ العارَ والنَّسَبَ الفاسِدَ، وتَتَعَذَّرُ عليه البَيِّنَةُ، فجُعِلَ اللِّعانُ بَيِّنةً له، ولهذا لمَّا نَزَلَتْ آيةُ اللِّعِانِ، قال النَّبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " أبشِرْ يَا هِلَالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا".
١٣٢٧ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، رحمه اللَّه: (وإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ زوْجَتَهُ الْبَالِغَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ، فَقَالَ لَهَا: زَنَيْتِ. أَوْ: يَا زانِيَةُ. أَوْ: رَأيْتُكِ تَزْنِينَ. وَلَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ، لَزِمَهُ الْحَدُّ، إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا) .
الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فُصُولٍ:
أحَدُها، فى صِفَةِ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَينِ يَصِحُّ اللعِانُ منهما . وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ فيهما، فرُوِىَ أنَّه يَصِحُّ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ، سَواءٌ كانا مُسْلِمَيْنِ أو كافِرَيْنِ، أو عَدْلَيْنِ أو فاسِقَيْنِ، أو مَحْدُودَيْنِ فى قَذْفٍ، أو كان أحدُهما كذلك. وبه قال سعيدُ ابن المُسَيَّب، وسليمانُ بن يَسَارٍ، والحَسَنُ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، وإسحاقُ. قال أحمدُ، فى روايةِ إسحاق بن منصورٍ: جميعُ الأزْواجِ يَلْتَعِنُون؛ الحُرُّ مِنَ الحُرَّةِ والأمَةِ
ارجع إلى أركان اللعان وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.