الأحكام التي تترتب على الرضاع

الإسلام > النكاح والأسرة > الأحكام التي تترتب على الرضاع

مسائلُ فقهيةٌ في الأحكام التي تترتب على الرضاع على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

تعريف الأحكام التي تترتب على الرضاع وحكمها

فإنْ حُقنَ به لم يَتعلَّقْ به تَحريمٌ، وإنْ أُقطِرَ في أُذنَيهِ أو في إحليلِه أو في جائِفةٍ أو آمَّةٍ لم يُحرِّمْ (١).

وقالَ ابنُ عَرفةَ المالِكيُّ رحمة الله عليه: الرَّضاعُ: وُصولُ لبَنِ آدمِيَّةٍ لمَحلٍّ مَظنَّةَ غِذاءِ آخرَ للتَّحريمِ بالسَّعوطِ والحُقنةِ (٢).

وعرَّفَه الشافِعيةُ بأنَّه: اسمٌ لحُصولِ لَبنِ امرأةٍ أو ما حصَلَ منه في مَعدةِ طِفلٍ أو دِماغِه (٣).

وقالَ الحَنابلةُ: الرَّضاعُ شَرعًا: مَصُّ مَنْ له دُونَ حَولينِ لَبنًا ثابَ -أي: اجتَمعَ- مِنْ حَملٍ مِنْ ثَديِ امرأةٍ أو شُربُه ونَحوُه كأكلِه بعدَ تَجبينِه وسَعوطٍ ووَجورٍ (٤).

الأحكامُ التي تَترتَّبُ على الرَّضاعِ:

للرَّضاعِ تَأثيرٌ في تَحريمِ النكاحِ، وفي ثُبوتِ الحُرمةِ، وفي جوازِ النَّظرِ والخَلوةِ.

فيَحرمُ النكاحُ وتَثبتُ المَحرميَّةُ المُفيدةُ لجَوازِ النَّظرِ والخَلوةِ وعَدمِ نَقضِ الوُضوءِ عندَ الشافِعيةِ على ما يأتي بَيانُ ذلكَ بالتَّفصيلِ.

(١) «الدر المختار» (٣/ ٢٠٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٧٣).
(٢) «المختصر الفقهي» (٧/ ١٠٢).
(٣) «مغني المحتاج» (٥/ ١٣١)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٩٩).
(٤) «كشاف القناع» (٥/ ٥١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٦٢٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٥٩٦).

وأما سائرُ أحكامِ النَّسبِ كالمِيراثِ والنَّفقةِ والعِتقِ بالمِلكِ وسُقوطِ القِصاصِ وعَدمِ القَطعِ والوِلايةِ على المالِ أو النَّفسِ فلا تَثبتُ بالرَّضاعِ اتِّفاقًا.

والأصلُ في التَّحريمِ بالرَّضاعِ الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.

أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فذكَرَ اللهُ في جُملةِ الأعيانِ المُحرَّماتِ الأمَّ المُرضِعةَ والأختَ مِنْ الرَّضاعةِ، فدَلَّ على أنَّ له تأثيرًا في التَّحريمِ (١).

وأما السُّنةُ: فعَن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ النبيُّ في بِنتِ حَمزةَ: «لا تَحِلُّ لي، يَحرُمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ، هيَ بِنتُ أخِي مِنْ الرَّضاعةِ» (٢)، ففيهِ دَليلٌ على أنَّ الرَّضاعَ مِنْ أسبابِ التحريمِ وأنهُ بمَنزلةِ النسبِ في ثُبوتِ الحرمةِ؛ لأنَّ ثُبوتَ الحرمةِ بالنَّسبِ لحَقيقةِ البعضيَّةِ أو شُبهةِ البعضيةِ، وفي الرَّضاعِ شُبهةُ البعضيةِ بما يَحصلُ باللَّبنِ الذي هوَ جزءُ الآدَميةِ في إنباتِ اللَّحمِ وإنشازِ العَظمِ (٣).

وعن عَمرةَ بنتِ عَبدِ الرَّحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ أخبَرَتْها أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ عندَها وأنها سَمعَتْ صوتَ رَجلٍ

(١) «البيان» (١١/ ١٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٠٢)، ومسلم (١٤٤٧).
(٣) «المبسوط» (٥/ ١٣٢).

يَستأذنُ في بيتِ حَفصةَ، قالَتْ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ هذا رَجلٌ يَستأذِنُ في بَيتِكَ، فقالَ النبيُّ : «أُراهُ فُلانًا -لعَمِّ حَفصةَ مِنْ الرَّضاعةِ-، قالَتْ عائِشةُ: لو كانَ فُلانٌ حيًّا -لعمِّهَا مِنْ الرَّضاعةِ- دخَلَ عَليَّ؟ فقالَ: نعمْ، الرَّضاعةُ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ» (١).

وعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «استَأذنَ عَليَّ أفلَحُ فلَم آذَنْ له، فقالَ: أتَحتَجِبينَ منِّي وأنا عمُّكِ؟ فقُلتُ: وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: أرضَعَتْكِ امرَأةُ أخي بلَبنِ أخِي، فقالَتْ: سَألتُ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ فقالَ: صدَقَ أفلَحُ، ائذَنِي له» (٢).

قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصاصُّ رحمة الله عليه: المَنصوصُ عليهِ في التَّنزيلِ مِنْ الرَّضاعِ الأمهاتُ والأخواتُ مِنْ الرَّضاعةِ، إلا أنه قَدْ ثبَتَ عن النبيِّ بالنَّقلِ المُستفيضِ الموجِبِ للعِلمِ أنهُ قالَ: «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ»، واتَّفقَ الفُقهاءُ على استعمالِه، واللهُ أعلَمُ (٣).

قالَ الإمامُ النوويُّ رحمة الله عليه: هذهِ الأحاديثُ مُتفِقةٌ على ثُبوتِ حُرمةِ الرَّضاعِ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على ثُبوتِها بينَ الرضيعِ والمرضِعةِ، وأنهُ يَصيرُ ابنَها يَحرمُ عليه نكاحُها أبدًا، ويَحلُّ له النَّظرُ إليها والخَلوةُ بها والمُسافَرةُ،

(١) أخرجه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (١٤٤٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٠١)، ومسلم (١٤٤٥).
(٣) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٦٩).

ولا يَترتبُ عليهِ أحكامُ الأمومَةِ مِنْ كلِّ وَجهٍ، فلا يَتوارثانِ، ولا يَجبُ على واحدٍ منهُما نَفقةُ الآخَرِ، ولا يُعتَقُ عليه بالمِلكِ، ولا تُرَدُّ شهادتُه لها، ولا يَعقِلُ عنها، ولا يَسقطُ عنها القِصاصُ بقَتلِه، فهُمَا كالأجنبيَّينِ في هذه الأحكامِ.

وأجمَعُوا أيضًا على انتِشارِ الحُرمةِ بينَ المُرضِعةِ وأولادِ الرضيعِ، وبينَ الرضيعِ وأولادِ المرضِعةِ، وأنهُ في ذلكَ كوَلدِها مِنْ النَّسبِ؛ لهذهِ الأحاديثِ (١).

فيَحرمُ بالرضاعِ سَبعٌ كما يَحرمُ بالنَّسبِ: الأمَّهاتُ والبَناتُ والأخواتُ والعمَّاتَ والخالاتُ وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ.

وبَيانُ ذلكَ أنَّ المرأةَ إذا أرضَعَتْ وَلدًا بلَبنٍ مِنْ زَوجٍ فالولدُ المُرضَعُ ابنٌ لها وللزوجِ؛ لأنَّ اللبنَ حادثٌ عنها بسَببٍ يَنتسبُ إلى الزوجِ، فاقتَضى أنْ يكونَ المرضَعُ ابنًا لهُمَا كالمولودِ منهُما، وإذا كانَ كذلكَ كانتِ المرضِعةُ أمًّا له، وكانَ أمَّهاتُها جدَّاتِه مِنْ أمٍّ، وأباؤُها أجدادَه مِنْ أمٍّ، وبناتُها أخَواتِه مِنْ أمٍّ، وإخوَتُها أخوالَه مِنْ أمٍّ، وأخواتُها خالاتِه مِنْ أمٍّ، وكانَ الزوجُ أبًا له، وآباؤُه أجدادَه مِنْ أبٍ، وأمهاتُه جدَّاتِه مِنْ أبٍ، وبَنُوه إخوَتَه مِنْ أبٍ، وإخوَتُه أعمامَه وأخواتِه عمَّاتِه كذلكَ على تَرتيبِ الأنسابِ، فيَكونُ على ما ذكَرْنا مِنَ الأحكامِ، فتَصيرُ المحرَّماتَ بالرضاعِ سَبعًا كما كانَ المحرَّماتَ

(١) «شرح صحيح مسلم» (١٠١٩).

بالأنسابِ سبعًا، ويتفرَّعُ عليهنَّ مَنْ ذكَرْنا مِنْ المتفرِّعاتِ على المُناسَباتِ.

فيَكونُ أختُ الأبِ مِنْ الرَّضاعِ عمَّتَه مُحرَّمةً، سواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ، وكذلكَ أختُ الجَدِّ مِنْ الرَّضاعِ وآبائِه محرَّمةٌ كالعمَّةِ، سواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ.

ويكونُ أختُ الأمِّ مِنْ الرَّضاعِ خالةً محرَّمةً، سواءٌ كانَتْ أختًا بنَسبٍ أو رَضاعٍ، وكذلكَ أختُ الجدَّةِ وأمُّها كالخالةِ في التَّحريمِ، سَواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نسبٍ أو رَضاعٍ.

وعلى هذا يكونُ حُكمُ سائرِ القَراباتِ مِنْ الرَّضاعِ يُحمَلُ على حُكمِ القَراباتِ مِنَ النسبِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنه يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ (٢).

وأجمَعُوا على أنَّ البِكرَ التي لم تنكحْ ثمَّ نزَلَ بها لَبنٌ فأرضَعَتْ به مَولودًا أنه ابنُها ولا أبَ له مِنْ الرَّضاعةِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأجمَعَ عُلماءُ الأمَّةِ على التَّحريمِ بالرَّضاعِ (٤).

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ١٩٨، ١٩٩).
(٢) «الإجماع» (٣٧٥).
(٣) «الإجماع» (٣٧٦).
(٤) «المغني» (٨/ ١٣٧).

وقالَ أيضًا: كلُّ امرأةٍ حُرِّمتْ مِنَ النَّسبِ حُرِّمَ مثلُها مِنَ الرَّضاعِ، وهنَّ: الأمَّهاتُ والبَناتُ والأخَواتُ والعمَّاتَ والخالاتُ وبَناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ على الوَجهِ الذي شَرَحناهُ في النَّسبِ؛ لقَولِ النبيِّ : «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ منَ النَّسبِ» مُتفَقٌ عليهِ، وفي روايةِ مُسلمٍ: «الرَّضاعُ يُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ»، وقالَ النبيُّ في دُرةَ بنتِ أبي سَلمةَ: «إنها لو لم تَكنْ رَبيبَتِي في حَجرِي ما حلَّتْ لي، إنها ابنةُ أخِي مِنْ الرَّضاعةِ، أرضَعَتْني وأباها ثُويبةُ» مُتفَقٌ عليهِ، لأنَّ الأمَّهاتِ والأخَواتِ مَنصوصٌ عَليهنَّ، والباقِياتُ يَدخلْنَ في عُمومِ لَفظِ سائرِ المُحرَّماتِ، ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا (١).

وقالَ ابنُ بطالٍ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بينَ الأُمةِ أنه يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النَّسبِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فإذا كانَتِ الأمُّ مِنَ الرضاعِ مُحرَّمةً كانَ كذلكَ زوجُها، وصارَ أبًا لمَن أرضَعَتْه زَوجتُه؛ لأنَّ اللبنَ منهُما جَميعًا، وإذا كانَ زوجُ التي أرضَعَتْ أبًا كانَ أخوهُ عمًّا وكانَتْ أختُ المَرأةِ خالةً، يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ: العمَّاتَ والخالاتُ والأعمامُ والأخوالُ والأخَواتُ وبَناتُهنَّ كما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ، هذا معنَى قولِه عليه السلام: «الرَّضاعةُ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ».

(١) «المغني» (٧/ ٨٧).

قالَ ابنُ المُنذِرِ: إذا أرضَعَتْ امرأةُ الرَّجلِ جارِيةً حرمَتْ على ابنِه وعلى أبيهِ وعلى جَدِّه وعلى بَني بَنيه وبَني بناتِه، وعلى كلِّ ولدٍ ذَكرٍ ووَلدِ وَلدِه، وعلى كلِّ جَدٍّ له مِنْ قِبَلِ أبيه وأمِّه، وإذا كانَ المرضَعُ غُلامًا حرَّمَ اللهُ عليه ولَدَ المرأةِ التي أرضَعَتْه وأولادَ الرجلِ الذينَ أُرضِعَ هذا الصبيُّ بلَبنِه وهوَ زوجُ المرضِعةِ، ولا تَحلُّ له عَمتُه مِنْ الرَّضاعةِ ولا خالتُه، ولا بِنتُ أخيه ولا بِنتُ أختِه مِنْ الرَّضاعةِ (١).

قالَ الحَنفيةُ: وكذا كُلُّ مَنْ يَحرمُ بالصِّهريةِ مِنْ الفِرَقِ الأربَعِ بالنَّسبِ يَحرمُ بالرَّضاعِ، حتى يَحرمُ على الواطئِ أمُّ المَوطوءةِ وبِنتُها مِنْ جهةِ الرضاعِ.

وتَحرمُ المَوطوءةُ على أبِ الواطئِ وابنِه مِنْ جِهةِ الرَّضاعِ، ويَحرمُ مَوطوءةُ أبِ الرَّضاعِ على ابنِه مِنْ الرَّضاعِ، ويَحرمُ مَوطوءةُ ابنِ الرَّضاعِ على أبِ الرضاعِ.

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وكذا كلُّ مَنْ يَحرمُ ممَّن ذكَرْنا مِنْ الفِرقِ الأربَعِ بالمُصاهَرةِ يَحرمُ بالرضاعِ، فيَحرمُ على الرَّجلِ أمُّ زوجتِه وبِنتُها مِنْ الرضاعِ، إلا أنَّ الأمَّ تَحرمُ بنَفسِ العَقدِ إذا كانَ صَحيحًا، والبِنتُ لا تَحرمُ إلا بالدُّخولِ بالأمِّ كما في النَّسبِ، وكذا جدَّاتُ الزوجةِ لأبيها وأمِّها وإنْ علَوْنَ، وبَناتُ بناتِها وبناتُ أبنائِها وإنْ سفَلْنَ مِنَ الرضاعِ، وكذا يَحرمُ حَليلةُ ابنِ

(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٩٣).

الرضاعِ وابنِ ابنِ الرضاعِ وإنْ سفَلَ على أبي الرَّضاعِ وأبي أبيهِ، وتَحرمُ مَنكوحةُ أبي الرضاعِ وأبي أبيهِ وإنْ عَلا على ابنِ الرَّضاعِ وابنِ ابنِه وإنْ سفَلَ، وكذا يَحرمُ بالوَطءِ أمُّ المَوطوءةِ وبِنتُها مِنْ الرضاعِ على الواطِئِ، وكذا جدَّاتُها وبناتُ بناتِها، وتَحرمُ المَوطوءةُ على أبي الواطئِ وابنِه مِنْ الرَّضاعِ، وكذا على أجدادِه وإنْ عَلَوا، وعلى أبناءِ أبنائِه وإنْ سَفَلوا، سواءٌ كانَ الوطءُ حَلالًا بأنْ كانَ بمِلكِ اليَمينِ، أو كانَ الوطءُ بنكاحٍ فاسِدٍ أو شُبهةِ نكاحٍ أو كانَ زنًا، والأصلُ أنهُ يَحرمُ بسَببِ الرضاعِ ما يَحرمُ بسَببِ النَّسبِ وسَببِ المُصاهرةِ، إلا في مَسألتَينِ يَختلفُ فيهِما حُكمُ المُصاهرةِ والرضاعِ (١).

وقالَ أيضًا: المرضِعةُ تَحرمُ على المرضَعِ؛ لأنها صارَتْ أمًّا له بالرَّضاعِ، فتَحرمُ عليهِ؛ لقَولِه ﷿: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مَعطوفًا على قولِهِ تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فسَمَّى المرضِعةَ أمَّ المرضَعِ وحرَّمَها عليهِ، وكذا بناتُها يَحرمْنَ عليهِ، سواءٌ كُنَّ مِنْ صاحبِ اللَّبنِ أو مِنْ غيرِ صاحبِ اللبنِ، مَنْ تَقدَّمَ منهنَّ ومَن تَأخرَّ؛ لأنهُنَّ أخواتُه مِنْ الرضاعةِ، وقد قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، أثبَتَ اللهُ تعالَى الأخوَّةَ بينَ بناتِ المرضِعةِ وبينَ المرضَعِ والحُرمةَ بينَهما مُطلَقًا مِنْ غيرِ

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٦٢)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٢٤).

فَصلٍ بينَ أختٍ وأختٍ، وكذا بَناتُ بناتِها وبناتُ أبنائِها وإنْ سَفَلْنَ؛ لأنهُنَّ بناتُ أخِ المرضَعِ وأختِهِ مِنَ الرضاعةِ، وهنَّ يَحرمْنَ مِنْ النسبِ، كذا مِنْ الرضاعةِ.

ولو أرضَعَتِ امرأةٌ صَغيرَينِ مِنْ أولادِ الأجانبِ صارَا أخوَينِ؛ لكَونِهما مِنْ أولادِ المرضِعةِ، فلا يَجوزُ المناكَحةُ بينَهما إذا كانَ أحَدُهما أنثى.

والأصلُ في ذلكَ: أنَّ كلَّ اثنَينِ اجتَمعَا على ثَديٍ واحدٍ صارَا أخوَينِ أو أختَينِ أو أخًا وأختًا مِنْ الرَّضاعةِ، فلا يَجوزُ لأحَدِهما أنْ يَتزوَّجَ بالآخَرِ ولا بوَلدِه كما في النسبِ.

وأمَّهاتُ المرضِعةِ يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ جدَّاتُه مِنْ قِبَلِ أمِّه مِنْ الرضاعةِ، وآباءُ المرضِعةِ أجدادُ المرضَعِ مِنَ الرضاعةِ، فيَحرمْ عليهم كما في النَّسبِ.

وأخواتُ المرضِعةِ يَحرمنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ خالاتُه مِنْ الرضاعةِ، وإخوتُها أخوالُ المرضَعِ، فيَحرمُ عليهم كما في النسبِ.

فأمَّا بناتُ إخوَةِ المرضِعةِ وأخواتِها فلا يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهُنَّ بناتُ أخوالِه وخالاتِه مِنْ الرَّضاعةِ، وإنهُنَّ لا يُحرمْنَ مِنْ النسبِ، فكذا مِنَ الرضاعةِ.

وتَحرمُ المرضِعةِ على أبناءِ المرضَعِ وأبناءِ أبنائِه وإنْ سَفَلُوا كما في النسبِ، هذا تَفسيرُ الحرمةِ في جانبِ المرضِعةِ.

مسائل الأحكام التي تترتب على الرضاع الفقهية

ارجع إلى النكاح والأسرة للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله