الإسلام > النكاح والأسرة > الأحكام التي تترتب على الرضاع > الركن الثالث: الرضيع (مدة الرضاع)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 26 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثالثُ: الرَّضيعُ (مُدَّةُ الرَّضاعِ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الطفلَ الرَّضيعَ إذا ارتَضعَ في أقلِّ مِنْ حَولَينِ ثبَتَ التَّحريمُ.
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ الرَّضاعَ يُحرِّمُ في الحَولينِ (١).
وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقوا على أنَّ التحريمَ بالرضاعِ يَثبتُ في سَنتينِ (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو أرضَعَتِ المرأةُ طِفلًا بعدَ الحَولينِ، هل يَثبتُ التحريمُ أم لا؟
فذهَبَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ والإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأ» والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا أرضَعَتْ طِفلًا بعدَ الحَولينِ فإنه لا تَنتشرُ الحُرمةُ به، ولا تَنتشرُ الحُرمةُ إلا إذا وقَعَ الرضاعُ في الحَولينِ، ولا يُعتبَرُ الفِصالُ، إنما يُعتبَرُ الوقتُ، حتى لو فصَلَتْه ثم أرضَعَتْه بعدَ ذلكَ في اثناءِ الحَولينِ ثبَتَ التَّحريمُ.
لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وليسَ لِما بعدَ التَّمامِ حُكمٌ؛ لأنه جعَلَ تَمامَ الرضاعِ في
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٧).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٧).
الحَولينِ، فدَلَّ على أنه لا حُكمَ للرضاعِ بعدَ الحَولينِ؛ لأنه بانقِضاءِ الحَولينِ تمَّتِ الرضاعةُ، ولا رَضاعةَ بعدَ الحَولينِ مُعتبرةٌ.
ولقَولِه تعالَى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].
وقولِه ﷿: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وأقَلُّ مُدةِ الحَملِ ستَّةُ أشهُرٍ، فبَقيَ مُدةُ الفِصالِ حَولينِ.
ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مَرفوعًا: «لا رَضاعَ إلا ما كانَ في الحَولينِ» (١)، وهذا نَصٌّ في البابِ.
ولقَولِه ﷺ: «لا يُحرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلا ما فتَقَ الأمعاءَ وكانَ قبلَ الفِطامِ» (٢).
وعن مَسروقٍ أنَّ عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «دخَلَ عليَّ النبيُّ ﷺ وعندِي رَجلٌ، قالَ: يا عائِشةُ مَنْ هذا؟ قلتُ: أخِي مِنْ الرَّضاعةِ، قالَ: يا عائشةُ انظُرنَ مَنْ إخوَانُكنَّ، فإنَّما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» (٣)، يَعني في حالِ الحاجةِ إلى الغِذاءِ واللَّبنِ (٤).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٤٣٦٤).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١١٥٢).
(٣) رواه البخاري (٢٦٤٧)، ومسلم (١٤٥٥).
(٤) «بدائع الصنائع» (٤/ ٦، ٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٤٦)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٨١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٧١)، و «اللباب» (٢/ ٦١، ٦٢)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ١٦٢)، و «الأم» (٥/ ٢٩)، و «الإشراف» (٥/ ١١٩)، و «المهذب» (٢/ ١٥٥، ١٥٦)، و «المغني» (٨/ ١٤٢)، و «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٥٩، ٦٠).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: أخبَرَنا مالِكٌ عن يَحيى بن سعيدٍ أنَّ أبَا مُوسى قالَ: «رَضاعةُ الكَبيرِ ما أراها إلا تُحرِّمُ، فقالَ ابنُ مَسعودٍ: انظُرْ ما يُفتي به الرَّجلُ، فقالَ أبو مُوسى: فما تَقولُ أنتَ؟ فقالَ: لا رَضاعةَ إلا ما كانَ في الحَولينِ، فقالَ أبو مُوسى: لا تَسألوني عن شَيءٍ ما كانَ هذا الحَبْرُ بينَ أظهُرِكُم».
(قالَ الشافِعيُّ): فجِماعُ فَرقِ ما بينَ الصغيرِ والكبيرِ أنْ يَكونَ الرَّضاعُ في الحَولينِ، فإذا أُرضِعَ المَولودُ في الحَولينِ خَمسَ رَضعاتٍ كما وصَفتُ فقدْ كَمُلَ رَضاعُه الذي يُحرِّمُ، (قالَ الشافِعيُّ): وسَواءٌ أُرضِعَ المَولودُ أقلَّ مِنْ حَولينِ ثمَّ قُطعَ رَضاعُه ثمَّ أرضِعَ قبلَ الحَولينِ، أو كانَ رَضاعُه مُتتابعًا حتى أرضَعَتْه امرَأةٌ أُخرى في الحَولينِ خَمسَ رَضعاتٍ، ولو تُوبعَ رضاعُه فلَم يُفصلْ ثَلاثةَ أحوالٍ أو حَولينِ أو سِتةَ أشهُرٍ أو أقَلَّ أو أكثَرَ فأُرضِعَ بعدَ الحَولينِ لم يُحرِّمِ الرَّضاعُ شيئًا، وكانَ بمَنزلةِ الطعامِ والشَّرابِ، ولو أرضِعَ في الحَولينِ أربَعَ رَضعاتٍ وبعدَ الحَولينِ الخامِسةَ وأكثَرَ لم يُحرِّمْ، ولَا يُحرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلا ما تَمَّ خمسَ رَضعاتٍ في الحَولينِ، وسَواءٌ فيما يُحرِّمُ الرَّضاعُ والوَجورُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا ثبَتَ هذا فالاعتبارُ بالعامَينِ لا بالفِطامِ، فلو فُطمَ قبلَ الحَولينِ ثم ارتَضعَ فيهما لَحصَلَ التحريمُ، ولو لم يُفطمْ حتَّى تَجاوزَ الحَولينِ ثم ارتَضعَ بعدَهُما قبلَ الفِطامِ لم يَثبتِ التحريمُ.
(١) «الأم» (٥/ ٢٩)، و «المهذب» (٢/ ١٥٥، ١٥٦).
وقالَ ابنُ القاسمِ صاحِبُ مالِكٍ: لو ارتَضعَ بعدَ الفِطامِ في الحَولينِ لم تَحرمْ عليه؛ لقَولِه عليه السلام: «وكانَ قبلَ الفِطامِ».
ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ورُويَ عنه عليه السلام: «لا رَضاعَ إلا ما كانَ في الحَولينِ»، والفِطامُ مُعتبَرٌ بمُدتِه لا بنَفسِه.
قالَ أبو الخطَّابِ: لو ارتَضعَ بعدَ الحَولينِ بساعةٍ لم يُحرِّمْ.
وقالَ القاضي: لو شرَعَ في الخامِسةِ فحالَ الحَولُ قبلَ كَمالِها لم يَثبتِ التَّحريمُ.
ولا يَصحُّ هذا؛ لأنَّ ما وُجدَ مِنْ الرَّضعةِ في الحَولينِ كافٍ في التَّحريمِ؛ بدَليلِ ما لو انفَصلَ مما بعدَه، فلا يَنبغي أنْ يَسقطَ حُكمٌ بإيصالِ ما لا أثَرَ له به (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ مُدةَ الرَّضاعِ ثَلاثونَ شَهرًا، ولا يُحرِّمُ بعدَ ذلكَ، سَواءٌ فُطمَ أو لم يَفطمْ، لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، أثبَتَ الحُرمةَ بالرَّضاعِ مُطلَقًا عن التعرُّضِ لزَمانِ الإرضاعِ، إلا أنه قامَ الدَّليلُ على أنَّ زَمانَ ما بعدَ الثلاثينَ شهرًا ليسَ بمُرادٍ، فيُعملُ بإطلاقِه فيما وَراءَه.
(١) «المغني» (٨/ ١٤٣).
وقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والاستِدلالُ بهِ مِنْ وَجهينِ:
أحَدُهما: أنه أثبَتَ لهُمَا إرادةَ الفِصالِ بعدَ الحَولينِ؛ لأنَّ الفاءَ للتَّعقيبِ، فيَقتضي بَقاءَ الرضاعِ بعدَ الحولينِ ليَتحقَّقَ الفِصالُ بعدَهُما.
والثاني: أنه أثبَتَ لهُمَا إرادةَ الفِصالِ مُطلَقًا عن الوَقتِ، ولا يكونُ الفِصالُ إلا عن الرضاعِ، فدَلَّ على بقاءِ حُكمِ الرضاعِ في مُطلَقِ الوَقتِ إلى أنْ يقومَ الدليلُ على التَّقييدِ.
وقولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أثبَتَ لهُما إرادةَ الاستِرضاعِ مُطلَقًا عن الوَقتِ، فمَن ادَّعَى التقييدَ بالحَولينِ فعَليهِ الدليلُ.
ولأنَّ الإرضاعَ إنما يُوجِبُ الحُرمةَ لكَونِه مُنبِتًا للحمِ مُنشِزًا للعَظمِ على ما نطَقَ بهِ الحَديثُ، ومِن المُحالِ عادةً أنْ يكونَ مُنبِتًا للحمِ إلى الحَولينِ ثمَّ لا يُنبتُ بعدَ الحَولينِ بساعةٍ لَطيفةٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ما أجرَى العادةَ بتَغييرِ الغِذاءِ إلا بعدَ مُدةٍ مُعتبَرَةٍ، ولأنَّ المَرأةَ قد تَلدُ في البردِ الشديدِ والحَرِّ الشديدِ، فإذا تَمَّ على الصبيِّ سَنَتانِ لا يَجوزُ أنْ تُؤمرَ المرأةُ بفِطامِه؛ لأنه يُخافُ منه الهَلاكُ على الولدِ؛ إذ لو لم يُعوَّدْ بغَيرِه مِنْ الطعامِ فلا بدَّ وأنْ تُؤمرَ بالرضاعِ، ومُحالٌ أنْ تُؤمرَ بالرضاعِ ويُحرَّمُ عليها الرضاعُ في وقتٍ واحِدٍ، فدَلَّ أنَّ الرضاعَ بعدَ الحولينِ يكونُ رَضاعًا، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ
استَحسنَ في تَقديرِه مُدةَ إبقاءِ حُكمِ الرضاعِ بعدَ الحَولينِ بسِتةِ أشهُرٍ؛ لأنه أقَلُّ مدَّةِ تَغيُّرِ الوَلدِ، فإنَّ الوَلدَ يَبقَى في بَطنِ أمِّه سِتةَ أشهُرٍ يَتغذَّى بغِذائِها ثمَّ يَنفصلُ، فيَصيرُ أصلًا في الغِذاءِ.
وذهَبَ الإمامُ زُفرُ إلى أنَّ مُدةَ الرَّضاعِ المُحرِّمِ ثَلاثةُ أحوالٍ.
وزُفرُ اعتبَرَ بعدَ الحولينِ سِنةً كامِلةً فقالَ: لمَّا ثبَتَ حُكمُ الرضاعِ في ابتِداءِ السَّنةِ الثالثةِ -لمَا قالَه أبو حَنيفةَ- يَثبتُ في بَقيتِها كالسَّنةِ الأُولى والثانيةِ.
وأمَّا الآيةُ الأُولى ففيها أنَّ الحَولينِ مُدةُ الرضاعِ في حقِّ مَنْ أرادَ تَمامَ الرضاعةِ، وهذا لا يَنفي أنْ يَكونَ الزائدُ على الحَولينِ مدَّةَ الرضاعِ في حقِّ مَنْ لم يُرِدْ أنْ يُتِمَّ الرضاعةَ، مع أنَّ ذِكرَ الشيءِ بالتَّمامِ لا يَمنعُ مِنْ احتِمالِ الزيادةِ عليه، ألا ترَى إلى قَولهِ: «مَنْ أدرَكَ عَرفةَ فقدْ تمَّ حَجُّه»، وهذا لا يَمنعُ زيادةَ الفَرضِ عليه؛ فإنَّ طوافَ الزيارةِ مِنْ فُروضِ الحَجِّ، على أنَّ في الآيةِ الكَريمةِ أنَّ الحولينِ تَمامُ مُدةِ الرضاعِ، لكنَّها تَمامُ مُدةِ الرضاعِ في حقِّ الحُرمةِ أو في حقِّ وُجوبِ أجرِ الرضاعِ على الأبِ، فالنصُّ لا يَتعرَّضُ له.
وعندَهما تَمامُ مُدةِ الرَّضاعِ في حقِّ وُجوبِ الأجرِ على الأبِ، حتى أنَّ الأمَّ المُطلَّقةَ إذا طلَبَتِ الأجرَ بعدَ الحولينِ ولا تُرضعُ بلا أجرٍ لم يُجبَرِ الأبُ على أجرِ الرضاعِ فيما زادَ على الحَولينِ، أو تُحملُ الآيةُ على هذا تَوفيقًا بينَ الدَّلائلِ؛ لأنَّ دَلائلَ اللهِ ﷿ لا تَتناقضُ.
وأمَّا الآيةُ الثانيةُ فالفِصالُ في عامَينِ لا يَنفي الفِصالَ في أكثَرِ مِنْ عامَينِ كما لا يَنفيهِ في أقَلَّ مِنْ عامَينِ عن تَراضٍ منهُما وتَشاوُرٍ، فكانَ هذا استِدلالًا بالمَسكوتِ، كقَولِه ﷿: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] الآيَة، أنه لا يُمنعُ جَوازُ الكِتابةِ إذا لم يَعلمْ فيهم خَيرًا.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ثم الرضاعُ يُحرِّمُ في المُدةِ على اختلافِهم فيها، سواءٌ فُطمَ في المُدةِ أو لم يُفطمْ، هذا جَوابُ ظاهِرِ الروايةِ عن أصحابِنا، حتى لو فصلَ الرَّضيعُ في مُدةِ الرضاعِ ثم سُقيَ بعدَ ذلك في المُدةِ كانَ ذلكَ رَضاعًا مُحرِّمًا، ولا يُعتبَرُ الفِطامُ، وإنما يُعتبَرُ الوَقتُ، فيُحرِّمُ عندَ أبي حَنيفةَ ما كانَ في السَّنتينِ ونِصفٍ، وعندَهُما ما كانَ في السَّنتينِ؛ لأنَّ الرضاعَ في وَقتِه عُرفَ مُحرِّمًا في الشرعِ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الدلائلِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ ما إذا فُطمَ أو لم يُفطمْ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ عندَهُم إلى أنَّ شرْطَ نَشرِ الحُرمةِ بالرَّضاعِ أنْ يَحصلَ الوُصولُ للجَوفِ في الحَولينِ مِنْ وِلادتِه أو بزِيادةِ ما قَرُبَ منهُما ممَّا له حُكمُه كالشَّهرِ والشَّهرينِ، وقيلَ: الثَّلاثةِ الأشهُرِ؛ لأنَّ هذهِ الزيادةَ اليَسيرةَ مُعتبرةٌ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «إنَّما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» (٢)،
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٦، ٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٤٦)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٨١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٧١)، و «اللباب» (٢/ ٦١، ٦٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٤٧)، ومسلم (١٤٥٥).
ومَعلومٌ أنَّ الطِّفلَ لا يَستغني بالطَّعامِ بعدَ يَومٍ أو يَومينِ مِنْ فِطامِه، فكانَ ذلكَ كرَضاعةٍ في الحَولينِ، ولأنه إرضاعٌ مع المَجاعةِ إليه كالحَولينِ.
وهذا ما دامَ مَقصورًا على الرضاعِ، أو يَأكلُ معَه ما يَضرُّ به الاقتِصارُ عليه، فلو فُطمَ ثم أرضَعَتْه امرأةٌ بعدَ فِصالِه بيَومٍ أو يَومينِ أو ما أشبَهَ ذلكَ حَرَّمَ؛ لأنه لو أُعيدَ للَّبنِ لَكانَ قوَّةً في غَدائِه وعَشائِه، فلو فُصلَ فِصالًا بيِّنًا فلا اعتبارَ بما يَحصلُ له مِنْ اللَّبنِ بعدَ ذلكَ ولو حصَلَ الاستِغناءُ في الحَولينِ، وسَواءٌ استَغنى فيهِما بمُدةٍ بَعيدةٍ أو قَريبةٍ على المَشهورِ، وهو مَذهبُ «المُدوَّنة»، خِلافًا للأخوَينِ وأصبَغَ في بَقاءِ التحريمِ إلى تَمامِهما.
قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: وحاصِلُ الفقهِ كما في «التَّوضِيح» أنه إذا حصَلَ الرضاعُ في الحَولينِ فإنْ لم يَستغنِ بأنْ لم يُفطمْ أصلًا أو فُطمَ ولكنْ أرضَعَتْه بعدَ فِطامِه بيومٍ أو يَومينِ نشَرَ الحُرمةَ باتِّفاقٍ وإنِ استَغنَى، فإما أنْ يَحصلَ الرضاعُ بعدَ الاستغناءِ بمُدةٍ قَريبةٍ أو بَعيدةٍ، فإنْ كانَ بمُدةٍ بَعيدةٍ لم يُعتبَرْ، وكذا إنْ كانَ بمُدةٍ قَريبةٍ على المَشهورِ، وهو مَذهبُ «المُدوَّنة»، فمَذهبُها أنَّ الرضاعَ بعدَ الاستغناءِ لا يُحرمُ، سَواءٌ حصَلَ بعدَ الاستغناءِ بمُدةٍ قَريبةٍ أو بَعيدةٍ، ومُقابلُه لمُطرِّفٍ وابنِ الماجشُونِ وأصبَغَ في «الواضِحَة» أنه يُحرِّمُ إلى تَمامِ الحَولينِ ولو حصَلَ بعدَ الاستِغناءِ بمُدةٍ قَريبةٍ أو بَعيدةٍ (١).
(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٤٦٩)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢١، ٢٢٢)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٧٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٥٤، ٥٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرضاع
فصل في صفة الرضاع المحرم
مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ إذَا وَلَدَتْ ابْنًا وَلَهَا بِنْتٌ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ؛ فَهِيَ أُخْتُ أَخِيهِ لِأَبِيهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَكَذَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَيَجُوزُ لِزَوْجِ الْمُرْضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ الْمُرْضَعِ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْمُرْضَعَ ابْنُهُ، وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ ابْنِهِ مِنْ النَّسَبِ وَكَذَا أَبَ الْمُرْضَعِ مِنْ النَّسَبِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُرْضِعَةَ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعِ فَهِيَ كَأُمِّ ابْنِهِ مِنْ النَّسَبِ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَحَارِمِ أَبِي الصَّبِيِّ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ النَّسَبِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي صفة الرَّضَاع الْمُحَرِّمِ
(فَصْلٌ) :
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
(باب لبن الرجل والمرأة)
(باب لبن الرجل والمرأة)
(مسألة)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَاللَّبَنُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ كَمَا الْوَلَدُ لَهُمَا وَالْمُرْضَعُ بِذَلِكَ اللَّبَنِ وَلَدُهُمَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا قَدْ مَضَى فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَذَكَرْنَا أَنَّ لَبَنَ الرضاع للرجل والمرأة، والمرضع به ابناً لَهُمَا، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ فَجَعَلُوا اللَّبَنَ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَى آخِرِهَا.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ وَلَدَتِ ابْنًا مِنْ زِنًا فَأَرْضَعَتْ مَوْلُودًا فَهُوَ ابْنُهَا وَلَا يَكُونُ ابْنَ الَّذِي زَنَى بِهَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَدُ الرَّضَاعِ تَبَعٌ لِوَلَدِ الْوِلَادَةِ فَإِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، كَانَ وَلَدُهَا الذي ولدته لاحقاً بِزَوْجِهَا الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ وَبِالْوَطْءِ لَهَا بِالشُّبْهَةِ فَإِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ وَلَدًا كَانَ وَلَدُ الرَّضَاعِ وَلَدًا لِلزَّوْجِ الَّذِي تَزَوَّجَتْ بِهِ، وَلِلْوَاطِئِ الَّذِي وطئها بالشبهة لأنه مخلوق من مائهما كان ولد الرضا لهما لأنه معتد بِلَبَنِهِمَا، فَإِنْ زَنَتْ وَوَلَدَتْ وَلَدًا مِنْ زِنًا وَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ وَلَدًا كَانَ وَلَدُ الزِّنَا وَوَلَدُ الرَّضَاعِ لَاحِقَيْنِ بِهَا وَلَمْ يُلْحَقَا بِالزَّانِي، لِأَنَّ ابْنَهَا الْمَوْلُودَ عَنِ الزَّانِي يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمُرْضَعِ عَنْهُ، لِأَنَّ وَلَدَ النَّسَبِ أَقْوَى حُكْمًا مِنْ وَلَدِ الرَّضَاعِ، وَقَدِ انْتَفَى عَنِ الزَّانِي فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ وَلَدُ الرَّضَاعِ.
(مَسْأَلَةٌ)
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرضاع
١٣٧٠ - مسألة؛ قال: (ويحرم لبن الميتة، كما يحرم لبن الحية؛ لأن اللبن لا يموت)
فصل: ولو حَلَبَتِ المرأةُ لَبَنَها في إناءٍ، ثم ماتَتْ، فشَرِبَه صبيٌّ، نَشَرَ الحُرْمةَ. في قولِ كلِّ مَنْ جَعَلَ الوَجُورَ مُحَرِّمًا. وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وغيرُهم؛ وذلك لأنَّه لَبَنُ امرأةٍ في حَياتِها، فأشْبَهَ ما لو شَرِبَه وهي في الحياةِ.
١٣٧١ - مسألة؛ قال: (وإذَا حَبِلَتْ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِها بِهِ، فثابَ لها لَبَنٌ، فأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا خمْسَ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، في حَوْلَينِ، حُرِّمَتْ عَلَيْه، وبَناتُها مِنْ أَبِى هذَا الحَمْلِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، وبَنَاتُ أبى هذَا الْحَمْلِ مِنْهَا ومِنْ غَيْرِهَا. وإنْ أرْضَعَتْ صَبِيَّةً، فَقَدْ صَارَتْ ابْنةً لها، ولِزَوْجِهَا؛ لِأنَّ اللَّبَنَ مِنَ الْحَمْلِ الَّذِى هُوَ مِنْهُ)
ارجع إلى الأحكام التي تترتب على الرضاع للاطلاع على جميع المسائل.