خصال الكفاءة

الإسلام > النكاح والأسرة > الكفاءة المعتبرة في النكاح > خصال الكفاءة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

خصال الكفاءة - الأقوال والأدلة

فلو زوَّجَ الأبُ ابنتَهُ بغَيرِ كُفؤٍ برِضاها فللإخوَةِ الفَسخُ نَصًّا؛ لأنَّ العارَ في تزويجِ مَنْ ليسَ بكُفءٍ عليهم جَميعًا.

ولو زالَتِ الكَفاءةُ بعدَ العَقدِ فللزَّوجةِ الفَسخُ فقَطْ دونَ أوليائِها كعِتقِها تَحتَ عَبدٍ، ولأنَّ حَقَّ الأولياءِ في ابتِداءِ العَقدِ لا في استِدامتِه (١).

خِصالُ الكَفاءةِ:

خِصالُ الكَفاءةِ: هيَ الصِّفاتُ التي تُعتبَرُ في الزَّوجِ حتَّى يَكونَ كُفئًا، وهيَ: الدِّينُ والنَّسَبُ (الحَسَبُ) والحُريةُ والحِرفةُ (الصَّنعةُ) والمالُ والسَّلامةُ مِنْ العُيوبِ المُوجِبةِ للخِيارِ، وهذهِ الخِصالُ بعضُها مُتفَقٌ عليهِ عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ وبعضُها مُختلَفٌ فيهِ.

١ - الدِّينُ: والمُرادُ بالدِّينِ التَّديُّنُ، أي: كَونُه ذا دِيانةٍ غيرَ فاسِقٍ، لا بمَعنى الدِّينِ أي الإسلامِ؛ لأنه ليسَ لها ولا للوليِّ تَركُه وتأخذُ كافرًا، فلا يَكونُ الفاجِرُ والفاسِقُ كُفؤًا لعَفيفةٍ عَدلٍ؛ لأنه مَردودُ الشَّهادةِ والرِّوايةِ، وذلكَ نَقصٌ في إنسانيَّتِه، فليسَ كُفئًا لعَدلٍ، قالَ تَعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)[السجدة: ١٨].

وقالَ النبيُّ : «إذا جاءَكُمْ مَنْ تَرضَونَ دِينَه وخُلُقَه فأَنكِحُوه، إلَّا تفعَلُوا تكُنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفَسادٌ، قالُوا: يا رَسولَ اللهِ وإنْ كانَ فيهِ؟ قالَ: إذا جاءَكُم مَنْ تَرضَونَ دِينَه وخُلُقَه فأَنكِحُوه، ثلاثَ

(١) «كشاف القناع» (٥/ ٧٢، ٧٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٨٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٧).

مرَّاتٍ» (١)، ولأنَّ الفاسِقَ مَرذُولٌ مَردودُ الشَّهادةِ والرِّوايةِ غيرُ مأمُونٍ على النَّفسِ والمالِ مَسلوبُ الوِلايةِ ناقصٌ عندَ اللهِ وعندَ خَلقِه قَليلُ الحَظِّ في الدُّنيا والآخِرةِ، فلا يَجوزُ أنْ يكونَ كُفؤًا لعَفيفةٍ ولا مُساوِيًا لها، لكنْ يكونُ كُفؤًا لمِثلِه.

فلو زوَّجَ الوَليُّ المَرأةَ الصَّالحةَ مِنْ فاسِقٍ أو فاجِرٍ بغيرِ رِضاها جازَ لها فَسخُ النكاحِ، وكذا إذا كانَتْ مِنْ بَناتِ الصالِحينَ وزوَّجَتْ نفْسَها مِنْ فاسِقٍ كانَ لأوليائِها حَقُّ الاعتِراضِ؛ لأنَّ التَّفاخُرَ بالدِّينِ أحَقُّ مِنْ التفاخُرِ بالنَّسبِ والحُريةِ والمالِ، والتَّعييرُ بالفِسقِ أشَدُّ وُجوهِ التَّعييرِ، وقَولُ النبيِّ : «تُنكَحُ المَرأةُ لأربَعٍ: لمالِها ولحَسَبِها وجَمالِها ولدِينِها، فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَداكَ» (٢) إشارةٌ إلى أنه أبلَغُ في المَقصودِ، وهذا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في المَذهبِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ.

وقالَ مُحمدُ بنُ الحسَنِ: لا تُعتبَرُ الكَفاءةُ في الدِّينِ؛ لأنها مِنْ أمورِ الآخِرةِ، والكَفاءةُ مِنْ أحكامِ الدُّنيا، فلا يَقدَحُ فيها الفِسقُ، إلا إذا كانَ شَيئًا فاحِشًا، بأنْ كانَ الفاسِقُ مِمَّنْ يُسخَرُ منهُ ويُضحَكُ عليهِ ويُصفَعُ، فإنْ كانَ ممَّن يُهابُ منه بأنْ كانَ أميرًا قتَّالًا يَكونُ كُفئًا؛ لأنَّ هذا الفِسقَ لا يُعَدُّ شَينًا في العادةِ، فلا يَقدحُ في الكَفاءةِ، وعن أبي يُوسفَ أنَّ الفاسقَ إذا كانَ مُعلِنًا لا يَكونُ كُفئًا، وإنْ كانَ مُستتِرًا يكونُ كُفئًا (٣).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (١٠٨٥).
(٢) رواه البخاري (٤٨٠٢)، ومسلم (١٤٦٦).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٤)، و «العناية» (٤/ ٤٤٩)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٦٢)، و «اللباب» (٢/ ٣٣)، و «تفسير القرطبي» (١٦/ ٣٤٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٠٦، ٣٠٧) رقم (١١٤٣)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٢٦)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٠٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٠٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٩٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧١٨)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٥٨١)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٢٦، ١٢٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٧٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٥٦)، و «الديباج» (٣/ ٢٢٦)، و «الإفصاح» (٢/ ١٣٤، ١٣٥)، و «المغني» (٧/ ٢٧، ٢٨)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٣٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٩)، و «فتح الباري» (٩/ ١٣٢).

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: اتَّفقَ الفُقهاءُ على اعتِبارِ الكَفاءةِ في الدِّينِ، وعلى ثُبوتِ الفَسخِ بفَواتِ هذهِ الكَفاءةِ، واختَلفُوا في صحَّةِ النكاحِ بدُونِ ذلكَ، وهُما قَولانِ مَشهورانِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، فإنَّ مَنْ نكَحَ زانِيةً معَ أنها تَزنِي فقدْ رَضيَ بأنْ يَشتَرِكَ هو وغيرُه فيها، ورَضيَ لنَفسِه بالقِيادةِ والدِّياثةِ، ومَن نكَحَتْ زانٍ وهو يزنِي بغيرِها فهو لا يَصونُ ماءَهُ حتَّى يَضعَهُ فيها، بَلْ يَرميهِ فيها وفي غيرِها مِنْ البغايَا، فهي بمَنزلةِ الزَّانيةِ المتَّخِذةِ خِدْنًا، فإنَّ مَقصودَ النكاحِ حِفظُ الماءِ في المَرأةِ وهذا الرَّجلُ لا يَحفظُ ماءَه، واللهُ سُبحانَه شرَطَ في الرِّجالِ أنْ يَكونُوا مُحصِنينَ غيرَ مُسافِحِينَ فقالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا المَعنى ممَّا لا يَنبغِي إغفالُه، فإنَّ القُرآنَ

قدْ نصَّهُ وبيَّنَه بيانًا مَفروضًا، كما قالَ تعالَى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] (١).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: فالَّذي يَقتضيهِ حُكمُه اعتِبارُ الدِّينِ في الكَفاءةِ أصلًا وكَمالًا، فلا تُزوَّجُ مُسلِمةٌ بكافرٍ، ولا عَفيفةٌ بفاجِرٍ، ولم يَعتبِرِ القُرآنُ والسُّنةُ في الكَفاءةِ أمرًا وراءَ ذلكَ، فإنه حرَّمَ على المُسلمةِ نِكاحَ الزَّاني الخَبيثِ، ولَم يَعتبِرْ نَسبًا ولا صِناعةً ولا غِنًى ولا حُريةً، فجوَّزَ للعَبدِ القِنِّ نكاحَ الحرَّةِ النَّسيبةِ الغَنيَّةِ إذا كانَ عَفيفًا مُسلمًا، وجوَّزَ لغيرِ القُرشيِّينَ نكاحَ القُرشيَّاتِ، ولغيرِ الهاشِميِّينَ نكاحَ الهاشميَّاتِ، وللفُقراءِ نكاحَ المُوسِراتِ (٢).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: فأمَّا الكَفاءةُ فإنهمُ اتَّفقُوا على أنَّ الدِّينَ مُعتبَرٌ في ذلكَ، إلَّا ما رُويَ عن مُحمدِ بنِ الحَسنِ مِنْ إسقاطِ اعتِبارِ الدِّينِ، ولم يَختلفِ المَذهبُ أنَّ البِكرَ إذا زوَّجَها الأبُ مِنْ شارِبِ الخَمرِ وبالجُملةِ مِنْ فاسِقٍ أنَّ لها أنْ تَمنعَ نفْسَها مِنْ النِّكاحِ، ويَنظرُ الحاكمُ في ذلكَ فيُفرِّقُ بيْنَهما، وكذلكَ إنْ زوَّجَها مِمَّنْ مالُه حَرامٌ أو ممَّن هو كَثيرُ الحلِفِ بالطَّلاقِ (٣).

(١) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٣١٧).
(٢) «زاد المعاد» (٥/ ١٥٩، ١٦٠).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ١٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الكفاءة في الدين

عَنْهُ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا يُوسُفَ عَنْ الْكُفْءِ، فَقَالَ: الَّذِي يَمْلِكُ الْمَهْرَ، وَالنَّفَقَةَ، فَقُلْت، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الْمَهْرَ دُونَ النَّفَقَةِ، فَقَالَ: لَا يَكُونُ كُفْئًا، فَقُلْتُ، فَإِنْ مَلَكَ النَّفَقَةَ دُونَ الْمَهْرِ، فَقَالَ: يَكُونُ كُفْئًا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ يُعَدُّ قَادِرًا عَلَى الْمَهْرِ بِقُدْرَةِ أَبِيهِ عَادَةً، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى وَلَدِ الْغَنِيِّ إذَا كَانَ صَغِيرًا، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِمَالِ أَبِيهِ، وَلَا يُعَدُّ قَادِرًا عَلَى النَّفَقَةِ بِغِنَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَتَحَمَّلُ الْمَهْرَ الَّذِي عَلَى ابْنِهِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ عَادَةً.

وَقَالَ: بَعْضُهُمْ إذَا كَانَ الرَّجُلُ ذَا جَاهٍ كَالسُّلْطَانِ وَالْعَالِمِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كُفْئًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَالِ إلَّا قَدْرَ النَّفَقَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَهْرَ تَجْرِي فِيهِ الْمُسَامَحَةُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى وَقْتِ الْيَسَارِ، وَالْمَالُ يَغْدُو، وَيَرُوحُ، وَحَاجَةُ الْمَعِيشَةِ تَنْدَفِعُ بِالنَّفَقَةِ.

فَصْلٌ الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ

(فَصْلٌ) :

وَمِنْهَا الدِّينُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ حَتَّى لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ فَاسِقٍ كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الِاعْتِرَاضِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّفَاخُرَ بِالدِّينِ أَحَقُّ مِنْ التَّفَاخُرِ بِالنَّسَبِ، وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمَالِ، وَالتَّعْيِيرُ بِالْفِسْقِ أَشَدُّ وُجُوهِ التَّعْيِيرِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 112 - 115

ارجع إلى الكفاءة المعتبرة في النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر