شروط التفريق للعيب لدى الفقهاء

الإسلام > النكاح والأسرة > الخيار لأحد الزوجين > شروط التفريق للعيب لدى الفقهاء

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

شروط التفريق للعيب لدى الفقهاء - الأقوال والأدلة

شُروطُ التَّفريقِ للعَيبِ لدَى الفُقهاءِ:

اشتَرطَ الفُقهاءُ لثُبوتِ التَّفريقِ بالعَيبِ ما يلي:

١ - عَدمُ الرِّضا بالعَيبِ:

ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ السَّليمَ مِنَ الزَّوجينِ إذا عَلِمَ بعَيبِ الآخَرِ قبْلَ العَقدِ أو أثناءَ العَقدِ أو بعدَ العقدِ صَراحةً أو دَلالةً كأنْ يقولَ: «رَضِيتُ بهذا العيبِ» أو يطأَها أو تُمكِّنَه مِنَ الوَطءِ فلا خِيارَ لأحَدِهما بعدَ ذلكَ، كمُشتَري المَعيبِ يَسقطُ خِيارُه بالقَولِ وبِما يَدلُّ على رِضاهُ بالعَيبِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ومِن شَرطِ ثبوتِ الخِيارِ بهذهِ العُيوبِ أنْ لا يكونَ عالِمًا بها وقتَ العَقدِ ولا يَرضى بها بعدَه، فإنْ عَلِمَ بها في العَقدِ أو بعدَهُ فرَضيَ فلا خِيارَ لهُ، لا نعلمُ فيهِ خِلافًا؛ لأنه رَضيَ بهِ، فأشبَهَ مُشتَري المَعيبِ (١).

إلَّا في مسألةِ العنِّينِ فاختَلفُوا فيها:

فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنها إنْ عَلِمَتْ بأنه عنِّينٌ وسكتَتْ ثمَّ طَالبتْ بعدَ ذلكَ بالفَسخِ جازَ لها.

قالَ الحَنابلةُ: إنْ عَلِمَتْ أنه عنِّينٌ بعدَ الدُّخولِ فسَكتَتْ عنِ المُطالَبةِ ثمَّ

(١) «المغني» (٧/ ١٤٢)، و «المبدع» (٧/ ١٠٩)، و «الإنصاف» (٨/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٢٢، ١٢٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٠٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٤٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٦٠٣).

طالبَتْ بعدُ فلها ذلكَ؛ لأنه على التَّراخي، ويُؤَجَّلُ سنَةً مِنْ يومِ تَرافعِهِ لا مِنَ العَقدِ ولا مِنَ الدُّخولِ.

وإنْ قالَتْ في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ: «رَضِيتُ بهِ عِنِّينًا» لم يَكنْ لها المُطالَبةُ بعْدَ ذلكَ بالفَسخِ؛ لإسقاطِها حَقَّها منهُ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ عَلِمَتْ أنه عنِّينٌ بعدَ الدُّخولِ فسَكتَتْ عنِ المُطالَبةِ ثمَّ طالبَتْ بعْدُ فلها ذلكَ، ويُؤجَّلُ سنَةً مِنْ يومِ تَرافعِه، لا نَعلمُ في هذا اختِلافًا؛ وذلكَ لأنَّ سُكوتَها بعْدَ العَقدِ ليسَ بدَليلٍ على الرِّضى؛ لأنه زَمنٌ لا تَملكُ فيهِ الفَسخَ ولا الامتِناعَ مِنْ استِمتاعِه، فلمْ يَكنْ سُكوتُها مُسقِطًا لحقِّها، كسُكوتِها بعدَ ضَربِ المدَّةِ وقبلَ انقِضائِها.

ولو سَكتَتْ بعدَ المدَّةِ لم يَبطلْ خِيارُها أيضًا؛ لأنَّ الخِيارَ لا يَثبتُ إلَّا بعدَ رَفعِه إلى الحاكِمِ وثُبوتِ عَجزِه، فلا يَضرُّ السُّكوتُ قَبلَه (١).

والمالِكيةُ يَرَونَ أنَّ المُعتَرِضَ والاعتِراضَ هو عَدمُ انتِشارِ الذَّكَرِ، أي لا يَقدرُ على الجِماعِ لعَدمِ انتِشارِه ونَحوِه، وربَّما كانَ بعدَ وَطءٍ وفي امرأةٍ دونَ أُخرى، ويقالُ لهُ المَربوطُ، وهوَ شَبيهٌ بالعِنِّينِ عندَ الجُمهورِ، يَثبتُ لزَوجتِه الخِيارُ إذا مكَّنَتْه مِنْ نفْسِها عالِمةً باعتِراضِه، فلا يَسقطُ بذلكَ حقُّها مِنَ التَّفريقِ.

قالَ الدِّرديرُ رحمة الله عليه: الخِيارُ لأحَدِ الزَّوجَينِ بسَببِ وُجودِ عَيبٍ مِنَ

(١) «المغني» (٥/ ١٥٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤١٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ١١٨).

العُيوبِ الآتي بَيانُها … إنْ لمْ يَسبقِ العِلمُ أو لم يَرضَ بعَيبِ المَعيبِ صَريحًا أوِ التِزامًا حَيثُ اطَّلعَ عليهِ بعْدَ العَقدِ أو لم يَتلذَّذْ بالمَعيبِ عالِمًا بهِ، إلَّا امرَأةَ المعتَرضِ إذا عَلِمتْ قبلَ العَقدِ أو بعدَه باعتِراضِه ومكَّنتْهُ مِنْ التَّلذذِّ بها، فلها الخِيارُ حَيثُ كانَتْ تَرجُو بُرأهُ فيهِما ولم يَحصلْ (١).

وقالَ الحَنفيةُ: إنْ عَلِمتْ بعُنَّتِه وقتَ النِّكاحِ فلا خِيارَ لها، كمَا لو عَلِمَ المُشتَري بعَيبِ المَبيعِ، وإن لم تَعلمْ بهِ وقتَه وعَلمَتْ بعْدَه كانَ لها الخُصومةُ وإن طالَ الزَّمانُ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: يَثبتُ للمَرأةِ فَسخُ النكاحِ ولو عَلمَتْ بعُنَّةِ زوْجِها قبْلَ العَقدِ فلها الخِيارُ بعدَه على المَذهبِ؛ لأنَّ العُنَّةَ تَحصلُ في حَقِّ امرأةٍ دونَ أُخرى، وفي نِكاحٍ دُونَ نكاحٍ، ويَثبتُ الخِيارُ للزَّوجةِ بالعُنَّةِ وإنْ كانَ قادرًا على جِماعِ غَيرِها.

وكذا لو عَلمَتْ بعُنَّتِهِ وأخَّرتِ الرَّفعَ إلى القاضي لا يَسقطُ خِيارُها، أمَّا لو حَدَثتْ بهِ عُنَّةٌ بعدَ الدُّخولِ بها فلا خِيارَ لها؛ لحُصولِ المَقصودِ مِنَ النِّكاحِ مِنَ المَهرِ وثُبوتِ الحَصانةِ، وقد عرَفَتْ قُدرَتَه على الوَطءِ ووصَلَتْ إلى حَقِّها منهُ (٣).

(١) «الشرح الكبير» (٣/ ١٠٣).
(٢) «البحر الرائق» (٤/ ١٣٥)
(٣) «مغني المحتاج» (٤/ ٣٣٤)، و «حواشي الشرواني» (٩/ ١٣)، و «الديباج» (٣/ ٢٨٣).

وأمَّا إنْ رَضِيَتْ بهِ عنِّينًا بعدَ عِلمِها بذلكَ بَطلَ خِيارُها عندَ عامَّةِ الفقهاءِ إلا أحَدَ قولَي الشافِعيةِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ قالَتْ في وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ: «قد رَضِيتُ بهِ عنِّينًا» لم يكنْ لها المُطالَبةُ بعْدُ).

وجُملةُ الأمرِ أنها متى رَضِيتْ بهِ عنِّينًا بَطلَ خِيارُها، سواءٌ قالَتْ عَقيبَ العَقدِ أو بعْدَ ضَربِ المدَّةِ أو بعْدَ انقضائِها، ولا نَعلمُ في بُطلانِ خيارِها بقَولِها ذلكَ بعدَ انقضاءِ المدَّةِ خِلافًا.

فأمَّا قبلَها فإنَّ الشافِعيَّ قالَ في الجَديدِ: لا يَبطلُ خِيارُها؛ لأنَّ حقَّها في الفسخِ إنَّما يَثبتُ بعدَ انقضاءِ المدَّةِ، فلم يصحَّ إسقاطُهُ قبْلَها، كالشَّفيعِ يُسقِطُ حقَّه قبلَ البَيعِ.

ولنَا: إنِّها رَضِيتْ بالعيبِ بعْدَ العَقدِ، فسَقطَ خيارُها كسائرِ العُيوبِ كما بعْدَ انقضاءِ المدَّةِ.

وما ذكَرُوه غَيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ العُنَّةَ التي هيَ سَببُ الفَسخِ مَوجودةٌ، وإنَّما المدَّةُ ليُعلَمَ وُجودُها ويَتحقَّقَ عِلمُها، فهيَ كالبيِّنةِ في سائرِ العُيوبِ، ويُفارِقُ الشُّفعةَ؛ فإنَّ سبَبَها البَيعُ، ولم يُوجَدْ بعدُ (١).

ولا خِلافَ بَينَ العُلماءِ على أنَّ المَرأةَ إذا رَفعَتْ أمْرَها إلى الحاكِمِ مِنْ أجْلِ عُنَّةِ زَوجِها أنه يُؤخِّرُه سنَةً.

(١) «المغني» (٥/ ١٥٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤١٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ١١٨)، ويُنظَر: «الاختيار» (٣/ ١٤٣).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا أعلَمُ بينَ الصَّحابةِ خِلافًا في أنَّ العنِّينَ يُؤجَّلُ سنَةً مِنْ يومِ يُرفعُ إلى السُّلطانِ، ورُويَ ذلكَ عنَ عمرَ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ والمُغيرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنهم، وقد ذكَرْنا الخبَرَ عَنهم بذلكَ عَنْ عمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما.

وخبَرُ عُمرَ رواهُ المدَنيُّونَ والكُوفيُّونَ والبَصريُّونَ، ولم يَختلفُوا عنهُ فيهِ.

وخبَرُ عليٍّ مِنْ رِوايةِ أهلِ الكُوفةِ خاصَّةً، وهو مُختلَفٌ عنهُ فيهِ أيضًا، ولا يَصحُّ فيهِ عنهُ شيءٌ مِنْ جهةِ الإسنادِ، واللهُ أعلَمُ …

قالَ أبو عمَرَ: على هذا جَماعةُ التَّابعِينَ بالحِجازِ والعراقِ، أنَّ العنِّينَ يُؤجَّلُ سنَةً مِنْ يومِ يُرفعُ إلى السُّلطانِ، وقد رُويَ عن بَعضِهم بأنه أجَّلَه عشرةَ أشهرٍ، وليسَ بشَيءٍ.

وإنَّما أجَّلَه سنَةً فيما ذُكِرَ واللهُ أعلمُ؛ لتَكملَ لهُ المُداواةُ والعِلاجُ في أزمانِ السنَةِ كلِّها؛ لاختِلافِ أعْراضِ العِللِ في أزمِنةِ العامِ وفُصولِه، فإنْ لم يَبرأْ في السَّنةِ يَئِسوا منهُ، وفُرِّقَ بينَهُ وبينَ امرأتِهِ.

والفُرقةُ بيْنَهما تَطليقةٌ واحِدةٌ عِنْدَ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأصحابِهما والثَّوريِّ، وحجَّتُهم أنَّ الفُرقةَ واقِعةٌ لسَببٍ مِنَ الزوجِ فكانَ طلاقًا.

وقالَ الشَّافعيُّ والحسَنُ بنُ حيٍّ وأبو ثَورٍ: الفُرقةُ بيْنَهما فَسخٌ ليستْ بطَلاقٍ، قالَ الشَّافعيُّ: لأنَّ الفُرقةَ إليها دونَهُ لا تَقعُ إلَّا باختيارِها.

ولو رَضيَتْ بهِ على ذلكَ وأقامَتْ معهُ على ذلكَ لم تَقعْ فُرقةٌ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 173 - 177

ارجع إلى الخيار لأحد الزوجين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله