هل الكفاءة شرط في صحة النكاح؟ أم في لزومه؟ أم ليست شرطا أصلا؟

الإسلام > النكاح والأسرة > الكفاءة المعتبرة في النكاح > هل الكفاءة شرط في صحة النكاح؟ أم في لزومه؟ أم ليست شرطا أصلا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

هل الكفاءة شرط في صحة النكاح؟ أم في لزومه؟ أم ليست شرطا أصلا؟ - الأقوال والأدلة

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنه لا يَجوزُ تَزويجُها مِنْ غيرِ كُفءٍ بغيرِ رِضاها، إلا رِوايةً عَنْ أبي حَنيفةَ كما تَقدَّمَ؛ لأنهُ إضرارٌ بها وإدخالٌ للعارِ عليها، فإنْ زوَّجَها مِنْ غيرِ كُفءٍ ثبَتَ لها الخِيارُ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ؛ لِمَا رُوي عَنْ عائِشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: «جاءَتْ فَتاةٌ إلى رَسولِ اللهِ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ أبِي زوَّجَني ابنَ أخيهِ يَرفعُ بي خَسيستَهُ، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالَتْ: فإني قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبِي، ولكنْ أرَدتُ أنْ تَعلمَ النِّساءُ أنْ ليسَ للآباءِ مِنْ الأمرِ شيءٌ» (١).

وفي البُخارِيِّ: «عنِ الخَنساءِ بِنتِ خِذامٍ الأنصارِيةَ أنَّ أباها زوَّجَها وهيَ ثيِّبٌ فكَرهَتْ ذلكَ، فأتَتْ رسولَ اللهِ فرَدَّ نِكاحَه» (٢).

هَلِ الكَفاءةُ شرطٌ في صحَّةِ النكاحِ؟ أم في لُزومِهِ؟ أم ليستْ شرطًا أًصلاً؟

اختَلفَ الفُقهاءِ في الكَفاءةِ في النكاحِ، هل هي شَرطٌ في صحَّةِ النكاحِ فلا يَصحُّ النكاحُ إلا إذا حَصلَتِ الكَفاءةُ بينَ الزَّوجَينِ؟ أم شَرطٌ في لُزومِه فيَجوزُ للمَرأةِ أو لأوليائِها أنْ يَتنازَلُوا عنها؟ أم ليسَتْ شَرطًا أصلًا ولا يَثبتُ فيها خِيارٌ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الكَفاءةَ في النكاحِ ليسَتْ شَرطًا في صحَّةِ النكاحِ، بلْ شَرطٌ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٣٢٦٩)، والإمام أحمد (٢٥٠٤٣)، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» (١٣٥٩)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٦٢٣٠).
(٢) رواه البخاري (٤٨٤٥).

في لزُومِه، فإذا اتَّفقَتِ المَرأةُ وأولياؤُها على تَركِ الكَفاءةِ وزُوِّجتْ بمَن يَقصُرُ عنها في الكَفاءةِ جازَ النكاحُ؛ لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقالَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقالَ تعالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].

وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، وقد قالَ تَعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].

وقالَ : «يا أيُّها النَّاسُ، أَلَا إنَّ ربَّكُم واحِدٌ وإنَّ أباكُم واحِدٌ، أَلَا لا فَضْلَ لعَربيٍّ على أعجَميٍّ ولا لعَجميٍّ على عَربيٍّ ولا لأحمَرَ على أسوَدَ ولا أسوَدَ على أحمَرَ إلَّا بالتَّقوى» (١).

وقالَ : «ألَا إنَّ آلَ أبِي فُلانٍ لَيسُوا لي بأولياءَ، إنَّما وَليِّيَ اللهُ وصالِحُ المُؤمنِينَ» (٢).

وقالَ النبيُّ : «إذا جاءَكُم مَنْ تَرضَونَ دِينَه وخُلُقَه فأَنكِحُوهُ، إلَّا تَفعلُوا تَكنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفَسادٌ، قالوا: يا رسولَ اللهِ وإنْ كانَ فيهِ؟ قالَ: إذا جاءَكُم مَنْ تَرضَونَ دِينَهُ وخُلُقَه فأَنكِحُوهُ، ثلاثَ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢٣٥٣٦).
(٢) رواه مسلم (٢١٥).

مرَّاتٍ» (١)، ولمْ يَخُصَّ عَربيًّا مِنْ مَولًى، وحَملُه على العُمومِ أَولى.

وفي البُخاريِّ عن عائِشةَ زَوجِ النبيِّ وأمِّ سَلمةَ: «أنَّ أبا حُذيفَةَ بنَ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ بنِ عبدِ شَمسٍ كانَ تَبنَّى سالِمًا وأنكَحَه ابنةَ أخيهِ هِندَ بنتَ الوَليدِ بنِ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ وهو مَولًى لِامرأةٍ مِنْ الأنصارِ» (٢)، فلمْ يُنكرْ ذلكَ عليهِ ولَم يَعِبْه أحَدٌ مِنْ أهلِ ذلكِ الزَّمانِ.

وقدْ أمَرَ النبيُّ فاطمةَ بنتَ قَيسٍ -وكانتْ قُرشِيةً- أنْ تَنْكِحَ أُسامةَ بنَ زَيدٍ -وكانَ مِنْ المَوالي- فنكَحَها بأمرِه، فقالَ : «انْكِحِي أُسامةَ، فنكَحتُه فجعَلَ اللهُ فيهِ خَيرًا واغتَبطْتُ بهِ» (٣).

وزوَّجَ أباهُ زَيدَ بنَ حارِثةَ -وكانَ مِنْ المَوالي- ابنَةَ عمَّتهِ زينبَ بنتَ جَحشٍ مِنْ بَني أسَدِ بنِ خُزيمةَ -وأمُّها عمَّةُ رسولِ اللهِ زُوِّجتْ مِنْ زَيدِ بنِ حارِثةَ -وكانَ مِنْ المَوالي- حتَّى طلَّقَها وتزَوَّجَ بها رسولُ اللهِ .

وكانَتْ ضُباعةُ بنتُ الزُّبيرِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ امرأةَ المِقدادِ بنِ الأسوَدِ وكانَ حَليفًا لقُريشٍ.

وكانَتْ أختُ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ تحتَ بلالٍ.

وعن أبي سَلمةَ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ أبا هنْدٍ حَجَمَ النبيَّ

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (١٠٨٥).
(٢) رواه البخاري (٤٨٠٠)، وأبو داود (٢٠٦١)، والنسائي (٣٢٢٣).
(٣) رواه مسلم (١٤٨٠).

في اليافوخِ، فقالَ النبيُّ : «يا بَني بَياضةَ أَنكِحُوا أبا هِندٍ وأَنكِحُوا إليهِ» (١).

وقالَ ابنُ مَسعودٍ لأُختِه: «أَنشُدُكِ اللهَ ألَّا تَنكحِي إلَّا مُسلِمًا وإنْ كانَ أحمَرَ رُوميًّا أو أسوَدَ حَبشيًّا» (٢).

وفي كلِّ ذلكَ دَلالةً على أنَّ نِكاحَ غيرِ الكُفءِ ليسَ بمُحرَّمٍ إذا رَضيَ به الوَليُّ والمرأةُ وكَانتْ رَشيدةً.

ولأنَّ المَنعَ مِنْ الكَفاءةِ لإلحاقِ العارِ، وذلك حَقٌّ لها وللأولياءِ لا يَتعلَّقُ به حَقٌّ للهِ تعالى، فإذا اتَّفقَا على إسقاطِه جازَ، كالنُّقصانِ مِنْ مَهرِ المِثلِ وكالسَّلامةِ مِنْ العُيوبِ (٣).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٠٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٦٧).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٨٢)، وفي إسنادهِ إبراهيمُ التَّيميُّ، إنَّما وُلدَ بعدَ وفاةِ ابنِ مسعودٍ بسنَةٍ أو نَحوِ ذلكَ فهوَ منقطِعٌ.
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «التمهيد» (١٩/ ١٦٢، ١٦٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٠٥، ٣٠٦) رقم (١١٤٢)، و «تفسير القرطبي» (١٦/ ٣٤٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٩٨)، و «البيان» (٩/ ١٩٥، ١٩٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٢٠)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١١٦، ١١٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٧٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٤٤، ٦٤٥)، و «الديباج» (٣/ ٢٢٠)، و «المغني» (٧/ ٢٦، ٢٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «الإنصاف» (٨/ ١٠٥، ١٠٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٢، ٧٣)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٨٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٦، ٥٦٧).

وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ -وهي المَذهبُ عندَ أكثَرِ المُتقدِّمينَ- إلى أنَّ الكَفاءةَ شَرطٌ في صحَّةِ النِّكاحِ، فلو رَضيَتِ امرأةٌ معَ أوليائِها بتَزويجِ غَيرِ كُفؤٍ لم يَصحَّ النكاحُ؛ لفَواتِ شَرطِه، فإذا تزوَّجَ المُولى العربيَّةَ فُرِّقَ بيْنَهما؛ لأنَّ منْعَها مِنْ تَزويجِ نفسِها لئلَّا تضَعَها في غيرِ كُفءٍ، فبطَلَ العَقدُ؛ لتَوهُّمِ العارِ، فهاهُنا أَولى، ولِما فيهِ مِنْ حقِّ اللهِ تعالى.

ولِمَا رَوى جَابرٌ مَرفوعًا: «لا تُنكِحُوا النِّساءَ إلَّا الأكْفَاءَ، ولا يُزوِّجُهنَّ إلَّا الأولياءُ، ولا مهْرَ دونَ عَشرةِ دَراهمَ» (١).

ولِمَا رَواهُ أبو إسحاقَ الهمْدانِيُّ عن أبي لَيلى الكِنديِّ قالَ: خرَجَ سَلمانُ رضي الله عنه في ثلاثةَ عشَرَ رَجلًا مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ في سفَرٍ، فلمَّا حَضرتِ الصَّلاةُ قالوا: تَقدَّمْ يا أبا عبدِ اللهِ فأنتَ أعلَمُنا وأسَنُّنا، فقالَ: إنَّ اللهَ ﷿ قدْ فضَّلَكم علينا يا مَعشرَ العَربِ، تَأمُّونا ولا نَأمُّكُم، وتَنكِحُونَ نِساءَنا ولا نَنكِحُ نِساءَكمْ، فتَقدَّمَ رَجلٌ مِنْ القومِ فصلَّى بهم أربعًا، فلمَّا انصَرفَ قالَ لهُ سلمانُ: صَلَّيتَ أربعًا، كُنَّا إلى الرُّخصةِ أحوَجَ» (٢).

وقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: «لَأمنَعَنَّ تزوُّجَ ذاتِ الأحْسابِ إلَّا مِنْ الأكْفَاءِ» (٣)،

(١) حَدِيثٌ مَوضُوع: رواه الدارقطني (٣٦٠١)، وقالَ: فيهِ مبشرُ بنُ عبيدٍ مَتروكُ الحديثِ أحاديثُه لا يُتابعُ عَليها.
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠٣٢٩)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٥٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥٢٢٤).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٣٧٨٥).

ولأنَّ النكاحَ مَقصودُه حُسنُ الأُلفَةِ، فإذا كانتِ المرأةُ أعلى مَنصِبًا اشتَغلَتْ عنِ الرَّجلِ، فلا يَتمُّ بهِ المَقصودُ (١).

وذهَبَ الكَرخيُّ مِنْ الحَنفيةِ وحَكاهُ الكاسانِيُّ عن سُفيانَ الثَّوريِّ والحسَنِ البَصريِّ إلى أنَّ الكَفاءةَ ليسَتْ بشَرطٍ أصلًا، واحتَجُّوا بما رُوي أنَّ أبا طَيبةَ خطَبَ إلى بَني بَياضةَ فأبَوا أنْ يُزوِّجوهُ، فقالَ رَسولُ اللهِ : «يا بَني بَياضَة أَنكِحُوا أبَا هِندٍ وأَنكِحُوا إليه» (٢).

ورُويَ أنَّ بِلالًا رضي الله عنه خطَبَ إلى قَومٍ مِنَ الأنصارِ فأبَوا أنْ يُزوِّجُوه، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ : «قُلْ لهم: إنَّ رسولَ اللهِ يأمُرُكم أنْ تُزوِّجوني» (٣)، أمَرَهم رسولُ اللهِ بالتَّزويجِ عندَ عدمِ الكَفاءةِ، ولو كانَتْ مُعتبَرةً لَمَا أمَرَ؛ لأنَّ التَّزويجَ مِنْ غيرِ كُفءٍ غيرُ مأمورٍ به، وقالَ : «لا فَضْلَ لعَربيٍّ على أعجَمِيٍّ ولا لعَجمِيٍّ على عَربيٍّ ولا لأحمَرَ على أسوَدَ ولا أسوَدَ على أحمَرَ إلا بالتَّقوى» (٤)، وهذا نَصٌّ، ولأنَّ الكَفاءةَ لو كانَتْ مُعتبَرةً في الشَّرعِ لَكانَ أَولى الأبوابِ بالاعتبارِ بها

(١) «المغني» (٧/ ٢٦، ٢٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «الإنصاف» (٨/ ١٠٥، ١٠٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٢، ٧٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٠، ١٥١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٨٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٦، ٥٦٧)، و «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٨).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٠٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٦٧).
(٣) لم أجده.
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢٣٥٣٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل شرط كفاءة الزوج في إنكاح المرأة الحرة

بِانْدِفَاعِ مَا كَانَ ثَابِتًا، فَيَنْدَفِعُ الثَّابِتُ ضَرُورَةَ دَفْعِ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا يُمْكِنُ إذْ لَيْسَ بَعْضُ الْمِلْكِ تَابِعًا لِبَعْضٍ، فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَنَظِيرُ الْفَصْلَيْنِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَثْبُتُ بِدُونِ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَالثَّانِي لَا يَثْبُتُ عِنْدَ عَدَمِ التَّرَاضِي مِنْهُمَا إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

وَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ ابْنَ أَخِيهِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَدَرَ عَنْ الْأَبِ.

وَأَمَّا ابْنُ الْأَخِ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ لِصُدُورِ النِّكَاحِ عَنْ الْعَمِّ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا خِيَارَ لَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ.

وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ زَوَّجَهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَلَهَا خِيَارُ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْوَلَاءِ دُونَ وِلَايَةِ الْقَرَابَةِ، فَلَمَّا ثَبَتَ الْخِيَارُ ثَمَّةَ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ هَهُنَا أَوْلَى، وَلَوْ زَوَّجَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَلَهَا إذَا بَلَغَتْ خِيَارُ الْعِتْقِ لَا خِيَارَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَادَفَهَا، وَهِيَ رَقِيقَةٌ.

فَصْلٌ شَرْطُ كَفَاءَةِ الزَّوْجِ فِي إنْكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَمِنْهَا كَفَاءَةُ الزَّوْجِ فِي إنْكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي هَذَا الشَّرْطِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: .

أَحَدِهَا: فِي بَيَانِ أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي بَابِ النِّكَاحِ هَلْ هِيَ شَرْطُ لُزُومِ النِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ؟ أَمْ لَا؟ .

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح

الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح

ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.

الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟

الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.

وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٤٠ - مسألة؛ قال: (ومن خطب امرأة، فزوج بغيرها، لم ينعقد النكاح)

غيرِها، وهو يَعْتَقِدُ أنَّها التى خَطَبَها، فيَقْبَلُ، فلا يَنْعَقِدُ النِّكاحُ؛ لأنَّ القَبُولَ انْصَرفَ إلى غيرِ مَنْ وُجِدَ الإِيجابُ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو ساوَمَه بثَوْبٍ وأوْجَبَ العَقْدَ فى غيرِه بغيرِ عِلْمِ المُشْتَرِى. فلو عَلِمَ الحالَ بعدَ ذلك، فرَضِىَ، لم يَصِحَّ. قال أحمدُ، فى رَجُلٍ خَطَبَ جارِيةً، فزَوَّجُوه أُخْتَها، ثم عَلِمَ بعدُ: يُفَرَّقُ بينهما، ويكونُ الصَّداقُ على وَلِيِّها؛ لأنَّه غَرَّه، ويُجَهِّزُ إليه أُخْتَها التى خَطَبَها بالصَّداقِ الأوَّلِ، فإن كانت تلك قد وَلَدَتْ منه، يَلْحَقُ به الوَلَدُ. وقولُه: يُجَهِّزُ إليه أخْتَها. يعنى -واللَّهُ أعلم- بعَقْدٍ جديدٍ، بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ هذه إن كان أصَابَها؛ لأنَّ العَقْدَ الذى عَقَدَه لم يَصِحَّ فى واحدةٍ منهما؛ لأنَّ الإيجابَ صَدَرَ فى إحْداهما، والقبولَ فى الأُخْرَى ، فلم يَنْعَقِدْ فى هذه ولا فى تلك. فإن اتّفَقُوا على تجديدِ عَقْدٍ فى إحداهما أيَّتِهما كان، جازَ. وقال أحمدُ، فى رجلٍ تزَوَّجَ امرأةً، فأُدْخِلَتْ عليه أخْتُها: لها المَهْرُ بما أصابَ منها، ولأُخْتِها المَهْرُ. قيل: يَلْزَمُه مَهْران؟ قال: نعم، ويَرْجِعُ على وَلِيِّها، هذه مثل التى بها بَرَصٌ أو جُذَامٌ، علىٌّ يقول: ليس عليه غُرْمٌ. وهذا ينبغِى أن يكونَ فى امرأةٍ جاهلةٍ بالحالِ أو بالتَّحْرِيمِ، أمَّا إذا عَلِمَتْ أنَّها ليست زَوْجةً، وأنَّها مُحَرَّمةٌ عليه، وأمْكَنَتْه من نَفْسِها، فلا ينْبَغِى أن يَجِبَ لها صداقٌ؛ لأنَّها زانِيةٌ مُطاوِعَةٌ . فأمَّا إن جَهِلَتِ الحالَ، فلها المَهْرُ، ويَرْجِعُ به على مَنْ غَرَّه. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى رَجُلَيْنِ تزَوَّجا امْرأتينِ، فزُفَّتْ كلُّ امرأةٍ إلى زَوْجِ الأُخْرَى: لهما الصَّداقُ، ويعْتَزِلُ كلُّ واحدٍ منهما امْرأتَه حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها . وبه قال النَّخَعِىُّ،…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 99 - 104

ارجع إلى الكفاءة المعتبرة في النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله