الإسلام > النكاح والأسرة > أركان اللعان وشروطه > الشروط التي ترجع إلى الزوجة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوإنْ قذَفَ زَوجتَه بالزِّنا فأَقرَّتْ بهِ .. لم يَجبْ عليه حَدُّ القَذفِ، فإنْ كانَ هناكَ ولدٌ يَلحقُه مِنها .. فإنه لا يَنتفِي عنه بإقرارِها بالزِّنا، وله أنْ يُلاعِنَ لنَفيِه، فإنْ كانَ مُنفصِلًا .. فله أنْ يُلاعِنَ لأجْلِه، وإنْ كانَ حَمْلًا .. فهل له أنْ يُلاعِنَ لنَفيهِ قبلَ انفِصالِه؟ أيضًا على الطريقَينِ (١).
الشُّروطُ التي تَرجعُ إلى الزَّوجةِ:
يُشترطُ لوُجوبِ اللِّعانِ وصحَّتِه ثَلاثةُ شُروطٍ تَرجِعُ إلى الزوجةِ.
الشَّرطُ الأولُ: إنكارُ الزَّوجةِ وُجودَ الزِّنا منها:
نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ مِنْ شَرطِ وُجوبِ اللِّعانِ إنكارُ الزوجةِ وُجودَ الزنا مِنها، حتى لو أقرَّتْ بذلكَ لا يَجبُ اللِّعانُ ويَلزمُها حَدُّ الزِّنا، وهو الجَلدُ إنْ كانَتْ غيْرَ مُحصَنةٍ، والرَّجمُ إنْ كانَتْ مُحصَنةً؛ لظُهورِ زِناها بإقرارِها (٢).
وقالَ المالِكيةُ: إذا قذَفَها بالزِّنَا فصدَّقَتْه حُدَّتْ ولم يَلزمْهُ حَدُّ القَذفِ، فإنْ كانَ هُناكَ نَسبٌ يَنفِيه لاعَنَ؛ لأنه مُحتاجٌ إلى اللِّعانِ لدَفعِ النَّسبِ بعدَ تَصديقِها كحاجتِه إليهِ قبْلَه، فكانَ له اللِّعانُ في الحالَينِ، وإنْ لم يَكنْ نَسبٌ لم يُلاعِنْ (٣).
(١) «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (١٠/ ٤٤٠، ٤٤١).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٤١)، و «التجريد» للقدوري (١٠/ ٥٢٣٩، ٥٢٤٠)، و «عمدة القاري» (١٩/ ٧٦).
(٣) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٥٢٣، ٥٢٤)، رقم (١٣٥٢).
ومَذهبُ الشافِعيةِ في المُصَدِّقةِ على الزِّنا المُعتَرِفةِ به أنه لا يَخلو أنْ تُصدِّقَ الزوجَ قبلَ لِعانِه أو بعدَه، فإنَّ صَدَّقَتْه بعدَ لِعانِه ثَبتَتْ أحكامُ اللعانِ به مِنْ وُقوعِ الفُرقةِ وتَحريمِ التَّأبيدِ ونَفيِ النَّسبِ، وليسَ لإقرارِها بالزِّنا بعدَ لِعانِ الزوجِ تأثيرٌ إلا في مَنعِها مِنْ الالتِعانِ بعدَه؛ لأنَّ لِعانَها لإسقاطِ حَدِّ الزِّنا عَنها بلِعانِ الزوجِ، والمُقِرَّةُ بالزِّنا يُوجَبُ الحَدُّ عليها بالإقرارِ ولا يَسقطُ عنها باللِّعانِ، فإنْ رَجعَتْ عنِ الإقرارِ صارَ الحَدُّ واجبًا عليها باللعانِ دونَ الإقرارِ؛ لأنَّ الرُّجوعَ في الإقرارِ بالزِّنا مَقبولٌ في سُقوطِ الحَدِّ، وجازَ لَها أنْ تُلاعِنَ لإسقاطِ الحَدِّ الواجبِ عليها بلِعانِ الزوجِ.
فأمَّا إنْ صَدَّقَتْه على الزِّنا قبلَ لِعانِه أو في تَضاعيفِه فقَدْ سقَطَ حَدُّ القَذفِ عنِ الزوجِ بتَصديقِه، فإنْ كانَ له وَلدٌ يُريدُ نفيَه فله أنْ يُلاعِنَ لنَفيِه؛ لأنه كما جازَ له أنْ يَنفيَ وَلدَ المُكذِّبةِ الظاهِرةِ العِفَّةِ فلَأنْ يَنفيَ وَلدَ المُصدِّقةِ الظاهِرةِ الفُجورِ أَولَى، وإنْ لمْ يَكنْ لها وَلدٌ ففي جَوازِ لعانِه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَجوزُ أنْ يُلاعِنَ؛ لأنَّ اللعانَ مَوضوعٌ لسُقوطِ الحَدِّ ونَفيِ النَّسبِ، وقدْ سقَطَ عنه الحَدُّ بتَصديقِها وعَدمِ الولدِ الذي يَحتاجُ إلى نَفيِه.
والوَجهُ الثاني: يَجوزُ أنْ يُلاعِنَ لوُقوعِ الفُرقةِ وتأبيدِ التَّحريمِ، وليسَ للزوجةِ أنْ تُلاعِنَ بعدَ لِعانِه ما أقامَتْ على الإقرارِ بالزنا، فإنْ رَجعَتْ عنه لاعَنَتْ (١).
(١) «الأم» (٥/ ٢٩٥)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٧٧)، و «حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء» (٧/ ٢١٠).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ مِنْ شُروطِ اللعانِ أنْ تُكذِّبَه الزوجةُ ويَستمِرَّ ذلك إلى انقِضاءِ اللِّعانِ.
فإنْ صدَّقَتْه الزوجةُ فيما رَماها به مِنْ الزنا مرَّةً أو مِرارًا أو سَكتَتْ أو عَفَتْ عنه أو ثبَتَ زِناها بأربعةٍ سِواهُ أو قذَفَ خَرْساءَ أو ناطِقةً فخرَسَتْ أو صَمَّاءَ ولم تُفهَمْ إشارتُها لَحقُه النَّسبُ؛ لأنَّ الوَلدَ للفِراشِ، وإنما يَنتفِي عنه باللعانِ ولم يُوجَدْ شَرطُه، ولا حَدَّ؛ لتَصديقِها إياه أو عَدمِ الطَّلبِ، ولا لِعانَ؛ لأنَّ اللعانَ كالبيِّنةِ إنما يُقامُ مع الإنكارِ.
وإنْ كانَ إقرارُهَا دونَ الأربَعِ مرَّاتٍ فلا حَدَّ عليها، أو كانَ إقرارُها أربَعَ مرَّاتٍ ثمَّ رَجعَتْ فلا حَدَّ عَليها؛ لأنَّ الرُّجوعَ عنِ الإقرارِ بالحَدِّ مَقبولٌ، وإنْ كانَ تَصديقُها قبلَ لِعانِه فلا لِعانَ بينَهُما للحَدِّ؛ لتَصديقِها إياه، ولا لنَفيِ النَّسبِ؛ لأنَّ نفْيَ الوَلدِ إنما يَكونُ بلِعانِهما معًا وقد تَعذَّرَ مِنهما.
وإنْ كانَ تَصديقُها بعدَ لِعانَه لم تُلاعنْ هي؛ لإقرارِها.
وإنْ ماتَ أحَدُ الزوجَينِ قبلَ اللِّعانِ أو في أثناءِ لِعانِ أحَدِهما أو ماتَ أحَدُهما قبلَ لِعانِها وَرثَه صاحِبُه؛ لأنَّ الفُرقةَ لا تَحصلُ إلا بكَمالِ اللِّعانِ، ولَحِقَ الزوجَ نسَبُ الوَلدِ؛ لأنَّ النكاحَ إنَّما يَقطعُه اللعانُ كالطلاقِ، ولا لِعانَ؛ لأنَّ شرْطَه مُطالَبةُ الزوجةِ وقد تَعذَّرَ ذلكَ بالمَوتِ، لكنْ إنْ كانَتْ قَدْ طالَبَتْ في حَياتِها فإنَّ أولياءَها يَقومونَ في الطَّلبِ بحَدِّ القَذفِ
مَقامَها؛ لأنه يُورَثُ عنها إذَنْ، فإنْ طُولِبَ بالحَدِّ فله إسقاطُه باللِّعانِ كما لو كانَتْ حيَّةً (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الرَّجلُ إذا قذَفَ امرَأتَه فصدَّقَتْه وأقرَّتْ بالزِّنا مرَّةً أو مرَّتينِ أو ثَلاثًا لم يَجبْ عَليها الحَدُّ؛ لأنه لا يَثبتُ إلا بإقرارِ أربَعِ مرَّاتٍ على ما يُذكَرُ في الحُدودِ، ثمَّ إنْ كانَ تَصديقُها له قبلَ لِعانِه فلا لِعانَ بينَهُما؛ لأنَّ اللِّعانَ كالبيِّنةِ إنما يُقامُ مع الإنكارِ، وإنْ كانَ بعدَ لِعانِه لم تُلاعِنْ هي؛ لأنها لا تَحلِفُ مع الإقرارِ، وحُكمُها حُكمُ ما لو امتَنعَتْ مِنْ غيرِ إقرارٍ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافعيُّ: إنْ صدَّقَتْه قبلَ لِعانِه فعَليها الحَدُّ، وليسَ له أنْ يُلاعِنَ إلا أنْ يَكونَ ثَمَّ نَسبٌ يَنفيهِ، فيُلاعِنُ وحْدَه ويَنتفِي النَّسبُ بمُجرَّدِ لِعانِه، فإنْ كانَ بعدَ لِعانِه فقَدِ انتَفَى النَّسبُ ولَزمَها الحَدُّ؛ بِناءً على أنَّ النَّسبَ يَنتفي بمُجرَّدِ لِعانِه، وتَقعُ الفُرقةُ ويَجبُ الحَدُّ، فإنَّ الحَدَّ يَجبُ بإقرارِ مرَّةٍ، وهذهِ الأصولُ قد مَضى أكثَرُها.
ولو أَقرَّتْ أربَعًا وجَبَ الحَدُّ، ولا لِعانَ بينَهُما إذا لم يَكنْ ثَمَّ نَسبٌ يُنفَى، وإنْ رَجعَتْ سقَطَ الحَدُّ عنها بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، وبه يَقولُ الشافعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، فإنَّ الرُّجوعَ عنِ الإقرارِ بالحَدِّ مَقبولٌ، وليس له أنْ يُلاعِنَ للحَدِّ، فإنه لم يَجبْ عليهِ؛ لتَصديقِها إيَّاه، وإنْ أرادَ لِعانَها لنَفيِ نَسبٍ فظاهرُ قَولِ الخِرقيِّ أنه ليسَ له ذلكَ في جَميعِ هذهِ الصُّوَرِ، وهو قولُ أصحابِ الرَّأيِ.
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٤٦٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الظهار
فصل في بيان الشرائط التي ترجع إلى المظاهر به
الْأَوَّلُ وَهُوَ نُقْصَانُ الْعَدَدِ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ وَكَذَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ ثُمَّ أَبَانَهَا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ الظِّهَارُ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَ الْإِبَانَةَ بِشَرْطٍ فَنَجَّزَ الْإِبَانَةَ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا الْبَائِنُ الْمُعَلَّقُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ وَالْمُبَانَةُ مُحَرَّمَةٌ فَلَوْ لَحِقَهَا الظِّهَارُ بِيَمِينٍ كَانَتْ قَبْلَ الْإِبَانَةِ لَكَانَ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ فَاسْتَوَى فِيهِ الظِّهَارُ الْمُبْتَدَأُ وَالْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ بِخِلَافِ الْبَيْنُونَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا بَعْدَ تَنْجِيزِ الْإِبَانَةِ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ وَهُوَ مُفِيدٌ أَيْضًا وَهُوَ نُقْصَانُ الْعَدَدِ وَاَللَّهُ ﷿ الْمُوَفِّقُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الظِّهَارُ مُضَافًا إلَى بَدَنِ الزَّوْجَةِ أَوْ إلَى عُضْوٍ مِنْهَا جَامِعٍ أَوْ شَائِعٍ وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَتَصِحُّ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا أَوْ إلَى كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا قَالَ لَهَا: رَأْسُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ وَجْهُكِ أَوْ رَقَبَتُكِ أَوْ فَرْجُكِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَكَذَا إذَا قَالَ لَهَا ثُلُثُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ رُبْعُكِ أَوْ نِصْفُكِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ الشَّائِعَةِ.
ارجع إلى أركان اللعان وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.