اليسار (المال)

الإسلام > النكاح والأسرة > الكفاءة المعتبرة في النكاح > اليسار (المال)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

اليسار (المال) - الأقوال والأدلة

٥ - اليَسَارُ (المالُ):

اختَلفَ الفُقهاءُ في اليَسارِ، هل يُعتبَرُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ فلا يَكونُ الفَقيرُ كُفئًا للغَنيةِ أم لا يُعتبَرُ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ اليَسارَ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ، فلا يكونُ المُعسِرُ كُفؤًا لمُوسِرةٍ؛ لقولِ النبيِّ : «الحَسَبُ المالُ والكَرَمُ التَّقوى» (١).

وقالَ النبيُّ : «إنَّ أَحسابَ أهلِ الدُّنيا هذا المالُ» (٢)، وقالَ لفاطِمةَ بنتِ قَيسٍ حينَ أخبَرتْه أنَّ مُعاويةَ خطَبَها: «وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ لهُ» (٣)، ولأنَّ التَّفاخُرَ بالمالِ أكثَرُ مِنْ التَّفاخُرِ بغيرِه عادةً، وخُصوصًا في زمَنِنا هذا، ولأنَّ للنكاحِ تعلُّقًا بالمَهرِ والنَّفقةِ تَعلُّقًا لازمًا، ولا تَعلُّقَ له بالنَّسبِ والحُريَّةِ، فلمَّا اعتُبِرَت الكَفاءةُ في النَّسبِ والحُريةِ فلَأنْ تُعتبَرَ هنا أَولى.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (٣٢٧١)، وابن ماجه (٤٢١٩)، وأحمد (٢٠١١٤).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أحمد (٢٣١٠٩)، والدارقطني (٣٨٠٥).
(٣) رواه مسلم (١٤٨٠).

ولأنَّ على المُوسرةِ ضَررًا في إعسارِ زَوجِها؛ لإخلالِهِ بنَفقتِها ومَؤونةِ أولادِها، ولهذا مَلكَتِ الفَسخَ بإخلالِهِ بالنَّفقةِ، فكذلكَ إذا كانَ مُقارِنًا، ولأنَّ ذلكَ مَعدُودٌ نَقصًا في عُرفِ النَّاسِ، ويَتفاضَلونَ فيه كتَفاضُلِهم في النَّسبِ وأبلَغَ، قالَ نبيهُ بنُ الحجَّاجِ السَّهمِيُّ:

سَألَتَاني الطَّلاقَ أنْ رَأَتاني … قَلَّ مالي قدْ جِئتُماني بِنُكْرِ

وَيْكَأنَّ مَنْ له نَشَبٌ مُحَبَّبٌ … ومَن يَفتقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ

فكانَ مِنْ شُروطِ الكَفاءةِ كالنَّسبِ.

والمُعتبَرُ في المالِ عندَ الحَنفيةِ أنْ يكونَ مالِكًا للمَهرِ والنَّفقةِ، والمُرادُ بالمَهرِ المَهرُ المُعَجَّلُ، وهو ما تَعارَفُوا تَعجيلَه، ولا يُعتبَرُ الباقي ولو كانَ حالًّا، وبالنَّفقةِ أنْ يَكتَسبَ كلَّ يَومٍ قَدْرَ النَّفقةِ وقدْرَ ما يحتاجُ إليهِ مِنْ الكِسوَةِ، ولا يُعتبَرُ أنْ يكونَ مُساوِيًا لها في الغِنى، فإذا كانَ الزَّوجُ قادرًا على مَهرِ مثلِها ونَفقتِها يَكونُ كُفئًا لها وإنْ كانَ لا يُساويها في المالِ.

وقيلَ: إنْ كانَ ذا جاهٍ كالسُّلطانِ والعالِمِ يَكونُ كُفئًا وإنْ لَم يَملِكْ إلا النَّفقةَ؛ لأنَّ الخَللَ يَنجبِرُ بهِ، ومِن ثَمَّ قالُوا: الفَقيهُ العَجميُّ يَكونُ كُفئًا للعَربيِّ الجاهِلِ.

وقيلَ: إنَّ النَّفقةَ تُعتبَرُ نَفقةَ ستَّةِ أشهرِ، وقيلَ: نَفقة شَهرٍ.

وقيلَ: إذا كانَ يَجِدُ نَفقتَها ولا يجِدُ نَفقةَ نفْسِه يكونُ كُفئًا، وإنْ لم يَجِدْ نَفقتَها لا يكونُ كُفئًا وإنْ كانَتْ فَقيرةً، ولو كانَتِ الزَّوجةُ صَغيرةً لا تُطيقُ الجِماعَ فهو كُفءٌ وإنْ لَم يَقدِرْ على النَّفقةِ؛ لأنها لا نَفقةَ لها.

وعن أبي يُوسفَ أنه لَم يَعتبِرِ القُدرةَ على المَهرِ؛ لأنه تَجرِي المُساهَلةُ فيه، ويُعَدُّ قادرًا بيَسارِ أبيهِ، ولأنَّ المالَ لا ثَباتَ لهُ وهو غادٍ ورائِحٌ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: اليَسارُ المُعتبَرُ ما يَقدرُ به على الإنفاقِ عليها حَسبَ ما يَجبُ لها ويُمكِنُه أداءُ مَهرِها، وقالَ ابنُ عَقيلٍ: بحَيثِ لا تَتغيَّرُ عليها عادتُها عندَ أبيها في بَيته (٢).

وقالَ الشافِعيةُ على هذا القَولِ -وهو مُقابِلُ الأصَحِّ في المَذهبِ-: أنَّ في اعتِبارِ اليَسارِ وَجهانِ:

أحَدُهما: أنَّ المُعتبَرَ اليَسارُ بقَدرِ المَهرِ والنَّفقةِ، فإذا أيسَرَ بهما فهو كُفءٌ لصاحِبةِ الأُلوفِ.

وأصحُّهما: لا يَكفي ذلكَ، بلِ الناسُ أصنافٌ: غَنيٌّ وفَقيرٌ ومُتوسِّطٌ، وكلُّ صِنفٍ أكْفَاءٌ وإنِ اختَلفَتِ المَراتِبُ (٣).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ اليَسارَ لا يُعتبَرُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ، فالفَقيرُ كُفءٌ للغنيَّةِ؛ لأنَّ

(١) «الهداية» (١/ ٢٠٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٤)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٣٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٧، ٣٠٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٦٢)، و «اللباب» (٢/ ٣٣).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٩)، و «الكافي» (٣/ ٣٢)، و «المبدع» (٧/ ٥٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٣، ٧٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٣، ١٥٤)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٨٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٩، ٥٧٠).
(٣) «النجم الوهاج» (٧/ ١٢٩).

المالَ ظلٌّ زائِلٌ وحالٌ حائِلٌ ومالٌ مائِلٌ يَروحُ ويَغدُو، ولا يَفتخرُ بهِ ذَوُو المُروءاتِ، وإنَّما يَفتخِرُ بهِ أربابُ الرُّعُوناتِ، ولهذا قالَ الشَّاعرُ:

غَنَيْنَا زمانًا بالتَّصَعلُكِ والغِنى … وكُلًّا سَقاناهُ بكاسَيْهِما الدَّهْرُ

فما زادَنا بَغْيًا على ذِي قَرابةٍ … غِنَانا ولا أَزْرَى بأَحْسابِنا الفَقرُ

ولأنَّ الفَقرَ شَرَفٌ في الدِّينِ، وقد قالَ النبيُّ : «اللهُمَّ أَحيِني مِسكِينًا وأَمتنِي مسكِينًا واحشُرني في زُمرةِ المَساكينِ يَومَ القِيامةِ» (١).

وعن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِديِّ رضي الله عنه أنه قالَ: مَرَّ رَجلٌ على رَسولِ اللهِ فقالَ لرَجلٍ عندَه جالِسٍ: ما رأيُكَ في هذا؟ فقالَ: رَجلٌ مِنْ أشرافِ الناسِ، هذا واللهِ حَرِيٌّ إنْ خطَبَ أنْ يُنكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ، قالَ: فسكَتَ رَسولُ اللهِ ، ثُمَّ مَرَّ رَجلٌ فقالَ لهُ رسولُ اللهِ : ما رَأيُكَ في هذا؟ فقالَ: يا رسولَ اللهِ هذا رَجلٌ مِنْ فقَراءِ المسلمِينَ، هذا حَرِيٌّ إنْ خطَبَ أنْ لا يُنكَحَ، وإنْ شفَعَ أنْ لا يُشفَّعَ، وإنْ قالَ أنْ لا يُسمَعَ لقَولِه، فقالَ رَسولُ اللهِ : «هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرضِ مِثلَ هذا» (٢)، وليسَ هو أمرًا لازِمًا، فأشبَهَ العافيةَ مِنْ المَرضِ (٣).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (٢٣٥٢)، وابن ماجه (٤١٢٦).
(٢) رواه البخاري (٦٠٨٢).
(٣) «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ١٥٩)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٢، ١٣)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٠٦، ٣٠٧) رقم (١١٤٣)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٢٦)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٠٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٠٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧١٩)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٢٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٧٩)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٦١)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٣٠٠)، و «الديباج» (٣/ ٢٢٨)، و «المغني» (٧/ ٢٩)، و «الكافي» (٣/ ٣٢)، و «المبدع» (٧/ ٥٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٣، ٧٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٣، ١٥٤)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٨٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٩، ٥٧٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في الطلاق على مال

وَالْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ فَكَانَ إسْقَاطًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الْحُقُوقَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْعَقْدِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ كَالْمُتَخَاصَمِينَ فِي الدُّيُونِ إذَا اصْطَلَحَا عَلَى مَالٍ سَقَطَ بِالصُّلْحِ جَمِيعُ مَا تَنَازَعَا كَذَا بِالْمُبَارَأَةِ،، وَالْخُلْعُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْخَلْعِ، وَهُوَ النَّزْعُ، وَالنَّزْعُ إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ الشَّيْءِ فَمَعْنَى قَوْلِنَا خَلَعَهَا أَيْ: أَخْرَجَهَا مِنْ النِّكَاحِ وَذَلِكَ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ سَائِرِ الْأَحْكَامِ بِالنِّكَاحِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِسُقُوطِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ مَعْنَى الْبَرَاءَةِ فَكَانَ الْخُلْعُ فِي مَعْنَى الْبَرَاءَةِ.

، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 127 - 130

ارجع إلى الكفاءة المعتبرة في النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله