العيوب التي تثبت الخيار وتفسخ النكاح

الإسلام > النكاح والأسرة > الخيار لأحد الزوجين > العيوب التي تثبت الخيار وتفسخ النكاح

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 60 دقيقة قراءة

العيوب التي تثبت الخيار وتفسخ النكاح - الأقوال والأدلة

العُيوبُ التي تُثبِتُ الخِيارَ وتَفسخُ النِّكاحَ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على ثُبوتِ الخِيارِ بالعُيوبِ.

إلَّا أنهمُ اختَلفُوا في العُيوبِ المُثبِتةِ للتَّفريقِ على أقوالٍ.

قالَ الحَنفيةُ: ليسَ كُلُّ العُيوبِ في الرَّجلِ تُثبِتُ للمَرأةِ حقَّ الفَسخِ، فلا يَثبتُ الفَسخُ للمَرأة إلا إذا وَجدَتْ بالرجلِ جَبًّا أو عُنَّةً (١) أو خَصْيًا

(١) قالَ الإمامُ الموصليُّ في «الاختيار» (٣/ ١٤٢، ١٤٣): العِنِّينُ: الَّذي لا يَصلُ إلى النِّساءِ، أو يَصلُ إلى الثُّيبِ دُونَ الأبكارِ، أو يَصلُ إلى غيرِ زَوجتِه ولا يَصلُ إليها، وتكونُ العُنَّةُ لمَرضٍ أو ضَعفٍ أو كِبَرِ سنٍّ أو مِنْ أخذٍ بسِحْرٍ؛ فإذا كانَ الزَّوجُ عِنِّينًا وخاصمَتهُ المَرأةُ في ذلكَ أجَّلَه القاضي سَنةً، فإنْ وصَلَ إليها وإلَّا فرّقَ بيْنَهما إنْ طَلبَتِ المَرأةُ ذلكَ؛ لأنَّ لها حقًّا في الوَطءِ فلَها المُطالَبةُ بهِ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ ذلكَ لمَرضٍ، ويُحتَملُ أنْ يكونَ لآفةٍ أصليَّةٍ، فجُعلَتِ السَّنةُ مُعرِّفةً لذلكَ؛ لاشتِمالِها على الفُصولِ الأربعةِ، فإنْ كانَ المَرضُ مِنْ بُرودَةٍ أزالَهُ حرُّ الصَّيفِ، وإنْ كانَ مِنْ رُطوبَةٍ أزالَهُ يُبْسُ الخَريفِ، وإنْ كانَ مِنْ حَرارَةٍ أزالَه بَرْدُ الشِّتاءِ، وإنْ كانَ مَنْ يُبسٍ أزالَهُ رطوبةُ الرَّبيعِ على ما عليهِ العادَةُ، ورُويَ ذلكَ عَنْ عُمرَ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهم، فإذا مضَتِ السَّنةُ ولَم يَصلْ إليها عُلِمَ أنه لآفَةٍ أصليَّةٍ فتُخيَّرُ، فإنْ اختارَتْ نفْسَها قالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: بانَتْ، وهوَ ظاهِرُ الرِّوايةِ، ورَوى الحسَنُ عَنْ أبي حنيفَةَ: لا تَبينُ إلَّا بتَفريقِ القاضي، وهوَ المشهورُ مِنْ مذهَبِه، لهُما: أنَّ الشَّرعَ خيَّرَها عِنْدَ تَمامِ الحَولِ دَفعًا للضَّررِ عَنها، فلا يُحتاجُ إلى تَفريقِ القاضِي كما إذا خيَّرَها الزوجُ، ولهُ: أنَّ النكاحَ عَقدٌ لِازمٌ ومِلكَ الزوجِ فيه مَعصومٌ، فلا يَزولُ إلَّا بإزالَتهِ؛ دَفعًا للضَّررِ عنهُ، لكِنْ لمَّا وجَبَ عَليهِ الإمساكُ بالمَعروفِ أو التَّسريحُ بالإحسانِ وقد عجَزَ عَنْ الأولِ بالعُنَّةِ ولا يُمكِنُ القاضي النِّيابةُ فيهِ فوجَبَ عَليهِ التَّسريحُ بالإحسانِ، فإذا امتَنعَ عنهُ نابَ القاضي مَنابَه؛ لأنه نُصِّبَ لِدَفعِ الظُّلمِ، فلا تَبِينُ بدُونِ تَفريقِ القاضِي، فإذا فرَّقَ يَصيرُ كأنه طلَّقَها =

اتِّفاقًا، وحُكمُ الخُنثَى المُشكِلِ حُكمُ العِنِّينِ، فإذا وَجدَتْ زوْجَها خُنْثى ثبَتَ لها الخِيارُ.

=بنَفسِه، فتكونُ تَطليقةً بائِنةً؛ ليَحصلَ مَقصودُها وهوَ دفعُ الظُّلمِ عَنها بمِلكِها نفْسَها، ويُشتَرَطُ طلَبُها؛ لأنَّ الفُرقةَ حقُّها؛ والمُرادُ بالسَّنةِ القَمريَّةَ؛ لأنها المُرادُ عندَ الإطلاقِ، ورَوى ابنُ سَماعَةَ عَنْ مُحمدٍ أنها سَنةٌ شَمسيةٌ وتُعتبَرُ بالأيَّامِ، وتَزيدُ على القَمريَّةِ أحَدَ عشَرَ يَومًا، ويُحسَبُ مِنها أيامُ الحَيضِ وشَهرُ رَمضانَ؛ لأنَّ السَّنةَ لا تَخلُو عَنْ ذلكَ، ويُحسَبُ مرَضُه ومَرضُها إنْ كانَ نصْفَ شَهرٍ، وإنْ كانَ أكثرَ عوَّضَه عنهُ، وعَن أبي يُوسفَ: إنْ حجَّتْ أو هَربَتْ أو غابَتْ لَم تُحتَسبْ تِلكَ المدَّةُ مِنْ السَّنةِ، وإنْ حجَّ هوَ أو هرَبَ أو غابَ احتُسِبَ عليهِ مِنْ السَّنةِ، والتَّأجيلُ إنَّما يكونُ بعدَ دَعوى المرأةِ عِنْدَ القاضي، فإنِ اختارَتْ زوْجَها لم يَكنْ لها بعْدَ ذلكَ خِيارٌ؛ لأنها رَضِيتْ ببُطلانِ حقِّها، ولَو خيَّرَها القاضي فقامَتْ مِنْ مَجلسِها قبْلَ أنْ تَختارَ فلا خِيارَ لها، كالمُخيَّرةِ مِنْ زَوجِها، فإنْ طلَبَ العِنِّينُ أنْ يُؤجِّلَه القاضي سَنةً أُخرى لَم يُؤجِّلْه إلَّا برِضاها، فإنْ رَضيَتْ جازَ لها أنْ تَرجعَ وتَختارَ قبْلَ مُضِي السَّنةِ الأُخرى، فإذا فرَّقَ القاضي بيْنَهما ثمَّ تَزوَّجَها فلا خِيارَ لها؛ لأنها رَضيَتْ بالعُنَّةِ، ولو اختَلفا في الوُصولِ إليها؛ فإنْ كانَتْ ثَيبًا فالقَولُ قولُه معَ يَمينِه؛ لأنه مُنكِرٌ حقَّ التَّفريقِ، ولأنَّ الأصلَ السَّلامةُ والعَيبَ عارِضٌ، فإنْ حلَفَ بطَلَ حقُّه، وإنْ نكَلَ أُجِّلَ سَنةً كسائرِ الحُقوقِ، وإنْ كانَتْ بِكرًا نظَرَها النِّساءُ؛ فإنْ قُلْنَ: «هيَ بِكرٌ» أُجِّلَ سَنةً، وإنْ قُلْنَ: «هي ثيِّبٌ» حلَفَ على الوَجهِ الذي بيَّنَّا، والمَجبوبُ -وهوَ الَّذي قُطِعَ ذكَرُه أصلًا- فإنه يُفرَّقُ بيْنَهما للحالِ؛ لأنه لا فائِدةَ في التَّأجيلِ، والخَصيُّ كالعِنينِ؛ لأنَّ لهُ آلةً تَنتصِبُ ويُجامِعُ بها غيْرَ أنه لا يُحبِلُ، وهوَ الذي سُلَّتْ أُنثَياهُ، وإذا أُجِّلَ سنَةً وادَّعى الوُصولَ إليها وأنكَرَت فالحُكمُ كما إذا اختَلفا قبْلَ التَّأجيلِ، وإذا كانَ زَوجُ الأمَةِ عِنِّينًا فالخِيارُ لِلمَولى كالعَزلِ عِنْدَ أبي حنيفَةَ، وإذا كانَتِ المَرأةُ رَتقاءَ فلا وِلايةَ لها في الطَّلبِ؛ إذْ لا حقَّ لها في الوَطءِ، ولَو وطِئَها الزوجُ مرَّةً واحدَةً ثمَّ عُنَّ أو جُبَّ فلا طلَبَ لها ولا خِيارَ.

واختَلفُوا إذا وُجدَ بالرَّجلِ جُنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ؛ هَلْ يَثبتُ لها الخِيارُ أم لا؟

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ -وعَليهِ الفَتوى عندَهُم- إلى أنه لا يَثبتُ الخِيارُ للمَرأةِ إلا بالجَبِّ والعُنَّةِ والخَصْيِ فقطْ، ولا يَثبتُ لها الخِيارُ بالجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ؛ لأنَّ الخِيارَ يُبطِلُ حَقَّ الزوجِ، فلا يَثبتُ، وإنَّما ثبَتَ في الجَبِّ والعُنَّةِ لإخلالِهما بالمَقصودِ مِنَ النكاحِ وهوَ الوَطءُ، وهذهِ العُيوبُ غَيرُ مُخلَّةٍ بهِ، ولأنَّ المُستحَقَّ على الزوجِ تَصحيحُ مَهرِها بوَطئِه إيَّاها، وهذا مَوجودٌ.

وذَهبَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ الحسَنِ إلى أنه يَثبتُ للمَرأةِ حَقُّ الفَسخِ بجُنونِ الزَّوجِ أو جُذامِهِ أو بَرَصَه؛ لأنه لا يَنتظِمُ بيْنَهما المَصالحُ، فيَثبتُ لها الخِيارُ دَفعًا للضَّررِ عَنها، بخِلافِ الزوجِ؛ لأنه يَقدرُ على دَفعِهِ بالطلاقِ، وصارَ كالجَبِّ والعُنَّةِ، ولأنها يَلحقُها الضَّررُ بالمقَامِ معَ المَجنونِ أكثرَ ممَّا يَلحقُها بالمقَامِ معَ العنِّينِ، فإذا ثبَتَ لها الخِيارُ معَ العنِّينِ فهذا أَولى (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٢، ٣٢٧)، و «الهداية» (٢/ ٢٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٤٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٥٢، ٣٥٣)، و «العناية» (٦/ ٩٠)، و «اللباب» (٢/ ٥١)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٥٢٣)، قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: فَصلٌ: وأمَّا خُلوُّ الزوجِ عمَّا سِوى هذهِ العُيوبِ الخَمسةِ مِنَ الجَبِّ والعُنَّةِ والتَّأَخُّذِ والخِصاءِ والخُنوثَةِ فهلْ هوَ شرطٌ لُزومِ النكاحِ؟ قالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ: ليسَ بشَرطٍ ولا يُفسخُ النكاحُ بِه.
وقالَ مُحمدٌ: خُلوُّه مِنْ كلِّ عَيبٍ لا يُمكِنُها المقَامُ معَه إلا بضَررٍ كالجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ شَرطُ لُزومِ النِّكاحِ حتَّى يُفسخ بهِ النِّكاحِ، وخُلوُّه عمَّا سِوى ذلكَ ليسَ بشَرطٍ، وهو مَذهبُ الشافعيِّ.
وجهُ قَولِ مُحمدٍ: أنَّ الخِيارَ في العُيوبِ الخَمسةِ إنما ثبَتَ لدَفعِ الضَّررِ عنِ المَرأةِ، وهذهِ العُيوبُ في إلحاقِ الضررِ بها فوقَ تلكَ؛ لأنها مِنْ الأدواءِ المُتعدِّيةِ عادَةً، فلمَّا ثبَتَ الخِيارُ بتلكَ فلَأنْ يَثبتَ بهذهِ أَولى، بخلافِ ما إذا كانَتْ هذهِ العُيوبُ في جانِبِ المَرأةِ؛ لأنَّ الزوجَ وإنْ كانَ يَتضرَّرُ بها لَكنْ يُمكِنُه دَفعُ الضررِ عَنْ نفسِه بالطلاقِ، فإنَّ الطلاقَ بيَدِه، والمَرأةُ لا يُمكِنُها ذلكَ؛ لأنها لا تَملِكُ الطلاقَ، فتَعيَّنَ الفَسخُ طَريقًا لدَفعِ الضَّررِ.
ولَهُما: أنَّ الخِيارَ في تِلكَ العُيوبِ ثبَتَ لدَفعِ ضَررِ فَواتِ حقِّها المُستحَقِّ بالعَقدِ، وهوَ الوطءُ مرَّةً واحدةً، وهذا الحقُّ لم يَفُتْ بهذهِ العُيوبِ؛ لأنَّ الوطءَ يَتحقَّقُ مِنْ الزوجِ معَ هذهِ العُيوبِ، فلا يَثبتُ الخِيارُ هذا في جانبِ الزوجِ.
وأمَّا في جانبِ المرأةِ فخُلوُّها عنِ العَيبِ ليسَ بشَرطٍ للُزومِ النكاحِ بلا خِلافٍ بيْنَ أصحابِنا، حتَّى لا يُفسَخ النِّكاح بشيءٍ مِنْ العُيوبِ المَوجودةِ فيها. «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٧).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العُيوبَ أوسَعُ مِنْ ذلكَ، وأنها ثَلاثةُ أقسامٍ: قِسمٌ مِنها خاصٌّ بالرِّجالِ، وقِسمٌ خاصٌّ بالنِّساءِ، وقِسمٌ مُشتَرَكٌ بيْنَهُما، واتَّفقُوا على بَعضِها واختَلفُوا في بَعضِها، فأكثرُهُم تَوسُّعًا في العُيوبِ همُ المالِكيةُ.

قالَ المالِكيةُ: العُيوبُ الَّتي يُفرَّقُ بها ثلاثةَ عشَرَ عَيبًا:

يَشتَركانِ في أربعةٍ:

١ - الجُنونُ: سواءٌ كانَ بصَرَعٍ أو وسْواسٍ، ولا يُشتَرطُ استِغراقُه جميعَ الأوقاتِ، بل يَكفي بعضُها ولو كانَ يَحصلُ رأسَ كلِّ شَهرٍ ويَسلَمُ فيما بيْنَ ذلكَ؛ لأنَّ النُّفوسَ تَنفرُ مِنَ المصروعِ وتَخافُه.

٢ - والجُذامُ البَيِّنُ: ولو قَلَّ أو حدَثَ بعْدَ العَقدِ، وأمَّا لَو كانَ مَشكوكًا في كَونِه جُذامًا فلا ردَّ بهِ اتِّفاقًا.

٣ - والبَرَصُ: ولا فرْقَ بيْنَ أبيَضِه وأسوَدِه الأردَأِ مِنَ الأبيضِ؛ لأنه مُقدِّمةُ الجُذامِ، وعَلامةُ الأسوَدِ التَّقشيرُ والتَّفليسُ، أي: يَكونُ له قِشرٌ مُدوَّرٌ يُشبهُ الفُلوسَ ويُشبهُ قِشرَ بعضِ السَّمكِ، ولا فرْقَ بيْنَ قَليلِه وكَثيرِه اتِّفاقًا في المَرأةِ، وعلى أحَدِ القَولينِ في يَسيرِ الرجلِ.

وهذا كلُّه في بَرَصٍ قَديمٍ قبلَ العَقدِ، وأمَّا الحادِثُ بعدَه فلا رَدَّ باليَسيرِ اتِّفاقًا، وفي الكَثيرِ خِلافٌ، وهذا فيما حدَثَ بالرَّجلِ، وأمَّا في المرأةِ فمُصيبةٌ نَزلَتْ بهِ.

٤ - والعِذْيَطَةُ: بكَسرِ العَينِ المُهمَلةِ وسُكونِ الذَّالِ المُعجَمةِ وفَتحِ المُثنَّاةِ التَّحتيَّةِ فَطاءٌ مُهمَلةٌ، وهيَ التغوُّطُ عِنْدَ الجِماعِ إذا كانَ قَديمًا أو شكَّ فيهِ، لا إنْ تَحقَّقَ حُدوثَه فلا رَدَّ بهِ، ومِثلُه البَولُ عندَ الجِماعِ، ولا رَدَّ بالرِّيحِ قَولًا واحِدًا، ولا بالبَولِ في الفُرُشِ على الأرجَحِ (١).

فإذا وجَدَ أحَدُ الزوجَينِ بالآخَرِ أحَدَ هذهِ العُيوبِ الأربعةِ جازَ لهُ فَسخُ النكاحِ ولو كانَ بهِ ذلكَ العَيبُ أو غيرُه، فيَجوزُ لِكلِّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ أنْ يَفسخَ النكاحَ، وهذا إذا كانَتِ العُيوبُ مَوجودةً قبْلَ العَقدِ، وأمَّا إنْ وُجدِتَ بعدَ العَقدِ كانَ للزوجةِ أنْ تَردَّ بهِ الزوجَ، دُونَ الزَّوجِ فليسَ لهُ أنْ يَردَّ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٠٤).

الزوجةَ؛ لأنه قادِرٌ على مُفارقَتِها بالطَّلاقِ إنْ تضرَّرَ؛ لأنَّ الطلاقَ بيَدهِ، بخِلافِ المَرأةِ، فلِذا ثبَتَ لها الخِيارُ.

ويُؤجَّلُ الزَّوجانِ في الأدْواءِ الثَّلاثةِ -الجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ- سَنةً كامِلةً إنْ رُجِيَ بُرؤُها، وإلا فلا فائِدةَ في التَّأجيلِ.

وللزَّوجةِ في الأجَلِ النَّفقةُ على زَوجِها دُونَ أُجرةِ الطَّبيبِ والدَّواءِ إنْ دَخلَ بها، لا إنْ لمْ يَدخُلْ فليسَ عليهِ نَفقةٌ.

ويَختصُّ الرَّجلُ بأربعةٍ:

١ - الخِصاءُ: وهوَ قَطْعُ الذَّكَرِ دُونَ الأُنثيَينِ أوِ الأُنثيَينِ دُونَ الذَّكرِ (١).

٢ - والجَبُّ: وهوُ قَطعُ الذَّكرِ والأُنثيَينِ.

٣ - والعُنَّةُ: صِغَرُ الذَّكَرِ جِدًّا بحَيثِ لا يَتأتَّى مَعهُ الجِماعُ (٢).

٤ - والاعتِراضُ: عَدمُ انتِشارِ الذَّكَرِ، أيْ لا يَقدِرُ عَلى الجِماعِ لعَدمِ انتِشارِه ونَحوِه، وربَّما كانَ بعدَ وَطءٍ وفي امرَأةٍ دُونَ أُخرَى، ويُقالُ لهُ المَربوطُ.

فيَثبتُ للمَرأةِ الخِيارُ إذا وَجدَتْ في الزوجِ أحَدَ هذهِ العُيوبِ، أمَّا إنْ حَدثَتْ بعْدَ الوَطءِ فيها ولَو مرَّةً فلا يَثبتُ لها الخِيارُ وهيَ مُصيبةٌ نَزلَتْ بها، إلا أنْ يَتسبَّبَ فيهِ فلها الرَّدُّ بهِ كالحادِثِ قبلَ الوَطءِ وبعدَ العَقدِ.

(١) وعندَ الجُمهورِ: قطْعُ الأُنثيَينِ أو رَضُّهُما أو سَلُّهما دُونَ الذَّكرِ.
(٢) والعُنَّةُ عندَ الجُمهورِ: العَجزِ عَنِ الوَطءِ معَ سَلامةِ العُضوِ.

وتَختَصُّ المَرأةُ بخَمسةٍ:

١ - الرَّتقُ: وهو انسِدادُ مَسلَكِ الذَّكرِ بحَيثُ لا يُمكِنُ الجِماعُ معهُ، إلَّا إذا انسَدَّ بلَحمٍ أمكَنَ عِلاجُه لا بعَظمٍ.

٢ - والقَرنُ: هو شَيءٌ يَبرزُ في قَرنِ المَرأةِ يُشبهُ قَرْنَ الشَّاةِ، يَكونُ لَحمًا غالِبًا فيُمكِنُ عِلاجُه، وتارةً يكونُ عَظمًا فلا يُمكِنُ علاجُه.

٣ - والعَفَلُ: وهو لَحمٌ يَبرزُ في قُبُلِها يُشبِهُ الأدرةَ التي بالرجلِ، ولا يَخلُو مِنْ رَشحٍ، وقيلَ: رَغوةٌ تَحدُثُ في الفَرجِ عندَ الجِماعِ.

٤ - والإفضاءُ: وهو اختِلاطُ مَسلَكِ البولِ والذَّكرِ، وأَولى منهُ اختِلاطُ مَسلَكيِ الذَّكرِ والغائِطِ.

٥ - والبَخَرُ: أي نُتونةٌ فَرْجِها؛ لأنه مُنفِّرٌ جِدًّا، بخِلافِ نَتَنِ الفَمِ فلا ردَّ بهِ على الصَّحيحِ، وقيلَ: يردُّ بهِ؛ لأنَّ نَتَنَ الأعلى أَولى بالردِّ؛ لمَضرَّتِه وقُربِه وبُعدِ مَضرَّةِ الآخَرِ.

فيَثبتُ الخِيارُ للرجلِ إذا وجَدَ في المَرأةِ أحَدَ هَذهِ العُيوبِ قبْلَ العَقدِ أو حِينَه، أمَّا الحادِثةُ بالمِرأةِ بعْدَ العَقدِ فمُصيبةٌ نَزلَتْ بالرَّجلِ ولا يَحقُّ لهُ الفَسخُ بهِ.

ولا خِيارَ بغَيرِ العُيوبِ المُتقدِّمةِ مِنْ سَوادٍ وقَرعٍ وعَمًى وعَوَرٍ وعَرجٍ وشَللٍ وقَطعِ عُضوٍ وكَثرةِ أكلٍ ونَحوِها ممَّا يُعَدُّ في العُرفِ عَيبًا، إلَّا بشَرطٍ، فيَثبتُ الخِيارُ بهذهِ العُيوبِ وبغَيرِها إنْ شَرَطَ السَّلامةَ منها، فلَو تَبيَّنَ أنَّ

المَرأةَ ابنَةُ زِنًا أو قدْ أُزيلَتْ بَكارتُها بِزنًا فلا خِيارَ لِلزَّوجِ، إلَّا أنْ يَشتَرِطَ السَّلامةَ مِنْ ذلكَ فلهُ الخِيارُ.

ولهُ الرَّدُّ ولو بوَصفِ الوَليِّ لها عِنْدَ الخِطبةِ كأنْ يَقولَ: هيَ سَليمةُ العَينَينِ طَويلةُ الشَّعرِ لا عَيبَ بها، فتُوجَدَ بخَلافِه فله الرَّدُّ؛ لأنَّ وَصْفَه لها مُنزَّلٌ مَنزِلةَ الشَّرطِ، وكذا وَصفُ غيرِه كأمِّها بحُضورِهِ وهو ساكِتٌ.

ومَن تزوَّجَ امرَأةً يَظنُّها بِكْرًا فوَجدَها ثيِّبًا؛ فإنْ لمْ يَكنْ شرَطَ فلا رَدَّ مُطلَقًا، عَلِمَ الوليُّ بثُيوبَتِها أم لا، وإنْ شرَطَ العَذارةَ فلهُ الرَّدُّ مُطلَقًا، أو البكَارةُ وكانَ زَوالُها بنِكاحٍ، وإن شرَطَ البَكارةَ وكانَ زَوالُها بوَثْبةٍ أو زنًا فإنْ عَلِمَ الوَليُّ وكتَمَ على الزوجِّ كانَ لهُ الرَّدُّ، ورجَعَ بالصَّداقِ على الأبِ، وعلى غَيرِه إنْ تَولَّى العَقدَ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اختَلفَ أصحابُ مالِكٍ في العِلَّةِ الَّتي مِنْ أجْلِها قُصِرَ الرَّدُّ على هذهِ العُيوبِ الأربعَةِ، فقيلَ: لأنَّ ذلكَ شَرعٌ غيرُ مُعلَّلٍ، وقيلَ: لأنَّ ذلكَ ممَّا يَخفَى، ومَحمَلُ سائرِ العُيوبِ على أنها ممَّا لا تَخفَى، وقيلَ: لأنها يُخافُ سِرايتُها إلى الأبناءِ، وعلى هذا التَّعليلِ يُرَدُّ بالسَّوادِ

(١) «الاستذكار» (٥/ ٤١٩، ٤٢١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٤٥٣٤٧) رقم (١١٨١)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٣٣، ١٣٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٥١، ٥٥٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٠٣، ١٠٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٥١، ٦٥٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ١٥٣، ١٥٨).

والقَرَعِ، وعلى الأوَّلِ يُرَدُّ بكُلُّ عَيبٍ إذا عُلِمَ أنه ممَّا خُفِّيَ على الزَّوجِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: العُيوبُ المُثبِتةُ للخِيارِ ثلاثةُ أقسامٍ:

القِسمُ الأوَّلُ: مُشترَكٌ بيْنَ الزَّوجينِ: وهوَ إذا وجَدَ أحَدُ الزَّوجينِ بالآخَرِ أحَدَ ثلاثةِ أشياءَ يَثبتُ لهُ الخِيارُ:

١ - الجُنونُ: وهوَ زَوالُ الشُّعورِ مِنَ القَلبِ معَ بَقاءِ الحَركةِ والقوَّةِ في الأعضَاءِ، وسَواءٌ كانَ مُتقطِّعًا أو مُطبِقًا، ولا يَلتحِقُ بهِ الإغماءُ كسائرِ الأمراضِ، والخَبَلُ كالجُنونِ، وكذا الصَّرعُ نوعٌ مِنَ الجُنونِ.

٢ - الجُذامُ: وهوَ عِلَّةٌ صَعبةٌ يَحمَرُّ مِنها العُضوُ ثمَّ يَسوَدُّ ثمَّ يَنقطعُ ويَتناثرُ، ويُتصوَّرُ ذلكَ في كلِّ عُضوٍ، لكنَّهُ في الوَجهِ أَغلبُ.

٣ - والبَرَصُ المُستحكِمُ: وهوَ بَياضٌ شَديدٌ يَبقعُ الجِلدَ فتَذهبُ دَمويَّتُه، وعَلامتُهُ أنْ يُعصَرَ المَكانُ فلا يَحمَرَّ لأنه مَيتٌ، ولا يَلتحِقُ بهِ البَهَقُ؛ لأنه بَياضٌ على غَيرِ هذا الوَجهِ.

وإذا زالَ الجُنونُ والجُذامُ والبَرَصُ بالتَّداوِي سَقطَ حَقُّ الفَسخِ؛ لِزَوالِ ما يَدعُو إليهِ.

ويَثبتُ لِكلِّ واحِدٍ منهُما الخِيارُ في هَذهِ الثَّلاثةِ، ولَو كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما فيهِ نَفسُ العَيبِ عَلى الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّ الإنسانَ يَعافُ مِنْ غَيرِه ما لا يَعافُه مِنْ نفْسِه، فيَمنعُه ذلكَ مِنَ الاستِمتاعِ.

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٩).

وقِيلَ: إنْ وجَدَ بهِ مِثلَ عَيبِه فلا خِيارَ؛ لِتَساويهِما.

فإنْ كانَا مِنْ جِنسَينِ فلِكلِّ واحِدٍ مِنهُما الخِيارُ، إلَّا إذا كانَ الرَّجلُ مَجبوبًا والمَرأةُ رَتقاءَ فهُمَا كالجِنسِ الواحِدِ.

القِسمُ الثَّاني: خاصٌّ بالزَّوجةِ: فيَثبتُ للزَّوجِ الخِيارُ في فَسخِ النِّكاحِ إذا وجَدَ زَوجتَه رَتقاءَ أو قَرناءَ، بأنِ انسَدَّ مَحَلُّ الجِماعِ مِنها في الأوَّلِ بِلَحمٍ، وبالثَّاني بعَظمٍ في الأصَحِّ، وقيلَ: بِلَحمٍ، وعَليهِ فالرَّتقُ والقَرَنُ واحِدٌ، فيَثبتُ لهُ الخِيارُ في فَسخِ النكاحِ، وليسَ للزَّوجِ إجبارُ الرَّتقاءِ على شقِّ المَوضِعِ، وإنْ شقَّتْهُ بنحوِ عمليَّةٍ جِراحيَّةٍ وأمكَنَ الوَطءُ فلا خِيارَ للزوجِ حِينَئذٍ؛ لِعَدمِ وُجودِ المُقتَضي للفَسخِ.

القِسمُ الثَّالثُ: خاصٌّ بالزَّوجِ: فيَثبتُ للزَّوجةِ الخِيارُ إذا وَجدتْ زوْجَها:

١ - عِنِّينًا: أي عاجزًا عَنِ الوَطءِ في القُبُلِ خاصَّةٍ، والعِنِّينُ مَنْ بهِ داءٌ يَمنعُ انتِشارَ ذكَرِه في قُبُلِها وإنْ قدرَ عَلى غَيرِها، ويَكونُ عَدمُ انتِشارِ ذكَرِه إمَّا لضَعفٍ في القَلبِ أو الكَبِدِ أو الدِّماغِ أو الآلةِ فيَمتَنعُ الانتِشارُ، وقدْ يتَّفقُ علَى امرأةٍ معيَّنةٍ بأنْ تَحتَبسَ الشَّهوةُ عنها لنَفرةٍ أو حَياءٍ معَ القَدرةِ على غَيرِها لمَيْلٍ أو أُنسٍ.

٢ - أو مَجبوبًا: أي مَقطُوعَ الذَّكرِ كلِّهِ أو دُونَ قَدْرِ الحشَفةِ، بحَيثُ لا يَبقى منهُ ما يُمكِنُ بهِ الجِماعُ.

فيَثبتُ لِلمَرأةِ فَسخُ النِّكاحِ، ولَو عَلمَتْ بعُنَّةِ زَوجِها قبْلَ العَقدِ ثَبتَ الخِيارُ لها أيضًا.

أمَّا لَو عَلمَتْ أو عَلِمَ هوَ بعَيبٍ آخَرَ مِنْ باقِي العُيوبِ قبْلَ العَقدِ فلا خِيارَ، فيَثبتُ الخِيارُ بهَذهِ العُيوبِ عِنْدَ الجَهلِ بها دُونَ العِلمِ، إلَّا في العُنَّةِ.

ولا فَسْخَ بالخُنوثَةِ الَّتي بانَتْ قبْلَ العَقدِ في الأظهرِ؛ لأنه لا يَفوتُ مَقصودُ النِّكاحِ.

والثَّاني: يَثبتُ الخِيارُ لِتَنفيرِه بالطبعِ، أمَّا الَّتي بَقيَتْ مُشكلةً فنِكاحُها باطِلٌ.

ولَو حدَثَ بالزَّوجِ بعْدَ العَقدِ عَيبٌ ممَّا مَرَّ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه ولَو بفِعلِها تخيَّرَتِ الزَّوجةُ بيْنَ فَسخِ النِّكاحِ وإدامتِه؛ لِتَضرُّرِها بالحادِثِ كالمُقارِنِ، إلَّا عُنَّةً حَدثَتْ بعْدَ وطْءٍ فلا تَتخيَّرُ بها؛ لأنَّ مَقصودَ النِّكاحِ قد حَصلَ لها مِنَ المَهرِ وثُبوتِ الحَصانةِ، ولمْ يَبقَ إلَّا التلذُّذُ، وهو شَهوةٌ لا يُجبَرُ الزوجُ عليها، ولأنها تَرجُو زَوالَ عُنَّتِه.

أو حَدَثَ بها عَيبٌ ممَّا مرَّ قبلَ الدُّخولَ أو بعدَه تخيَّرَ في الجَديدِ، كمَا يَثبتُ لها إذَا حَدثَ العيبُ بهِ، وفي القَديمِ لا يَتخيَّرُ بِهِ؛ لأنه لا تَدليسَ منها وهوَ مُتمكِّنٌ مِنَ التَّخلصِ بالطَّلاقِ غيرُ مُضطَرٍ إلى الفَسخِ.

ولا خِيارَ لِلوليِّ بعَيبٍ حادِثٍ بالزَّوجِ؛ لأنَّ حقَّ الأولياءِ في الكَفاءةِ إنَّما يُراعَى في الابتِداءِ دُونَ الدَّوامِ، وكذا لا خِيارَ للوَليِّ بمُقارنِ جَبٍّ وعُنَّةٍ؛ لعَدمِ العارِ، والضَّررُ عليها فقطْ، ولذا لَزمَه إجَابتُها إليهما، وإلا كانَ عاضِلًا.

وفي وَجهٍ: أنَّ لِلأولياءِ الخِيارُ بجَميعِ العُيوبِ المُقارِنةِ.

فإنْ قِيلَ: العُنَّةُ لا تَثبتُ إلَّا بعْدَ العَقدِ فكَيفَ صُورتُها؟

قيلَ: يُمكِنُ تَصوريها بما إذا تَزوَّجَها وعَنَّ عَنها ثُمَّ طَلَّقَها وأرادَ تَجديدَ نِكاحِها.

ويتَخيَّرُ بمُقارنِ جُنونٍ وإنْ رَضِيَتِ المَرأةُ إجماعًا؛ لأنَّ الأولياءَ يتَعيَّرونَ بهِ، وكذا جُذامٌ وبَرَصٌ في الأصحِّ.

والثَّاني: لا خِيارَ للوَليِّ؛ لأنَّ الضَّررَ في الجُذامِ والبَرَصِ خاصٌّ بصُحبةِ مَنْ تَعافُه النَّفسُ، وهذا المَعنَى يَختصُّ بها (١).

وقالَ الحَنابلةُ: يَثبتُ خِيارُ العَيبِ لكلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوجَينِ، وأقسامُها المُثبِتةُ للخِيارِ ثلاثةٌ:

القِسمُ الأوَّلُ: يَختَصُّ بالرَّجلِ: فيَثبتُ للمَرأةِ الخِيارُ إذا وَجدتْ زوْجَها:

١ - مَجبُوبًا: أي مَقطوعَ الذَّكرِ كلِّه أو بعْضِه بحَيثُ لم يَبْقَ منهُ ما يطَأَ بهِ، أو قُطعَتْ خِصيتاهُ، أو رضَّ الخِصيَتينِ: وهو رضُّ عِرقِ البَيضتَينِ حتَّى يَنفسِخَ فيَكونُ شَبيهًا بالخِصاءِ.

٢ - أو أشَلَّ الذَّكرِ: فلها الفَسخُ في الحالِ؛ لأنَّ فيهِ نَقصًا يَمنعُ الوطءَ أو يُضعفُه، ورَوى أبو عُبيدٍ بإسنادِهِ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ: «أنَّ ابنَ سندر تزوَّجَ

(١) «البيان» (٩/ ٢٩٠، ٢٩٦)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٣٧، ٤١)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٦٤٤، ٦٤٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٢٣٠، ٢٣٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٣٣، ٣٣٦)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٥، ١٠)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٣٥٦، ٣٦٠)، و «الديباج» (٣/ ٢٨٠، ٢٨٤).

امرأةً وهو خَصيٌّ، فقالَ لهُ عُمرُ: أعْلَمتَها؟ قالَ: لا، قالَ: أَعلِمْها ثمَّ خَيِّرْها».

٣ - والعُنَّةُ: إلا أنه إنْ كانَ عنِّينًا بإقرارِه أو ببيِّنةٍ أو طلَبَتْ يَمينَه فنكَلَ ولمْ يَدَّعِ وَطْأً أُجِّلَ سنَةً هلاليَّةً مِنذُ تَرافعَ إلى الحاكِمِ، لا مِنْ العَقدِ ولا مِنَ الدُّخولِ اتِّفاقًا، وعليهِ فَتوى فُقهاءِ الأمصارِ.

فإنْ مَضتِ السَّنةُ ولم يطَأْها فلَها الفَسخُ؛ لأنه إذا مَضتِ الفُصولُ الأربَعةِ ولم يَزُلْ عُلِمَ أنه خِلقةٌ؛ لأنَّ هذا العَجزَ قدْ يكُونُ لعُنَّتِه وقدْ يكونُ لمَرضٍ، فضُرِبَ لهُ سَنةٌ لتَمرَّ بهِ الفُصولُ الأربعَةُ، فإنْ كانَ مِنْ يَبَسٍ زالَ في فَصلِ الرُّطوبةِ، وإنْ كانَ مِنْ رُطوبةٍ زالَ في فَصلِ اليَبَسِ، وإنْ كانَ مِنْ بُرودةٍ زالَ في فَصلِ الحرارةِ، وإنْ كانَ مِنِ انحِرافِ مزاجٍ زالَ في فَصلِ الاعتِدالِ، فإذا مَضتِ الفصولُ الأربَعةُ ولم يَزُلْ عَلِمْنا أنه خِلقةٌ.

ولا يُحتسَبُ عليهِ مِنها ما اعتَزلَتْه المَرأةُ لهُ بالنُّشوزِ أو غيرِه؛ لأنَّ المانِعَ مِنها.

ولو عَزَلَ الزوجُ نفْسَه عَنها أو سافَرَ لحاجةٍ أو غيرِها حُسِبَ عليهِ ذلكَ مِنَ المُدَّةِ؛ لأنه مِنْ قِبَلِه وكالمُولي، فإنْ وطِئَ الزَّوجُ في السَّنةِ فليسَ بعِنِّينٍ.

وإلَّا بأنْ مَضتْ ولم يطَأْها فيها فلَها فَسخُ نِكاحِها منهُ.

فإنْ قالَ الزوجُ: «قدْ عَلِمَتْ أني عنِّينٌ قبلَ أنْ أنكِحَها» فإنْ أقَرَّتْ بذلكَ أو ثبَتَ عِلمُها بهِ ببيِّنةٍ فلا يُؤجَّلُ وهيَ امرأتُهُ، ولا فسْخَ لها؛ لدُخولِها على بَصيرةٍ.

وإنْ عَلِمَتْ أنه عنِّينٌ بعدَ الدُّخولِ فسكَتَتْ عنِ المُطالَبةِ ثمَّ طالبَتْ بعدُ فلَها ذلكَ؛ لأنه على التَّراخي، ويُؤجَّلُ سنَةً مِنْ يَومِ تَرافُعِه لا مِنْ العَقدِ ولا مِنْ الدُّخولِ.

وإنْ قالَتْ في وَقتٍ مِنْ الأوقاتِ: «رَضِيتُ بهِ عنِّينًا» لمْ يَكنْ لها المُطالَبةُ بعدَ ذلكَ بالفَسخِ؛ لإسقاطِها حَقَّها منه.

وإنْ لمْ يَعتَرِفْ بأنه عنِّينٌ ولمْ تكنْ بيِّنةٌ تَشهَدُ باعتِرافِه أو بعُنَّتِه إنْ أمكَنَ ولم يَدَّعِ وَطئًا حَلَفَ على ذلكَ لقَطعِ دَعواها، وإنَّما كانَ القولُ قولَه لأنَّ الأصلَ في الرَّجلِ السَّلامةُ، فإنْ نكَلَ عنِ اليَمينِ أُجِّلَ سَنةً.

فإنِ اعتَرفَتِ المَرأةُ أنه وطِئَها مرَّةً في القُبُلِ بطَلَ كونُهُ عنِّينًا؛ لزَوالِ عنَّتِه بالوطءِ، فإنْ وَطئَها في الدُّبرِ لم تَزُلِ العُنَّةُ؛ لأنه ليسَ مَحلًّا للوطءِ فيما دُونَ الفَرجِ، ولذلك لا يَتعلَّقُ بهِ إحصانٌ ولا إحلالٌ لمُطلَّقةٍ ثلاثًا.

أو وطِئَها في نِكاحٍ سابقٍ أو وَطئَ غيرَها لم تَزُلِ العنَّةُ؛ لأنها قدْ تَطرأُ، ولأنَّ حُكمَ كلِّ امرأةٍ يُعتبَرُ بنفسِها، والفَسخُ لزَوالِ الضَّررِ الحاصلِ بعَجزِه عنْ وَطئِها، وهو لا يَزولُ بوَطءِ غيرِها.

وإنِ ادَّعى زوجٌ وطْءَ بِكرٍ فشَهدَ بعُذرتِها -أي بَكارتِها- امرَأةٌ ثِقةٌ أُجِّلَ سَنةً كما لو كانَتْ ثيِّبًا، والأحوَطُ شَهادةُ امرأتَينِ ثِقتَينِ، وإنْ لم يَشهدْ بها -أي البَكارةِ- أحَدٌ فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصلَ السَّلامةُ، وعليها اليَمينُ إنْ قالَ الزَّوجُ: «أزلْتُ بَكارتَها وعادَتْ»؛ لاحتِمالِ صِدقِه.

القِسمُ الثَّاني: يَختصُّ بالأنثى: فيَثبتُ للزوجِ الخِيارُ إذا وجَدَ بالمَرأةِ واحِدًا مِنْ هذهِ العُيوبِ:

١ - الرَّتقُ: وهوَ كونُ الفَرْجِ مَسدودًا مَلتصِقًا لا يَسلُكُه ذَكَرٌ بأصلِ الخِلقةِ.

٢ - أو بفَرجِها بَخَرٌ: وهو نَتَنٌ بالفَرجِ يَثورُ بالوطءِ.

٣ - أو به قُروحٌ سَيَّالةٌ.

٤ - أو كَونُها فَتْقاءَ: بانخِرامِ ما بيْنَ سَبيلَيْها -وهوَ القُبلُ والدُّبرُ مِنَ المَرأةِ-، أو بانخِراقِ ما بيْنَ مَخرَجِ بَولٍ ومَنيٍّ وهو الفَتْقُ؛ لأنه يَمنعُ لذَّةَ الوطءِ وفائِدتَه.

٥ - أو كَونُها مُستحاضةً.

فيَثبتُ الخِيارُ للزوجِ؛ لأنَّ ذلك يَمنعُ الوَطءَ أو يَمنعُ لذَّتَه، ولِمَا فيه مِنْ النَّفرةِ أوِ النَّقصِ أو خَوفِ تَعدِّي أذاه أو نَجاستِه.

القِسمُ الثالثُ: مُشترَكٌ بيْنَ الزَّوجَينِ: فيَثبتُ لِكلِّ واحِدٍ مِنهُما الخيارُ إذا وَجَدَ بِصاحبِه أحَدَ هذهِ العُيوبِ، وهيَ:

١ - الجُنونُ: ولو أحيانًا، وإنْ زالَ العَقلُ بمَرضٍ فهو إغماءٌ لا يَثبتُ بهِ خيارٌ؛ لأنه لا تَطولُ مدَّتُه ولا تَثبتُ الوِلايةُ بهِ، وإنْ زالَ المرَضُ ودامَ الإغماءُ فهو كالجُنونِ يَثبتُ بهِ الخيارُ.

٢ - والجُذامُ.

٣ - والبَرَصُ.

٤ - وبَخَرُ الفَمِ.

٥ - والباسُورُ: وهوَ داءٌ بالمَقعَدَةِ، منهُ ما يَأتي كالعدَسِ والحُمُّصِ أو العِنَبِ والتُّوتِ، ومنه ما هو غائرٌ داخِلَ المَقعَدَةِ، وكلٌّ مِنْ ذلكَ إمَّا سائلٌ أو غَيرُ سائلٍ.

٦ - والناصُورُ: داءٌ بالمَقعَدَةِ، وهوَ قُروحٌ غائِرةٌ تَحدُثُ في المَقعَدةِ يَسيلُ منها صَديدٌ، ويَنقسمُ إلى نافِذةٍ وغيرِ نافِذةٍ، وعَلامةُ النافذةِ أنْ يَخرجَ الرِّيحُ والنَّجْوُ بلا إرادةٍ، وإنْ أَدخَلَ في النَّاصورِ مِيلًا وأَدخلَ الأصبعَ في المَقعَدةِ فإنِ التَقيَا فالناصورُ نافذٌ.

٧ - واستِطْلاقُ البَولِ أوِ الغائِطِ.

٨ - وكونُ أحَدِهما خُنثى غيرَ مُشكِلٍ، وأمَّا المُشكِلُ فلا يَصحُّ نِكاحُه.

فيُفسَخُ بكلِّ عَيبٍ ممَّا تقدَّمَ، وسواءٌ وجَدَ أحدُهما بالآخَرِ نفْسَ عَيبِه أو غيرَه؛ لأنَّ الإنسانِ يَعافُ مِنْ غَيرِه ما لا يَعافُ مِنْ نفْسِه، إلَّا أنْ يَجِدَ المَجبوبُ المرأةَ رَتقاءَ فلا يَنبغِي أنْ يَثبتَ لهُمَا خيارٌ؛ لامتِناعِ الاستِمتاعِ بعَيبِ نفْسِه.

ويَثبتُ الخِيارُ أيضًا بحُدوثِ العَيبِ بعْدَ العَقدِ ولو بعْدَ الدُّخولِ؛ لأنه عَيبٌ أثبَتَ الخِيارَ مقارِنًا فأثبَتَ طارِئًا كالإعسارِ.

فإنْ كانَ أحَدُ الزَّوجينِ عالِمًا بالعَيبِ في الآخَرِ وقْتَ العَقدِ فَلا خِيارَ لهُ، وكذا لو عَلِمَ بالعَيبِ بعْدَ العقدِ ورَضيَ بهِ فلا خِيارَ لهُ بلا خِلافٍ، لأنه قد رَضيَ بهِ كمُشتَري المَعيبِ.

وكذا لو وُجدَ مِنهُ دَلالةٌ على الرِّضا بالعَيبِ مِنْ وَطءٍ أو تَمكينٍ مِنْ وَطءٍ معَ العلمِ بالعَيبِ فلا خِيارَ لهُ.

وإنِ اختَلفَا في العِلمِ بالعَيبِ فالقولُ قَولُ مُنكِرِ العلمِ معَ يمينِهِ في عَدمِ عِلمِه بالعَيبِ؛ لأنه الأصلُ.

فإنْ رَضيَ بعَيبٍ -كما لو رَضيَها رَتقاءَ مَثلًا- ثمَّ حدَثَ عَيبٌ آخرُ مِنْ غَيرِ جِنسِه بأنْ حدَثَ للرَّتقاءِ جُذامٌ فلهُ الخِيارُ للعَيبِ الحادِثِ؛ لأنه لم يرضَ بهِ.

فإنْ ظنَّ العَيبَ الذي رَضيَ بهِ يَسيرًا فَبانَ كَثيرًا -كمَنْ ظنَّ البَرَصَ في قَليلٍ مِنْ جَسدِه فَبانَ في كَثيرٍ منهُ- أو زادَ العَيبُ بعْدَ العَقدِ فَلا خِيارَ لهُ؛ لأنه مِنْ جِنسِ ما رَضيَ بهِ، ورضاهُ بهِ رضًا بما يَحدثُ منهُ.

ولا يَثبتُ الخِيارُ بعَوَرٍ وعَرَجٍ وقَطعِ يدٍ ورِجلٍ وعَمًى وخَرَسٍ وطَرَشٍ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَمنعُ الاستمتاعَ ولا يُخشى تعدِّيهِ (١).

وذهبَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ -رحمهما الله- إلى أنَّ العُيوبَ لا تُقتصرُ على ما ذُكِرَ فقطْ، فيُلحقُ بها كلُّ عَيبٍ يُماثلُها في الضَّررِ.

قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: قَدْ عُلِمَ أنَّ عُيوبَ الفرْجِ المانِعةَ مِنَ الوطءِ لا يُرضى بها في العادَةِ، بخِلافِ اللَّونِ والطُّولِ والقِصَرِ والعَرَجِ

(١) «المغني» (٧/ ١٤٠، ١٤٣)، و «المبدع» (٧/ ١٠١، ١٠٣)، و «الإنصاف» (٨/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ١١٦، ١٢٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٠١، ٢٠٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٤١، ١٤٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٩٩، ٦٠٢).

ونحوِ ذلكَ ممَّا تُردُّ بهِ الأمَةُ المَعيبةُ، فإنَّ الحرَّةَ لا تُقلَّبُ كما تُقلَّبُ الأمَةُ، والزَّوجُ قد رَضيَ بها رضًى مُطلَقًا، بخِلافِ البيعِ، وهوَ معَ هذا لم يَشتَرطْ فيها صِفةً فبانَتْ دُونَها، والشَّرطُ إنَّما يَثبتُ شَرطًا وعُرفًا، وما أمكَنَ معهُ الوَطءُ وكمالُهُ فلا يَنضبطُ فيه أغرَاضُ النَّاسِ، والنِّساءُ يُرضَى بهنَّ في العُرفِ والعادَةِ معَ الصِّفاتِ المُختلِفةِ، والمَقصودُ مِنَ النكاحِ المُصاهَرةُ والاستِمتاعُ، وذلكَ يَختلفُ باختِلافِ الصِّفاتِ، فهذا فَرقٌ شَرعيٌّ مَعقولٌ في عُرفِ الناسِ.

وقالَ: وأمَّا الرَّجلُ فأمرُه ظاهِرٌ يراهُ مَنْ شاءَ، فليسَ فيهِ عَيبٌ يُوجِبُ الردَّ، والمَرأةُ إذا فرَّطَ الزوجُ في بَصَرِها أولًا فلَهُ طريقٌ إلى التَّخلصِ منها بالطَّلاقِ، فإنَّهُ بيدهِ دونَ المَرأةِ (١).

وقالَ أيضًا: يَثبتُ بالاستِحاضةِ الفَسخُ في أظهَرِ الوجهَينِ، وتُردُّ المرأةُ بكلِّ عَيبٍ يُنفرُ عن كَمالِ الاستِمتاعِ.

وقالَ: ولو بانَ الزوجُ عَقيمًا فقِياسُ قَولِنا بثُبوتِ الخِيارِ للَمرأةِ أنَّ لها حقًّا في الولَدِ، ولِهذا قُلنا: لا يعزلُ عنِ الحُرةِ إلا بإذنِها، وعنِ الإمامِ أحمَدَ ما يَقتضِيه، ورُوي عن أميرِ المُؤمنِينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه أيضًا (٢).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأمَّا الاقتِصارُ على عَيبَينِ أو ستَّةٍ أو سَبعةٍ أو ثمانيَةٍ دونَ ما هوَ أَولى منها أو مُساوٍ لها فلا وَجهَ لهُ، فالعَمى والخَرَسُ والطَرَشُ وكونُها مَقطوعةَ اليدَينِ أو الرِّجلَينِ أو إحداهُما أو كَونُ الرَّجلِ

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٥٤، ٣٥٦).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٤٣).

كذلكَ مِنْ أَعظمِ المُنفِّراتِ، والسُّكوتُ عنهُ مِنْ أَقبحِ التَّدليسِ والغشِّ، وهوَ مُنافٍ للدِّينِ، والإطلاقُ إنَّما يَنصرفُ إلى السَّلامةِ، فهوَ كالمَشروطِ عُرفًا، وقد قالَ أميرُ المُؤمنِينَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه لمَن تزوَّجَ امرأةً وهوَ لا يُولَدُ لهُ: «أَخبِرْهَا أنَّكَ عَقِيمٌ وخَيِّرْها»، فماذا يقولُ رضي الله عنه في العُيوبِ الَّتي هذا عِندَها كمالٌ لا نقصٌ؟!

والقِياسُ أنَّ كلَّ عَيبٍ يُنفِّرُ الزوجَ الآخَرَ منهُ ولا يَحصلُ بهِ مَقصودُ النِّكاحِ مِنَ الرَّحمةِ والمودَّةِ يُوجِبُ الخيارَ، وهو أَولى مِنْ البَيعِ، كما أنَّ الشُّروطَ المُشتَرَطةَ في النكاحِ أَولى بالوفاءِ مِنْ شُروطِ البَيعِ، وما أَلزمَ اللهُ ورسولُه مَغرورًا قطُّ ولا مَغبونًا بما غُرَّ بهِ وغُبنَ به، ومَن تدبَّرَ مَقاصدَ الشَّرعِ في مَصادرِهِ ومَواردِهِ وعدلِهِ وحِكمتِه وما اشتَملَ عليهِ مِنَ المَصالحِ لم يَخْفَ عليهِ رُجحانُ هذا القولِ وقربُهُ مِنْ قواعدِ الشَّريعةِ (١).

وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: فَصلٌ: وأمَّا خُلوُّ الزَّوجِ عمَّا سِوى هذهِ العيوبِ الخَمسةِ منَ الجَبِّ والعُنَّةِ والتأَخُّذِ والخِصاءِ والخُنوثَةِ؛ فهلْ هوَ شرطُ لزومِ النكاحِ؟

قالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ: ليسَ بشَرطٍ ولا يُفسخُ النِّكاحُ بهِ.

وقالَ محمَّدٌ: خُلوُّهُ مِنْ كلِّ عَيبٍ لا يُمكِنُها المقامُ معهُ إلَّا بضَررٍ كالجُنونِ والجُذامِ والبَرَصِ شَرطُ لزومِ النكاحِ، حتَّى يُفسخُ بهِ النكاحُ، وخلوُّهُ عمَّا سِوى ذلكَ ليسَ بشَرطٍ، وهو مَذهبُ الشَّافعيِّ.

(١) «زاد المعاد» (٥/ ١٨٢، ١٨٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١١٧ - مسألة؛ قال: (والكفء ذو الدين والمنصب)

١١١٧ - مسألة؛ قال: (والكُفءُ ذُو الدِّين والمَنْصِبِ)

يعنى بالمَنْصِبِ الحَسَبَ، وهو النَّسَبُ. واختلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فى شُروطِ الكفاءةِ، فعنه هما شَرْطانِ؛ الدِّينُ، والمَنْصِبُ، لا غيرُ . وعنه، أنَّها خَمسةٌ؛ هذان، والحُرِّيَّةُ، والصِّناعةُ، واليَسَارُ. وذكر القاضى، فى "المُجَرَّدِ" أنَّ فَقْدَ هذه الثلاثة لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، رِوايةً واحدةً، وإنَّما الرِّوايتان فى الشرطينِ الأولينِ. قال: ويتَوَجَّهُ أن المُبْطِلَ عَدَمُ الكفاءةِ فى النسَبِ لا غيرُ؛ لأنَّه نَقْصٌ لازمٌ، وما عَدَاه غيرُ لازمٍ، ولا يَتَعَدَّى نَقْصُه إلى الوَلَدِ. وذَكَر فى "الجامع" الرِّوايتَيْنِ فى جميعِ الشُّروطِ. وذكره أبو الخَطَابِ أيضًا. وقال مالكٌ: الكفاءةُ فى الدِّينِ لا غيرُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا جملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِه. وعن الشافعى كقَوْلِ مالكٍ، وقول آخرُ أنَّها الخمسةُ التي ذكَرناها، والسَّلامةُ من العُيوبِ الأربعةِ فتكون سِتّةً. وكذلك قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والحسنِ بن حَىٍّ، إلا فى الصَّنْعةِ والسَّلامةِ من العُيوبِ الأربعةِ . ولم يَعْتَبِرْ محمدُ بن الحسنِ الدِّينَ، إلَّا أن يكونَ ممَّن يَسْكَرُ ويَخْرُجُ ويَسْخَرُ منه الصِّبْيانُ، فلا يكون كُفْؤًا؛ لأنَّ الغالِبَ على الجُنْدِ الفِسْقُ، ولا يُعَدُّ ذلك نَقْصًا، والدليلُ على اعْتِبارِ الدِّينِ قولُه تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} . ولأنَّ الفاسِقَ مَرْذولٌ مَرْدودُ الشَّهادةِ والرِّوايةِ، غيرُ مَأْمونٍ على النَّفْس والمالِ، مَسْلُوبُ الوِلَاياتِ ، ناقصٌ عند اللَّه تعالى وعندَ خَلْقِه، قليلُ الحَظِّ فى الدُّنيا والآخرةِ، فلا يجوزُ أن يكونَ كُفْؤًا لِعَفِيفةٍ، ولا مُساوِيًا لها، لكن يكونُ كُفؤًا لمِثْلِه. فأمَّا الفاسِقُ من الجُنْدِ، فهو

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل الخيار في عقد النكاح]

عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ.

(فَصْلٌ) الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَلَذَّذْ

ــ

منح الجليل

لِاحْتِمَالِ عِتْقِهَا كَذَلِكَ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.

(وَالْمُخْتَارُ) لِلَّخْمِيِّ (خِلَافُهُ) أَيْ جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرِيضِ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ لِأَنَّ إسْلَامَ الْكِتَابِيَّةِ وَعِتْقَ الْأَمَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُهُ وَمِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ عَدَمُ اتِّضَاحِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِنُدُورِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ الْخِيَارُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْخِيَارِ وَأَحْكَامِهِ

(الْخِيَارُ) فِي إبْقَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ لَهُمَا مَعًا (إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ) بِسَبَبِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ (أَوْ لَمْ يَرْضَ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَلَا الْتِزَامًا (أَوْ) لَمْ (يَتَلَذَّذْ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِصَاحِبِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَذَلِكَ، فَشَرْطُ الْخِيَارِ انْتِفَاءُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ سَبْقِ الْعِلْمِ الْعَقْدَ وَالرِّضَا وَالتَّلَذُّذِ بَعْدَهُ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهَا فَلَا خِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثالث في موجبات الخيار في النكاح

رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَهِنْدٌ بِهَا كَافِرَةٌ، فَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ، وَقَالَتْ: اقْتُلُوا الشَّيْخَ الضَّالَّ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ بِأَيَّامٍ فَاسْتَقَرُّا عَلَى نِكَاحِهِمَا» . وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِلْأَثَرِ: فَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُسْلِمَ هِيَ قَبْلَهُ، أَوْ هُوَ قَبْلَهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ مُعْتَبَرَةً فِي إِسْلَامِهَا قَبْلُ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرَ فِي إِسْلَامِهِ أَيْضًا قَبْلُ.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مُوجِبَاتِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي خِيَارِ الْعُيُوبِ

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي مُوجِبَاتِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ

وَمُوجِبَاتُ الْخِيَارِ أَرْبَعَةٌ: الْعُيُوبُ، وَالْإِعْسَارُ بِالصَّدَاقِ أَوْ بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَالثَّالِثُ: الْفَقْدُ: - أَعْنِي: فَقَدَ الزَّوْجِ -. وَالرَّابِعُ: الْعِتْقُ لِلْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ. فَيَنْعَقِدُ فِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي خِيَارِ الْعُيُوبِ

- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُوجَبِ الْخِيَارِ بِالْعُيُوبِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: هَلْ يُرَدُّ بِالْعُيُوبِ أَوْ لَا يُرَدُّ؟ .

وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ يُرَدُّ فَمِنْ أَيِّهَا يُرَدُّ، وَمَا حُكْمُ ذَلِكَ؟ فَأَمَّا الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: فَإِنَّ مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُمَا قَالُوا: الْعُيُوبُ تُوجِبُ الْخِيَارَ فِي الرَّدِّ أَوِ الْإِمْسَاكِ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا تُوجِبُ خِيَارَ الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 153 - 171

ارجع إلى الخيار لأحد الزوجين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد